1

طوفان الأقصى: ما بعده ليس كما قبله

هاني المصري

مبادرة حركة حماس والمقاومة بشن هجوم “طوفان الأقصى” أذهلت وأربكت الحكومة والجيش والأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وكان يوم 7 أكتوبر، كما يقول ناحوم برنياع، الصحافي الإسرائيلي الشهير، “أسوأ يوم في تاريخ الحروب العسكرية التي خاضتها إسرائيل”، وهدفت “حماس” منها، كما كتب بن كسبيت، إلى الحصول على صورة نصر وعادت بألبوم كامل.

وحتى ندرك أبعاد ما حدث وأسباب الهزيمة المخزية، علينا معرفة التأثير الكبير للأزمة الداخلية العميقة التي تعيشها إسرائيل في ظل الحكومة الإسرائيلية الأكثر تطرفًا، ومساعيها إلى تغيير إسرائيل لتصبح دولة ديكتاتورية حتى بالنسبة إلى اليهود، وعلينا معرفة ما كتبه قادة وخبراء وصحافيون إسرائيليون بأنه فشل سياسي واستخباري وعسكري هائل، يدل على هشاشة لم يكن يتصور وجودها في واحد من أقوى وأفضل الجيوش في العالم، ويدل على غطرسة القوة، ويعكس استهتارًا كاملًا وصل إلى درجة العمى الكامل، إلى حد عدم التوقف عند المناورات العسكرية التي أجرتها كتائب القسام وحاكت ما حصل لاحقًا قبل فترة وجيزة من طوفان الأقصى.

كما يدل على كفاءة المقاتل الفلسطيني وشجاعته وتقدمه، وعلى قدرة قيادية بيّنت قدرات على التخطيط والقيادة، والسيطرة والتحكم،  والتموية والتشويش، وكذلك على الخداع الإستراتيجي والاستخباري.

وحينما نقارن طوفان الأقصى بما حدث من معارك وجولات عسكرية وعمليات مقاومة منذ العام 2005 وحتى الآن، يظهر أن إسرائيل خسرت خلال 18 عامًا نحو 400 قتيل، بينما سقط في يوم 7 أكتوبر فقط باعتراف المصادر الإسرائيلية حتى كتابة هذه السطور أكثر من 700 قتيل، وسط تقديرات بأن العدد سيصل إلى 1500 قتيل، والحبل على الجرار؛ حيث يتم الاعتراف بالقتلى بالتقسيط لتجنب إحداث صدمة مروعة للإسرائيليين الذين يعيشون في ذهول وإحباط ومأتم جماعي، مع أكثر من 2000 جريح، المئات منهم حالتهم خطرة، ووقع في الأسر ما بين 100-150 أسيرًا وأسيرة من ضمنهم مجندات وجنود وضباط وقادة، ولا يزال المئات مفقودين.

ومن أجل المقارنة، يُشار إلى سقوط 650 قتيلًا إسرائيليًا في حرب حزيران 1967 التي خاضتها ثلاثة بلدان عربية، والعدد نفسه في الغزو الإسرائيلي للبنان في العام 1982، وأكثر من 1000 قتيل في عمليات تحرير الجنوب اللبناني خلال 18 عامًا. أما في انتفاضة الأقصى، فسقط خلال أربعة أعوام نحو 1100 قتيل إسرائيلي.

سقوطٌ مدوٍ لنظرية الردع الإسرائيلية

حجم الخسائر الهائل في يوم واحد ليس له مثيل، وأدى إلى سقوط نظرية الردع الإسرائيلية سقوطًا مدويًا، فهي قامت أولًا، على الاحتفاظ بزمام المبادرة بالحرب والعدوان، بينما من بادر هذه المرة كتائب المقاومة. وثانيًا، حصر المعركة في الجبهة الداخلية للعدو، بينما كان ميدان المعركة الرئيسي خلال انطلاق طوفان الأقصى في الجبهة الداخلية الإسرائيلية. وثالثًا، التحكم في نهاية الحرب، وهذا لم نصل إليه، فالحرب ما زالت في بداياتها. ورابعًا، حسم الحرب بأسرع وقت ممكن؛ لأن الحرب الطويلة تلحق أضرارًا جسيمة بإسرائيل واقتصادها وهيبتها. وخامسًا، تحقيق الأهداف المتوخاة من الحرب، وهذا لم ولن يتحقق بغض النظر عن مجريات الحرب ونتائجها؛ لأن ما حدث في يومها الأول، والخسائر الهائلة والإهانة التي لا توصف، سيبقى علامة شاخصة على هزيمة “الجيش الذي لا يقهر” مهما تكن نتائجها، وتجسيدًا ملهمًا لانتصار المقاومة.

