1

القانون الدولي: أداة مماطلة لإسرائيل أم طريق نحو إقامة الدولة الفلسطينية؟

د. دلال صائب عريقات

 في ظل الجدل الدائر حول حقوق الفلسطينيين على الساحة الدولية، يبرز تساؤل رئيسي: هل يتم استخدام القانون الدولي كوسيلة للتستر على الاحتلال الإسرائيلي، أم أنه يمثل الطريق الشرعي نحو إقامة الدولة الفلسطينية؟ مع انعقاد الاجتماعات السنوية للأمم المتحدة، يعود الحديث عن السعي الفلسطيني الدؤوب نحو الحصول على اعتراف عالمي بدولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

تأتي هذه الجهود في وقت حرج يشهد فيه الفلسطينيون تصعيدًا غير مسبوق في العنف والاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة والضفة الغربية ومزيد من الاستيطان ومحاولات التهجير. تحاول إسرائيل تبرير استخدام القوة المفرطة ضد الفلسطينيين بحجة الامن و”الدفاع عن النفس”، وفقًا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. إلا أن المادة نفسها تقر بأن “الدفاع عن النفس” لا يمكن أن يكون مبررًا لدولة تحتل أراضي شعب آخر. كما يمنح القانون الدولي الشعوب المحتلة الحق في الدفاع عن نفسها ومقاومة الاحتلال بكافة الوسائل المشروعة.

وفي ضوء القرارات الأخيرة لمحكمة العدل الدولية في 19 يوليو 2024، تم التأكيد على عدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية بما فيها القدس الشرقية. وقد أشار الحكم إلى أن استمرار الاحتلال والمستوطنات يمثلان خرقًا صارخًا للقانون الدولي واتفاقيات جنيف، وخاصة المادة 49 التي تحظر نقل السكان المدنيين لدولة الاحتلال إلى الأراضي التي تحتلها. هذا الحكم أعاد تسليط الضوء على الفجوة بين تطبيق القانون الدولي وواقع استمرار الاحتلال الإسرائيلي.

ومع اقتراب الاجتماعات السنوية للأمم المتحدة، يجدد الفلسطينيون نداءهم للمجتمع الدولي لتحقيق العدالة وإنهاء الاحتلال. في كل عام، يتم التطرق في الأمم المتحدة إلى موضوع فلسطين، لكن ما يميز هذا العام هو تصاعد الضغط الدولي على إسرائيل للتوقف عن استخدام “ورقة التوت” المتمثلة في القانون الدولي لتبرير ممارساتها القمعية. فبينما تتحدث إسرائيل عن “الدفاع عن النفس”، تتجاهل أن الاحتلال نفسه هو السبب الرئيسي ,والجذر وراء العنف المستمر. ومن هنا، يجب أن يتحول التركيز الدولي نحو تنفيذ الأحكام الدولية بحق الاحتلال الإسرائيلي والاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. وفي سياق السعي للحصول على الاعتراف الكامل بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة، يبرز التحدي الأكبر للفلسطينيين في كيفية تحويل الدعم الدولي الواسع إلى خطوات ملموسة على الأرض. فالقرارات الأممية مهمة، ولكن البناء على قرار محكمة العدل الدولية بعدم قانونية الاحتلال وضرورة تفكيك المستوطنات يعد نقطة الارتكاز المحورية للتعامل مع الواقع الإسرائيلي القائم. إضافة لقرارات مجلس الأمن واخرها 2735 لعام 2024، حيث أكد القرار على ضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي فورًا وتفكيك المستوطنات غير القانونية التي تعتبر العقبة الكبرى أمام تحقيق السلام العادل والدائم.

يجب ان تستمر السلطة الفلسطينية في مسارها القانوني الدبلوماسي الدولي حتى النهاية، حيث تستند استراتيجيتها التدويلية إلى أدوات لا خلاف عليها وهي القانون الدولي والدبلوماسية، التي تحظى بدعم غالبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.  الضغط الدولي يمكن أن يُمارس من خلال العلاقات الثنائية والدبلوماسية القسرية، وهي أداة قوية بيد المجتمع الدولي لفرض عزلة دبلوماسية على إسرائيل أو لردعها عن ممارساتها. الذهاب إلى الأمم المتحدة يهدف إلى توثيق الحقوق الفلسطينية ووضع الكرة في ملعب المجتمع الدولي.

