1

الحكومة, الانتخابات والوحدة: ما هي استراتيجية الخروج؟

مقال اليوم يتناول البيت الفلسطيني الداخلي, تحديات الاحتلال يومية وتعمق بيئة عدم اليقين, وهذا يجب ان يدفعنا للتفكير والتخطيط الاستراتيجي, ان نفكر بما يمكن تحقيقه فلسطينيا لمواجهة التحديات. الاختصاص مهم وخلط الأوراق مربك ومشتت للمصلحة الوطنية: يظن البعض ان تشكيل حكومة جديدة من شانه ان يقلب الأحوال, التغيير صحي بلا شك في أي مكان او مؤسسة, وهنا ضروري تذكير المهتمين في الشأن العام ان الحكومة مهامها تنفيذية وخدماتية لتوفير حاجات المواطن, ووجود وزراء اكفاء من التكنوقراط حسب الاختصاص قد يفي بغرض تقديم الخدمات للمواطنين وإيجاد حلول للتحديات الداخلية, ضروري ان يركز الوزراء علئ اختصاصهم الخدماتي والتنفيذي في اقتراح الحلول لمواجهة التحديات وخدمة الجماهير بعيدا عن العمل السياسي والدبلوماسي , ليس من اختصاص الوزراء مناداة المجتمع الدولي لحل الازمات او اقتراح الخطط والحلول بل عليهم مسؤولية المبادرة والتفكير وطرح الحلول!

الحكومة اختصاصها خدماتي للمواطنين اما الاختصاص السياسي فياتي من الانتخابات لإعادة الحياة للسلطة التشريعية وتفعيل المسائلة والمحاسبة حتى نضمن نجاح الحكومة التي عادة تكتسب شرعيتها من صناديق الاقتراع! مع نهاية ٢٠١٨، ظهرت الأزمات الداخلية خاصة بعد طرح مشاريع قوانين الضمان الاجتماعي والأخطاء الطبية ولاحقاً قرار المحكمة الدستورية بحل المجلس التشريعي حتى اصبحت معضلة النظام السياسي تكمن في الانقسام من جهة وفي الخلط بين مهام السلطات التنفيذية والتشريعية وارباك السلطة القضائية من جهة اخرى؛ فأصبحت السلطة التنفيذية تقوم مقام السلطة التشريعية، وحسب القانون الأساسي الفلسطيني تقدم السلطة التنفيذية ممثلة بالحكومة مشاريع قوانين وحسب المادة ٤٣ تصدر المراسيم الرئاسية التي تأخذ صفة القانون طالما المجلس التشريعي متعطل في حال عدم انعقاد. المادة ٢ من القانون الأساسي تؤكد على الفصل بين السلطات وان الشعب هو مصدرها. تعدد صلاحيات السلطة التنفيذية وتحولها من التنفيذ والرقابة وانشغالها بالتشريع هو أهم وأكبر التحديات بالتوازي مع الانقسام, هذه الحجة التي باتت تستخدم ضدنا من قبل الكثيرين! 

بعد تعيين رئيس جديد للجنة الانتخابات المركزية, هذه إشارة ايجابية في اتجاه تفعيل هذا الملف الأساس في الخروج من الوضع الراهن. لا نريد الاكتفاء بانتخابات محلية على مستوى البلديات والمجالس ولا حزبية وفصائلية بل نريد إعادة تفعيل المجلس التشريعي, لمَ لا تكون هذه الخطوة مدخلا جديدا للمصالحة والاتفاق على إجراء الانتخابات التشريعية في قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس، ضروري اليوم تهيئة الأجواء لإجراء هذه الانتخابات بدلا من التعامل مع فرضية استحالة اجرائها عمليا.

الانتخابات ليست مهمة من مهام الحكومة! الرئيس هو صاحب الشأن فيما يتعلق في الانتخابات بالتعاون مع لجنة الانتخابات المركزية ومن هنا نرى أن الانتخابات هي الوسيلة الأمثل لإتاحة الفرصة للمواطنين للمشاركة في إدارة الشؤون العامة وانتخاب ممثليهم وتعزيز أدوات الرقابة. المهم الْيَوْم اتخاذ قرار فلسطيني رسمي للتمهيد للانتخابات فهي مسؤولية وطنية ومجتمعية، ولا بد من تكاثف الجهود من كل الأطراف رسمية او شعبية لدعم وتأكيد اجراء الانتخابات. منذ تعطل المجلس التشريعي، حصل ارباك وخلط بين السلطات ادى إلى تراجع الأداء العام وتركزت السلطات بيد السلطة التنفيذية وتضائل دور المحاسبة والمراقبة لانشغال المنفذين والمراقبين في مهام المشرعين. صناديق الاقتراع وأصوات الشعب هي الكلمة الفصل عملاً بالقانون الأساسي والمشاركة السياسية، فمن حق ومسؤولية الشعب أن يشارك في الحياة العامة عبر الانتخابات وتعطيل هذا الجانب لا يخدم مشروعنا الوطني كما شهدنا ويبعد الأجيال الشابة ويقصيها عن المشاركة في الحياة السياسية والعامة. ندرك تماما عدم رغبة العديد من الجهات في اجراء انتخابات فلسطينية لأسباب شتى قد تتعلق بعدم قبولهم لنتائج الديمقراطية الفلسطينية سابقا, فهذه الأطراف تريد ان تصمم الديمقراطية الفلسطينية حسب مزاجها. 

