1

المياه حق للجميع ….معاً وسوياً حتى نحصل على حقنا في المياه

انطلاقاً من مسؤوليتنا الوطنية اتجاه أبناء شعبنا وانسجاماً مع توجهاتنا بوضع مواطنينا في صورة ” أزمة المياه ” التي عشناها سوياً الصيف الماضي ولازالت تداعياتُها مستمرة ليومنا هذا، فإننا نؤكد على التزام المصلحة باطلاعكم على كافة التفاصيل المتعلقة بأزمات المياه المتكررة والعمل بشفافية وتوازن.

تبذلُ إدارة مصلحة مياه محافظة القدس جهوداً كبيرة وحثيثة للحصول على كمياتٍ إضافية من المياه ، وتطالب الجهات المختصة لتوفير تلك الكميات لسد حاجات بعض المناطق التي تم تحديدها سابقاً وحسب خطة المياه الشاملة، حيث ان تلك المناطق تعاني من عدم وجود أية مصادر مياه قريبة منها، وتضررت تلك المناطق أكثر من غيرها بعد تخفيض كميات المياه الموردة للمصلحة من شركة ” ميكوروت ” الإسرائيلية بشكل كبير خلال فصل الصيف المنصرم. 

وتعمل المصلحة منذ سنوات بعد تشخيص هذه المشكلة بكل جهد ممكن بطلب مصادر مياه اضافية، وان ما حصل هذا العام من تخفيض للكميات فاقم بشكل غير مقبول من حدة الازمة، لذا فإن المصلحة تكرّس كل الجهود والوسائل وتطرق كل الأبواب ساعية لتحقيق إنجازٍ ملموس للحد من معاناة المواطنين.

انفقت المصلحة مبالغ طائلة في تنفيذ حلول بديلة ساعية الى تدارك كارثة بيئية ، والتي كان لها الدور في استقرار الوضع في السنوات السابقة والحد من معاناة المواطنين بشكلٍ كبير ،  ولما نفذت الحلول أصبح لا بد من استنهاض كافة الهمم والطاقات وبذل كافة الجهود للحصول على حقنا وحق ابناءنا في المياه.

وبذات الشفافية نصارحكم بان الأزمة أيضا لم تخلُ من العبث بمحابس توزيع المياه في عدة مناطق، مما اربك طواقم التوزيع وفاقم من معاناة المواطنين وبشكل مجحف ومتكرر، خاصة وأن الطواقم مثقلة أصلا بالعمل على اكثر من ” 1000 ” محبس في مناطق الامتياز.

نكبر بكم ونعمل من اجلكم لتوفير المياه لكل بيتٍ فلسطيني في مناطق الامتياز.

لنضع حد للمعاناة ، لنمنع الكارثة

اخوانكم وابناءكم في مصلحة مياه محافظة القدس




زيتون فلسطين يعانق أرز لبنان ‬

مع استمرار الحرب الإسرائيلية الشرسة على قطاع غزة ولبنان، على الشعبين الفلسطيني واللبناني، ومع تواصل مجازر الإبادة في غزة وضاحية لبنان الجنوبية، تتحد المشاعر والأفكار، وتنسج من الشعر قصيدة معبرة ، ومن الألحان أغنية وطنية، ومن الحزن هما مشتركا، فالعدو واحد، وأهدافه في الشمال وفي الجنوب على حد سواء متشابهة، وفي رصيدها الاول بنك أهداف مدنية من أطفال ونساء ورجال يقتلهم الطيران وكل أشكال العدوان، لا لذنب اقترفوه، وانما لأنهم شعب فلسطين الذي يسلبه الاحتلال وطنه، وشعب لبنان الذي يسعى الاحتلال للنيل منه، لأنه بلد قومي عربي، لطالما وقف بالسراء والضراء مع الشقيقة فلسطين.‬

مواقع التواصل الاجتماعي والمحركات الإلكترونية، وهي ترصد وتراقب العدوان، أصبحت شاهدة على العديد من القواسم المشتركة، التي تعبر عن الوحدة ومشاعر الاخوة والتضامن والتعاضد والترابط بين البلدين الشقيقين، وفي مقدمتها مدونة تخص زيتون فلسطين الذي يعانق أرز لبنان، في إشارة إلى ثبات الفلسطينيين كجذور الزيتون صامدين في ارضهم وشموخ اللبنانيين كشموخ  شجرة الأرز.‬

