1

لنسقط الأوهام عن ترامب ونستعد للأسوأ

يقولون إنه تاجر يحب الصفقات ويكره الحروب، ويقولون إنه غير متوقع، وإنه سيكون متحرراً من الضغوط الصهيونية وإن هذا قد يسهل عليه فرض تسوية على الجميع، ويقولون إنه نرجسي وعصبي وعدواني، وبالتالي سيصنع مجده بطريقته، وأضافوا أيضاً إنه حظي بأصوات العرب والمسلمين وإنه لذلك سيجاملهم بطريقة أو بأخرى، وقالوا أيضاً إنه يعود مره ثانية أكثر خبرة وأعمق تجربة، وقد يكون لهؤلاء بعض العذر أو بعض الفهم، فقد بلغ بنا الضعف والعجز والخور إلى درجة أن ننتظر الحلول من صانع الأزمات، وأن نرجو العون من أعدائنا وأصدقاء أعدائنا، فصار رئيس الولايات المتحدة الأمريكية أشبه بمن يأتي ومعه جبل من طعام وجبل من نار، بين يديه ثواب وعذاب، بحيث تتعلق القلوب والأبصار به ترجو عطفه وتتجنب غضبه، حتى أن المذيعة العربية سألته عن حفيده نصف العربي فتعطف الرجل وقال إن العرب أذكياء .. شكرا لله سبحانه وتعالى، فهذا الوصف ينسف أكثر من 70 سنة من إلحاح استوديوهات هوليوود بأن العرب أغبياء ولا يستحقون ما هم فيه من نفط وشفط .

وترامب تاجر حقاً ومفاجئ ونرجسي ويتجاوز المؤسسة الرسمية، ويحاول أن يقدم مضموناً جديداً للإدارة والمجتمع ولدور الولايات المتحدة الجديد، وهو يعمل من أجل إمبريالية جديدة عنيفة وعدوانية أكثر تدقيقاً وأنانية وانعزالاً، تعيد تشكيل ذاتها لتقليل الخسائر إلى حد كبير، إمبريالية تسعى إلى استعادة القوة والنفوذ من خلال عمليات الاحتواء والمصالح المشتركة والصفقات المربحة.

إمبريالية مبادرة وسريعة وحاسمةـ ولكنها عدوانية إلى أبعد حدود العدوانية، إمبريالية الشركات والبنوك والتكنولوجيا الفائقة، التي لا تعترف كثيراً بالخصوصيات والأحلام القومية والثقافية، ولهذا فهي إمبريالية تتحالف فيها نخب المال مع نخب السياسة التي ترى في العالم مجرد ملعب جولف تتحرك فيه كما تريد لا تردعها حدود أو جماعات أو قانون.

ترامب بهذا المعنى يحيط نفسه بشخصيات تعكس ذلك كله وأكثر، شخصيات تدعي التطهرية الدينية والحماسة الإلهية وأنهم رسل السماء، تقع على أكتافهم تحقيق النبوءات وتجسيد كل البشارات، شخصيات لا تمتلك من الخبرة إلا أنهم يعشقون إسرائيل وأن إسرائيل تعشقهم، وأنهم متطرفون في حبها ومستعدون لفعل كل شيء من أجلها، وأنهم أعداء للشعب الفلسطيني ولحقوقه وتاريخه ووجوده ونضاله، وهم بذلك ضد القانون الدولي وضد كل ما صدر عن الهيئات الدولية، فيما يتعلق بهذا الصراع، وهم ضد كل المبادرات والاقتراحات حتى تلك التي أطلقها رؤساء أمريكيون سابقون، وهم ضد المزاج الشعبي العالمي، وضد الواقع وضد التاريخـ وضد حتى الدين الذي يدعون أنهم يؤمنون به.

هذا التطرف الذي يأتي به ترامب من خلال إدارته الجديدة الثانية خطير جداً، ليس علينا فقط، وإنما حتى على الإسرائيليين وكيانهم كما قال أحد كتابهم.

التطرف الذي يتجلى في هذه التعيينات وفي هذه الإدارة يوضح لنا أن ترامب يعود إلى البيت الأبيض مرة ثانية وهو أكثر وضوحاً في رؤيته المعادية للشعب الفلسطيني، وأكثر انحيازاً للرؤية المشيحانية الصهيونية، ولهذا احتفل المستوطنون وبعض السياسيين الإسرائيليين بانتصار ترامب، وأخذوا يتحدثون علناً عن ضم الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية.

إن التعيينات الجديدة تعكس أن ترامب يأتي لإعطاء إسرائيل كل ما حلمت به على ما يبدو، فلماذا نتوقع أن رجلاً في السبعينيات مثله سيتغير؟! ولماذا نتوقع أن يتغير وهو يأتي من خلفيه أنجليكانية متطرفة، وهو يعبر عن جماعات التطرف الديني والإثني والطبقي، ولماذا نتوقع أن يتغير وهو ممول من لوبيات صهيونية يهودية بالغة التأثير؟! ولماذا نتوقع أن يتغير دون أن يكون هناك من يضغط عليه من عرب ومسلمين؟!

لا داعي للأوهام حول هذا الرئيس، والأجدر والأفضل أن نستعد منذ الآن للتعامل مع ما قد تحمل هذه الإدارة من خطط قديمة وجديدة، ليس أخطرها ضم الضفة الغربية المحتلة، وإسقاط الحل التسووي وتغييب السلطة الوطنية الفلسطينية، وتفكيك الشعب الفلسطيني ديموغرافياً وسياسياً.