قرارات الأمم المتحدة، رغم عدم تنفيذها، تبقى جزءًا من السجل الدولي وتساهم في تعزيز الحق الفلسطيني في القانون الدولي. هذه الخطوة تذكّر المجتمع الدولي بالتزاماته تجاه القضية الفلسطينية، استنادا إلى المادة 25 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تلزم الدول الأعضاء بتنفيذ قرارات مجلس الأمن خاصة في ظل التوافق الدولي على حل الدولتين، الذي تتبناه فلسطين عبر منظمة التحرير الفلسطينية لتحقيق السلام العادل والشامل. في النهاية، القضية الفلسطينية تقف عند مفترق طرق حاسم. فإما أن يتم استخدام القانون الدولي كأداة لتحقيق العدالة وإنهاء الاحتلال، أو يستمر استخدامه كستار يغطي الانتهاكات الإسرائيلية. 

الاجتماعات المقبلة في الأمم المتحدة ستكون بمثابة اختبار حقيقي لمصداقية المجتمع الدولي في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني وفي السعي لتحقيق السلام العادل والدائم في المنطقة. القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، إن طبقت بشكل فعال، يمكن أن تكون الطريق الوحيد نحو إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. لكن يبقى السؤال: هل سيتخذ المجتمع الدولي الإجراءات اللازمة لدفع هذا الطريق إلى الأمام، أم ستظل هذه القرارات حبراً على ورق؟




بمناسبة اليوم العالمي للوقاية من الانتحار: دور الخطاب الديني في معالجة الانتحار

كنت قد كتبت سابقاً عن دور الإعلام في الحد والوقاية من الانتحار وما يدفعني اليوم للكتابة عن دور الخطاب الديني في نفس الشأن قصتان اثنتان:

جاءتني أم قد فجعت بانتحار ولدها فذهبت إلى شيخ ملتمسة منه أن يواسيها ويطمئنها فروى لها ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردَّى خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تحسَّى سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً” فصدمت السيدة لهول ما سمعت وأصابها اكتئاب حاد ومزمن.

وفي قصة أخرى، وبعد انتحار شاب يافع في إحدى بلدات فلسطين رفض شيخ البلدة إقامة الصلاة عليه وتلكأ في دفنه حتى حاججه بعض أهل القرية المستنيرين، وأقبلوا على دفنه في مقبرة القرية، ولنا أن نتخيل ما ألحقه هذا المشهد بأهل الفقيد.

هذا ناهيك عن ما يرشح إلينا من قصص من حين لآخر عن أشخاص توجهوا بأعراض مرضية نفسية يلتمسون علاجها لدى “الشيوخ” فأخرت إجراءاتهم المسار العلاجي الطبي إلى أن أقدم بعضهم على الانتحارأو قضوا تحت عصي “استخراج الجن”.

أنا لا أجادل هنا بحرمة الانتحار بل أستحسن هذا التحريم لأنه برأيي أفضل “إجراء صحة عامة”، وأرى في عملي العيادي يومياً أشخاصاً يئسوا من الحياة ولا يمنعهم عن الانتحار إلا التحريم الإلهي.

ما أجادل فيه هنا هو ذم ونبذ وإطلاق الأحكام البشرية على من لم يردعه التحريم، وإلحاق المزيد من اللوم والألم بذويه. فنحن ببساطة لا نعلم بأي حالة عقلية اتخذ هذا الانسان قراره المؤسف، ونعلم أن الله إذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب. ودعوتي إلى رجال الدين وإلى الناس أن يتركوا أمر المنتحر إلى الله.

ما يعتقده كثير من الناس من كفر المنتحر لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه، وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه أنه هاجر إلى المدينة ومعه رجل من قومه، فمرض فجزع فأخذ مشاقص (سهما) له فقطع بها براجمه (شرايينه) فشخبت (دميت) يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه وهيئته حسنة، ورآه مغطياً يديه، فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: “غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم”، فقال: ما لي أراك مغطياً يديك؟ قال: “قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت”، فقصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اللهم وليديه فاغفر”، وقد ترجم الإمام مسلم لهذا الحديث بقوله: “باب الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر.”