لا ندعي هنا ان الانتخابات ستحقق التغيير ١٨٠ درجة كاثر العصا السحرية مثلا ولكن الانتخابات هي وسيلة مهمة في حال تم تبنيها بشكل منتظم ومستدام تضمن تداول ديمقراطي للسلطة يقوم على أساس رغبة الشعب, الفلسطينيون في امس الحاجة للخروج من هذا الفراغ السياسي, مهمة الفصائل انهاء الانقسام وهذا يبدا بالاتفاق على عقد الانتخابات, تشكيل حكومة جديدة ليس الحل للشأن السياسي, فلنتذكر جميعا ان الحكومة السابقة كانت مهام تشكيلها انهاء الانقسام وعقد الانتخابات ولم يتحقق أي منها. 

هذا الطرح غير منفصل عن الواقع, ما يحدث في غزة يجب ان يكون اكبر محفز لإعادة التوازن للنظام السياسي وانهاء الانقسام خاصة في ظل حكومة إسرائيلية متطرفة عنصرية لا تلتفت للفلسطينيين كبشر بالدرجة الأولى, استراتيجية الخروج تبدا بالتحرك لإنقاذ بيتنا الداخلي بدلا من انتظار التغيير من الخارج.

د. دلال عريقات، استاذة الدبلوماسية والتخطيط الاستراتيجي، كلية الدراسات العليا، الجامعة العربية الأمريكية.




رفح بين الصفقة والحرب

تسارعت وتيرة التطورات الدبلوماسية يوم امس في عدة محاور ، جميعها تصب في نهاية المطاف بمحور العدوان البري المحتمل على رفح ومحاولات تجميده بضغوطات مصرية كبيرة ، ويمر ذلك فقط بصفقة تبادل عاجلة وسريعة قد توافق عليها حماس لإنقاذ القطاع من حرب كارثية مدمرة ، ستزيد الأمور تعقيدا وتفرض على مدنيي غزة حرب ابادة وتجويع اخرى ، بفصول قاسية وظروف صعبة لا يحتملوها على الإطلاق ..

تعتمد صفقة التبادل على موافقة حماس التي أشارت إلى تفاصيلها الأسبوع الماضي واهمها انه لم يعد بمقدورها توفير ٤٠ محتجزا ممن تنطبق عليهم معايير المرحلة الاولى من مجندات وقاصرين ومرضى ، لان عددا منهم لم يعد على قيد الحياة ، وانها جاهزة في المرحلة الاولى للافراج عن ٢٠ رهينة ، وبعد نقل معلومات استخباراتية دقيقة للكابينيت السياسي والامني وكابينيت الحرب من قبل فريق التفاوض الاسرائيلي ، صرح مصدر مسؤول امس ان اسرائيل قد توافق على نقاش الموضوع مع منح فريق التفاوض الذي سيجتمع مع وفد مصري اليوم الجمعة في تل ابيب صلاحيات اوسع للوصول إلى الصفقة ، مع الإفراج عن عدد من اصحاب المحكوميات العالية من السجناء الفلسطينيين وعودة النازحين دون شروط إلى شمال القطاع بعد انسحاب وحدة ( الناحال) امس من محور نتساريم وهذا مؤشر قد يعطي انطباعاً جيدا ..

كثيرة التطورات التي حصلت يوم امس واهمها ان الولايات المتحدة وسبع عشرة دولة وجهت دعوة مشتركة لحماس ، لاول مرة منذ بداية الحرب بضرورة الإفراج عن المحتجزين الإسرائيليين ، في الوقت الذي رحب فيه خليل الحية القيادي في حماس بالتصريحات الاميركية لاول مرة حيث اعتبرها ايجابية الأمر الذي يرمز إلى وجود تقدم في هذا الملف ، مع التاكيد على ان التصريحات التي قدمها الحية لوكالة أسوشيتدبرس حول استعداد حماس لهدنة مدتها خمس سنوات أو أكثر مع إسرائيل، ويمكن أن تلقي أسلحتها وتتحول إلى حزب سياسي في حال تم إنشاء دولة فلسطينية مستقلة على أساس حدود 1967، ورغبة حماس الانضمام إلى منظمة التحرير الفلسطينية، لتشكيل حكومة موحدة لغزة والضفة الغربية، واستعدادها للقبول “بدولة فلسطينية ذات سيادة كاملة في الضفة الغربية (بما فيها القدس) وقطاع غزة وعودة اللاجئين الفلسطينيين وفقًا للقرارات الدولية”، فان هذه التصريحات وان كان مداها بعيدا أشاعت اجواء من التفاؤل في الأروقة الدبلوماسية ..

من وراء الكواليس تبدو النقاشات جادة لتجميد عملية رفح والتوجه نحو صفقة تبادل ، ولكن على المقلب الاخر فان التصريحات الاسرائيلية بان الجيش اعد خطة الهجوم على رفح ، وانه ينتظر فقط قرار المستوى السياسي للتنفيذ ، تجعل من المسألة جدية مع امكانية الاخد بعين الاعتبار انها قد تكون تصريحات ذكية لممارسة مزيد من الضغوطات على حماس ..

ايا كانت هذه التصريحات والمغازي والألغاز التي تحملها ، إلا اننا نعتقد ان حربا على رفح قد تفتح جبهة جنوب لبنان ايضا،وهو ما اشارت له وسائل اعلام اسرائيلية يوم امس، وبالتالي تدخل المنطقة في دوامة صراع كبير حتى نهاية الصيف القادم ، وهو امر لا تريده مصر والولايات المتحدة ومن هنا فان الثقل الكبير سيكون اليوم بالتركيز على امكانية انجاح المسار الدبلوماسي وإنجاب صفقة تبادل تنقذ المنطقة من حرب كارثية ..فهل تنجح الدبلوماسية اخيرا بإخماد نيران الحرب ولو مؤقتا ؟




تجديد السلطة والتنازلات المجانية لما بعد السابع من أكتوبر

لم أكن أرغب في الكتابة حول هذا الموضوع لولا التصريحات التي صدرت مؤخراً عن رئيس الوزراء د. محمد اشتية بشان خطة الإصلاح التي تنوي الحكومة القيام بها. فقد تولى الأخ د. محمد اشتية رئاسة الوزراء في العاشر من آذار 2019 أي قرابة الخمس سنوات، والمفروض أن تكون حكومته قد فرغت من تنفيذ برنامجها وأنها الآن في نهاية عهدها لإفساح المجال أمام حكومة جديدة ببرنامج جديد، على أساس الافتراض ولو نظرياً بأن كل الحكومات في العالم لا تعمر في الحد الأقصى أكثر من الفترة البرلمانية المحددة بأربع أو خمس سنوات، وأن الحكومة الفلسطينية بالرغم من أنها تعمل في غياب برلمان إلا أن هذا المبدأ ينطبق عليها.