تنطلق كافة الدعوات، عبر كل المنصات، من أجل حماية فلسطين ولبنان، من العدوان، وتتجلى روعتها في حكاياتها الجميلة، باستذكار الجدران والحيطان، والمساجد والكنائس، والمرافئ والصيادين، والشواطئ والبحار، والمدن الجميلة وصورها البهية، والإطلالة الخلابة على بيروت ست العواصم التي لن تموت، وغزة مهد العزة، وشعر درويش وقباني والقاسم، وأغنيات وديع وفيروز وجوليا، وجميعها تؤكد أن الشعبين ماردان سينهضان من تحت الركام كطائري فينيق ليحلقا في السماء بكل كبرياء ..‬

رغم الدمار والحصار والشهداء والجرحى والمكلومين والمظلومين والنازحين واللاجئين، تبعث هذه القصص على الفخر والاعتزاز وهي تؤكد أن لبنان سيرجع، وغزة لن يرهبها صوت المدفع، ومهما اشتدت العواصف، ومهما تكسرت أغصان الأرز إلا أنه سيبقى  أخضر على مدار السنة، تماما كمشهد الزيتون في فلسطين الذي يروي حكاية المرابطين المتجذرين.‬

ويعتز الفلسطينيون ببحر غزة، والرمال والكثبان والآثار التاريخية، والبيوت، وحب الارض والتضحية والصمود، تماما كما يعشق اللبنانيون الطبيعة والتضاريس المذهلة للجبال، فيتذوقوا السعادة وجمال اللحظات، ويحافظ أهل غزة على تقاليد الحياة التي تربطهم ببعض.‬

يحب الفلسطينيون قطاع غزة بشماله ووسطه وجنوبه، ويحب اللبنانيون وطنهم من شماله إلى جنوبه مروراً بالبقاع والساحل، ومع قرب الشتاء يناجي أهل لبنان رب العرش أن يتأخر هطول الأمطار على بيروت لأن هناك أُناساً بلا بيوت، كما هو حال غزة التي لطالما غرقت في الفيضان جراء العدوان الذي فرض على أهلها العيش في الخيام دون مقومات السلام والأمان.‬

تشرق شمس غزة وبيروت هذه الأيام على خجل، لكنها تمنح بدفئها المؤمنين ذرة أمل، متحدة  مع ضوء القمر سعياً لإنهاء  حالات الضجر، ليعيش شعب فلسطين وشعب لبنان بحرية، فهذا حق مكتسب وشرعي للشعبين، وعلى العالم أن يسمع صرخات المستنجدين ويضع حداً لجرائم الإسرائيليين التي لم تمنح حتى النائمين فرصة لرصد أحلامهم، وذلك من أجل حل معاناتهم،، لكن للأسف فإن هذا العالم ما زال صامتاً ولا يحرك ساكناً تجاه ما يُرتكب من جرائم، رغم إقراره بوجود حرب إبادة في غزة ولبنان.‬

أوقفوا العدوان على غزة وبيروت، وأبعدوا شبح الموت.‬




السنة الأصعب: ما الذي تغير فينا وفيهم ؟

د. أحمد رفيق عوض

خسارات إسرائيل منذ سنة مضت حتى يوم الناس هذا تتمثل في انكشافها من الداخل؛ فهي لا تتميز بالديموقراطية التي “سطلونا” بها، ولا بقدرتها، ولا قوتها، فقد اتضح أنها مستعدة لفضح كل أصدقائها إذا تأخروا في إرسال الذخائر المتطورة، وسقطت كل الادعاءات بالمظلومية والتفرد والاستثنائية وقوة الابتكار والفردانية المبدعة. كل ذلك سقط عندما وقف نتنياهو أمام الكونغرس “إياه” ليقول لهم أنه يحارب من أجلهم، فقد كان هذا الرجل يعرف أن الولايات المتحدة أسقطت كل الشكليات المعروفة من الحفاظ على الحقوق والقانون الدولي وما إلى ذلك، فقد ظهرت الولايات المتحدة خلال هذه السنة أمام كل العالم كما هي حقاً، مجرد كيان استعماري يستخدم كل شيء من أجل تحقيق مصالحه، ولا يهمه شيء سوى الربح والسيطرة.