ترامب يأتي محاطاً بشخصيات لا ترانا ولا تعترف بنا، وإذا لم نستعد لأمثال هؤلاء، فإن الأسوأ قادم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.




غزة.. حكاية صمود وكبرياء

أصعب المواقف في الحياة نقطة النهاية، نهاية رجل شجاع، نهاية قصة بطولة، نهاية مغامرة جريئة، أو نهاية حكاية شعب والقضاء على تراثه وتاريخه، وهذه الأخيرة لا يمكن أن يقبل بها شعب فلسطين، وعليه لا تزال غزة الصامدة بكل كبرياء ترفض النهاية، وتقدم كل يوم عشرات الشهداء على طريق حريتها ونيل مُناها ورغباتها بالتخلص من وزر هذا العدوان الشرير، الذي لا يُفرق بين كبير وصغير، فيقتل ويذبح ويدمر بلا ضمير، بذخائر أميركية الصنع، تحرص إدارة بايدن على توريدها لإسرائيل باستمرار حتى تقتل أطفال غزة، لتلعب الولايات المتحدة كل الأدوار المخزية، فهي التي تدعم إسرائيل لشن الحرب، وتزودها بالذخائر والعتاد، وتدافع عنها في الجلسات الأُممية، وتقف في وجه قرارات مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات في لاهاي، وفي الوقت نفسه تقوم بارتداء الزي المتنكر، وتفرض نفسها كوسيطة غير نزيهة، تسعى لتغيير المعادلات وترسيم شرق أوسط جديد، يتوافق مع العقلية الإسرائيلية، وعلى مقاييس الغرب الاستعماري، الذي يجد ضالته اليوم بالصمت، في الوقت الذي تتوجع فيه غزة كل لحظة، ولكن لا أحد يعير هذا الوجع الاهتمام.

يتواصل نزيف الدم في قطاع غزة كل يوم، وتتشح الطرقات والشوارع بالسواد، فالكل في حداد، في ضوء مجازر الاحتلال اليومية، التي وصل عدد شهدائها حتى كتابة هذا الحديث إلى أكثر من ٤٣٨٠٠، فيما الجرحى بعشرات الآلاف، إضافة للمفقودين والمعتقلين والمعاقين والجرحى الذين لا يجدون وسيلة للسفر من أجل العلاج، وأولئك الذين تحرمهم إسرائيل من السكن والمبيت والماء والغذاء والكهرباء والدواء، وكل مقومات الحياة الإنسانية، التي يفتقدها سكان قطاع غزة، الذين يعيشون القصة مرةً تلو المرة بالتهجير والطرد والإخلاء والإقصاء.

حال غزة يُدمي قلوب الفلسطينيين، فمن غيرهم يعاني، الجواب: لا أحد، وعليه فالقضية هنا فلسطينية بحتة، وهي قضية مصيرية، سيتغلب على صعابها وتحدياتها ومعوقاتها أبناء شعبنا، رغم أنهم يحتاجون لدعم وإسناد الشعوب العربية وأحرار العالم الذين ينطقون بكلمة الحق في كل المحافل، بعد أن أغلقت في وجه الفلسطينيين كافة الأبواب، وارتدى الجميع ثياب الخنوع والإذلال، بإطاعة أوامر سيدة شياطين الكون، الولايات المتحدة، وأداة  الجريمة والعدوان، إسرائيل التي تشن الحروب على شعبنا وعلى شعوب المنطقة، انطلاقاً من سياسة عنصرية، لا تعترف بالحق الفلسطيني بالوجود، كما تقول الصهيونية التي انطلقت على أساس عدم وجود فلسطين، وضرورة القضاء على كل ما هو فلسطيني.

حرب التجويع هي فصل كبير من فصول الإبادة التي تسعى إليها إسرائيل، في شمال غزة ومعظم أنحاء القطاع، في محاولة لطرد أبناء شعبنا وفرض حالة التهجير القسري عليهم، وهذا جزء من (خطة الجنرالات) التي اعترف قادة وضباط إسرائيليون بتنفيذها، ولوّحوا بأن احتلال غزة سيتواصل حتى نهاية العام المقبل، وبذلك تسعى حكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة لمواصلة قتل الفلسطينيين، والسؤال الذي يطرح نفسه: متى يتوقف نزيف الدم الفلسطيني، وتضع الحرب أوزارها، كما حصل مع كل الحروب في العالم وحروب العرب السابقة مع إسرائيل التي انتهت بالهزائم والنكسات؟ لكن هذه الحرب التي يسعى الاحتلال فيها لقتل روح وكبرياء شعبنا الصامد في غزة والضفة بما فيها القدس ستقلب السحر على الساحر، وستثبت للمحتلين والغزاة أنّ شعب فلسطين لا يُهزم، وأن الشهداء الذين يرتقون على مذبح الحرية والاستقلال هم شموع الغد الذين سيُنيرون درب المستقبل حتى تعود غزة إلى سابق عهدها، وتحافظ على شموخ حكايتها التي لا يمكن لإسرائيل أو الولايات المتحدة أن تقضي عليها، لأن شعبنا سيبقى أقوى من كل المؤامرات التي ستتحطم على صخرة صموده وتشبثه بالحياة الكريمة.