ومع ذلك فإن علينا ألا نستغرب اعلان رئيس الوزراء عن خطته الإصلاحية لأن هذا الإعلان يأتي في أجواء كثر فيها اللغط عن ضرورة “تجديد” السلطة الفلسطينية، بمعنى اصلاح السلطة الفلسطينية التي تعرضت وتتعرض لحملة اغتيال معنوي وبناء شخصية نمطية لها كسلطة فاسدة إداريا ً وماليا. ورغم المبالغة في الحديث عن فساد السلطة، إلا أن اية حكومة، في أية دولة في العالم، تعمل في غياب مراقبة ومساءلة برلمانية لا بد وأن ينزلق بعض أو معظم وزرائها وكبار المسؤولين فيها نحو اغراءات القوة والسلطة الممنوحة لهم فيقعون عن قصد أو غير قصد في “شبهة” الفساد الإداري والمالي. 

العودة الى فيلم عرفات – عباس 2003

ولا بد هنا من الإقرار بأن الحديث من قبل أمريكا وغير أمريكا عن ضرورة “تجديد”، أي اصلاح، السلطة لا يعني تصويب أو اصلاح أداء الحكومة وإنما القصد من هذا الحديث هو اجراء تغييرات في رأس هرم السلطة وأعني الرئيس ومؤسسة الرئاسة. وقد ورد ذلك بشكل واضح من خلال الحديث الأمريكي عن ضرورة تنازل الرئيس عباس عن بعض صلاحياته لرئيس وزراء قوي يتولى رئاسة الوزراء غير رئيس الوزراء الحالي.

والطريف أن الحديث عن تنازل رئيس السلطة عن بعض صلاحياته ليس بالأمر الجديد فقد سبق في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات أن مارست أمريكا ضغطا عليه واتهمته بالاستحواذ على السلطة ورأت فيه عقبة أمام “جهود السلام” وطالبته بأن يتنازل عن حلمه بإقامة نظام رئاسي فلسطيني يجمع الرئيس بيده كلا من منصبي الرئيس ورئاسة الحكومة، وأن يعين رئيسا للوزراء ويتنازل له عن جزء من صلاحياته.

 وقد اضطر الرئيس عرفات آنذاك للرضوخ ولو جزئياً للضغوط الأمريكية وطلب من المجلس التشريعي تعديل القانون الأساسي واستحداث منصب رئيس وزراء، فكان له ذلك، وكلف الأخ محمود عباس بتشكيل حكومة جديدة بتاريخ 19/3/2003 حازت على ثقة المجلس التشريعي قي 29/4/2003. ولكن الرئيس عرفات لم يتعامل بموضوعية مع رئيس الحكومة محمود عباس ورفض اعطاءه أية صلاحية تتعلق بالسيطرة على الأجهزة الأمنية وظل ينتقده ويهاجمه في جلساته الخاصة لدرجة أن كان يقول عنه بأنه قرضاي فلسطين أسوة بالرئيس قرضاي الذي جاءت به أمريكا في ذلك الحين لرئاسة أفغانستان عام 2001. وعمل على وضع العراقيل أمام حكومته لإفشاله الى أن اضطر رئيس الوزراء محمود عباس للاستقالة في 6/9/2003 أي بعد 171 يوما.

وها نحن اليوم أمام نفس المشهد ولكن مع تغيير وجوه من هم على المسرح ليجد الرئيس عباس نفسه في نفس المكان الذي كان فيه الرئيس الراحل عرفات في 2003! كل ذلك تحت طائلة مطالبة أمريكا بضخ دماء جديدة في السلطة وتذرعها بأن الرئيس قد كبر في العمر وأن النظام ترهل وأن هناك حاجة لتجديد السلطة وخاصة رأس الهرم!

سلطة 2003 والسلطة اليوم!

وانصافا ً للحقيقة ففي عام 2003 كانت هناك هيكلية دولة ممثلة بوجود مجلس تشريعي فعال وقضاء مستقل وسلطة تنفيذية، وأما في الوقت الحالي فليس هناك مجلس تشريعي منذ انقلاب حماس في 2007، ولا توجد سلطة قضائية مستقلة، ويقف على رأس السلطة التنفيذية شخص واحد هو الرئيس عباس يجمع بيده كل صلاحيات السلطتين التنفيذية والتشريعية ولا تقف السلطة القضائية خارج نطاق سلطته وإمكانية تدخل أذرعه التنفيذية في الشأن القضائي.

صحيح أن هناك حاجة ماسة لتجديد أي اصلاح السلطة، ولكن ليس استجابة لطلب أمريكي أو دولي مهما كانت هويته وإنما استجابة للمصلحة الوطنية الفلسطينية التي تقتضي أن تكون هناك سلطة فلسطينية تستمد شرعيتها من إرادة الشعب الفلسطيني بكل مقوماته وألوان طيفه السياسي. ونقطة الانطلاق نحو تكوين مثل هذه السلطة يجب أن تكون من خلال ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني وجمع شمله وشتاته. ولا شك بأن فاقد الشيء لا يعطيه، وبالتالي فإن التعامل الجدي مع فكرة الإصلاح لا يكون من خلال حكومة تعمل في فراغ دستوري ومنأى مطلقا ً عن أية رقابة أو مساءلة، وإنما من خلال حكومة تحظى بالثقة والشرعية البرلمانية.