لماذا طوفان الأقصى، وفي هذا التوقيت بالذات؟

السبب الأول: تولي حكومة في إسرائيل هي الأكثر تطرفًا في تاريخ إسرائيل، التي ادّعت أنها قادرة على الحسم وتحقيق ما لم تحققه الحكومات السابقة بحسم الصراع مع الفلسطينيين نهائيًا، ورفضت حتى مجرد التفاوض مع الفلسطينيين، وأبقت العلاقة مع السلطة على الرغم من تعاونها مع الاحتلال، ضمن سقف أمني اقتصادي، وتبنت برنامج الضم والتهجير والتهويد والعدوان العسكري بكل أشكاله والعنصرية بكل أشكالها، ومضت في غيها بالقتل وتدمير المنازل والاعتقالات والاغتيالات، وتغيير مكانة الأقصى عبر فرض التقسيم الزماني، والاقتراب من تحقيق التقسيم المكاني تمهيدًا لهدمه وإقامة الهيكل المزعوم بدلًا منه.

السبب الثاني: استمرار إحكام الحصار على قطاع غزة وإبقاؤه بين الموت والحياة وأكبر وأطول سجن في التاريخ، وفرض معادلة هدوء مقابل تسهيلات اقتصادية، وخرق التفاهمات الرامية إلى تخفيف الحصار باستمرار، وعدم الاعتراف بحركة حماس والتلاعب بها من خلال تخفيف الحصار بالقطّارة، وسحبها متى تشاء حكومة الاحتلال؛ ما أدى إلى تدهور وضع قطاع غزة إلى حد أنه كان على حافة الانهيار، أو التمرد ضد سلطة الأمر الواقع، أو الانفجار في وجه الكيان الاستعماري الاحتلالي العنصري، والانفجار ما حصل في النهاية.

السبب الثالث: زيادة عدد المعتقلين والأسرى بمعدلات كبيرة، وسن القوانين العنصرية وتشديد القمع والعقوبات ضدهم على يد الوزير الفاشي إيتمار بن غفير، حتى وصل عدد المعتقلين إداريًا إلى أكثر من 1200 معتقل، ويمضي الكثير منهم فترات طويلة وطويلة جدًا، في ظل مراوغة الحكومات الإسرائيلية طوال تسع سنوات (منذ العام 2014) من دون إتمام صفقة تبادل أسرى جديدة.

وحتى نعرف أهمية هذا السبب، لا بد من تذكر أن عددًا كبيرًا من القيادات الحمساوية الحالية المؤثّرة في القرار هم من الذين أفرِج عنهم في صفقة تبادل الأسرى الأخيرة، وهم تعهدوا والتزموا بتحرير الأسرى، وهذا وضعهم في وضع محرج للغاية. وكلنا استمعنا لكلمة الهيئة القيادية للأسرى التي ألقيت في ذكرى انطلاقة حركة حماس في كانون الأول 2022، التي تضمنت انتقادات كبيرة وحادة ومباشرة لقيادة “حماس” لعدم وفائها بتعهدها بإطلاق سراح الأسرى.

السبب الرابع: الأخبار حول تقدم المباحثات السعودية الإسرائيلية، برعاية أميركية، للتوصل إلى صفقة تطبيع تتجاهل القضية الفلسطينية، من خلال التعامل معها بوصفها قضية إنسانية، ولإدراك أبعاد ودلالات هذه الخطوة وما ستقود إليه من تشجيع الحكومة  الكهانية من شن هجوم أكبر وشامل من أجل إنجاح مخطط تصفية القضية الفلسطينية من كل أبعادها، وبالتأكيد سيكون من أهم أهداف هذا المخطط بعد التطبيع السعودي استهداف المقاومة في قطاع غزة وفي أي مكان؛ حيث أثبتت التجربة الماضية أن كل تطبيع عربي يؤدي إلى عدوان عسكري إسرائيلي ضد الفلسطينيين، لذا فإن ما قالته المقاومة عن معلومات لديها بوجود مخطط إسرائيلي لشن عدوان عسكري كبير على قطاع غزة فور انتهاء الاحتفالات بالأعياد لا يمكن استبعاده من ضمن الأسباب.