خسارات إسرائيل من خسارات الولايات المتحدة أيضاً، فقد ظهرا في الأمم المتحدة أنهما كيانان مستعدان لسحق القانون الدولي وتهديد ممثليه ومحاصرة هيئاته والوقوف عراة أمام حقوق الشعوب والشرائع كلها. 

كانت سنة من الفضائح طفحت بالأكاذيب والنفاق وتغذية الموت والتجويع والترويع والتهجير في بث حي ومباشر.

 كانت سنة رأى فيها العالم كيف استطاعت أمريكا  وإسرائيل أن يلجما كل الأصوات العاقلة  والمظاهرات الرافضة والقرارات الدولية وكل الجهود التي حاولت أن تتقدم بالحد الأدنى من شروط وقف المذبحة على الاقل.

خسارات إسرائيل لم تكن محصورة بتدمير القيم وتهشيم الصورة التي أرادت إسرائيل دائماً أن تقدمها للعالم، بل تمثلت هذه الخسارات في كسر إرادة المنطقة أيضاً، فقد نجحت اسرائيل ـ برأيي ـ بتخريب كل الجهود والإغراءات الكثيرة لتثبيت حالة قبولها واندماجها في المنطقة، فلا أعتقد أن كياناً مثل هذا الكيان القادر على تدمير كل شيء سيكون مقبولاً على أحد.

إن الصورة الجديدة التي تريد إسرائيل تصديرها للمنطقة باعتبارها كياناً غاضباً ومجنوناً يفرض الخوف على الجميع وليس الحب، إنما هي صورة جوفاء وهشة جداً، إذ أن هذه السنة بالذات شهدت كثيراً من الهجمات التي شنت على إسرائيل من جبهات متعددة، ولم تكن هناك منطقة في الكيان لم تنل نصيبها من صفارات الإنذار على الأقل.

هذه السنة شهدت إغلاقات لمطار اللد وسكك الحديد والموانىء والمدارس والمعاهد، وشهدت ما لم تشهده إسرائيل منذ عقود طويلة من التآكل الاجتماعي والمؤسساتي والهجرة المعاكسة وتراجع الاقتصاد ونزع الشرعية عن احتلالها.

وبدلاً من انحصار الاشتباك الدامي مع الشعب الفلسطيني، فقد توسعت الحرب لتشمل أطرافاً وجبهات متعددة، وهو  أمر يشكل فضيحة أخرى لسياسة الولايات المتحدة التي لم تستطع أن تقدم شيئاً على هذا الصعيد، إما عجزاً أو خضوعاً للحكومة الأكثر تطرفاً في تاريخ إسرائيل أو لأنها شريكة في كل ما يجري  بشكل أو بآخر، أو لكل ذلك مجتمعاً .

إذن، خسارات إسرائيل شملت أيضاً فقدان التأثير السياسي والنفوذ وسخونة العلاقات، وقد يعود ذلك إلى ما لا نعرف أو نتوقع. فالمذبحة عادة ما تقود إلى ما لا نعرف ولا نتوقع، وأعتقد جازماً أن ما تفعله إسرائيل بنا من هذه الاستباحة لدمنا وثرواتنا وفضائنا لن تقود على الإطلاق إلى استقرار أو تسوية بحدها الأدنى.

أعتقد جازماً أن إسرائيل قطعت آخر الخيوط وأحرقت آخر السفن لعودة العقل أو استرجاعه.

وبالقدر الذي خسرت فيه إسرائيل خلال هذه السنة، فقد خسرنا نحن أيضاً، خسرنا خيرة الناس  وخسرنا كثيراً مما أنجزنا على الأرض، وما نزال نخسر وحدتنا ونخسر القدرة على تحويل كل هذا الدم إلى أساس حقيقي للنهوض والتقدم. ما نزال نراوح في ذات المكان وذات اللغة وذات المصالح وذات الأجندة.