نحن نعيش اليوم في مرحلة هي الأخطر في تاريخ الصراع الفلسطيني مع الاحتلال بأشكاله المختلفة، ولا بد من الإقرار بأن مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر 2023 قد أعادت فرض القضية الفلسطينية على أجندة المجتمع الإقليمي والدولي وما الأصوات التي بدأنا نسمعها اليوم من دول مثل بريطانيا وأمريكا عن إمكانية الاعتراف بالدولة الفلسطينية وعن التعامل بجدية أكثر مع فكرة حل الدولتين، ما هي إلا احدى نتائج ما بعد السابع من أكتوبر وثمرة للصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني البطل في قطاع غزة الذي ما زال يواجه أعتى عمليات القتل والدمار العشوائي الوحشي دون أن يرفع راية الاستسلام رغم افتقاره لأبسط مقومات الحياة من ماء ودواء وغذاء ومأوى. وعلينا ألا نفرط بما تم تحقيقه بل البناء عليه لتكون الحرب الحالية هي آخر الحروب وخاتمة المعاناة.

ولا شك بأن انضواء كل القوى والفصائل الفلسطينية تحت لواء منظمة التحرير الفلسطينية هو الخطوة الأولى نحو ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني وإعادة الشرعية لمؤسساته، ولكن ذلك لا يمكن أن يتم دون ضوابط وحسابات.

مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر

 والتنازلات المجانية

لقد وضع الرئيس عباس رئيس منظمة التحرير الفلسطينية شروطا ً أربعة لانضمام حماس الى منظمة التحرير وهذه الشروط رغم ما فيها من موضوعية إلا أن من الممكن أن تتحول الى تنازلات مجانية من قبل المقاومة الفلسطينية ككل الى إسرائيل دون تحقيق أي انجاز للقضية الوطنية للشعب الفلسطيني ما لم توضع في السياق الصحيح.

ولمزيد من التوضيح أقول بأن مسلسل التنازلات الفلسطيني بدأ منذ انعقاد المجلس الوطني في تشرين ثاني نوفمبر 1988 بالجزائر واعترافه بالشرعية الدولية ممثلة بالقرارات 242 و 338 وقرار التقسيم 181 ونبذ العنف والإرهاب. وكان كل ذلك مقدمة للدخول الى نادي الشرعية الدولية وتوطئة لكي تقبل أمريكا بإجراء اتصالات مباشرة مع م ت ف. ومنذ ذلك الحين ومسلسل التنازلات الفلسطيني مستمر وهو أشبه برقصة التعري دون أن يحقق أية نتيجة.

والمطلوب اليوم من حركة حماس الإقرار بأن برنامجها هو دولة فلسطينية في الضفة والقطاع وعاصمتها القدس الشرقية على حدود 1967، والاقرار بأن المقاومة في هذه المرحلة تقتصر على المقاومة الشعبية السلمية، والالتزام بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني والالتزام بكافة الاتفاقيات الموقعة من قبل م ت ف بما في ذلك الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل، والالتزام بالشرعية الدولية وبالقانون الدولي كأساس لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي. 

وهذه الشروط الأربعة هي شروط منطقية وضرورية للدخول الى ساجة المجتمع الدولي، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل اعتراف حماس بل وكافة فصائل المقاومة الفلسطينية بهذه الشروط هو عمل أحادي من جانب المقاومة دون أن يكون هناك التزام مماثل من جانب إسرائيل؟ أليس الاعتراف بهذه الشروط الأربعة من جانب المقاومة دون أي التزام من جانب إسرائيل بنفس البنود هو تفريط وتنازل مجاني يضع حماس وغير حماس في خانة من تنازلوا على المقاومة وساروا على درب أوسلو ولم يحققوا إلا التنازل إثر التنازل مما بات يهدد بضياع وانهاء حلم الدولة والتحرر؟

نحن مع الشرعية الدولية ومع القانون الدولي كأساس لحل الصراع ومع السلام ولكن هذه الالتزام يحتاج الى أن يكون التزاما ثنائيا ً متبادلا. وعلى حماس والقيادة الفلسطينية أن يعملا معا من أجل البحث عن صيغة يمكن أن تقدمها للمجتمع الدولي لكي يقتنع بأن حماس أيضا ً مستعدة للسير على درب م ت ف وتحت مظلتها اذا التزمت إسرائيل بنفس المبادئ قولا وفعلا لإنهاء الصراع وتحقيق السلام والأمن والاستقرار للشعب الفلسطيني لأن ذلك هو وحده ما يمكن أن يحقق السلام والأمن والاستقرار للإسرائيليين، وإلا فإن اقتصار تلك الالتزامات على الجانب الفلسطيني وحده ليس إلا تفريط ما بعده تفريط.




صفقة الأسرى انتصار للمقاومة … ماذا بعد‎؟

هاني المصري

لا أضيف جديدًا بالقول إن صفقة تبادل الأسرى التي عقدت بين دولة الاحتلال وحركة حماس بوساطة مصرية قطرية، كانت نصرًا للمقاومة تضاف إلى نصر السابع من أكتوبر، ولكن هذا لا يحجب حجم الخسائر الفادحة الفلسطينية، ولا أنها جولات في حرب لم تنته.