وحتى نفهم تأثير هذا السبب، علينا أن نضعه في سياق التنافس والصراع على قيادة العالم الجديد، الذي تزداد حدته في ظل الهجوم المعاكس الذي شنته إدارة بايدن لوقف تراجعها ولإبقاء السيطرة الأحادية الأميركية على العالم، ولعل الإعلان عن الممر الاقتصادي الهندي أمر ذو دلالة على خطورة التطبيع الجاري العمل من أجل تحقيقه، فهو يضر مشروع الحزام والطريق الصيني، ويسهّل الطريق لتصفية القضية الفلسطينية، والإضرار بروسيا وإيران وسوريا ولبنان ومصر.

السيناريوهات الممكنة

لا شك في أن طوفان الأقصى سيغيّر قواعد الصراع التي حكمت العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية طوال السنوات العشرين القادمة كليًا أو إلى حد كبير على الأقل، وسيكون له تداعيات إقليمية ودولية كبيرة، فقد استثمرت الحكومات الإسرائيلية في الانقسام الفلسطيني الذي ما زال بمنزلة الدجاجة التي تبيض ذهبًا للاحتلال، وهذا تضمن الاعتراف الواقعي باستمرار حكم “حماس” في القطاع، ضمن معادلة هدوء مقابل تسهيلات، مع الحرص على شن عدوان عسكري وراء عدوان لضرب المقاومة وبنيتها التحتية، وعدم تمكينها من تشكيل تهديد جدي للاحتلال.

إن ما جرى في طوفان الأقصى يدل دلالة قاطعة على فشل هذه السياسة، فالمقاومة راكمت قوتها، واستطاعت أن تقدم نموذجًا ملهمًا من حيث التخطيط والتدريب والتمويه وتضليل أجهزة المراقبة والرصد وتعطيلها، وهذا سيدفع الحكومة الإسرائيلية إلى انتقام رهيب بحجم الصدمة والترويع التي عاشتها إسرائيل، وأكرر النصيحة التي قدمها الدكتور وليد عبد الحي بألا تفصح المقاومة عن أعداد الأسرى، بل عن جزء منهم، وهو كفيل بتبييض السجون، وذلك لتحقيق الأهداف الأخرى، وتحسبًا لإعادة اعتقال المفرج عنهم بعد إطلاق سراحهم، كما فعلت الحكومات الإسرائيلية أكثر من مرة.

السيناريو الأول: رد إسرائيلي مدمر يقضي على المقاومة

يقوم هذا السيناريو على تنفيذ حكومة بنيامين نتنياهو تهديداتها بالقضاء على المقاومة وحكم “حماس”، والاستجابة للنصائح والدعوات والمطالبات المقدمة من جمهورها المتطرف جدًا، ومن منظري اليمين مثل دان شفتان، الذي نصح بتدمير غزة، وعدم تقييد يد الجيش الإسرائيلي جراء وجود عدد كبير من الأسرى في يد كتائب القسام وسرايا القدس، وإلا سيتكرر ما حدث فلسطينيًا وعربيًا. ويمكن أن يصل هذا السيناريو إلى حد إعادة احتلال قطاع غزة.

هذا السيناريو ممكن، ولكن هناك أسباب عدة تحدّ من إمكانية حصوله، وهي:

أولًا: إن تحقيق الأهداف الموضوعة يستدعي معركة برية طويلة، وإعادة احتلال القطاع، حتى لو حدث ذلك لن يقضي على المقاومة، والدليل أن قوات الاحتلال لم تنجح في القضاء على المقاومة في مخيم جنين على الرغم من الاعتداءات المتكررة، فكيف ستقضي عليها في قطاع غزة الذي يشهد شبكة هائلة من الأنفاق وعشرات الآلاف من الصواريخ، ومثلها من المقاتلين المدربين والمستعدين، إضافة إلى أن الهجوم البري سيلحق خسائر كبيرة بالقوات الإسرائيلية وفي إسرائيل، بشرية ومعنوية، وفي اقتصادها تحديدًا، الذي لا يحتمل حربًا طويلة، ففي اليوم الواحد تخسر إسرائيل مليارات الدولارات، ولعل انخفاض سعر الشيكل، وخسائر البورصة، ووقف الرحلات من وإلى مطار اللد، مجرد عينات ودلائل على ذلك.

ثانيًا: إن وصول الحرب إلى حد يلامس تدمير القطاع وإسقاط حكم “حماس” يفتح أبواب دخول حزب الله إلى الحرب، فلا يعقل أن تقوم المقاومة الفلسطينية بطوفان الأقصى من دون أن تكون متفقة مع حزب الله على الأقل على فتح الجبهة الشمالية، والرسالة التحذيرية المبكرة المتمثلة في إطلاق قذائف من حزب الله في اليوم الثاني على أهداف إسرائيلية في مزارع شبعا تدل على احتمال جدي باشتراك حزب الله إذا مضت إسرائيل بعيدًا في حربها على قطاع غزة.

