1

الذكاء الاصطناعي في الحرب السيبرانية عبر الهواتف المحمولة: ساحة معركة المستقبل

مع تقدم التكنولوجيا بوتيرة غير مسبوقة، باتت الحروب التقليدية شيئًا من الماضي. اليوم، الفضاء السيبراني هو الجبهة الجديدة للصراعات الدولية، حيث تتحول الهواتف المحمولة إلى سلاح خفي في يد الدول والمخترقين. ومع دخول الذكاء الاصطناعي في هذه المعادلة، تتغير قواعد اللعبة بالكامل، حيث يمتلك القدرة على تنفيذ هجمات سيبرانية متقدمة والدفاع ضدها بطريقة لم يكن بالإمكان تخيلها قبل سنوات.

الهاتف المحمول: نقطة الضعف في عالم متصل

الهواتف الذكية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، حيث تحتوي على معلوماتنا الشخصية، بياناتنا المالية، وحتى اتصالاتنا المهنية. هذا الاعتماد الكبير جعلها هدفًا ثمينًا في الحروب السيبرانية. هنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي الذي يستطيع استغلال هذه الثغرة بشكل غير مسبوق.

الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة في يد المخترقين؛ إنه “مقاتل ذكي” يستطيع التفكير والتعلم. يستخدم تقنيات مثل التعلم الآلي (Machine Learning) وتحليل البيانات الضخمة (Big Data) لفهم أنماط سلوك المستخدمين، واكتشاف ثغرات الأنظمة الأمنية، وتنفيذ هجمات معقدة بدقة مذهلة. مثلًا، يمكنه تطوير برمجيات خبيثة تتسلل إلى الهاتف دون أن يشعر المستخدم، وتجمع بيانات حساسة مثل المواقع الجغرافية، الرسائل النصية، وكلمات المرور، وكل ذلك في الخفاء.

الذكاء الاصطناعي كمدافع قوي

على الجانب الآخر، لا يُعتبر الذكاء الاصطناعي مجرد تهديد، بل يمكن أن يكون الحصن الذي نلجأ إليه للدفاع عن أنفسنا في هذا العالم السيبراني المعقد. تستخدم الشركات والحكومات الآن الذكاء الاصطناعي لبناء أنظمة أمان ذكية تستطيع تحليل الملايين من العمليات التي تحدث على الهواتف المحمولة في الوقت الحقيقي، واكتشاف أي نشاط غير عادي يشير إلى هجوم سيبراني.

هذه الأنظمة قادرة على التعلم من الهجمات السابقة وتطوير دفاعات أقوى بشكل مستمر. على سبيل المثال، إذا تم رصد محاولة لاختراق تطبيق مالي على الهاتف، يمكن للنظام تعطيل الاتصال بشكل فوري، وتطبيق إجراءات إضافية للتحقق من هوية المستخدم قبل السماح له بالدخول مرة أخرى.

تحديات الحروب السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي

بالرغم من أن الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقًا جديدة للدفاع والهجوم في العالم السيبراني، إلا أنه يأتي مع تحديات كبيرة. أولاً، هناك خطر سباق التسلح السيبراني. مع تزايد التوترات بين الدول الكبرى، تسعى كل دولة لتطوير أنظمة هجومية ودفاعية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، مما قد يؤدي إلى سباق غير مسبوق في هذا المجال. هذا السباق قد يُحدث خللاً في توازن القوى ويزيد من خطر اندلاع صراعات سيبرانية مدمرة.

ثانيًا، مع تزايد اعتماد الذكاء الاصطناعي على تحليل البيانات، تثار أسئلة حول الخصوصية. الأنظمة الدفاعية تحتاج إلى الوصول إلى بيانات حساسة لمراقبة النشاطات غير الطبيعية، مما يثير مخاوف بشأن كيفية استخدام هذه البيانات وحمايتها.