مثلت صفقة التبادل نصرًا للمقاومة لأسباب عديدة، أهمها أنها كانت يمكن أن تعقد قبل بدء الحرب البرية، وبشروط أحسن للاحتلال؛ لأن أبو عبيدة، الناطق باسم كتائب القسام، قال في حينه إن المدنيين والأجانب الذين بحوزة المقاومة ضيوف، وسيتم إطلاق سراحهم فور توفر ظروف تسمح بذلك، ولكن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وأركان حربه الذين تلقوا ضربة قوية على رؤوسهم هزتهم من الأعماق في السابع من أكتوبر رفضوا العرض، وتعهدوا بأنهم سيفرضون على المقاومة إطلاق سراح الأسرى من دون شروط ولا تبادل، جراء الضغط العسكري وارتكاب المجازر والإبادة والعقاب الجماعي.

فالحكم على الصفقة لصالح من يمكن أن يستنبط من المقارنة مع موقف كل طرف في البداية وما موقفه في النهاية، وأي تقييم موضوعي يرى أن الصفقة لبت إلى حد لا بأس به مطالب المقاومة. وربما نقطة الضعف الكبيرة تتمثل في عدم النص على إمكانية انتقال أهل الجنوب، خصوصًا من المهجرين إلى الشمال لتفقد بيوتهم والعودة إلى البيوت التي لا تزال صالحة للسكن، ولكن هذا على ما يبدو أقصى ما أمكن تحقيقه.

وقائع تطبيق الصفقة ذات دلالة

حاول الاحتلال خلال أيام التهدئة الأربعة فرض وقائع تمثلت في إصرار قوات الاحتلال على منع إظهار الفرح على عائلات الأسرى وعموم الشعب الفلسطيني، لدرجة منع الاحتفالات بالقوة في القدس المحتلة، وانتشارها في بقية مدن الضفة، وقمع أهالي الأسرى المحررين بالقرب من سجن عوفر أكثر من مرة، وعدم الالتزام في الدفعة الأولى بإطلاق سراح الأسرى وفق الأقدمية، غير أن موقف المقاومة كان صارمًا ورافضًا لتنفيذ الصفقة عند كل إخلال بشروطها، مثلما حصل في اليوم الأول من تأخير التنفيذ لساعات بسبب وجود طائرات مسيرة خلافًا للاتفاق، وما حدث في اليوم الثاني من وقف الصفقة لعدم التزام حكومة الاحتلال بإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين وفق الأقدمية، وعدم السماح بتدفق المساعدات بما في ذلك الوقود، خصوصًا إلى شمال غزة وفق ما تم الاتفاق عليه.

والأهم من كل ما سبق أن عملية التسليم من طرف المقاومة كانت تتم بشكل نظامي وفي الوقت المحدد، وكانت نقطة التسليم في المرة الثالثة في شمال قطاع غزة، وفي قلب مدينة غزة، وسط استعراض قوة نفذه مقاتلو القسام في منطقة وصلت إليها قوات الاحتلال ثلاث مرات أثناء الحرب وقبل وقف إطلاق النار، ردًا على ادعاءات الاحتلال بأن تسليم الأسرى في خان يونس يرجع إلى أن المقاومة في الشمال تلقت ضربات قاصمة، وهذا يدل على أن المقاومة لا تزال تملك الإرادة والقدرة على التحكم والسيطرة، على الرغم من إلقاء أربعين ألف طن من المتفجرات على قطاع غزة.

صفقة التبادل نقطة تحوّل

لا يمكن الانتقال إلى آفاق ما بعد الصفقة إلا بعد التوقف أمام ما تمثله من نقطة تحول، وما كانت لتكون كذلك لولا مجموعة من العوامل، وهي:

أولًا: صمود الشعب وتماسكه على الرغم من الكارثة الإنسانية التي ألمت به، وما خلفته من أكثر من 50 ألف شهيد وجريح ومفقود تحت الأنقاض، وما تعرض له قطاع غزة، وخصوصًا شماله إلى تدمير شامل، وصل في مناطق عديدة إلى مسح مناطق وأحياء بشكل كامل عن الوجود، بما في ذلك تدمير معظم مجالات الحياة من تدمير كلي وجزئي لمصادر المياه والطاقة والمستشفيات والمدارس والجامعات والمؤسسات العامة على مختلف أنواعها، والكثير من المؤسسات الخاصة والأهلية، فكان الاحتلال يتوقع ثورة ضد “حماس” والمقاومة، وما حصل يختلف عن ذلك إلى حد كبير.

ثانيًا: صمود المقاومة وتماسكها وقدرتها على إيقاع خسائر فادحة في صفوف القوات المحتلة لمناطق في شمال قطاع غزة، وإثبات ذلك بالصوت والصورة؛ ما يسمح بالقول إن خسائر قوات الاحتلال كما أكد خبراء عسكريون أكثر مما يعلنه الناطق باسم جيش الاحتلال، كما أن حجم المساحة التي وصلت إليها وبقيت فيها يدل على أن وضع قوات الاحتلال صعب، وسيكون أصعب مع استئناف الحرب البرية بعد انتهاء الهدنة.

ثالثًا: إن الانتفاضة الشعبية العربية والعالمية، خصوصًا الأخيرة، تركت بصماتها على واشنطن ومختلف عواصم القرار في الغرب والعالم كله، وليس سرًا أن إدارة الرئيس جو بايدن ما كانت لتمارس الضغط على حكومة بنيامين نتنياهو لعقد الهدنة لولا ما تشهده الولايات المتحدة من عاصفة تأييد للقضية الفلسطينية، ورفض لحرب الإبادة التي تشن ضد الشعب الفلسطيني.

وفي هذا الصدد، لا نستطيع عدم إدراج خشية الإدارة الأميركية، كما نقل عن مسؤولين في واشنطن، من تدهور كبير في مكانتها في المنطقة والعالم الشيء الذي دفعها للضغط على الحكومة الإسرائيلية لقبول التهدئة، وكذلك تأثير الحرب على عدم استقرار دول الإقليم جراء الغضب العارم لدى مختلف الشعوب العربية، وإمكانية تأثيره، سواء في مواقف الأنظمة العربية أو استقرارها.