كيف يُضعف الذكاء الاصطناعي عقولنا؟ خطر الضمور العقلي في عصر التكنولوجيا!

صدقي ابوضهير – باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي

 مع الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي واستخدامه المتزايد في حياتنا اليومية، ظهرت مخاوف متعددة حول التأثيرات السلبية المحتملة لهذه التكنولوجيا على القدرات العقلية البشرية. من أبرز هذه المخاوف هو ما يعرف بظاهرة “الضمور العقلي”، التي تشير إلى تراجع المهارات الذهنية بسبب الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في التفكير واتخاذ القرارات.

الذكاء الاصطناعي وتقليل الجهد الذهني

أدى الذكاء الاصطناعي إلى تبسيط الكثير من المهام وتحقيق إنجازات كبيرة، سواء في قطاع الأعمال أو التعليم أو الحياة الشخصية. فمن خلال تحليل البيانات الضخمة وتقديم التوصيات الذكية، يتمكن الأفراد اليوم من الاعتماد على التكنولوجيا لاتخاذ قراراتهم وتحليل المشاكل. ومع ذلك، هذا الاعتماد قد يحدّ من استثارة عقولنا ويقلل من الجهد المطلوب منا للتفكير والتحليل.

في دراسة أجراها باحثون في جامعة كاليفورنيا، تبين أن استخدام التكنولوجيا بشكل مستمر للقيام بأبسط المهام أدى إلى تراجع ملحوظ في مهارات الذاكرة والتركيز لدى الأفراد. كما أن تواجد أدوات مثل “مساعدي الذكاء الاصطناعي” الذين يقومون بإجراء العمليات الحسابية أو تقديم المعلومات الجاهزة، يجعل الأفراد أقل ميلاً للاعتماد على ذاكرتهم ومهاراتهم التحليلية، مما يسهم في حدوث الضمور العقلي.

ضمور التفكير النقدي وحل المشكلات

من التأثيرات التي بدأ المجتمع العلمي يرصدها هو تراجع القدرة على التفكير النقدي واتخاذ القرارات المعقدة. في الماضي، كان الأفراد يضطرون لتحليل المعلومات المتاحة واتخاذ قراراتهم بناءً على التجربة والمعرفة، أما اليوم، فنجد أن الكثيرين يعتمدون على نتائج الذكاء الاصطناعي دون البحث عن البدائل أو التشكيك في صحة التوصيات. هذا الاعتماد المفرط يمكن أن يؤدي إلى ضعف القدرات التحليلية، حيث يُستبدل التفكير الذاتي بالتكنولوجيا.

تأثير الذكاء الاصطناعي على التعليم

في قطاع التعليم، أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي شائعة، حيث تقدم حلولاً تعليمية مخصصة لكل طالب بناءً على مستواه واحتياجاته. ورغم أن هذا التقدم مفيد من ناحية التحصيل الأكاديمي، إلا أنه قد يقلل من الجهد الذي يبذله الطالب في استيعاب المواد وتطوير مهاراته البحثية. فعلى سبيل المثال، الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لإنتاج الأبحاث أو تلخيص الكتب قد يقلل من تحفيز الطالب على استيعاب المعرفة بشكل كامل، مما يؤثر على مهاراته النقدية والتحليلية على المدى الطويل.

الأرقام والإحصائيات

تشير الأبحاث إلى أن 40% من الأشخاص الذين يعتمدون بشكل مفرط على الذكاء الاصطناعي في اتخاذ قراراتهم اليومية يعانون من تراجع ملحوظ في مهاراتهم التحليلية، مقارنةً بالأفراد الذين يعتمدون على أنفسهم في التحليل وحل المشكلات. في دراسة نُشرت في مجلة “علم النفس العصبي” عام 2023، أفاد الباحثون بأن الاستمرار في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل مفرط قد يؤدي إلى تأثيرات مشابهة للضمور العضلي، ولكن بشكل عقلي.

نصائح لتجنب الضمور العقلي

لتجنب آثار الضمور العقلي بسبب الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي، يمكن تبني بعض العادات التي تعزز القدرات الذهنية، منها:

  1. التفكير النقدي المستمر: تجنب قبول نتائج الذكاء الاصطناعي دون التفكير في صحتها، وابحث عن بدائل ووجهات نظر مختلفة.
  2. التعلم الذاتي: حاول الاعتماد على نفسك في التعلم وتحليل المعلومات بدلاً من الاعتماد على ملخصات الذكاء الاصطناعي.
  3. التفاعل الاجتماعي: الحوار والنقاش مع الآخرين حول موضوعات مختلفة يعزز من التفكير النقدي والقدرات التحليلية.
  4. التدريب الذهني: ممارسة الألعاب الذهنية وحل الألغاز يساعد في الحفاظ على نشاط الدماغ وتقليل احتمالية الضمور العقلي.

الخلاصة

الذكاء الاصطناعي أداة قوية ومفيدة، ولكنه لا ينبغي أن يحل محل القدرات الذهنية البشرية. من الضروري أن نطور توازنًا بين استخدام الذكاء الاصطناعي وتعزيز مهاراتنا العقلية. تحقيق هذا التوازن يضمن أن نستفيد من التكنولوجيا دون أن نفقد مهاراتنا الفكرية وقدرتنا على التحليل والنقد.