كانت سنة مؤلمة بكل المقاييس، فقد تم الاستفراد بنا، ووقف إقليمناعاجزاً ومتفرجاً ومستسلماً لم يستطع رغم كل إمكانياته من فرض الوقائع أو تغييرها، في موقف أقل ما يقال فيه أنه تكرر في الماضي أيضاً.

وبرأيي إن إقليمنا يخطىء جداً إذا اعتقد أن حياده أو نأيه بنفسه عما يجري سيؤدي إلى نجاته من ألسنة النار، على العكس من ذلك، فالحروب تمنع بالحروب وليس بتجنبها، سكوت الإقليم أو خضوعه ترك الساحة فارغة جداً ليملأها ويختطفها من هو قادر على الرد والمناورة.

وللمرة الألف نقول إن الاعتدال موقف أخلاقي صحيح ولكنه في السياسة يحتاج إلى القوة ليصبح موقفاً حقيقياً، إذ لا يسمى الخضوع اعتدالاً إلا لرفع الحرج فقط.




تيليجرام يرفع راية الاستسلام: مشاركة بيانات المستخدمين مع الحكومات لصالح الأمان أم ضربة للخصوصية؟

صدقي أبو ضهير

عالم تطبيقات المراسلة الفورية يتطور بسرعة هائلة، وفي ظل هذا التقدم أصبحت مسألة الأمان والخصوصية محورًا أساسيًا لصناع القرار وللمستخدمين على حد سواء. تطبيق تيليجرام، الذي يشتهر بتوفير مساحة آمنة وخاصة للمستخدمين، أحدث ضجة في الفترة الأخيرة بعد قرار مفاجئ من الرئيس التنفيذي بافيل دوروف، بتعديل سياسة الخصوصية لمشاركة بيانات المستخدمين مع الحكومات بناءً على طلبات قانونية. فهل هذا التغيير إيجابي أم سلبي؟ وهل يُمثل خطوة نحو تعزيز الأمن أو انتهاكًا جديدًا للخصوصية؟

التيليجرام: بين الخصوصية والتشفير

تيليجرام، الذي تم إطلاقه عام 2013، نجح في ترسيخ مكانته كواحد من أكثر تطبيقات المراسلة أمانًا، حيث يوفر ميزة “الدردشة السرية” التي تُؤمن التشفير من طرف لطرف. ويُستخدم التطبيق من قبل ملايين الأشخاص حول العالم بفضل تركيزه على الحفاظ على خصوصيتهم وحمايتهم من التجسس أو الرقابة.

لكن في الأشهر الأخيرة، شهد التطبيق عدة اتهامات بالاستخدام السيئ من قبل بعض المجرمين، سواء كان الأمر متعلقًا بالإتجار بالمخدرات، أو بنشر مواد غير قانونية مثل الاعتداء الجنسي على الأطفال. وعلى إثر هذه التهم، أعلنت الشركة تغييرات جذرية في سياساتها، وهي خطوة يرى فيها البعض تراجعًا عن المبادئ التي تأسست عليها المنصة.

ما الذي دفع تيليجرام لهذه الخطوة؟

أعلن دوروف، مؤسس التطبيق، في منشور حديث على تيليجرام أن المنصة ستبدأ بتقديم عناوين الـIP وأرقام الهواتف للمستخدمين بناءً على طلبات قانونية صالحة. وحسب تصريحات دوروف، تهدف هذه الخطوة لمكافحة الاستخدامات غير القانونية للتطبيق، ومنع المجرمين من استغلال منصته للأنشطة الإجرامية. تأتي هذه التعديلات بعد أن واجه دوروف اتهامات في فرنسا بالتواطؤ، بسبب استخدام التطبيق في نشر مواد غير قانونية، وتم اعتقاله والتحقيق معه.