ثالثًا: إن الإدارة الأميركية ومعها دول الغرب وحلف الناتو لا تريد اشتعال حرب إقليمية في الوقت الذي لا تزال الحرب الأوكرانية مشتعلة، فأي حرب جديدة ستصب في صالح روسيا وزعيمها فلاديمير بوتين، ولعل تحذيرات بايدن والحشود العسكرية وإرسال السفن الحربية وحاملة الطائرات محاولة لمنع اندلاع حرب إقليمية أكثر ما هو استدعاء لها.

رابعًا: إن تدمير قطاع غزة والسعي إلى القضاء على المقاومة وإسقاط حكم حماس سيؤدي إلى حرب طويلة، وإلى تصاعد المقاومة في الضفة، وتزايد احتمالات انهيار السلطة، وانحياز حركة فتح إلى جانب المقاومة، بما يفتح خيار الوحدة الفلسطينية وطي صفحة الانقسام السوداء على أساس وطني وتشاركي. وهذا إن حدث يُفشل كل المخطط الموضوع لبناء الشرق الأوسط الكبير.

خامسًا: إنّ احتلال قطاع غزة إن حدث لا يقضي على المقاومة بعد أن حصلت على شعبية كبيرة في طوفان الأقصى، في ظل عدم وجود طرف فلسطيني قوي وله شرعية يقبل بأن يحل محل سلطة “حماس”.

السيناريو الثاني: رد إسرائيلي لا يغير قواعد الصراع

يقوم هذا السيناريو على قيام الحكومة الإسرائيلية برد وانتقام قوي من دون الوصول إلى تغيير قواعد الصراع كلية ومرة واحدة، والسعي إلى تحقيق الأهداف الإسرائيلية على مراحل ودفعات. ويمكن أن نشهد في هذا السيناريو أكثر من غيره عمليات خاصة داخل قطاع غزة، وعمليات اغتيال داخل قطاع غزة وخارجه للحصول على صورة نصر.

ويعزز هذا السيناريو وقوع أعداد كبيرة من الأسرى في يد المقاومة، والمضي في حرب التدمير يؤدي إلى قتل الكثير منهم، وحاجة إسرائيل إلى دراسة أسباب القصور ومعالجتها، التي أظهرتها بأنها أوهن من خيوط العنكبوت.

السيناريو الثالث: الوقوف ما بين السيناريوهين الأول والثاني

يقوم هذا السيناريو على قيام قوات الاحتلال بردٍ قوي، والوقوف على حافة تغيير قواعد الصراع كليًا من دون الإقدام الفعلي على ذلك، وهذه لعبة خطرة، ولكن لا يمكن استبعادها كليًا.

هدف إنهاء الاحتلال قابل للتحقيق

من المبكر الحسم وترجيح سيناريو معين، فالحرب في بدايتها ولم يتم فك طلاسمها وأسرارها، فالمقاومة أعلنت أنها نفذت طوفان الأقصى؛ لأن لديها معلومات أن جيش الاحتلال كان يستعد لتنفيذ عدوان ضدها بعيد انتهاء الأعياد اليهودية، والمقاومة لم تحدد أهدافها من الحرب، وهل هي مجرد خطوة دفاعية استباقية، أم تستهدف تحرير الأسرى ورفع الحصار ومنع تهديد الأقصى والمقدسات، أم يقف وراءها هدف كبير مثل إنهاء الاحتلال عن الأراضي المحتلة العام 1967، وبالتالي سيستمر طوفان الأقصى على أمل أن تثور الضفة والداخل الفلسطيني، وتنطلق حركات التضامن العربية والدولية مع القضية الفلسطينية.

وأنا أطالب بوضع هذا الهدف (إنهاء الاحتلال) الذي يمكن أن يتحقق خلال سنوات عدة، مرة واحدة، أو على دفعات، هذا إن لم يكن موضوعًا أصلًا؛ لأن طوفان الأقصى أثبت بشكل قوي إمكانية تحقيقه، وبلا هدف كبير مثل إنهاء الاحتلال يصبح طوفان الأقصى – على أهميته التاريخية – مجرد صفحة مجد جديدة في السفر الفلسطيني، وهذا مهم جدًا، ولكنه لا يكفي.

هل يفتح ما يجري أفقًا سياسيًا؟

السؤال الذي يطرح نفسه من قبل بعض كبار المهتمين بما يجري: هل يمكن أن تتكرر تجربة حرب أكتوبر التي قادت إلى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية؟

الرد الأولي أن الظروف مختلفة، وأهداف اللاعبين مختلفة، فالسادات خاض الحرب وفي ذهنه التوصل إلى تسوية، لذلك أطُلق عليها حرب تحريك وليست حرب تحرير.