ماذا لو فاز ترامب؟ وماذا لو فازت هاريس؟

أولًا، وقبل كل شيء، لا بد من التأكيد أن الرهان على الولايات المتحدة، وأنها يمكن أن تتغير من الالتزام بالدفاع عن إسرائيل حتى لو ارتكبت كل أنواع الجرائم ضد الفلسطينيين وغيرها‎ رهان خاسر. فمن يراهن على غيره يخسر، فنحن في عالم لا يقوم على المبادئ والأخلاق والعدالة والقانون على الرغم من ادعائه بذلك، وإنما يقوم على المصلحة والقوة وبعد ذلك تأتي القضايا الأخرى، ومن لا يتقن أو لا يملك المصلحة أو القوة أو كلتيهما لا مكان له في هذا العالم، بل سيكون معرضًا لكل أنواع الظلم والانتهاك والتجاوز.

وينطبق القول السابق على الولايات المتحدة أقوى دولة في العالم، التي تقود أكبر وأقوى إمبراطورية عرفها التاريخ، والدليل أنه خلال عشرات السنين، راهن الملوك والرؤساء العرب على تغير السياسة الأميركية، من الدعم المطلق لإسرائيل والشراكة العضوية والاستراتيجية إلى الاعتماد على العرب أو بعضًا منهم بدلًا من إسرائيل، أو حتى إلى جانبها، غير أن هذه المحاولات باءت بالفشل، وحصد المراهنون الخيبة والخسارة.

في هذا السياق، كان من الخطأ الفادح الذي يعيد إنتاج نفسه باستمرار على الرغم من حصاد الفشل، هو الرهان على واشنطن لحل الصراع العربي الصهيوني، وعلى قيامها بدور الوسيط النزيه، لدرجة أن الرئيس الراحل حسني مبارك، أكبر حليف وصديق للولايات المتحدة خلال ثلاثة عقود من حكمه، خرج بخلاصة “أن المتغطي بأميركا بردان”.

على الرغم من كل ما سبق ومن تكرار الخيبات الكبيرة، فإن القادة العرب، بمن فيهم القيادة الفلسطينية، يراهنون على تغير السياسة الأميركية من دون أن يفعلوا شيئًا يساعد على تغييرها، مثل رفع تكلفة دعمها المطلق لدولة الاحتلال، ويكبر الرهان عشية كل انتخابات رئاسية.

كان العرب بمعظمهم في الماضي حتى أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001 يؤيدون الحزب الجمهوري، لأنه محافظ وضد المثلية والإجهاض، ولا يقيم اعتبارًا لحقوق الإنسان، ولكنهم مالوا بعد ذلك للحزب الديمقراطي بعد الحرب التي شنها الرئيس جورج بوش الابن على العرب والمسلمين، وفي ظل سيطرة المحافظين الجدد والمسيحيين الصهاينة على الحزب الجمهوري.

أما اليوم، فالعرب منقسمون، فبعضهم يؤيد مرشحي الحزب الديمقراطي لأنهم أقرب وفق اعتقادهم في مواقفهم من القضايا العربية، ومنهم من يؤيد مرشحي الحزب الجمهوري لأنهم لا يتبعون سياسة الحزب الديمقراطي التي ترمي إلى تغيير الأنظمة كما فعل الرئيس باراك أوباما الذي دعم “الربيع العربي”، ولأنهم أشد عداوة لإيران، التي يتصور بعض القادة العرب بأنها عدوتهم، وليس إسرائيل، كما كان الأمر في السابق.

 ومع أن الحزبين الجمهوري والديمقراطي يختلفان في كثير من الأمور، فإنهما يتفقان على دعم إسرائيل.

صحيح أن العرب أخذوا دروسًا قوية عندما احتاجت السعودية إلى من يقف معها عندما تعرضت لضربات خارجية، ولم ينجدها الرئيس الديمقراطي باراك أوباما ولا الرئيس الجمهوري دونالد ترامب، وهذا جعل الملوك والرؤساء العرب الذين كانوا عشية الانتخابات الأميركية في السابق أكثر حماسة وتمويلًا لمرشحي الحزبين، وخصوصًا ترامب، باتوا أكثر واقعية واستعدادًا للتعامل مع أي رئيس.

لدينا فريق فلسطيني وعربي يتصور أنه إذا أثبت أنه يمكن أن يقوم بدور مهم وفاعل في توفير الأمن والاستقرار في المنطقة لصالح الاستراتيجية والمصالح الأميركية، وليس لصالح شعوبهم وبلدانهم، فهذا يؤهله للانضمام إلى نادي أصدقاء واشنطن وحلفائها الذين يعتمد عليهم. غير أن هذا الأمر يتبخر دائمًا إذا تعلق الأمر بإسرائيل، فعندها يطاح بأي أمل بموقف أميركي عادل أو متوازن، فإسرائيل هي درة التاج ولا ينافسها ولا يمكن أن ينافسها أي طرف عربي، فهي ليست مجرد حليف، وإنما جزء عضوي من المعسكر الاستعماري، لذا إذا حصلت دولة عربية على” وسام الجدارة ” فيجب عليها أن تقبل بأن الأولوية لإسرائيل، وهي صاحبة اليد العليا، وهي الدولة التي يجب أن تكون مهيمنة وتحت سطوتها يقف الحلفاء العرب.