رابعًا: اشتعال جبهات أخرى عدة في لبنان والعراق وسوريا واليمن، خصوصًا الجبهة الشمالية التي وصلت سخونتها في مرات عدة إلى حد الاقتراب من اندلاع حرب مفتوحة، وهذا عامل مهم جدًا؛ لأن ما تخشاه إدارة بايدن أكثر من أي شيء آخر هو امتداد الحرب إلى حرب إقليمية، لا سيما وهي تدرك أن نتنياهو وأركان حربه، خصوصًا يوآف غالانت، يريدونها في محاولة لخلط الأوراق، وعلى أمل إحراز انتصار يخفف من المساءلة القادمة لهم على خلفية الإخفاق الكبير والإستراتيجي في السابع من أكتوبر، والذي ستبقى آثاره تلاحق إسرائيل مهما كانت نتيجة الحرب الحالية.

خامسًا: تواصل وتصاعد الضغط الداخلي في إسرائيل، سواء من أهالي المحتجزين والأسرى وأنصارهم، أو من رجال الاقتصاد الذين يحذرون من استمرار الحرب لأشهر قادمة، وما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من انهيار اقتصادي.

آفاق التهدئة: تهدئة أخرى أم استئناف الحرب؟

مع صدور المقال، سيكون معروفًا هل سيتم تمديد الهدنة ليوم أو أيام عدة، وعلى الأرجح أنها ستمدد لأيام عدة على قاعدة يوم مقابل كل عشرة أسرى، وعلى أساس أسير إسرائيلي مقابل ثلاثة فلسطينيين، ويتوقف ذلك إلى حد كبير على مدى قدرة المقاومة على تجميع الأسرى لديها. لكن من الأرجح أن تستأنف الحرب بعد الهدنة، وهذا يمكن استنتاجه من أن أيًا من أهداف الحرب التي حددتها حكومة الحرب الإسرائيلية لم يتحقق، فلم يتم القضاء على حركة حماس، ولا منعها من مواصلة المقاومة واستمرار إطلاق الصواريخ، بما في ذلك إلى تل أبيب، حتى اللحظات الأخيرة، ولم يتم إطلاق سراح معظم المحتجزين والأسرى، وما تبرهن عليه الصفقة المبرمة أن طريق الإفراج عنهم، صفقة شاملة أو صفقات تبادل، ستختلف شروطها عندما تصل الأمور إلى الإفراج عن العسكريين؛ حيث قدمت المقاومة عرضها “الجميع مقابل الجميع”.

وكتحصيل حاصل لعدم تحقيق الهدفين السابقين، لم يتحقق الهدف الثالث، وهو إسقاط حكم “حماس”، وعدم تشكيل القطاع تهديدًا لدولة الاحتلال في المستقبل.

تأسيسًا على ما سبق، لا بد من بالأخذ في الحسبان تأكيدات نتنياهو وغالانت وبيني غانتس وهرتسي هاليفي، رئيس أركان جيش الاحتلال، بأنهم سيواصلون الحرب، وأنهم سيستهدفون الشمال والجنوب وكل القطاع حتى تحقيق أهدافهم كاملة؛ وهذا لأنهم يدركون أن الحرب إذا توقفت الآن، فهي هزيمة منكرة لدولة الاحتلال، وستهدد المكانة الإستراتيجية لإسرائيل ولمواطنيها، وفي الإستراتيجية الغربية بشكل عام، والأميركية بشكل خاص؛ ما سيضع علامة سؤال على وجود دولة الاحتلال ومستقبلها في المنطقة.

بايدن يدعم استمرار الحرب
يضاف إلى ما سبق أن إدارة بايدن لا تزال تدعم استمرار الحرب، كما يدل على ذلك من تصريحات الرئيس الأميركي نفسه وترديده لأقوال نتنياهو حول القضاء على “حماس”، ورفضه لوقف دائم لإطلاق النار، وكل ما يهمه حتى الآن تقليل الخسائر في صفوف المدنيين حتى لا يزيد الضغط الأميركي الداخلي والخارجي عليه. لذلك تحاول إدارة البيت الأبيض إقناع أركان الحرب في إسرائيل بإقامة مناطق آمنة في الجنوب، وتركيز عملياتها على أهداف عسكرية، وليس الضرب بصورة عشوائية تطال كل شيء.

إجماع إسرائيلي على الحرب

لا يزال الرأي العام الإسرائيلي في معظمه يؤيد استمرار الحرب، وكانت الخلافات ليست حول الحرب، بل حول كيفية خوضها والأولويات، بين فريق مؤيد للحكومة التي أعطت الأولوية لهدف القضاء على “حماس”، وفريق آخر أعطى الأولوية لإطلاق سراح المحتجزين والأسرى، وفريق يريد طرح أفق سياسي لضمان تأييد المعتدلين الفلسطينيين والعرب وأوروبا وغيرهم.

آفاق الحرب

إن استمرار مفعول العوامل التي أدت إلى صفقة التبادل والهدنة المؤقتة سيؤدي إلي هدن جديدة، وتصاعدها سيؤدي إلى وقف الحرب؛ أي إن استمرار صمود الشعب، وتواصل المقاومة، وتواصل الانتفاضة الشعبية العربية والعالمية، وتسخين الجبهة الشمالية والجبهات الأخرى، والضغط الداخلي الإسرائيلي؛ سيؤدي إلى وقف الحرب قبل أن تحقق حكومة الطوارئ أهدافها؛ لأن الخسائر الناجمة عن استمرارها لإسرائيل وحلفائها، خصوصًا الحليف الأميركي الشريك في الحرب وأصبح إلى حد كبير صاحب القرار، أكبر من الأرباح التي تعود عليهم من استمرارها. ولعل مواقف بلدان مثل بلجيكا وإسبانيا وإيرلندا والنرويج ودول عدة في أميركا اللاتينية التي سحبت السفراء أو قطعت العلاقات وكذلك جنوب أفريقيا وغيرهم، وتغير مواقف كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا وكندا وغيرها؛ مؤشرات إلى أين يمكن أن تذهب الأمور.