مستقبل الحروب السيبرانية عبر الهواتف المحمولة

في السنوات القادمة، من المتوقع أن يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا محوريًا في تشكيل مستقبل الحروب السيبرانية. الهواتف المحمولة ستكون في قلب هذه المعركة، حيث ستصبح الوسيلة الرئيسية لجمع المعلومات وتنفيذ الهجمات. كما ستشهد أنظمة الأمان المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدمًا كبيرًا، مما سيمكنها من التعرف على التهديدات في الوقت الحقيقي وتقديم حلول دفاعية قبل حدوث الضرر.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح الحارس الأمين لأمننا الرقمي، لكنه في نفس الوقت قد يصبح السلاح الأقوى في أيدي المخترقين. مع تزايد التهديدات السيبرانية، سيصبح من الضروري أن تستثمر الدول والشركات في تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر تطورًا لحماية الهواتف المحمولة من أي اختراق محتمل.

خاتمة: المعركة مستمرة

العالم الرقمي لا يعرف حدودًا، والذكاء الاصطناعي هو العقل المدبر الجديد في ساحة المعركة. في الحرب السيبرانية عبر الهواتف المحمولة، تتشابك الأدوار بين مهاجم ومدافع. ومع تزايد تطور الذكاء الاصطناعي، ستتغير طبيعة الحروب بشكل جذري، مما يستدعي يقظة دائمة واستعدادًا مستمرًا لمواجهة التحديات القادمة في هذا المجال المعقد.

بقلم : صدقي ابوضهير

باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي




السلام المفقود في العالم بالرغم من التكنولوجيا المتطورة

   يحيي العالم هذه الأيام مناسبة أممية أعلنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1981م، وهي تحديد يوم 21 أيلول من كل عام ليكون ( اليوم الدولي للسلام)، كما اتفق على أن تكون السنة القادمة 2025م ( السنة الدولية للسلام)، وكلا هذه المناسبات جاءت بهدف تعزيز السلام وتمكين المجتمعات من العمل لاجل السلام والمحبة والاستقرار.

    لقد شهدت العقود الأخيرة من هذه الالفية وتحديدا آخر مئة عام منها، تطوراً ونهضة معرفية يمكن تسميتها بالثورة التكنولوجية، وهي منجزات متراكمة مرتبطة بميادين الاختراع والصناعة، ومن ذلك اكتشاف الكهرباء وتطبيقاتها من الانارة وغيرها، اضافة الى اختراع الحاسوب وما يتصل به من البرمجيات وما تلاها من اختراع الهاتف والموبايل و اللاسلكي، ولكن يبقى اختراع شبكة الانترنت مهما بوصفه ابتكار لنشر المعلومات وأداة تساعد في التواصل الاجتماعي، وبالتالي زادت مع هذه النهضة الثقافة وتوسعت عملية تبادل المعارف بين الافراد والحضارات الانسانية، ليصبح العالم المترامي الاطراف وحدة كاملة مترابطة، وبات العالم فعلاً قرية صغيرة أو شاشة هاتف يحملها الانسان في كل مكان، هناك فعلياً حالة تعيشها المجتمعات في الوقت الحاضر تتسم بسرعة الحصول على المعلومات والتواصل عبر الايميل (Email)، ولكن يبقى السؤال هنا، أنه ومع كل هذا التطور المعرفي والتكنولوجي لماذا يبقى الفقر والمجاعة وتتزايد الحروب والصراعات، وتفارق الرحمة قلوب البشرية؟، لقد تحول الانسان البسيط الى مادي يشغل تفكيره المادة والمظاهر ، بعيدا عن الجوهر الروحي المتصل بالاخلاق، واصبح المخلوق بعيداً عن تعاليم خالقه، فانتشرت في مجتمعاتنا آفة المخدرات وتعاظمت مستويات واشكال الجرائم، والحالة الراهنة هي بحق انعدام السلام بين الشعوب نفسها من جهة وبين الدول  وغيرها من جهة أخرى، لتسود عملياً شريعة الغاب وتسيطر على العالم سيادة الأقوى الذي بات يفترس وينتهك حقوق الاضعف منه.