أبعدتنا هذه المقدمة عن معالجة الموضوع الرئيسي في هذا المقال، وهو ماذا لو فاز ترامب أو فازت هاريس؟

يبدأ الجواب بالقول إذا كان العرب (وهذا ينطبق كذلك على الفلسطينيين) ضعفاء ومنقسمين، من دون برنامج مشترك ولا قيادة مشتركة ولا قائد أو بلد قائد أو سياسة فاعلة، كما هم عليه الآن، فلن يتمكنوا من الاستفادة من أي فرص يمكن أن يتيحها الفائز، سواء أكان ترامب أم هاريس، وكذلك لا يتمكنون من وقف أو تقليل الأضرار والخسائر، فهم طرف مفعول به وليس فاعلًا.

الانتخابات هذه المرة تؤثر فيها عوامل خارجية، وليس العوامل الداخلية التي كانت دائمًا هي الحاسمة. فحرب الإبادة وتداعياتها الإقليمية والدولية تؤدي دورًا مهمًا في ظل التقارب الشديد بين المرشحيْن، لدرجة أن الصوت العربي إذا توحّد يمكن أن يساهم في فوز مرشح وخسارة آخر.

إذا أخذنا نموذجيْن تتضح لنا الصورة، النموذج الأول يهود الولايات المتحدة الذين سينتخبون بأغلبيتهم كالعادة مرشح الحزب الديمقراطي لأسباب داخلية، ولكونهم يخشون من التطرف العنصري الذي وصلت إليه إسرائيل، بينما نرى في النموذج الثاني أن 67% من الإسرائيليين يفضلون فوز ترامب و17% منهم يفضلون فوز هاريس. أما مؤيدو نتنياهو، فإن 93% منهم يفضلون ترامب و1% فقط؜ يفضلون هاريس؛ أي إن إسرائيل وحكومتها اختارت وترمي بثقلها لإنجاح المرشح المفضل لديها، وهذا ظهر في تعطيل أي فرصة للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة ولبنان قبل الانتخابات حتى لا تتحسن فرص هاريس في الفوز.

أما العرب فمنقسمون بين ثلاثة مرشحين، وبذلك يفقدون قدرتهم على التأثير، فإذا اختاروا هاريس على سبيل المثال فيمكنهم عقد صفقة معها ويحددون بعض المطالب لتلتزم بها إذا فازت، تمامًا كما يفعل اليمين الديني الصهيوني، إذ دعمت ميريام – أرملة شيلدون أديلسون – وجيفري ياس – حملة ترامب بنحو 250 مليون دولار مقابل تعهده بضم الضفة الغربية، وخاصة مناطق (ج) إلى إسرائيل، والدليل على صحة التعهد أن حملة ترامب نفت ذلك كونه يشكل مخالفة قانونية للتبرع للحملات الانتخابية، وقد سبق أن دعم الزوجان أدلسون ترامب وحزبه الجمهوري خلال الحملة الانتخابية السابقة بستين مليون دولار مقابل نقل السفارة الأميركية من القدس إلى تل أبيب .

تعودنا أن نسمع عبارة من القوميين واليساريين سابقًا، والآن من الإسلاميين، أن مرشحي الحزبين الديمقراطي والجمهوري وجهان لعملة واحدة ولا فرق بينهما، وهذا صحيح وغير صحيح. صحيح لأن الحزبيْن ملتزمان بدعم مطلق لإسرائيل ولا خلاف بينهما على ذلك، وغير صحيح لأن هناك خلافًا ظهر خلال العقدين الأخيرين على أي إسرائيل هي التي يجب أن تدعم، فهناك تغيرات عميقة وجوهرية حدثت في السياسة الإسرائيلية ذهبت بها أبعد كثيرًا عما كانت عليه في التطرف الديني والقومي، وإقرار قوانين عنصرية غير ديمقراطية، حتى بمعنى المساس بالديمقراطية اليهودية.

تفضل هاريس الاتجاهات الأقل تطرفًا في إسرائيل، وتدعم بقاء إسرائيل كما كانت عليه في السابق، ولا تزال تؤيد التوصل إلى تسوية لصالح إسرائيل، سواء للصراع أو لحرب الإبادة، حيث تعطي بعض الحقوق والأرض والسيادة للفلسطينيين، وذلك ضمن مفهوم عند الحزب الديمقراطي بشأن ضرورة التركيز على الصين، وتبريد الملفات الأخرى، لذلك عقد أوباما الاتفاق النووي مع إيران.

كما يدعم الديمقراطيون تسوية في الشرق الأوسط تمكنهم من تخفيف تواجدهم لصالح وكلاء آخرين، من ضمنهم وعلى رأسهم إسرائيل، إضافة إلى أن هاريس تحسب بعض الحساب للتيار التقدمي في الحزب الديمقراطي الذي اتخذ مواقف متقدمة من القضية الفلسطينية. لكن كل ذلك لا يلغي أن هاريس نائبة رئيس شارك إسرائيل حرب الإبادة ضد الفلسطينيين، واستمرّ طوال عهده بالحديث عن حل الدولتين من دون أن يفعل شيئًا لتطبيقه.