ويبدو أن هذا القرار يمثل محاولة لتقليل التهديدات والمخاطر التي تُواجه تيليجرام بسبب النشاطات الإجرامية التي تحدث عليه، خصوصًا بعد زيادة الضغوطات القانونية على الشركة في الآونة الأخيرة. ومن هنا، يتمثل القرار في موازنة دقيقة بين حماية المستخدمين من النشاطات غير القانونية، وضمان استمرار المنصة بشكل آمن.

تداعيات القرار على المستخدمين وخصوصيتهم

لطالما كان تيليجرام مثالًا يُحتذى به في تعزيز خصوصية المستخدمين، حيث امتنع لسنوات عن مشاركة بياناتهم مع أي جهة خارجية. لذلك، يرى البعض أن هذا القرار يُشكل تراجعًا عن مبادئ التيليجرام الأولى في حماية الخصوصية، ويمثل خطرًا على ثقة المستخدمين بالتطبيق. حيث إن تقديم بيانات المستخدمين للحكومات، حتى لو كانت بناءً على طلبات قانونية، قد يُشكل قلقًا بالنسبة للمستخدمين الذين يعتمدون على التطبيق للاتصال بأمان وسرية.

ومن ناحية أخرى، هناك من يرى أن هذه الخطوة قد تُسهم في تعزيز الأمان ومنع النشاطات الإجرامية، خاصةً في ظل وجود قوانين دولية صارمة تفرض على الشركات التعاون مع السلطات في قضايا الأمن والجرائم الإلكترونية. وبالتالي، قد يعتبر البعض أن هذه التعديلات ضرورية للحفاظ على بيئة آمنة ونظيفة على التطبيق.

الاتجاهات المستقبلية لصناعة التكنولوجيا

تأتي خطوة تيليجرام في وقت تتزايد فيه الدعوات لضبط المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة. وقد يُمثل هذا القرار نقطة تحول مهمة في سياسات التطبيقات الأخرى التي تعتمد على الخصوصية كميزة أساسية. ففي الوقت الذي تحاول فيه الشركات التوفيق بين الحفاظ على خصوصية المستخدمين والتعاون مع الحكومات لضمان الأمان، يبقى هناك تحدٍ كبير يتمثل في إيجاد هذا التوازن الصعب.

من الممكن أن يتبع هذا القرار تغيرات في سياسات شركات أخرى مشابهة مثل واتساب وفيسبوك، خصوصًا مع زيادة الضغط القانوني والرقابي على هذه المنصات. وما بين تشجيع الأمان والخصوصية، يبقى المستهلك في النهاية هو الحكم في اختيار التطبيق الذي يلبي احتياجاته ويضمن له أعلى مستوى من الأمان والخصوصية.

الخلاصة: هل هو توازن صعب أم ضرورة أمنية؟

مع هذه التغييرات، يبدو أن تيليجرام يسعى لإعادة تعريف سياساته بما يتناسب مع الأوضاع الراهنة. ولكن يبقى السؤال الأهم: هل ستنجح تيليجرام في الحفاظ على خصوصية مستخدميها بالتوازي مع تقديم الدعم للسلطات في محاربة الجرائم؟ وهل سيكون لهذا القرار أثر إيجابي في تعزيز الأمان أم أنه قد يتسبب في تراجع الثقة بالتطبيق؟

من الواضح أن التحديات التي تواجهها منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة تتطلب إجراءات حاسمة ومتوازنة. وبين رغبة المستخدمين في الأمان وحرية التواصل، ورغبة الحكومات في السيطرة على النشاطات الإجرامية، تظل هذه المعضلة قائمة وبحاجة إلى حلول مبتكرة وموزونة.