وبعض العلماء، كابن شهاب الزهري، كما نقل عنه النووي في شرح صحيح مسلم كره الصلاة على قاتل نفسه ردعاً لغيره من أن يرتكب مثل هذا الذنب، ولكن معظم العلماء يذهبون إلى أن المنتحر تُجرَى عليه أحكام موتى المسلمين، فيُغسَّل ويُكفَّن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، ويورث ماله ويترحم عليه ويدعى له.

معلومات طبية هامة عن الانتحار

وفقا لتقرير منظمة الصحة العالمية في أغسطس عام 2017، فإنه ما يقارب من 800,000 شخص يلقون حتفهم كل عام بسبب الانتحار وهذا العدد يزيد عن عدد الذين يقتلون من قبل آخرين.

يعد الانتحار ثاني سبب للموت في الفئة العمرية بين 15-29 سنة، والثالث في الفئة بين 10-14 سنة، وغالبية المنتحرين هم أشخاص قد عانوا من الاضطرابات المزاجية والعقلية كالاكتئاب واضطراب ثنائي القطب والذهان وغيرها. وحسب تقرير منظمة الصحة العالمية للعام 2015، فإن 78% من ضحايا الانتحار هم من دول متوسطة ومنخفضة الدخل بما فيها الدول العربية والاسلامية.

وهناك مشكلة في دراسة هذه الظاهرة في البلدان الإسلامية، إذ أن التوثيق ضعيف ولا يتم إبلاغ منظمة الصحة العالمية بمثل هذه الإحصاءات في معظم تلك البلدان، إلا أن معدلات الانتحار منخفضة لدى المسلمين، وخصوصا بين المسنين، في بعض البلدان الغربية التي تحسن التوثيق مثل إنجلترا وويلز.

إحصائيات فلسطينية

في فلسطين، نواجه الانتحار بوتيرة متصاعدة عاماً بعد عام، حيث أظهرت الاحصائيات الصادرة عن إدارة البحوث والتخطيط في الشرطة الفلسطينية ارتفاع عدد حالات الانتحار في الضفة الغربية العام الماضي 2018 بنسبة 14%، مقارنة بالعام الذي سبقه، حيث شهدت الضفة ما مجموعه 25 حالة انتحار، علما بأن العام الذي سبقه، 2017، شهد 22 حالة، وكان توزيعهم حسب الجنس: 15 من الذكور و10 إناث. أما توزيعهم حسب الحالة الاجتماعية: 17 غير متزوجين مقابل 8 متزوجين، ووفقا للتوزيع العمري فقد جاءت أعلى نسبة للأشخاص الذين أقدموا على الانتحار ضمن الفئة العمرية ما بين 28- 25 عاما، وشكلت ما نسبته 32%، أما بخصوص المستوى التعليمي، فإن أعلى نسبة للاشخاص الذين أقدموا على الانتحارجاءت ضمن فئة حملة الشهادة الثانوية حيث شكلت هذه الفئة 44% من الحالات المسجلة.




الهجوم على شمال الضفة الغربية مرحلة جديدة وخطيرة

أحمد رفيق عوض

الهجوم على شمال الضفة الغربية، والمرشح للتوسع والتعمق، إنما هو مقدمة لتطبيق الرؤية الأخيرة والنهائية لحكومة نتنياهو الحاخامية التوراتية، وهي رؤية لا وجود فيها للاعتراف بالشعب الفلسطيني أو للجلوس معه على طاولة مفاوضات تفترض الندية والمشاركة والمساواة. أعتقد أن هذا أصبح وراء ظهر الإسرائيلي في عمومه، أعتقد أن الإسرائيلي لم يعد معنياً بحل سياسي بعد كل ما جرى، وما جرى فظيع ولا يمكن أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه أصلاً، لهذا أعتقد أن الإسرائيلي حسم أمره تماماً، بمعنى أنه بصدد فرض التسوية الأمنية على الشعب الفلسطيني، والتعامل معه بقبضة من فولاذ.