أما ترامب فيدعم الاتجاهات الأكثر تطرفًا وعدوانية وتوسعية في إسرائيل، كما ظهر في حديثه عن أن إسرائيل دولة صغيرة بحاجة إلى توسيع، لذا سيدعم ضم أو بقاء السيطرة على شمال قطاع غزة لإسرائيل، وأن فوز هاريس كما قال سيؤدي إلى القضاء على إسرائيل خلال عامين، وأن من حق الأخيرة ضرب المفاعل النووي الإيراني، وهو سبق وألغى الاتفاق النووي، وهذا سيزيد التوتر وعدم الاستقرار والحروب في المنطقة، لكنه لا يتعارض مع فلسفته عن تحقيق السلام عبر القوة.

كما اعتبر ترامب أن إدارة بايدن تقيد يد إسرائيل في حربها ضد الفلسطينيين، وهو لن يفعل ذلك، وهذا قد يؤدي إلى وقف الحرب والسلام، ولكن على حساب الفلسطينيين. وهو صاحب الاتفاقات الإبراهيمية وسوّق لها وأكثر قدرة لبراغماتيته على استكمالها من هاريس، وكذلك لا يجب أن ننسى أنه صاحب صفقة القرن التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية.

من المتوقع إذا فاز ترامب أن يحذف من صفقته الإشارة إلى الدولة الفلسطينية، كما قال صديقه والمقرب جدًا منه وسفيره السابق إلى إسرائيل ديفيد فريدمان، لأنه اقتنع أن الدولة الفلسطينية خطر وجودي على إسرائيل، لذا سيدعم الضم والتهجير واستمرار العدوان والإبادة.

لذا لو صوت العرب لهاريس السيئة والخطيرة لفازت، وهي أهون الشرين، وهذه الفرصة للتأثير الآن وليس في المستقبل، ووجدت لأول مرة، ولو لم تكن ولا يوجد حرب إبادة لكان من الأفضل التصويت للمرشحة جيل ستاين التي تؤيد الحقوق الفلسطينية، لأنها يمكن أن تكسر الاستقطاب الثنائي بين الحزبين الكبيرين إذا حصلت على 5% من الأصوات، حيث سيُعترف بها حزبًا ثالثًا.

ولو صوتوا لهاريس لتفادوا فوز ترامب الأكثر خطرًا وسوءًا، ليس على الفلسطينيين فقط، وإنما على العالم كله وعلى الولايات المتحدة نفسها، فهو إذا لم يفز يمكن ألا يعترف بنتائج الانتخابات، وهذا يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات، وتذهب بعض التقديرات أنه سيدفع نحو حرب أهلية.

إن السياسة كما يقال فن أفضل الممكنات (وليس الممكن فقط)، وهي تتطلب رؤية الفروقات الكبيرة والصغيرة، ومن لا يرى الفروقات حتى إذا كانت صغيرة عليه ألا يعمل أو يهتم بالسياسة.

ختامًا، أحذر من اعتبار موعد الانتخابات الأميركية أو موعد استلام الرئيس الجديد موعدًا حتميًا لوقف العدوان في غزة أو لبنان، فهذا مجرد احتمال من احتمالات عدة، ويتوقف أولاً وأساسًا على الميدان في فلسطين ولبنان، ومدى صمود المقاومة وقدرتها على إلحاق خسائر في صفوف الاحتلال، إضافة إلى تأثير ما سيحدث على الجبهة الإيرانية سلمًا أو حربًا، وتأثير من الفائز هاريس أم ترامب، وهل يريد بايدن الذي سيبقى رئيسًا حتى العشرين من كانون الثاني/ يناير 2025 أن يضغط على حكومة نتنياهو بعد تحرره من ضغط الانتخابات، أم أنه سيبقى يختلف معها ولكن يرضخ لها ويكتفي بتوجيه النصائح ولا يمارس الضغوط عليها؟

والأهم من كل ما سبق هو أن الطرف الفاعل هو القادر على التأثير مهما تكن نتائج الانتخابات، فهو يقدر على تقليل مخاطر فوز الأسوأ وتحويل الأزمات إلى فرص بغض النظر عن الفائز.

ولكن الطرف الضعيف والمنقسم والتائه ليس أمامه سوى انتظار غودو الذي لن يأتي أبدًا، بعد كل انتخابات أميركية والرهان على الفائز لعله يكون كريمًا ولا يفعل ما انتخب من أجله، وهذا مستحيل، ومن ينتظر المستحيل شأنه من يتصور أن مصير إبليس يمكن أن يكون الجنة.




هل بدأ العد العكسي للعدوان؟

 لم يأت العدوان الإسرائيلي على إيران مزلزلًا  أو غير مسبوق، كما هدد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ولا إبداعيًا حيث لا تعرف ماذا حدث لها كما حذر يؤاف غالانت، وزير الأمن الإسرائيلي، بل جاء أقل بكثير من التهديدات، وأكثر من رد رمزي. وهذا ما جاء في تحذير المرشد الإيراني علي خامنئي “من تضخيم الرد أو التقليل من شأنه”. وبهذا الرد الإسرائيلي القوي، ولكن تحت سقف الادعاءات، فوّتت حكومة نتنياهو فرصة كبيرة لتحقيق الأهداف الكبيرة التي تحدث عنها نتنياهو، وشملت تدمير البرنامج النووي الإيراني، وتغيير الشرق الأوسط، وتقويض محور المقاومة، وتوفير بيئة أمنية مختلفة في المنطقة تدوم عشرات السنين على الأقل، وهذا يعود إلى ما يأتي:

أولًا: إما لأن تل أبيب غير قادرة على محاربة إيران وحدها، وهذا تقدير صائب، وهذا ما يفسر لماذا لم تضرب المفاعل النووي الإيراني طوال السنوات الماضية على الرغم من اقتراب طهران من الحصول على القنبلة النووية وتحصين نفسها، لا سيما أن إسرائيل بدأت تشعر بالإرهاق بعد أكثر من عام من حرب على جبهات عدة، وبحاجة إلى استراحة وفترة لالتقاط الأنفاس.