فلا يمكن أن تتحقق التسوية، حتى وإن كانت مختلة، بسبب عدم وجود شريك إسرائيلي لأي تسوية، حتى إذا تشكلت حكومة وحدة في إسرائيل، ولكن يمكن أن تتحقق التصفية إذا هُزِمت المقاومة وتحققت الأهداف الإسرائيلية؛ حيث عندها يكون هناك حل استسلامي، وهذا بات أصعب الآن إن لم يصبح مستحيلًا، وحينها سيستأنف قطار التطبيع سيره، وكذلك مخطط إقامة الشرق الأوسط الجديد، وستكون السلطة ممثلة للطرف الفلسطيني.

لكن، هذه أضغاث أحلام، فما حدث في طوفان الأقصى ودلالاته يثبت مجددًا الشعبية الطاغية لخيار المقاومة، واستحالة القفز على الشعب الفلسطيني وحقوقه، فهو الرقم الصعب شاء من شاء وأبى من أبى.




حمادة فراعنة

تتواصل عمليات القتل والإجرام لفلسطينيي مناطق 48، بواسطة عصابات مأجورة، وتحريض مكشوف، واستهتار أمني رسمي متعمد من قبل أجهزة المستعمرة وأدواتها، وضيق أفق اجتماعي حصيلة التخلف، تتواصل مسجلة أرقاماً قياسية غير معهودة، غير مسبوقة بهذا الحجم والعدد الكلي والانتشار المتنوع لدى المدن والقرى العربية، إلى الحد الذي يمكن أن يشاهده ويسجله المراقب على أنه منظماً، لا يقتصر على ردات فعل ثأرية أو عائلية متشنجة.

جرائم تنال الشباب والنساء وكبار السن ودون السن القانونية، وكأنها حملة تطهير تستهدف الوجود البشري للفلسطينيين العرب المسلمين والمسيحيين في بلدهم، الذين صمدوا فيه رغم الحكم العسكري لغاية عام 1966، ومواصلة التمييز والعنصرية إلى وقتنا الحاضر وفي طليعتها صياغة قانون “يهودية الدولة” الصادر عن الكنيست الإسرائيلي يوم 19/7/2018.

ما الذي جعل جرائم القتل الجنائية تنتشر بهذا الشكل، بهذا الحجم، بهذا العدد القياسي بين الفلسطينيين في مناطق 48 ؟؟ خمسة مواطنين فلسطينيين يقتلون بيوم واحد، لدى نظام أمني مسيطر، يتملك تفوقا تقنيا تكنولوجيا متطورا، وأجهزة أمنية مستنفرة ضد الفلسطينيين سواء في مناطق 48 أو مناطق 67؟؟ ولماذا تقتصر الجرائم الجنائية على الفلسطينيين، ولا تتمكن أجهزة المستعمرة من كشفها، بل ولا تبذل جهداً ملموساً في متابعتها وكشفها وإنهائها كظاهرة شبة يومية، فرضت الخوف والقلق وتغيير الأولويات لدى فلسطينيي الكرمل والجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل الفلسطيني المختلطة ؟؟.

الأحزاب العربية الفلسطينية، ونواب الكنيست من الفلسطينيين العرب، والمجالس المحلية ورؤسائها، ولجنة المتابعة العنوان القيادي للمجتمع العربي الفلسطيني، بدت منغمسة في متابعة تداعيات هذه الجرائم ونتائجها، وانشغلت عن مهامها السياسية وطنياً وقومياً وبرنامجياً، فهل هذا صدفة؟؟ أم أن ذلك برمجة مخططة تستهدف تغيير الأولويات وإغراق المجتمع العربي الفلسطيني بمشاكل عينية وتفاصيل يومية تبتعد عن النضال ضد التمييز العنصري والاحتلال، وحرفه عن هدف تحقيق المساواة في مناطق 48 والاستقلال لمناطق 67.

ليست بريئة سياسات المستعمرة من إغراق المجتمع العربي الفلسطيني بمشاكل ومتاعب وأوجاع بينية، أداتها التحريض وتوظيف عصابات الإجرام بهدف خلخلة بنية المجتمع العربي الفلسطيني وإضعافه، خاصة بعد أن نجح في خلق أدوات كفاحية توحيدية وصولاً إلى البرلمان، ليشكل ذلك تأثيراً على تشكيل الحكومة وسياساتها، فقد أفشل النواب الفلسطينيون نتنياهو لتشكيل الحكومة عبر ثلاث دورات للكنيست، ولولا الانقسام الذي حصل بين القائمتين البرلمانيتين: 1- المشتركة القومية اليسارية، 2- الموحدة الإسلامية، لما تراجع التمثيل العربي الفلسطيني من 15 مقعداً للأحزاب العربية الأربعة إلى 10 مقاعد.