وهذا يعني فيما يعني إعادة الاحتلال بكل ما فيه من بشاعة، مع الاستفادة من تجربة الاحتلال الأولى، إذ ستحاول إسرائيل هذه المرة أن تحكم من وراء لجان أو إدارات محلية أو إقليمية أو دولية إن استطاعت، فإن لم تستطع فهي مستعدة لأن تحكم بشكل مباشر أيضاً، أو يمكن لها أن تمارس الدور الأبدي للاحتلال من خلال نظام العصا والجزرة، أو التمييز بين المناطق أو العائلات أو وسائل العقاب والثواب، ومحاولة خلق فئات مستفيدة وأخرى مستبعدة، وإذا أضيف إلى ذلك تحويل المكان إلى مكان ضيق وفقير لا عمل فيه ولا خدمات، فإن الهجرة القسرية ستكون إحدى الحلول، وتبدو إسرائيل مستعدة لكل السيناريوهات الأكثر سوءاً في هذه الصدد.

الحملة العسكرية على الضفة الغربية تهدف فيما تهدف إلى التنكيل بالمجتمع الفلسطيني، وتأخيره وإفقاره ودفعه إلى اليأس والإحباط، وإلى تمزيقه وتجفيف قواه ودوافعه، وتهدف كذلك إلى ضرب التمثيل السياسي والرموز الوطنية.

الحملة العسكرية شمال الضفة الغربية حتى الآن تهدف فيما تهدف أيضاً إلى رغبة إسرائيل في استمرار الحرب بوتائر مختلفة، لأن إسرائيل لم تسترجع بعد ما خسرته بعد السابع من أكتوبر، وقد بررت إسرائيل حملتها هذه بالقول إن إيران تزود المسلحين في الضفة الغربية بالأسلحة عن طريق الأردن، وهو ادعاء تكذبه الوقائع المختلفة، من مصادرة الأسمدة ومداهمة مخارط الحديد، ومن تكرار السرقات من معسكرات الجيش الإسرائيلي، ولكن إسرائيل تريد أن تجعل من حملتها هذه وكأنها استمرار لحربها في الجبهات المختلفة التي تتهم إيران بأنها تقف وراءها. إسرائيل لا تريد أن ترى احتلالها ولا بشاعته، ولا ما يفعل بالإنسان الفلسطيني، إسرائيل تحب لعبة الملامة والعتب والاتهام لكل شيء ما عداها.

فالحملة العسكرية الحالية هذه تريدها إسرائيل منذ اللحظة الأولى لتشكيل هذه الحكومة، اذ أن خطة الحسم التي بلورها سموتريتش جاهزة منذ العام 2017، وقد استطاع هذا الوزير أن يطبق خطته أو على الأقل أجزاء متفرقة منها مثل تعميق الاستيطان، وشرعنته وتغذيته، ومنها دمج المستوطنين المنتمين إلى جماعات خارجة عن القانون في أجسام قانونية معترف بها، ومنها محاصرة السلطة الوطنية ونزع الشرعية عنها أو مطالبتها بالمزيد من التنازلات التي تسميها أمريكا “تحديث” أو “تجديد”، ومنها أيضاً طرد المواطنين من مناطق “ج” وقد بلغ عدد هؤلاء عدة آلاف. هذه الحملة العسكرية الآن تطبق بشكل متدحرج. ما كان يجري في الخفاء أو على استحياء بحيث يكون خطة حكومية علنية تنفذ بآلاف الجنود ومئات الآليات العسكرية، وهي استثمار أمني وسياسي لما جرى في قطاع غزة، فإسرائيل تهدف إلى فصل القطاع عن الضفة فصلاً جغرافياً وسياسياً وأمنياً واجتماعياً أيضاً.

هذه الحملة العسكرية على شمال الضفة الغربية تأتي بعد تدمير قطاع غزة، واستشهاد أكثر من أربعين ألف فلسطيني، وبعد تصويت الكنيست الإسرائيلي على عدم الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وبعد التصويت على أن الأونروا هيئة تدعم الإرهاب وبعد أن استطاعت إسرائيل أن تتغاضى وتهمل كل المطالبات العالمية وكل القرارات الدولية بضرورة وقف إطلاق النار. وهذا يعني أن إسرائيل التي تضرب بعرض الحائط كل شيء تماماً، ماضية في تحطيم كل الأواني، وترفض كل التسويات ومحاربة كل الأطراف حتى حلفائها الذين يظهرون ضعفاً غير مسبوق أمام جنونها وغطرستها. الحملة العسكرية على شمال الضفة الغربية قد تنتهي خلال أيام، ولكنها بالتأكيد رسالة قوية وواضحة بأن إسرائيل غادرت كلياً فكرة التسوية السياسية مع الشعب الفلسطيني، وهو ما ينذر بمخاطر قوية للمنطقة بأسرها.