      وهذه الحالة العامة تنطبق تماماً على الدول العربية ومنطة الشرق الاوسط، حيث نعيش في ظل التكنولوجيا والتطور واقع اليم من الحروب والصراعات العرقية والمذهبية، فبعد عقود من استقلال البلاد العربية ومرحلة ما يسمى بالربيع العربي تعيش هذه البلاد اياماً هي الاسوأ، وبشكل تتسارع معه الاوضاع نحو الاصعب أيضاً، ازمات وتحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية وعلى كافة الاصعدة، تتمثل في الديون المتراكمة والانحطاط والتراجع في التعليم والصحة والخدمات خاصة في مناطق النزعات المشتعلة، اضافة إلى التراجع في القيم وغياب للعادات والتقاليد الإيجابية يرافق ذلك مشاهد من تفكك الترابط الاسري أو العائلي، كما يلاحظ وجود بعض حالات التفكير المتطرف القائم على عدم قبول الاخر المختلف عنّا وعدم احترام رأيه وتوجهاته، على اختلاف أصله وعرقه ومذهبه، وللاسف اصبحنا نرى أن السلام الروحي معدوم  والسلام الأمني مفقوداً أيضاً.

 هناك مشاهد حيّة على غياب السلام، كما هو الحال في الحروب الجارية في العراق وما شهدته من حوادث قتل للاقليات في الموصل من قبل الارهابيين، وصدامات لاسباب دينية وعرقية مما جعل العراق يعود للوراء، ويشعر الشعب فيه بحالة من  استشراء الفساد والفقر بالرغم من انه بلد نفطي، وهذه الحالة المتزامنة مع الفقر والجوع تجعل من السلام واقع وتطلع مفقود صعب المنال، كذلك الحال في سوريا التي تشهد هي الاخرى حروب وتدخلات خارجية وصراع طائفي ومذهبي بما في ذلك داعش، ليصبح السلام مفقوداً، كذلك الحال بالنسبة لغيرها من الدول والتي وعلى الرغم من استقرارها الامني الا أنها  تعاني من أزمات اقتصادية وديون متراكمة وجراء الحرب في غزة تفاقمت عليها بعض الاثار مثل انخفاض الدخل السياحي،  الى جانب تفشي واضح للظواهر الاجتماعية المقلقة مثل البطالة وعزوف الشباب عن الزواج وزيادة نسب العنوسة، وغير ذلك من الظواهر التي تقاسيها المجتمعات بالرغم من التطور التكنولوجي الذي يفترض ان تعم معه الرفاهية والسلام.

   وبالنسبة للقضية الفلسطينية والاوضاع في فلسطين هناك واقع عصيب لحرب مستمرة بالرغم من اطلاق مبادرات سلام متعددة، مثل السلام مقابل الارض والان السلام مقابل السلام، فاصبحت الحالة فقدان للأرض والسلام فتحول البحث عن السلام الى صراع يتزايد معه زهق الكثير من الأرواح والاعتداء على الممتلكات والاموال خاصة أثناء الصراع الدائر في غزة، لقد أصبح عالمنا يعاني من تراجع في جملة الحقوق بما فيها حقوق الانسان، خاصة معاناة المرأة وتزايد واضح بسبب الحروب في اعداد الارامل والأيتام،  وكل ذلك سببه توسع دائرة الصراع وحجم ساحة الحروب.

   والملاحظ أن العالم كله وخاصة منطقتنا العربية باتت تشهد من الناحية التكنولوجية الدخول الى مرحلة الحروب الدفاعية والمواجهات السيبرانية المتطورة والسريعة سواء فيما يتعلق بإنتقاء أو قنص الأهداف والايجهاز والقضاء على الأعداء، كما نلاحظ اليوم أيضاً تفاقم الاوضاع والمتمثل باستمرار الحرب الدائرة في الشرق الاوسط وتزايد الصراع ذو الطابع السني والشيعي في بعض البلدان العربية مؤخراً، يضاف لكل ذلك سيطرة واضحة لايران على بعض الدول من خلال الحلفاء والوكلاء المؤيدين لها، الى جانب توسع الصراع في غزة لمواجهات في الجنوب اللبناني بين حزب الله واسرائيل، يتزامن معه أيضاً العمل العسكري داخل الاراضي السورية نفسها.