 لهذا يجب إدراك المنهج الأمني لأدوات المستعمرة ومؤسساتها وعملها لتمزيق بنية وتماسك الحركة السياسية الفلسطينية التي تملك قدرات ومقومات التأثير، ولهذا يسعى نتنياهو وتحالفاته عبر الانقلاب القضائي لإلغاء التمثيل الفلسطيني للمواطنين العرب في مناطق 48 .




المعلم الرقمي




زريف الطول.. البطولة بأجراسها!

ما يبهج القلب ويفرحه، أن الذاكرة الفلسطينية تتوقد وتتوهج أكثر، كلما مرت عليها، وبها، الأيام، فهي الخزين الوطني الذي لا ينضب، والكتاب الثقيل الوافي القار في كل بيت، والمعنى الذي يجول مثل سؤال لغوب كيما يصل إلى الطمأنينة المشتهاة، ولا طمأنينة ضافية صافية محلومة إلا بعودة البلاد الفلسطينية إلى أهلها، والحواكير إلى بيوتها، والمفاتيح إلى أبوابها، والحقول إلى مواسمها، والينابيع إلى صباياها، والدروب إلى أنسها، والقرى إلى صباحتها البكر، والشرفات إلى روائح قهوتها وموسيقاها، والقلوب إلى دقاتها الملأى بالفرح والغبطة.

أقول هذا، وأنا في دهشة أو أكاد، بعد قراءتي لرواية الأديب الفلسطيني وليد عبد الرحيم الصادرة حديثا عن دار دلمون الجديدة في دمشق تحت عنوان (زريف الطول)، لأنها رواية يتعانق فيها البطل الشعبي، والمكان المأنوس، مثلما يتعانق التاريخ ومعاني الوفاء لتصير حكايات تجري بها الألسن، وتسمر بها الليالي، ويتعالى بها نشيد الناس، والأمكنة، والأزمنة في هتاف يهز الوجدان: بلادي، بلادي!

ببراعة مدهشة حقا، يبتكر وليد عبد الرحيم رواية مستلة من أسطورة بطل شعبي اسمه (زريف الطول) أسطورة وطدها وحفظها الغناء الشعبي في الأفراح والأتراح معا، حتى قرت في التقاليد الفلسطينية التي من فطرتها عشق الأرض، والجمال، والخير، والمعاني المفضيات إلى تدوين الحياة الفلسطينية التي زهت بالعمران، والكتب، والقراءات التامة!

قرن كامل من الشدة، عرفتها البلاد الفلسطينية، هو القرن العشرين! قرن كامل طفح بظلموت لم تعرفه الأرض والتواريخ والبشر من قبل، قرن اكتوت به القرى والمدن الفلسطينية التي عرفت المجازر والمذابح والسجون والمعتقلات والمطاردة لكل شيء، للأطفال، والدروب، والبيوت، والأفكار، والحقول، ودور العبادة، وهدأة الناس، والعافية، والنشور، والفرح، والضحك، مطاردة للحق، بطيوفه كلها. قرن من الشدة استوجب ميلاد البطل الشعبي (زريف الطول)  مثلما استولدت الشدة الأبطال الشعبيين الذين عرفتهم البشرية، من عنترة بن شداد إلى روبن هود!

مكنة سردية بهارة، وجولان تاريخي حاشد بالأخبار والصور والوثائق، وروح وطنية محلقة في فضاء من سرد شفيف خفيف طيع مثل الغيوم، يجوز بها وليد عبد الرحيم متقفيا خطا (زريف الطول) وأحلامه الباحثة عن الفرح المسروق من قبل الانكليز قبل عام 1948، ومن قبل المستوطنين الإسرائيليين الذين أرادوا وقف حياة الفلسطينيين وشلها وتعليقها على حبال أعدت كمشانق يومية طالت  جميع الأرجاء والأنحاء، وبالقوة الباطشة الراعية؟ (زريف الطول) صورة للفدائي الجسور الذي آخى حياة الخشونة من أجل استعادة الكرامة، وصورة المزارع الثابت في حقله من أجل المواسم الواعدة، وصورة المعلم في مدرسته من أجلأحلام جديدة، وصورة العاشق الذي يذهب إلى موعده في المساء من دون أن يتفقد عقله ان كان معه، وصورة، أشجار الزيتون وقد عادت إلى طمأنينتها، فلا خوف من اقتلاع أو تحطيب!