ثانيًا: أو لأن الحرب استنفدت نفسها، حيث لم تعد هناك أهداف تضرب إلا “تدمير من أجل التدمير”، “وموت من أجل الموت”، وهناك حاجة متزايدة لوقف الحرب، ولو بصورة إعلان “الانتصار الإسرائيلي”، والسعي إلى استكمال تحقيق الأهداف من خلال الاقتصاد والسياسة والمفاوضات والاستثمار في الخلافات الفلسطينية الفلسطينية واللبنانية اللبنانية والعربية العربية، وهذا تدلل عليه عودة الخلافات داخل الحكومة الإسرائيلية، لدرجة أن نتنياهو وعد المتدينين بإقالة غالانت فور الانتهاء من الجولة الحالية من الصراع مع إيران، إضافة إلى الخلافات بين الحكومة وجيش الاحتلال وأجهزة الأمن بشأن الأهداف الإسرائيلية من الحرب، وهل تحقق معظمها أم لا، حيث يرى وزير الأمن وأوساط الجيش والأجهزة الأمنية ذلك، وهذا ظهر بتأييد المبادرة المصرية والمطالبة بتقديم تنازلات، لأنه كما قال غالانت الإنجازات العسكرية وحدها لا تكفي بل بحاجة إلى تحديث أهداف الحرب، لأن الحرب تغير وجهها والتهديدات ضد إسرائيل تتجدد، ولا بد من تقديم تنازلات مؤلمة حتى نتمكن من الإفراج عن الأسرى. بينما نتنياهو وبن غفير وسموتريتش يرون أن الأهداف التي وضعتها الحكومة لم تتحقق، فضلًا عن أن أهدافهم أكبر من الأهداف المعلنة بكثير، كما يسعون من أجل استسلام المقاومة وليس للتوصل إلى حل سياسي معها.

ثالثًا: أو انصاعت حكومة اليمين المتطرف لرغبة الإدارة الأميركية وإرادتها، وهذا صحيح تمامًا، فواشنطن لا تريد عدوانًا قويًا على إيران يفتح أبواب الحرب الإقليمية عشية الانتخابات الأميركية، ومع استمرار الحرب الأوكرانية، وفي ظل وجود أوراق قوية بيد طهران، تجعلها قادرة على إحداث أزمة اقتصادية عالمية إذا قامت بإغلاق المضائق الدولية، واستهدفت القواعد العسكرية الأميركية والمنشآت النفطية في المنطقة.

وكذلك هناك خشية من استثمار الصين للحرب لصالحها، أو الدخول فيها مضطرة، إذا هددت  مصالحها من خلال عدم القدرة على استيراد البترول، ولا على بيع البضائع الصينية في ظل أن الصين باتت تاجر العالم بلا منازع، وخصوصًا أن حكومة نتنياهو تدرك في قرارة نفسها وبعيدًا عن الادعاءات أن هناك حدودًا للقوة، وأن إسرائيل لا تستطيع أن تخوض حربًا مع إيران منفردة وتنتصر فيها من دون مشاركة أميركية كاملة.

رابعًا: خشية إسرائيل من رد إيراني أقوى من الوعد الصادق 1 و2، إذا جاء العدوان قويًا كما توعدت طهران، لدرجة هناك احتمال إذا ضربت إسرائيل المفاعل النووي الإيراني أن تقرر إيران الحصول على القنبلة النووية، وهذا يحتاج إلى أسبوع واحد فقط كما صرح وليام بيرنز، مدير وكالة الاستخبارات الأميركية. وإذا كان رد إيران أقوى من الردود السابقة فهذا ما لا تتحمله الجبهة الداخلية الإسرائيلية التي أرهقت، بعد سقوط نحو 2000 قتيل وأضعافهم من الجرحى وفق المصادر الرسمية، وأكبر من هذا العدد وفق مصادر إسرائيلية غير رسمية، وخاصة بعد أن استعاد حزب الله زمام المبادرة، بدليل حجم وانتظام إطلاق الصواريخ والمسيرات والمقاومة الباسلة في الجنوب، لدرجة وقوع أكثر من 73 قتيلًا إسرائيليًا وأضعافهم من الجرحى خلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر الحالي، وهذا أكبر عدد من القتلى والجرحى خلال شهر واحد منذ طوفان الأقصى إذا استثنينا تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

يضاف إلى ذلك أنه على الرغم من الإنجازات العسكرية الإسرائيلية التي سببت النشوة للقيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية والتي تصورت أنها أخرجت حزب الله من المعركة، فإنه أثبت أنه لا يزال قويًا، وأعاد تنظيم صفوفه، الأمر الذي حال دون تمكين قوات الاحتلال من تحقيق تقدم كبير، بل بدأ غالانت ورئيس الأركان هرتسي هاليفي يتحدثان عن وقف الحرب البرية من دون ربط ذلك بتحقيق الأهداف المعلنة.