 ان ما شاهده العالم على وسائل الاعلام من الحرب السيبرانية والتي يمكن القول بأنها خطفت الانظار أو المشهد العالمي، هي نتيجة مباشرة للتطور التكنولوجي، حيث اوقعت المواجهة السيبرانية في لبنان وعلى مرحلتين الاف المصابين وعشرات القتلى، ففي اليوم الاول سقط 12 قتيلا وقرابة 3000 مصاب، وفي اليوم الثاني سقط 15 قتيلاً و 450 مصاباً، وذلك بسبب انفجار في اجهزة البيجر واتصالات اللاسلكي، وكانت الاصابات واسعة النطاق في لبنان وسوريا وفي آن واحد، ان قواعد الحرب وطبيعة المواجهات تغيرت في الحرب السيبرانية المعاصرة ، فاصبحت سمتها السرعة في القضاء على الاهداف وعن بُعد أيضاً، ليكون السلام المنشود عند سكان هذه الارض وللاسف مفقوداً، فاذا دخلنا حرب عالمية ثالثة فانها حتماً سوف تكون مرعبة ومؤلمة على الانسان، وستكون نتيجتها وبدون شك مدمرة وعلى نطاق واسع، وإذا اردنا الحكم على واقعنا الحديث والاجابة أيضاً على سؤال مهم وهو أين السلام، ستكون الاجابة وبعبارة واحدة هي (( ان السلام مفقود على هذه الأرض وعن هذه المجتمعات كلها بالرغم من أن التكنولوجيا تشهد تطوراً ونهضة غير مسبوقة)).

     ان الغاية المفترضة هي أن تستخدم التكنولوجيا لخدمة الشعوب، ولكنها أصبحت اليوم للاسف أداة لقتل هذه الشعوب، وبالرغم من ذلك كله يبقى الأمل بأن يكون السلام دائماً مطلباً انسانياً بالرغم من كل الظروف، فهو أساس الحياة والكرامة الانسانية.




غالب الدمج.. ستون عاما برفقة “صاحبة الجلالة”

عبد الباسط خلف- يتخذ الحاج غالب الدمج من حانوته الصغير، وسط مجمع الكراجات في جنين، مكانا دائما لبيع الصحف منذ عام 1964.

وأفاد وهو يشعل سيجارته، أن كل شيء اختلف حوله، فتبدلت أسماء الصحف، وتغير رؤساء تحريرها وكتابها والعاملون فيها، وارتفعت أثمانها، وتراجعت أعداد صفحاتها، وصغر حجمها، وتقلص توزيعها، وتضخمت المدينة ومتاجرها وسياراتها، وتضاعفت أجرة المحل التي بدأها مع البلدية بـ 60 دينارا، فيما بقي هو في مكانه.

أبصر الدمج النور في 17 أيار 1939، وكانت قريته اللجون المدمرة، كما قال، تابعة لجنين، وتتوسط الطريق بينها وبين حيفا، وتتمدد على الطريق المؤدي من الناصرة شمالا عبر مرج بن عامر، وعند مدخل وادي عارة جنوبا.

عمل الوالد محمد في الزراعة، وغادر الدنيا وابنه في سنته التاسعة، فيما درس الابن الصفين الأول والثاني في مدرسة بحي الحليصة بحيفا، وأقصته النكبة إلى مخيم جنين.

“بنك” أسماء

وسرد أبو صبحي، كما يعرفه غالبية أهالي المدينة وروادها: أقف في هذا الدكان منذ عام 1964، وقبضت ثمن الصحف بالقروش الأردنية والليرات والشواقل بعد الاحتلال. كما تعاملت جرائد الشعب والفجر والنهار والمنار والميثاق والقدس ومجلات البيادر السياسي و”العربي” الكويتية، و”الأزهر” المصرية، ثم الأيام والشعب والحياة الجديدة، وبعض الصحف التي لا تعمر إلا قليلا.

