1

أربعون عاما في انتظار الحياة.. وأربع سنين لمصافحتها

بشار دراغمة- كان عمر ماهر يونس، في الحقيقة، أربع سنوات فقط، أما ما سبقها فلم يكن عمرا بالمعنى الذي نعرفه، بل انتظار طويل ارتدى هيئة حياة.

أربعون عاما قضاها خلف القضبان، حتى بدا وكأن الزمن قد نسيه أو تعمد أن يتركه في الصفحة نفسها بينما كان يقلب صفحات العالم من حوله.

وحين قهر القيد وأطلق سراحه، لم يكن يخرج ليبدأ حياة جديدة، بل ليعيش الحياة الأولى التي حرم منها، تعلم أن يستيقظ بلا عد للأقفال، وأن يمشي من دون أن يسبقه السجان، وأن ينظر إلى السماء كاملة لا من نافذة ضيقة، وأن يزرع أيامه كما يزرع الناس أعمارهم.

لكن الحياة، التي بخلت عليه بأربعين عاما، لم تمنحه سوى أربعة أعوام تقريبا.

أربعة أعوام فقط، كأنها مهلة أخيرة منحها القدر لرجل ظل يحلم بالحياة أكثر مما عاشها.

لذلك، حين رحل ماهر يونس، لم يمت رجل عاش خمسة وستين عاما، بل رحل رجل لم يعش من عمره إلا السنوات الأربع الأخيرة، أما بقية العمر، فكانت مؤجلة في زنزانة، محفوظة في ملفات السجان، ومعلقة على أبواب السجون التي تعرف أسماء الأسرى أكثر مما تعرف أسماء العابرين.

أسرى محررون استذكروا ماهر يونس، فأجمعوا أن الصبر تعب قبل أن يرحل ماهر.

الأسير المحرر وعضو المجلس الثوري لحركة فتح ياسر أبو بكر والذي رافق الراحل يونس في سنوات الأسر كتب على صفحته على “فيسبوك” إن “ماهر كان واحدا من أولئك الذين تتجرد أمامهم الأقنعة داخل الأسر، فلا يبقى إلا معدن الإنسان الحقيقي.

وهناك حيث تضيق الزنازين وتتسع الأخلاق، كان ماهر قريبا من الجميع، متواضعا، هادئا، كريم النفس، لا يتأخر عن خدمة أسير، ولا يبخل بكلمة طيبة، ولا يترك أسيرا يواجه ألمه وحده. كان حضوره، يمنح الأسرى شعورا نادرا بالألفة، حتى ليبدو الوطن نفسه وقد وجد مكانا صغيرا بين جدران الزنازين”.

ولم يكن اسم ماهر يذكر إلا وحضر معه اسم ابن عمه ورفيق دربه كريم يونس، فأربعون عاما جمعتهما الزنازين، حتى بدا اسماهما توأمين في ذاكرة الحركة الأسيرة.

لكن أبو بكر يرى أن لكل منهما بصمته الخاصة، فإذا كان كريم يمثل القامة الفكرية الصلبة، فإن ماهر كان القلب الدافئ الذي يتسع للجميع، والرجل الذي يصنع من التفاصيل الصغيرة حياة يمكن احتمالها داخل أكثر الأماكن قسوة.

ولعل أكثر الكلمات اختصارا كانت أكثرها وجعا، لم يحتج كريم يونس، رفيق الزنزانة والعمر، إلى رثاء طويل، فالأربعون عاما التي جمعته بماهر كانت أبلغ من كل الخطب، اكتفى بأن يكتب: “ترجل الفارس، رفيق العمر، رفيق القيد والأربعين عاما من الصمود، رحلت جسدا، وتبقت سيرتك رمزا لن ينطفئ”.

هكذا يرثي الرجال الذين تقاسمت أرواحهم السجن قبل أن يتقاسموا الحرية، فالعلاقة بين ماهر وكريم لم تكن مجرد قرابة دم أو رفقة نضال، بل كانت عمرا كاملا عاشاه معا بين جدران الزنازين، حتى بدا رحيل أحدهما وكأنه اقتطاع لجزء من ذاكرة الآخر.