هذا الهجوم المتدحرج على شمال الضفة إيذان بمرحلة جديدة لا تختلف عن المراحل السابقة سوى بالجنون والغطرسة، وهو ما يثبت أن إسرائيل ماضية في خسارة كل شيء، ولسنا نحن من نقول ذلك فقط. اسرائيل تفقد الاتجاه فعلاً وقولاً.

إسرائيل التي تضرب بعرض الحائط كل شيء تماماً، ماضية في تحطيم كل الأواني، وترفض كل التسويات ومحاربة كل الأطراف حتى حلفائها الذين يظهرون ضعفاً غير مسبوق أمام جنونها وغطرستها.




جنين منكوبة !!

لم يحصل ان تعرضت مدينة جنين ومخيمها لهذا الكم من الدمار الهائل والتخريب وكل ذلك بسبب اصرار الاحتلال على ممارسة سياسة الابادة الجماعية بحق الفلسطينيين بما في ذلك كل الاجراءات العقابية التي استهدفت كل مقومات الحياة ، في رسالة اسرائيلية تحمل في ثناياها العداء المتجذر الذي تمارسه الحركة الصهيونية بحق الفلسطينيين ، الامر الذي يؤكد ان لا تعايش ولا سلام مع هذا الكيان الذي يعتبر سرطانا يسمم المنطقة ويقضي على كل فرص العيش الكريم فيها ..

وضعت حكومة الاحتلال مدينة جنين ومخيمها في طليعة الاهداف التي تحاربها بادعاء وجود نشاطات عسكرية وذخيرة وسلاح ، ووصلت إلى حد التهويل من قبل الإعلام الإسرائيلي المتطرف الذي ينقل رسائله واخباره عن الشاباك والجيش ، حيث ادعى استخدام الفلسطينيين لقدائف وصواريخ من نوع جديد ، اضافة للعثور على قنابل وعبوات تزن ١٠٠ كغم ، في رواية زائفة وبعيدة عن اي منطق ، وهدفها فقط تبرير القتل والعدوان واستمرار سفك الدماء ..

الاجتياح الثاني عشر لجنين ومخيمها منذ السابع من اكتوبر هو الأشرس والأعنف حيث استباح الاحتلال كل شيئ في مخيم المدينة من شجر وبشر وحجر ، ولا زالت آثار الدمار وتجريف البنى التحتية وخصوصا في المنطقة الشرقية شاهدة على العدوان الاجرامي ، كما ان عدد الشهداء الذي ارتفع إلى ١٥ منذ خمسة ايام دليل على استهداف المواطنين المدنيين ، وكل ذلك لا يقل عن خطورة مشهد تهجير وطرد العائلات والاهالي من بيوتهم تحت تهديد السلاح ، وحصار المستشفيات والمراكز الصحية واقتحامها لمنعها من تأدية رسالتها الإنسانية ، حيث تم نقل ١٨٠ من مرضى غسيل الكلى من مستشفى جنين الحكومي إلى مستشفى آخر ، وتعمد قطع المياه والكهرباء عن المخيم ، لا سيما إطلاق النار على المحولات الرئيسية ..

لا يمكن تقدير حجم الخسائر الكارثية التي تسبب بها العدوان ، لكن بدون شك فان جنين تحتاج إلى ملايين الدولارات لاعمار ما تم تدميره من بيوت ومرافق ومنشآت ..

ان الهجمة على جنين وشمال الضفة الغربية وحصار جنوبها ومواصلة الانتهاكات بحق القدس ، ما هي إلا نتاج تحريض سافر وخطير جدا يقوم به وزير ما يسمى الامن القومي ايتمار بن غفير ووزير المالية بيتسلئيل سموتريتش اللذان يسعيان لتفجير الضفة الغربية امتدادا لحرب الابادة الجماعية على قطاع غزة ، والتي يندرج في إطارها تصريح بن غفير السابق الذي كرره امس وقال ان حق الحياة لليهود يفوق حق الحركة للفلسطينيين ومطالبته بإعدام الاسرى الفلسطينيين ، وحرصه على توزيع السلاح على المستوطنين باستمرار ، وما يضاف اليه من تصريحات سموتريتش المتطرف الذي يسعى لوأد فرصة تجسيد الدولة الفلسطينية من خلال الدعوات لبناء المزيد من المستوطنات .