وتابع القول إنه عمل مع مراسلين ووكلاء إعلانات كثر، كحال قدورة موسى، والأخوين مطيع وبديع عويس، وخالد العدس، ونايف سويطات، وتيسير الهندي، وبلال زكارنة، وماهر السعدي (الزرعي).

وأشار إلى أن بائع الصحف المتجول الوحيد في جنين اليوم خالد أبو الهيجاء، الذي يلف المدينة، ويوصل النسخ الصغيرة والإعلانات إلى أصحابها.

عمل الدمج لسنتين ونصف السنة في ألمانيا لكنه عاد بسبب عدم منحه الإقامة، ليؤسس دكانا خاصا به، وظل يجلس ومعه صحفه ومجلاته، دون كلل أو ملل طوال 6 عقود.

وحسب الراوي، فإنه يعمل منذ الخامسة صباحا وحتى الخامسة والنصف مساء، وكان سابقا يشتغل في أيام الجمع حتى الظهر، ولم يعرف الإجازات إلا يومين في عيد الفطر وثلاثة في عيد الأضحى، عندما كانت الصحف تحتجب عن الصدور.

أحداث جسام

شكل دكان أبو صبحي مؤشرا للحال الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في المدينة، قبل انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، فإذا كانت هناك مناسبة مثل إعلان نتائج الثانوية العامة “التوجيهي” كان يبيع أكثر من ألفي نسخة، وفي أيام “الرواتب” ينتعش الحال، وخلال مواسم أخرى” تمحل” ويتضاعف المرتجع من الإعداد غير المباعة.

كان الدمج شاهدا على أحداث كثيرة، كالنكبة، والعدوان الثلاثي على مصر، وقرأ عناوين جرائد تحدثت عن النكسة، واغتيال الرئيس أنور السادات، والحرب العراقية الإيرانية، وغزو الاحتلال للبنان، وحصار بيروت، ومذبحة صبرا وشاتيلا، وحرب تشرين الأول 1937، وانتفاضتي 1987، و2002، وعدوان 2023 و2024 الذي تكرر كثيرا على جنين ومخيمها وريفها.

صحف ممنوعة

وأشار إلى تعرض الصحف للمنع والملاحقة والمصادرة من الاحتلال، حتى إنه كان عرضة للاعتقال والاستجواب، قبيل انتفاضة 1987؛ لبيعه مجلة البيادر السياسي، مثلما كانت بعض الصحف تمنع من التوزيع، أو لا تكتب افتتاحيتها، وتلاحق من الرقيب العسكري.

وأضاف أنه كان يبيع في المتوسط 40 عددا لكل جريدة، ويجمع بعض الإعلانات، كما كان للمجلات زبائنها، فـ”العربي” الكويتية لها 20 زبونا من الأطباء والتجار والأساتذة ومكتبة البلدية وغيرهم. أما اليوم فالزبائن قلة، وتوقفت المكتبة العامة عن شراء 3 نسخ يومية منذ فترة قريبة.

يحرص أبو صبحي على تتبع العناوين البارزة، ولا يطالع الصحيفة كلها؛ لضعف بصره، وارتفاع ضغط دمه، وأوجاه ظهره، وتزايد همومه، كما قال.

وشخص أحوال الجرائد اليوم، فقد انقلب الحال كثيرا؛ بسبب شبكة الإنترنت، وانتشار الأخبار بسرعة، وأصبح هذا العمل لا يطعم خبزا، كما قال.