بقلم : صدقي ابوضهير

باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي




مسؤولية المرشد النفسي: بين أخلاقيات المهنة، وتحديات الفكر المشوّه

في كل مجتمع، تُطرح تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين المسؤولية الفردية والعدوانية غير المبررة. كيف يمكن أن نفهم تصرفات البشر عندما تُتاح لهم فرصة ممارسة القوة أو التأثير على الآخرين؟ وكيف يمكن أن نبرر اعتداءً وقع على شخص لأنه “سمح” بذلك؟ أو لأنه تواجد في مكان الاعتداء؛ هل باتت مسؤوليتنا تجاه بعضنا البعض مرهونة فقط بالفرص التي يتيحها الضعفاء للأقوياء؟ في تجربة علمية فنية غير مألوفة، كشفت فنانة عن الجانب المظلم من طبيعة البشر حين منحتهم الحرية الكاملة للتصرف معها كيفما شاءوا. فهل كان المعتدون يعبرون عن دوافعهم أم كانوا ينفذون إرادة الضحية؟ وماذا أراد المتفاعلين المسالمين أن يوصلوا عن دوافعهم تجاه نفس الحدث؟ هذه الأسئلة ليست مجرد جدل فلسفي، بل نافذة لفهم أعمق للمسؤولية والعدوانية، وكيف يمكن للأفكار المشوهة أن تتحول إلى سرطان يتغلغل في نسيج المجتمع.

في عام 1974، قامت الفنانة الصربية “مارينا أبراموفيتش” بتقديم تجربة فنية جريئة بعنوان “إيقاع صفر”؛ حيث وضعت نفسها في موقف سلبي تماماً، معطية الإذن للناس بأن يتصرفوا تجاهها كيفما يشاؤون باستخدام مجموعة من الأدوات التي كانت تضعها على الطاولة أمامها، وكتبت لافتة تشير إلى تحملها كامل المسؤولية عما قد يحصل. كانت التجربة تهدف إلى استكشاف طبيعة العدوانية الكامنة في النفس البشرية، وكيف يمكن أن تتجلى في ظروف معينة. ومع ذلك، ومع مرور الوقت، تم تحريف الهدف الأساس من التجربة، وأصبح بعض الناس يرون في هذه التجربة دليلاً على أن الضحية تتحمل مسؤولية ما يحدث لها إذا ما “منحت الإذن” بذلك. هذا التأويل الخاطئ يبرر الأذى ويغفل عن حقيقة أن العدوانية ليست مسألة اختيار بل هي نتيجة لظروف اجتماعية ونفسية معقدة.

لقد تحدث العديد من المفكرين والفلاسفة عن خطورة لوم الضحية وتبرير العدوانية؛ “سيمون دي بوفوار”، في كتابها “الجنس الآخر”، شددت على كيفية تبرير المجتمع لاضطهاد النساء عبر لومهن على الظروف التي يعشنها. ومن جانب آخر، يشير عالم النفس الشهير كارل يونغ إلى أن الظل – الجوانب السلبية من النفس التي نحاول إخفاءها – قد ينعكس في سلوكاتنا العدوانية تجاه الآخرين، وأن التصالح مع هذا الظل يتطلب وعياً عميقاً وتقبلاً لذواتنا وليس إسقاط اللوم على الآخرين؛ “مشاعر الظل” هي جانب من الجوانب النفسية التي قد تُفسر تبني هذا الفكر المريض. هذه المشاعر تمثل الجزء المكبوت من النفس الإنسانية الذي يحوي الرغبات العدوانية والسلوكات غير المقبولة اجتماعياً. عندما تُبرر الأذى بناءً على سلوك الضحية، فإن ما يحدث هو عملية إسقاط لهذه المشاعر المكبوتة على الآخر؛ المعتدي قد يرى في الضحية تجسيداً لرغباته المكبوتة، ويستخدم ذلك كذريعة لتبرير سلوكه العدواني، وبهذه الطريقة، يُحافظ على صورة نقيّة لنفسه، بينما يلقي باللوم على الضحية.

النظريات النفسية الحديثة أيضًا تدين هذا النوع من التفكير. نظرية الإسناد، التي تُعنى بكيفية تفسير الناس لسلوكاتهم وسلوكات الآخرين، تشير إلى أن لوم الضحية ينشأ من محاولة الإنسان للحفاظ على وهم السيطرة. عندما نلوم الضحية، نشعر وكأننا نتحكم في الأحداث، ما يوفر لنا شعوراً زائفاً بالأمان.