خامسًا: أو أن هناك حاجة لاختيار توقيت مناسب، والقيام بمزيد من الاستعدادات ونصب الأنظمة الدفاعية لكيلا تصيب كل أو معظم الصواريخ والمسيرات الإيرانية أهدافها، كما لاحظنا في نصب صواريخ الدفاع الأميركية ثاد، حيث إذا ردت إيران يمكن استيعاب الرد بأقل الخسائر، على أن يكون الرد على الرد الإيراني القادم مزلزلًا.

وربما، وعلى الأرجح أن تكون إسرائيل أخذت بالحسبان كل الاحتمالات الأربعة، إذ لن تفوت حكومة نتنياهو فرصة لتدمير مقدرات إيران، خصوصًا التسليحية والنفطية والنووية إذا كانت تسطيع ذلك من دون دفع ثمن باهظ لا تستطع احتماله.

الإجابة عن سؤال المقال “هل بدأ العد العكسي للعدوان” تحيلنا إلى ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: أن الميدان قبل أي شيء آخر سيقرر هل سيتوقف العدوان الإسرائيلي أو لا، فما يجري في الميدان ينعكس على طاولة المفاوضات، وما لم تحققه في الميدان لن تحققه بالمفاوضات.

تأسيساً على ما تقدم، إذا استمرّ معدل الخسائر البشرية الإسرائيلية، كما كان في شهر تشرين الأول/ أكتوبر، وزاد عليه، فإن حكومة نتنياهو لن تقوى على استمرار العدوان، لفترة طويلة، لذا الشهر القادم حاسم لتحديد أين تسير الأمور نحو استمرار الحرب أو وقفها، فإذا استمرّ النزيف البشري الإسرائيلي فستتفاقم الخلافات داخل الحكومة الإسرائيلية وبينها وبين الجيش وأجهزة الأمن، وسيثور الرأي العام الإسرائيلي الذي عانى من “السكرة” بعد الاغتيالات وعمليتي البيجر وأجهزة اللاسلكي وأيد حكومته بنسبة كبيرة جدًا، ولكن “راحت السكرة وجاءت الفكرة”.

المسألة الثانية: تتعلق بقرب أو ابتعاد حصول الحرب الإقليمية، فكلما زاد احتمال اندلاعها تتزايد الضغوط الأميركية على حكومة نتنياهو، وهذا يعود إلى الأسباب المذكورة آنفًا في هذا المقال، إضافة إلى أن الدولة العميقة في الولايات المتحدة ترى أن سياسة الحصار والعقوبات وتغذية القلاقل الداخلية وسياسة العصا والجزرة، يمكن أن تؤدي إلى تغيير سياسة النظام الإيراني، أو إلى سقوطه إن لم يغير سياسته. وهناك سبب آخر، وهو وجود حاجة أميركية لبقاء التلويح بالخطر الإيراني لضمان سير الأنظمة العربية، خصوصًا الخليجية ضمن فلك السياسة الأميركية رغم أن هذا السبب تراجع تأثيره حين احتاجت السعودية إلى الدعم الأميركي بعدما تعرضت لقصف من الحوثيين، سواء في عهد باراك أوباما أو دونالد ترامب ولم تلب حاجتها، فلن يقوم بحماية العرب سوى العرب.

المسألة الثالثة: نتيجة الانتخابات الرئاسية الأميركية، فإذا فاز دونالد ترمب، فإنه سيعود إلى صفقة القرن التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية، وسيدعم نتنياهو ليفعل كما يشاء كما تسرب عن مكالمة هاتفية بينهما، وكما صرح علنًا حيث، وصل به الأمر إلى القول إن مساحة إسرائيل صغيرة ويجب توسيعها، وهنا تصبح مسألة ضم شمال قطاع غزة وتهجير سكانها مطروحة بشكل أكبر في حال فوزه، وكذلك إقامة مناطق عازلة وآمنة على طول الحدود وعلى الجبهة المصرية الفلسطينية.

وذكرت مصادر أن ترامب وعد ميريام أديلسون مقابل دعم حملته بـ 100 مليون دولار – كما وعد زوجها قبل فوزه في الانتخابات بنقل السفارة الأميركية إلى القدس وأوفى – بأنه سيوافق على ضم المناطق المصنفة (ج)، خصوصًا المستوطنات، إلى إسرائيل.

نعم كامالا هاريس ستكون داعمة لإسرائيل، وستدافع عن حقها المزعوم في الدفاع عن نفسها، ولكنها تفضل التيارات والأحزاب الأقل تطرفًا وعنصرية في إسرائيل، بينما ترامب سيدعم الأكثر تطرفًا، ومن دون الرهان على أي منهما لكن يجب رؤية الخلافات بينهما، والسياسة هي فن أفضل الممكنات، وتتطلب رؤية الخلافات مهما كانت صغيرة أو كبيرة، ومن دون ذلك لا يوجد سياسة.

يبقى الميدان وماذا سيحصل في الميدان هو الأمر الحاسم، وإذا لم يكن هناك صمود ومقاومة تسبب خسائر بشرية لا حدود لما يمكن أن تصل إليه القوات الإسرائيلية، ألم يقل ديفيد بن غوريون أول وأهم رئيس وزراء في إسرائيل إن حدود إسرائيل تتحدد في المكان الذي يقف فيه الجنود الإسرائيليون.