جمع الدمج في دكانه مهنا أخرى، كبيع الخبز والحليب والسجائر، ليعيل أسرته المؤلفة من 10 أبناء. كما علم بعضهم في الجامعات، وآخرون يعملون في السلطة الوطنية، أو يبيعون الخضار والفواكه، فيما استشهد نجله محمد في 21 نيسان 2007، ويقيم ولده جعفر في عمان، وهاجر فلذة كبده هشام إلى سويسرا منذ سنوات، وهدم الاحتلال بيته، كما سرقت دكانته، وأدى فريضة الحج أربع مرات، وهو التوقيت الوحيد الذي يذكر أنه توقف عن العمل خلاله.




القانون الدولي: أداة مماطلة لإسرائيل أم طريق نحو إقامة الدولة الفلسطينية؟

د. دلال صائب عريقات

 في ظل الجدل الدائر حول حقوق الفلسطينيين على الساحة الدولية، يبرز تساؤل رئيسي: هل يتم استخدام القانون الدولي كوسيلة للتستر على الاحتلال الإسرائيلي، أم أنه يمثل الطريق الشرعي نحو إقامة الدولة الفلسطينية؟ مع انعقاد الاجتماعات السنوية للأمم المتحدة، يعود الحديث عن السعي الفلسطيني الدؤوب نحو الحصول على اعتراف عالمي بدولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

تأتي هذه الجهود في وقت حرج يشهد فيه الفلسطينيون تصعيدًا غير مسبوق في العنف والاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة والضفة الغربية ومزيد من الاستيطان ومحاولات التهجير. تحاول إسرائيل تبرير استخدام القوة المفرطة ضد الفلسطينيين بحجة الامن و”الدفاع عن النفس”، وفقًا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. إلا أن المادة نفسها تقر بأن “الدفاع عن النفس” لا يمكن أن يكون مبررًا لدولة تحتل أراضي شعب آخر. كما يمنح القانون الدولي الشعوب المحتلة الحق في الدفاع عن نفسها ومقاومة الاحتلال بكافة الوسائل المشروعة.

وفي ضوء القرارات الأخيرة لمحكمة العدل الدولية في 19 يوليو 2024، تم التأكيد على عدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية بما فيها القدس الشرقية. وقد أشار الحكم إلى أن استمرار الاحتلال والمستوطنات يمثلان خرقًا صارخًا للقانون الدولي واتفاقيات جنيف، وخاصة المادة 49 التي تحظر نقل السكان المدنيين لدولة الاحتلال إلى الأراضي التي تحتلها. هذا الحكم أعاد تسليط الضوء على الفجوة بين تطبيق القانون الدولي وواقع استمرار الاحتلال الإسرائيلي.

ومع اقتراب الاجتماعات السنوية للأمم المتحدة، يجدد الفلسطينيون نداءهم للمجتمع الدولي لتحقيق العدالة وإنهاء الاحتلال. في كل عام، يتم التطرق في الأمم المتحدة إلى موضوع فلسطين، لكن ما يميز هذا العام هو تصاعد الضغط الدولي على إسرائيل للتوقف عن استخدام “ورقة التوت” المتمثلة في القانون الدولي لتبرير ممارساتها القمعية. فبينما تتحدث إسرائيل عن “الدفاع عن النفس”، تتجاهل أن الاحتلال نفسه هو السبب الرئيسي ,والجذر وراء العنف المستمر. ومن هنا، يجب أن يتحول التركيز الدولي نحو تنفيذ الأحكام الدولية بحق الاحتلال الإسرائيلي والاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. وفي سياق السعي للحصول على الاعتراف الكامل بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة، يبرز التحدي الأكبر للفلسطينيين في كيفية تحويل الدعم الدولي الواسع إلى خطوات ملموسة على الأرض. فالقرارات الأممية مهمة، ولكن البناء على قرار محكمة العدل الدولية بعدم قانونية الاحتلال وضرورة تفكيك المستوطنات يعد نقطة الارتكاز المحورية للتعامل مع الواقع الإسرائيلي القائم. إضافة لقرارات مجلس الأمن واخرها 2735 لعام 2024، حيث أكد القرار على ضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي فورًا وتفكيك المستوطنات غير القانونية التي تعتبر العقبة الكبرى أمام تحقيق السلام العادل والدائم.