حرب بوتائر مختلفة

هنا، من الضروري الاستعداد لسيناريو استمرار الحرب بوتائر مختلفة أخف مما جرى، إذا ما فشلت الجولة القادمة في تحقيق ما فشلت الجولات الأولى في تحقيقه، وتشبه ما يجري إزاء مخيم جنين، وهذا يمكن أن يستمر لفترة طويلة؛ حيث تبقى قوات الاحتلال في مواقع، وتقوم باقتحامات وغارات واغتيالات واعتقالات من دون احتلال كامل ولا بقاء دائم في الكثير من المواقع، بل التحصن في مواقع وجعلها نقاط ارتكاز للهجوم.

يعزز هذا السيناريو أن أركان الحرب، وعلى رأسهم نتنياهو، يريدون حربًا طويلة حتى يحققوا نصرًا وتأخير ساعة محاسبتهم، وأن الحرب لا يمكن أن تقف نهائيًا من دون إطلاق سراح الأسرى الذين لن يطلق سراحهم إلا مقابل وقف دائم لإطلاق النار ومعادلة الجميع مقابل الجميع، وهي صفقة لن تتم بسرعة، بل ستستغرق وقتًا؛ لأنها إن تمت ستكون علامة أكيدة على هزيمة حكومة نتنياهو.

سيناريوهات ما بعد الحرب

يضاف إلى كل ما سبق عدم ضمان ما الذي سيحدث في اليوم التالي للحرب، وسط رفض إدارة بايدن لإعادة احتلال قطاع غزة، أو تهجيره، أو تقليصه من حيث المساحة والسكان، ومطالبتها بعودة السلطة المتجددة، وهذه نقاط تضع قيودًا على حكومة الاحتلال وتحد من استمرار الحرب بوتائر عالية، ولكنها تسمح باستمرارها بوتائر منخفضة، خصوصًا إذا لم تحقق نجاحات في الميدان. فالميدان يبقى هو العامل الأهم والحاسم، وهناك فرق بين انتصار واضح للمقاومة وبين انتصار واضح للاحتلال، وما بين الوصول إلى صيغة لا غالب ولا مغلوب وبما يسمح بادعاء كل طرف الانتصار، وفي كل الأحوال ما بعد السابع من أكتوبر يختلف عما قبله، ولن تبقى إسرائيل كما كانت، ولا السلطة الفلسطينية كما كانت، وكذلك “حماس” والمقاومة.




إسرائيل خمسة وسبعون عاماً من الفشل

نبيل عمرو

على مدى حروبنا مع إسرائيل، والتي لم تهدأ منذ بداية النكبة إلى أيامنا هذه، كنا نصف حالنا كمظلومين وضحايا. وكنا نبذل جهداً كبيراً في نشر صور مأساتنا، وقوائم بأسماء شهدائنا، وأغنيات من نمط أخي جاوز الظالمون المدى، ودواوين شعر سميت بدواوين النكبة، ومعظمها رثاء ليس فقط لأشخاص يستحقون الرثاء والتخليد، بل رثاء لحالة.. تستدر العطف والاشفاق.

تعمق شعور “الظلم والضحية”، جرّاء السادس من حزيران 1967، الذي ولّد في داخلنا دماراً اجتاح أرواحنا، حين استفقنا على نصر مزيف ألّفته لنا الإذاعات، نتيجته احتلالٌ لكل فلسطين، ولأجزاء مهمة من أراضي سوريا، ومصر، مع احتلال معنوي أوسع وأخطر غلّف الروح العربية من المحيط إلى الخليج، بشعور الهزيمة والإحباط.

ويقول التاريخ.. إن العرب والفلسطينيين تجاوزا هذه الهزيمة، وانتزعت الثورة الفلسطينية زمام المبادرة بعد أن كانت انطلقت قبل الهزيمة بسنتين.

تغير الخطاب من النكبة والظلم والشكوى.. لينشأ خطاب المقاومة، الذي اكتسب صدقية من خلال اقترانه بالفعل.

كبرت الثورة الفلسطينية وتعمقت مفاهيمها عند الفلسطينيين والعرب والمتعاطفين على مستوى الكون كله.

تغيرت المعادلات القديمة وظهرت معادلات جديدة وتكرست. وأهم ما في الأمر كله أن فلسطين “المظلومة والضحية”، أضحت رقماً في كل المعادلات الجديدة، وهذا وحده كان كافياً لأن يبدد وينهي فكرة التصفية التي كرست إسرائيل وحلفائها كل امكاناتهم لإنجازها عبر الاذابة أو التوطين أو النسيان. وحين تصبح التصفية مستحيلة، فهذه أول وأهم خسارة تلحق بإسرائيل ومن معها.

حرب حزيران التي انتظر فيها موشيه ديان إلى جوار الهاتف اتصالاً حلم به من جمال عبد الناصر، يقول فيه “إنني جاهز للاعتراف بإسرائيل من موقع المهزوم”، جاء ردٌ مزدوج، الأول من عبد الناصر حين رفع شعار ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، مع شعار وُضع موضع التنفيذ هو إزالة آثار العدوان، والثاني من الفلسطينيين الذين نفضوا غبار النكبة الأولى والثانية عن روحهم وارادتهم، وواصلوا صراعاً صعباً ومركبا زاوجوا فيه بين البندقية والسياسية، وفازوا بالدخول الدائم والمؤثر إلى المعادلات على نحو يستحيل اخراجهم منها.