تصريحات بن غفير وسموتريتش التي تاتي في ظل موافقة نتانياهو والممارسات التي يقوم من خلالها الجيش الإسرائيلي باغلاق المعابر وفرض حصار شامل على شمال الضفة الغربية وجنوبها ، تستدعي وقفة دولية وأممية جادة لوقف هذه الحرب الأجرامية بحق شعبنا ، والتي يبدو ان إسرائيل قررت تحويلها إلى حرب دائمة وطويلة الامد




معاناة اللاجئين النفسية والاجتماعية: آلام الاقتلاع وتوصيات للتعافي

سماح جبر

في عالمنا اليوم، يعيش أكثر من 100 مليون شخص كلاجئين أو نازحين قسرياً، وفقاً لتقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR). يمثل اللاجئون الفلسطينيون نسبة كبيرة من هذا العدد، حيث يتجاوز عددهم 5.9 مليون لاجئ مسجل لدى وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). هؤلاء الفلسطينيون يعيشون في ظروف صعبة في مخيمات بالضفة الغربية وقطاع غزة، وكذلك في دول الجوار مثل الأردن ولبنان وسوريا.

تعود مأساة اللجوء الفلسطيني إلى عام 1948، عندما تم تهجير أكثر من 700,000 فلسطيني من أراضيهم خلال النكبة. وعلى مر العقود، تفاقمت معاناتهم بفعل النزاعات المستمرة والاحتلال الإسرائيلي، مما أدى إلى حالة من عدم الاستقرار النفسي والاجتماعي التي تمتد عبر الأجيال. أضف الى ذلك فاجعة النازحين بلا توقف في غزة ومن نجا من غزة هائماً في هذا العالم البارد الذي أشاح بوجهه عنا على مدار 10 شهور.

اللجوء هو أحد أشد التجارب الإنسانية قسوة، حيث يُجبر الإنسان على مغادرة بيته وأرضه تحت وطأة الحرب أو الاضطهاد أو الكوارث. تتجاوز معاناة اللاجئ مجرد فقدان الممتلكات، لتصل إلى فقدان الشعور بالأمان والانتماء والمكانة. يعيش اللاجئون في ظروف قاسية، غالباً ما تكون بعيدة عن الكرامة الإنسانية، حيث يضطرون إلى التكيف مع حياة جديدة في بيئة غير مألوفة، ويواجهون التحديات النفسية والاجتماعية الناجمة عن صدمة الفقدان والاقتلاع. هذه الظروف الصعبة تضعهم في حالة من القلق المستمر وعدم اليقين بشأن المستقبل.

تتعمق المعاناة النفسية للاجئين نتيجة للحرمان من الدعم الاجتماعي والشبكات الأسرية التي كانت تساهم في استقرارهم النفسي. يواجه اللاجئون مشاعر العزلة والاغتراب، ويتعرضون للتمييز والإقصاء في المجتمعات المستضيفة، مما يزيد من معاناتهم النفسية ويضعف قدرتهم على التأقلم مع واقعهم الجديد. يتغير مفهوم الهوية لدى اللاجئ، حيث يُنتزع منه الانتماء إلى وطنه ويتحول إلى مجرد “لاجئ” في أعين العالم. هذه الهوية الجديدة تضع اللاجئ في مواجهة تحديات نفسية كبيرة، حيث يشعر بالغربة عن ذاته وعن ماضيه، ويعاني من فقدان المكانة والشعور بالدونية. أذكر أنني تناولت يوما طعاماً العشاء في مطعم في اسطنبول وكنت أتجاذب الحديث في أمور طبيه مع مجموعه من الزملاء فجاء شاب وسيم ذو ملامح عربيه لينظف الطاولة وخاطبني بلقبي كطبيبة، وعندما ابتسمت له دمعت عيناه وقال لي انه أيضا طبيب ولكنه الآن لاجئ من سوريا.