يجب ان تستمر السلطة الفلسطينية في مسارها القانوني الدبلوماسي الدولي حتى النهاية، حيث تستند استراتيجيتها التدويلية إلى أدوات لا خلاف عليها وهي القانون الدولي والدبلوماسية، التي تحظى بدعم غالبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.  الضغط الدولي يمكن أن يُمارس من خلال العلاقات الثنائية والدبلوماسية القسرية، وهي أداة قوية بيد المجتمع الدولي لفرض عزلة دبلوماسية على إسرائيل أو لردعها عن ممارساتها. الذهاب إلى الأمم المتحدة يهدف إلى توثيق الحقوق الفلسطينية ووضع الكرة في ملعب المجتمع الدولي.

قرارات الأمم المتحدة، رغم عدم تنفيذها، تبقى جزءًا من السجل الدولي وتساهم في تعزيز الحق الفلسطيني في القانون الدولي. هذه الخطوة تذكّر المجتمع الدولي بالتزاماته تجاه القضية الفلسطينية، استنادا إلى المادة 25 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تلزم الدول الأعضاء بتنفيذ قرارات مجلس الأمن خاصة في ظل التوافق الدولي على حل الدولتين، الذي تتبناه فلسطين عبر منظمة التحرير الفلسطينية لتحقيق السلام العادل والشامل. في النهاية، القضية الفلسطينية تقف عند مفترق طرق حاسم. فإما أن يتم استخدام القانون الدولي كأداة لتحقيق العدالة وإنهاء الاحتلال، أو يستمر استخدامه كستار يغطي الانتهاكات الإسرائيلية. 

الاجتماعات المقبلة في الأمم المتحدة ستكون بمثابة اختبار حقيقي لمصداقية المجتمع الدولي في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني وفي السعي لتحقيق السلام العادل والدائم في المنطقة. القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، إن طبقت بشكل فعال، يمكن أن تكون الطريق الوحيد نحو إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. لكن يبقى السؤال: هل سيتخذ المجتمع الدولي الإجراءات اللازمة لدفع هذا الطريق إلى الأمام، أم ستظل هذه القرارات حبراً على ورق؟




بمناسبة اليوم العالمي للوقاية من الانتحار: دور الخطاب الديني في معالجة الانتحار

كنت قد كتبت سابقاً عن دور الإعلام في الحد والوقاية من الانتحار وما يدفعني اليوم للكتابة عن دور الخطاب الديني في نفس الشأن قصتان اثنتان:

جاءتني أم قد فجعت بانتحار ولدها فذهبت إلى شيخ ملتمسة منه أن يواسيها ويطمئنها فروى لها ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردَّى خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تحسَّى سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً” فصدمت السيدة لهول ما سمعت وأصابها اكتئاب حاد ومزمن.

وفي قصة أخرى، وبعد انتحار شاب يافع في إحدى بلدات فلسطين رفض شيخ البلدة إقامة الصلاة عليه وتلكأ في دفنه حتى حاججه بعض أهل القرية المستنيرين، وأقبلوا على دفنه في مقبرة القرية، ولنا أن نتخيل ما ألحقه هذا المشهد بأهل الفقيد.

هذا ناهيك عن ما يرشح إلينا من قصص من حين لآخر عن أشخاص توجهوا بأعراض مرضية نفسية يلتمسون علاجها لدى “الشيوخ” فأخرت إجراءاتهم المسار العلاجي الطبي إلى أن أقدم بعضهم على الانتحارأو قضوا تحت عصي “استخراج الجن”.

أنا لا أجادل هنا بحرمة الانتحار بل أستحسن هذا التحريم لأنه برأيي أفضل “إجراء صحة عامة”، وأرى في عملي العيادي يومياً أشخاصاً يئسوا من الحياة ولا يمنعهم عن الانتحار إلا التحريم الإلهي.