حين كانت أمريكا في أوج قوتها ونفوذها، ذهبت إلى مسيرة سلمية، رُشحت مصر للعب دور البطولة فيها، ووفق معادلة السادات بأن تسعاً وتسعين بالمائة من أوراق الحل بيد أمريكا، حدث أهم وأعمق تحول في مجرى الصراع العربي الإسرائيلي، وهو إخراج الجيوش العربية التقليدية في دول الطوق، وما هو قريب منها من معادلة الحرب، لتواصل المسيرة الأصعب، وعنوانها كيف يحذو الإقليم كله حذو مصر، لترتسم في المخيلة صورة سلام شامل ودائم ثمنه أن تكون إسرائيل جزء لا يتجزأ من المنطقة، وأن ينعم الفلسطينيون بحكم ذاتي يتطور إلى دولة.

ومثلما أساءت إسرائيل “ديان” فهم انتصارها العسكري في حزيران.. أساءت التعامل مع ما رأته كنزاً وقع بين يديها وهو السلام مع الدولة العربية الأكبر، إذ تضخم في وعيها وهم القدرة على إلغاء الفلسطينيين وحقوقهم بعد أن هُيئ لها أن حرب أكتوبر 73 التي أنتجت اتفاقية السلام مع مصر ستكون آخر الحروب. وأول الخطوات الاستراتيجية ليس فقط نحو أن تكون جزءا من المنطقة بل ومتحكمة بها وبمصائر شعوبها.

إساءة قراءة فهم التطورات منذ حرب 67 مروراً بـ 73، فرض عليها حروباً من نوع جديد ومختلف.. ثورة فلسطينية مقاتلة في الضفة والقطاع والعمق، ومعارك لا تتوقف خارج النطاق الجغرافي للضفة وغزة المحتلتين، ذلك أظهر أن ما حصلت عليه من مصر لم يفض إلى ما فكرت فيه من سيطرة على المنطقة بأسرها، والمفارقة هي أن العقبة الأهم جسدتها مصر الدولة والشعب، التي عزلت الاتفاق السياسي عن التطبيع الشعبي وهذا ما فعله الأردن كذلك.

أجبر العالم الفلسطينيين على الإذعان لإجماعه الذي تجسد في زمن الحرب الباردة وما بعدها، والذي قوامه الحفاظ على دولة إسرائيل ضمن حدود آمنة ومعترف بها، ويتعين على الفلسطينيين أن يعترفوا بذلك، لقاء فتح الباب أمام حقهم في إقامة دولتهم، ذلك دون ضمانات كافية وفعالة يحصلون جرّاء اعترافهم الثمين.

تحايلت إسرائيل كثيراً.. وأنتج تحايلها حروباً لم تنجُ من دفع أثمانها. إن حروب الحالة الفلسطينية في داخلها ومن حولها وحروب الجوار اللبناني التي لم تتوقف بعد خروج القوة العسكرية الفلسطينية من الجنوب اللبناني، التي نقلت البندقية من كتف إلى كتف، ولتتطور الأمور على نحو أكثر خطورة من كل ما مضى.

كانت أمريكا وإسرائيل قد احتفلتا وهما تشيعان البواخر التي حملت المقاتلين الفلسطينيين الاشداء إلى منافٍ جديدة وبعيدة، وواصلت تضليل نفسها بأن كل شيء انتهى دون أن يخطر ببالها أن الأخطر والأصعب بدأ.

طوى الزمن أيامه وأحداثه بالشهور والسنين إلى أن وصلنا إلى أكتوبر 2023، الذي سمي فلسطينيا بطوفان الأقصى، وسمي الرد عليه بالسيوف الحديدية، وهنا يجدر تذكر الفرحة الأولى في الـ 48 والثانية في الـ 67، وسلسلة الأفراح جراء المعارك الصغيرة التي كانت تقع، وكانت إسرائيل تظن وبعد كل معركة أنها اقتلعت الشوكة واستراحت. فإذا بها وهي صانعة معركة حقل الأشواك، تقع في حقل ألغام لا قبل لها بتفكيك المتفجرات المزروعة فيه.

لو أحصت إسرائيل خسائرها منذ أول حرب حتى آخر حرب لوجدت التالي..

مئات مليارات الدولارات، وانهيارات اقتصادية.

آلاف مؤلفة من القتلى والجرحى.
والأهم من ذلك كله وهذا ما جسدته الحرب الراهنة التي تصر إسرائيل على أن لا تكون الأخيرة، خسارتها الفادحة في أمر اندماجها في المنطقة كعضو مسيطر، بعد أن اقنعتها حاملات الطائرات الأميركية، أنها بحاجة لمن يحميها من نفسها أولاً ومن الذين تواصل احتلالها لهم دائماً.

بميزان الربح والخسارة تبدو النتيجة أكثر من واضحة، يراها العالم كله إلا قادة إسرائيل، صناع قرارات الحروب فيها.

ما نتج عن كل الحروب والحرب الراهنة بالذات، هو حقيقة واحدة تقول …

دون أن يحصل الفلسطيني على حقوقه، فلا نفع لإسرائيل من كل ما بين يديها من وسائل قوة وتحالفات..

لقد جرّت الحروب السابقة، والحرب الراهنة العالم كله إلى رؤية الحقيقة التي تم تجاهلها أكثر من قرن، وهي أن فلسطين وأهلها وقومها، هم كلمة السر في السلم والحرب، وأن تجاهل إسرائيل لكلمة السر هذه، ستنقلها من فشل إلى فشل أكبر وأفدح.