وليد عبد الرحيم الذي درس الإخراج السينمائي في القاهرة، يكتب تاريخ البلاد الفلسطينية عبر مشاهد تقطرها ذاكرة وقادة مشعة لا سهو فيها ولا لجلجة؛ مشاهد تقص، وتخبر، وتصوغ، وتصور، وتستبطن ما في التواريخ كي تصير مرجعية العقل الفلسطيني، ووليد عبد الرحيم الذي أصدر دواوين شعر عدة، يكتب بحبره المضيء، ولغته المكثفة، وجملته الرهيفة المعاني التي جسدها الفلسطيني صبرا على الأذى، وعشقا للبلاد! وما أكثر صور الصبر، وما أكثر صور العشق.

وليد عبد الرحيم، يحاول في روايته (زريف الطول) التي تري القارئ الباد الفلسطينية، وهي في صورتين، صورة الجمالين السماوي والأرضي الذي عاشته رغدا قبل الاحتلالين الإنكليزي والإسرائيلي، وصورة ظلموت الاحتلالين وقباحاتهما الولود في كل لحظة وآن، حتى صار هذا الظلموت فضاءات للشدة والعذاب والكراهية والعنصرية وانتفاء الحرية والجمال والحق والخير، وأقول أيضا: وليد عبد الرحيم يفتح بوابات التراسل الإبداعي ما بين أجناس الأدب والفنون الإنسانية عامة، ففي مشاهد الرواية، يقع القارئ على مساحات من شعر كتبته روح ملتاعة، ويقع على رسوم ومنحوتات وتشكيلات للألم والعذاب بادية حين يتفقد الفلسطيني روحه وهي تزفر زفرتها الأخيرة، ويقع القارئ على مسرح يتقابل فيه اثنان جندي مدجج بالسلاح والإخافة، وامرأة تلبس ثوبا أسود زينته الألوان، ولا حوار بينهما سوى حوار الرصاص، ولا صورة سوى صورة الجندي الذي يستدير بأسلحته مثل وحش الغابة، وصورة المرأة التي تنظر إليه بعينين أصبحتا، بعد الموت، نافذتين وأكثر.

رواية (زريف الطول) لـ وليد عبد الرحيم، كتابة جديدة لسرد جديد، وثاب، كثيف، يفرض على القارئ أن يركض وراء الأسطر ليعب من جماليات الأدب، وليتجرع غصص التاريخ الفلسطيني مثل عداء ليس في باله سوى خط النهاية، كي يرفع ذراعيه عاليا.. معلنا الانتصار




أوسلو: ٣٠ عاما!

د. دلال صائب عريقات

تصادف هذا الأسبوع ذكرى مرور ٣٠ عام على توقيع اتفاقية أوسلو في البيت الأبيض في 1993/9/13 . أرى من الواجب اليوم توضيح وإجمال بعض النقاط للشباب حول هذا الاتفاق: اتفاقية أوسلو هي اتفاق تعاقدي دولي له سقف زمني ينص على أن هدف عملية السلام، أولاً: تنفيذ القرارين 242 و 338 ، أي عدم جواز احتلال أراضي الغير بالقوة وحفظ حق اللاجئين حسب قرار 194 وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي حسب حدود حزيران 1967. ثانياً: خص قضايا الوضع النهائي وهي القدس والحدود واللاجئين والمياه والأسرى والاستيطان. 

هذه الاتفاقية جاءت على مراحل، تحت مسمى عملية السلام في أوائل التسعينيات، التي بدأت بمؤتمر مدريد 1991 وتبعها اتفاق اعلان المبادئ والذي يسميه الغالبية “أوسلو 1” وبروتوكول باريس الاقتصادي 1994, “ثم اتفاقية غزة- أريحا واتفاقية المرحلة الانتقالية 1995 . واي ريفر 1998, وشرم الشيخ 1999 ما هي الا مراحل انتقالية كان من المتوقع ان تفضي لمفاوضات الوضع النهائي بالعام 2000-1999 مثل ما شهدنا في كامب دايفيد 2 وطابا.

الاتفاقيات جاءت فيها مراحل تدريجية وتفصيلية حول انسحاب قوات الاحتلال، وما كان يسمى الإدارة المدنية وتفاصيل تحويل ملفات إدارة الشأن العام للسلطة الفلسطينية بشكل متفق عليه ومراحلي.