ما أجادل فيه هنا هو ذم ونبذ وإطلاق الأحكام البشرية على من لم يردعه التحريم، وإلحاق المزيد من اللوم والألم بذويه. فنحن ببساطة لا نعلم بأي حالة عقلية اتخذ هذا الانسان قراره المؤسف، ونعلم أن الله إذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب. ودعوتي إلى رجال الدين وإلى الناس أن يتركوا أمر المنتحر إلى الله.

ما يعتقده كثير من الناس من كفر المنتحر لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه، وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه أنه هاجر إلى المدينة ومعه رجل من قومه، فمرض فجزع فأخذ مشاقص (سهما) له فقطع بها براجمه (شرايينه) فشخبت (دميت) يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه وهيئته حسنة، ورآه مغطياً يديه، فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: “غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم”، فقال: ما لي أراك مغطياً يديك؟ قال: “قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت”، فقصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اللهم وليديه فاغفر”، وقد ترجم الإمام مسلم لهذا الحديث بقوله: “باب الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر.”

وبعض العلماء، كابن شهاب الزهري، كما نقل عنه النووي في شرح صحيح مسلم كره الصلاة على قاتل نفسه ردعاً لغيره من أن يرتكب مثل هذا الذنب، ولكن معظم العلماء يذهبون إلى أن المنتحر تُجرَى عليه أحكام موتى المسلمين، فيُغسَّل ويُكفَّن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، ويورث ماله ويترحم عليه ويدعى له.

معلومات طبية هامة عن الانتحار

وفقا لتقرير منظمة الصحة العالمية في أغسطس عام 2017، فإنه ما يقارب من 800,000 شخص يلقون حتفهم كل عام بسبب الانتحار وهذا العدد يزيد عن عدد الذين يقتلون من قبل آخرين.

يعد الانتحار ثاني سبب للموت في الفئة العمرية بين 15-29 سنة، والثالث في الفئة بين 10-14 سنة، وغالبية المنتحرين هم أشخاص قد عانوا من الاضطرابات المزاجية والعقلية كالاكتئاب واضطراب ثنائي القطب والذهان وغيرها. وحسب تقرير منظمة الصحة العالمية للعام 2015، فإن 78% من ضحايا الانتحار هم من دول متوسطة ومنخفضة الدخل بما فيها الدول العربية والاسلامية.

وهناك مشكلة في دراسة هذه الظاهرة في البلدان الإسلامية، إذ أن التوثيق ضعيف ولا يتم إبلاغ منظمة الصحة العالمية بمثل هذه الإحصاءات في معظم تلك البلدان، إلا أن معدلات الانتحار منخفضة لدى المسلمين، وخصوصا بين المسنين، في بعض البلدان الغربية التي تحسن التوثيق مثل إنجلترا وويلز.

إحصائيات فلسطينية

في فلسطين، نواجه الانتحار بوتيرة متصاعدة عاماً بعد عام، حيث أظهرت الاحصائيات الصادرة عن إدارة البحوث والتخطيط في الشرطة الفلسطينية ارتفاع عدد حالات الانتحار في الضفة الغربية العام الماضي 2018 بنسبة 14%، مقارنة بالعام الذي سبقه، حيث شهدت الضفة ما مجموعه 25 حالة انتحار، علما بأن العام الذي سبقه، 2017، شهد 22 حالة، وكان توزيعهم حسب الجنس: 15 من الذكور و10 إناث. أما توزيعهم حسب الحالة الاجتماعية: 17 غير متزوجين مقابل 8 متزوجين، ووفقا للتوزيع العمري فقد جاءت أعلى نسبة للأشخاص الذين أقدموا على الانتحار ضمن الفئة العمرية ما بين 28- 25 عاما، وشكلت ما نسبته 32%، أما بخصوص المستوى التعليمي، فإن أعلى نسبة للاشخاص الذين أقدموا على الانتحارجاءت ضمن فئة حملة الشهادة الثانوية حيث شكلت هذه الفئة 44% من الحالات المسجلة.