العدوانية ليست مجرد فعل يتجلى في سلوكات عنيفة أو مسيئة، بل هي تعكس ديناميكية نفسية واجتماعية تحمل في طياتها العديد من التعقيدات. عندما يُبرر الأذى وتُلام الضحية، تتحول العدوانية من فعل مستنكر إلى سلوك مقبول وربما حتى مُمجد. تبرير العدوانية ليس فقط مشكلة أخلاقية، بل هو أيضاً مسألة تتعلق بتحديد المسؤولية، فالمجتمع الذي يسمح بتبرير الأذى هو مجتمع يتواطأ في تأصيل العدوانية وإدامتها. وهنا يأتي دور الوعي النقدي في تفكيك هذه الديناميكيات وتوجيه المسؤولية نحو الجاني بدلاً من تحميل الضحية تبعات ما تعرضت له. ولكن، من الذي يؤيد ذلك؟ إن الأشخاص الذين يتفاعلون بموافقة أو تأييد أو قبول للسلوك المعتدي أو الضعف الذي يعاني منه الضحايا، ما هو إلا إنعكاساً لقلة الوعي الكامل، وقد لا يكون لدى هؤلاء الأشخاص الوعي الكافي بتبعات لوم الضحية أو بمدى تأثير هذه الرسائل على الأشخاص المتضررين، ناهيك عن تطبيع السلوكات السلبية التي تؤدي إلى عدم القدرة على تمييز المشكلة حقاً، وبالتالي غياب التفكير النقدي، والتأثر بالمظهر القوي دون التفكير بعمق الرسالة الأخلاقية أو التفكير بمصداقية السلطة المعرفية، أو مدى صحة وأخلاقيات هذا الطرح، بالإضافة لإعاقة جهود تمكين الأفراد وحمايتهم من الإساءة، والتي يهدف لها أغلب سياقات الإرشاد النفسي وأي مواقف تتعلق بالعلاقات الإنسانية، مع التنويه إلى أن الاستمرار في تأييد مثل هذا النوع السلبي من الفكر غير الواعي، يمكن أن ينتهي به المآل إلى ارتكاب جرائم أخلاقية واعتداءات داخل الأسرة ، وتحويل الأفراد العاديين إلى معتدين داخل بيئاتهم الأسرية؛ حيث يشعرون بأنهم غير ملزمين بالمساءلة لأنهم يعتقدون بأن الضحية “طلبت” هذا السلوك؛ أو إكسابه لأفراد أسرهم وبشكل غير واعٍ. عندما يبدأ الناس في تبرير العنف ضد الضحية على أساس أنها “سمحت” به، فإنهم في الواقع يُسهمون في خلق بيئة تُشجع على المزيد من الانتهاكات. وبهذا، قد يجد البعض أنفسهم متورطين في أفعال شنيعة حتى ضد أقربائهم، مبررين ذلك بأنها كانت “الضحية” التي قدمت الفرصة.

ومن جانب آخر، فإن تبرير العدوانية عبر لوم الضحية وإسقاط المسؤولية من شأنه أن يخفف من مسؤولية المعتدي ويعطيه شعوراً بأنه غير مسؤول عن أفعاله، من خلال تحريف الأحداث وتقديمها بصورة توحي بأن الشخص الذي تعرض للأذى هو من جذب لنفسه هذا الشيء، ما يخدم أجندة المعتدي ويضعف مناقشة القضية بشكل نزيه ومسؤول، وهو تلاعب واضح بالفكر والمعاني وإفلات من المسائلة.

من المهم أن يُفهم أن العدوانية لا تُبرر بأي حال من الأحوال، وأن يُفهم أن تبرير العدوانية ليس مجرد مسألة شخصية، بل هو قضية مجتمعية يجب معالجتها بكل جدية وحزم وتوعية الفرد بالفروق بين المسؤولية والاعتداء، وإن كنا أقوياء بما فيه الكفاية، يجب علينا أن نعرف ما هو الصح والخطأ، وأن نعمق تركيزنا بالقوالب التي غُرست في تفكيرنا منذ زمن وعدم تجاهلها أو مسحها من جوهرنا الأساس. هذه القوالب تشكل الأساس الذي نبني عليه أحكامنا وتصرفاتنا، ويجب أن تكون مبنية على الأخلاق والعدالة، وليس على التبرير والتفسير المشوه للأفعال. 