في الواقع, هذه الاتفاقيات ارتكزت على الجوانب الأمنية مع نقل جزئي ومحدود للصلاحيات، بحيث ضمن تبعية الفلسطينيين لدولة الاحتلال في الشأن الاقتصادي والسياسي والحدودي، والأهم الهيمنة في الشؤون المدنية الفلسطينية، حيث باتت إدارة شؤون البلاد والمواطنين تحت رحمة الاحتلال.  

فيما يخص ملفات الوضع النهائي على مدار ٣٠ عاما:
ملف الاستيطان لم يبق مكانا لحلم الدولة في الجغرافيا السياسية, ملف الاستيطان هو هفوة اتفاق أوسلو الذي تفاجأ به أعضاء الوفد المفاوض من الأرض المحتلة وضم كلا من الدكتورة حنان عشراوي وشهداء الوطن الدكتور حيدر عبد الشافي وأمير القدس فيصل الحسيني والدكتور صائب عريقات، اللذين غضبوا واستاءوا وعبروا عن إحباطهم مما توصلت له القنوات الخلفية السرية لعدم تطرق الاتفاق للاستيطان، إلا أن وفد الداخل ومن حرصهم على المصلحة الوطنية وتقديمها على المصلحة الشخصية آثروا دعم الرئيس محمود عباس مهندس الاتفاق والراحل ياسر عرفات كممثلي منظمة التحرير الفلسطينية -الجهة الشرعية الممثلة للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده.

ملف الأسرى: حتى اللحظة معطيات نادي الأسير الفلسطيني تشير إلـى -(5200) أسير/ة يقبعون في (23) سجنا ومركز توقيف وتحقيق، منهم -(33 أسيرة-(170) طفلاً وقاصراً، موزعين على سجون (عوفر، ومجدو، والدامون).

-(1264) مُعتقلا إداريا في سجون الاحتلال -(22) أسيراً من الأسرى القدامى المعتقلون قبل توقيع اتفاقية أوسلو.

-(237) شهيداً أسيراً، من شهداء الحركة الأسيرة. وهذا يذكرنا بالاتفاق الفلسطيني– الاسرائيلي في واشنطن في 13 ايلول/ سبتمبر عام 1993 واتفاقية القاهرة الموقعة في 4 ايار/ مايو عام 1994 التي تلزم الجانب الاسرائيلي بإطلاق سراح جميع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال. الاعتقال الإداري غير القانوني لا يوجد الا في دولة الاحتلال التي تمدد الاعتقال كل ٦ شهور من غير محاكمة, إطلاق سراح الأسرى من قبل اتفاقية اوسلو هو التزام على اسرائيل، انطلاقاً من روح ونص الاتفاق الموقع بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل، ما تقوم به اسرائيل من مماطلة هو خرق للاتفاق.  

منذ بداية ٢٠٢٣ استشهد اكثر من ٢٤٠ وفي 2015، تبنت دولة الاحتلال سياسة احتجاز جثامين الشهداء التي تعدت ال ١٤٠ جثمانا. خلال ٣٠ عاما خالفت دولة الاحتلال الاتفاق في إجراءاتها أحادية الجانب المتمثلة في بناء جدار الفصل، والانسحاب الأحادي من قطاع غزة، وهو ما كرس الانقسام الداخلي وتشتت المشروع الوطني الفلسطيني والسيطرة الكاملة لاحتلال منخفض التكلفة ترافقه الاعدامات الميدانية والاعتقالات وسياسات الابارتهايد والاضطهاد والتهجير القسري ومصادرة وضم الأرض, كل ذلك على شكل أوامر عسكرية تعيد تثبيت حقيقة اننا شعب يقبع تحت الاحتلال.  

فيما يتعلق بالقدس واللاجئين: تتنكر دولة الاحتلال لأي مسؤولية وهذا مخالف لروح الاتفاق, خرقت اسرائيل كل مبادئ الاتفاقيات وعملية السلام لدرجة اننا نستطيع المحاججة قانونيا اننا في حلٍ من هذه الاتفاقيات، وكرست التبعية وشبه استحالة الانفكاك عنها. أي دعوة من المجتمع الدولي للمفاوضات هي محاولات عبثية ميكافيلية لمماطلة الوضع الراهن، حيث أصبحت المفاوضات والمحادثات السلمية هي الغاية بدلا من ان تكون الوسيلة لتحقيق السلام، وكرامة الشعوب وحقها في تقرير المصير. بعد ٣ عقود لا بد من تقديم الأدوات القانونية والتي يجب ان تبدأ من تحديد حدود دولة إسرائيل قبل الحديث عن أي أفق لأي سلام او اتفاق.