اللجوء لا يؤثر فقط على الجوانب النفسية للفرد، بل يمتد تأثيره إلى العلاقات الاجتماعية والعائلية. تعاني الأسر من التفكك والتباعد بسبب ضغوط الحياة الجديدة والظروف الاقتصادية الصعبة، ويضطر الأطفال إلى النمو في بيئات غير مستقرة، مما يؤثر على تطورهم النفسي والعاطفي. إن معاناة اللاجئين ليست مجرد حالة مؤقتة تنتهي بمجرد وصولهم إلى بلد آمن، بل هي تجربة طويلة الأمد تترك بصمات عميقة في نفوسهم وحياتهم.

 تجربة اللاجئين تستحق الدعم والاهتمام، ويجب أن تُعامل معاناتهم بجدية وكرامة، وأن يُقدم لهم الدعم اللازم ليس فقط من الناحية المادية، بل أيضاً من الناحية النفسية والاجتماعية، ليتمكنوا من إعادة بناء حياتهم واستعادة مكانتهم وإنسانيتهم.

وللتخفيف من هذه المعاناة، يجب تقديم دعم شامل ومتكامل يلبي احتياجات اللاجئين المختلفة، وفيما يلي بعض التوصيات:

1. توفير خدمات الصحة النفسية المتخصصة داخل المخيمات وفي المجتمعات المستضيفة. تقدم خدمات الصحة النفسية بشكل مستمر ومتاح للجميع، مع مراعاة الخصوصية الثقافية والاجتماعية لكل مجموعة من اللاجئين.

2. تدريب العاملين في المجال الإنساني على تقديم الدعم النفسي الأولي للاجئين، وفهم الاحتياجات النفسية الخاصة بهم، والتعامل مع الصدمات النفسية بكفاءة وتعاطف.

3. إطلاق برامج الإرشاد النفسي الجماعي لبناء شبكات دعم اجتماعي بين اللاجئين، مما يساعدهم على التعبير عن مشاعرهم، ومشاركة تجاربهم، وتخفيف مشاعر العزلة والاغتراب.

4. التركيز على توفير الدعم النفسي للأطفال والمراهقين اللاجئين، من خلال برامج تعليمية وتعبيرية تُراعي احتياجاتهم النفسية، وتساعدهم على التعامل مع الصدمات وتطوير مهاراتهم الاجتماعية.

5. تعزيز الوعي بالصحة النفسية بين اللاجئين، وتقديم معلومات حول كيفية التعرف على أعراض الاضطرابات النفسية، وكيفية الحصول على المساعدة.6. تقديم برامج تدعم بناء هوية إيجابية للاجئين، من خلال تعزيز الشعور بالانتماء والكرامة، وتقديم فرص للمشاركة في الأنشطة المجتمعية والثقافية.

7. تقديم برامج دعم نفسي تستهدف العائلات ككل، لمساعدتها على التكيف مع الظروف الجديدة والحفاظ على تماسكها الأسري.

8. التعاون مع المجتمعات المستضيفة لتعزيز التفاهم والاندماج بين اللاجئين والمجتمعات المستضيفة. يجب تنفيذ برامج مشتركة تعزز التفاعل الإيجابي وتقلل من النبذ والإقصاء والتوترات الاجتماعية.

9. من الضروري إجراء تقييم دوري للخدمات النفسية المقدمة للاجئين لضمان فعاليتها واستجابتها لاحتياجاتهم المتغيرة، مع إجراء التعديلات اللازمة بناءً على التغذية الراجعة.

10. كما يجب مراعاة أن آثار اللجوء تستمر لفترة طويلة، لذا من المهم تقديم دعم نفسي طويل الأمد يواكب رحلة اللاجئين نحو التعافي والاستقرار النفسي والاجتماعي.

تقديم هذا النوع من الدعم الشامل يمكن أن يخفف من وطأة المأساة التي حدثت في حياة اللاجئين، ويساعدهم على استعادة قدرتهم على بناء مستقبل جديد يحمل أملاً وكرامة.

اللجوء لا يؤثر فقط على الجوانب النفسية للفرد، بل يمتد تأثيره إلى العلاقات الاجتماعية والعائلية. تعاني الأسر من التفكك والتباعد بسبب ضغوط الحياة الجديدة والظروف الاقتصادية الصعبة.