إن التركيز على تعزيز الوعي الأخلاقي والإنساني هو المسلك لتجنب تبرير الأذى وتعزيز قيم الاحترام والرحمة. هل يمكن لطبيب أن يجهز على حياة مريض ضعيف لأنه ضعيف؟ هل المحارب يجب عليه أن يُجهز على الجريح؟  هذه الأسئلة تحمل في طياتها حقيقة أن القوة الحقيقية هي الحماية، وهي أولى الدلالات على وجود الحضارة الإنسانية، وهي الوقوف ضد الاستغلال، وليست في استغلال الضعف. عندما نفكر في المسؤولية الأخلاقية، علينا أن نتذكر أن المجتمعات تتقدم بالعدالة والرحمة، وليس باستغلال نقاط الضعف.

إن التماسيح الساكنة التي تدعي المثالية ولا تذهب للصيد كما تفعل الأسود، ثم تأتيها الفرائس أو ربما تجرها هي لمنطقتها؛ حيث تكون هي بأمان من المسائلة، هل كانت تفكر بما تريده الضحية أم أنها تفكر فقط بما ستحصل عليه؟ من هذا السؤال يبرز أن التفكير في سلوك المعتدي يجب أن يركز على دوافعه واحتياجاته الخاصة، وليس على توقع أو إفتراض ما تريده الضحية. التمساح، كما هو الحال مع المعتدي، لا يفكر في احتياجات الضحية، بل في تحقيق رغباته الخاصة. 

ولتصحيح الفكر المشوه نحو تجربة مارينا، وجب التنويه بأن التجربة أظهرت مدى التغير في سلوك البشر عندما يشعرون بعدم وجود عواقب على أفعالهم. مارينا أبراموفيتش قالت لاحقاً، إنها تعلمت من هذه التجربة أن البشر يمكن أن يكونوا وحشيين للغاية إذا أتيحت لهم الفرصة وفُقدت الضوابط الاجتماعية. التجربة تُعتبر واحدة من أكثر الأعمال الفنية استفزازاً وتأثيراً في تاريخ الفن المعاصر، وهي تُستخدم غالباً لدراسة سلوكات البشر في المواقف المختلفة، وتأثير السلطة والحرية المطلقة على الأخلاق والقرارات. 

وللوقوف على دور ومسؤوليات المرشد النفسي والتربوي في سياق ما سبق، فإن دور المرشد يتمحور حول تقديم الدعم والاحترام الكامل لحدود المسترشدين المستفيدين من خدماته، فالسلوك السوي في هذا المجال يتطلب إلتزاماَ أخلاقياً عالياً؛ حيث يكون المرشد ملاذاً آمناً، موفراً لهم بيئة إرشادية تحترم كرامتهم وتساعدهم على التعافي؛ إذ إن كل شخص له الحق في التوقع أن المرشد النفسي يفهم هذه السياقات جيداً. ومن الجدير بالذكر أن الكثير من الحالات التي تصل إلى المرشد، تعاني من مشكلات تتعلق بتجاوز الحدود أو استغلالها، ما يجعل من الضروري التعامل مع المسترشدين بحساسية ومسؤولية كاملة. على المرشد أن يكون على دراية بأن تفسير الأحداث والسلوكات قد ينبع من اضطرابات نفسية أو مشكلات عاطفية، ما يزيد من أهمية التزامه بأعلى معايير السلوك السوي في مهنته. 

في النهاية، قد لا نضع أي من الأدوات على الطاولة، والمقال ليس دعوة لتبني الضعف، لكن علينا إدراك أن أحد حقائق البشر هي أنه ليس كل البشر أقوياء، وأن أغلبهم من الضعفاء، وأن من لديه الدوافع الكافية لإيذائك سوف تحركه دوافعه حتى لو لم تمنحه الأدوات، لذلك، لا يوجد حدث أو تفاعل لا يخدمك، فالمؤذي يدفعك لإظهار القوة التي بداخلك، والمستغل يدفعك لإظهار حرصك، والقسوة تعلمك كيف ومتى تتعاطف، وفي نهاية المطاف، كل حدث يجعل منك شخصاً أفضل.