محمد نصر أسير محرر يقول إن ثمة رجال لا يتوقف قلبهم فجأة، بل يتوقف الزمن عن احتمالهم، رجال يخرجون من السجن فلا يخرج السجن منهم، ويستعيدون أسماءهم، لكن أعمارهم تبقى معلقة على الجدار الذي تركوا عليه أربعين تقويما، وأربعين شتاء، من دون أم، ومن دون أب، ومن دون رائحة خبز تتسلل من نافذة بيت.

يضيف نصر: “ماهر يونس لم يمت أمس (الأحد)، الذي مات، في الحقيقة، هو شاهد حي على قدرة الإنسان أن يهزم الوقت، ثم يخسره في اللحظة التي ظن الجميع أنه انتصر فيها”.

في عارة، لم يكن الخبر يشبه خبر وفاة، كان يشبه ارتباك قرية كاملة وهي تكتشف أن الرجل الذي اعتادت أن تدعو له كل صباح، صار يحتاج إلى دعائها الأخير.

لم يكن ابن البلدة فقط بل كان ابن الانتظار.




رؤية سياسية ما بين الحوار الوطني والانتخابات

د. دلال صائب عريقات

في اللحظات المفصلية من تاريخ الشعوب، لا تُقاس القرارات بحجم الجدل الذي تثيره، وإنما بقدرتها على حماية المشروع الوطني وشرعيته. واليوم، وفي ظل النقاش الذي أثارته دعوة الرئيس محمود عباس إلى إجراء انتخابات المجلس الوطني والتشريعي الفلسطيني، وما تبعها من رفض عدد من الفصائل الوطنية والإسلامية ومطالبتها بحوار وطني شامل واجتماع للأمناء العامين، يصبح من الضروري إعادة توجيه النقاش من مربع الخلاف السياسي إلى مربع المصلحة الوطنية العليا.
الحقيقة الأولى التي ينبغي الاتفاق عليها هي أن الشعب الفلسطيني يمر بأخطر مرحلة منذ النكبة أكبر من الخلافات التنظيمية. فالحرب على غزة وما خلفته من إبادة، والتوسع الاستيطاني والضم في الضفة الغربية، وتهويد للقدس، إلى جانب المشاريع المطروحة لإدارة قطاع غزة بعيداً عن النظام السياسي الفلسطيني، جميعها تؤكد أن القضية الفلسطينية تواجه تحديات وجودية تتطلب مؤسسات وطنية قوية وشرعية قادرة على اتخاذ القرار وتمثيل الشعب الفلسطيني.
في هذا السياق، فإن الدعوة إلى انتخابات المجلس الوطني لا ينبغي قراءتها باعتبارها خطوة موجهة ضد أي فصيل، وإنما باعتبارها استحقاقاً وطنياً وديمقراطياً يهدف إلى تجديد الشرعية الفلسطينية وإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. فلا يمكن أن نطالب المجتمع الدولي باحترام الإرادة السياسية للشعب الفلسطيني بينما نتردد في العودة إلى هذا الشعب لتجديد مؤسساته الوطنية.
فالشرعية في الفكر السياسي تُستمد من الإرادة الحرة للمواطنين. وتجديد هذه الشرعية عبر الانتخابات ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة دستورية ووطنية، خصوصاً في ظل التحولات الإقليمية والدولية التي تشهد محاولات متزايدة لإعادة رسم مستقبل القضية الفلسطينية دون مشاركة الفلسطينيين أنفسهم.
وفي المقابل، فإن مطالبة عدد من الفصائل بإطلاق حوار وطني شامل تستحق التعامل معها بروح المسؤولية الوطنية، لا بمنطق الاصطفاف السياسي. فالحوار الوطني ضرورة للحفاظ على الوحدة الوطنية، غير أن الحوار يجب ألا يتحول إلى بديل دائم عن الديمقراطية. فالعلاقة بين الحوار والانتخابات ليست علاقة تناقض، وإنما علاقة تكامل. الحوار ينبغي أن يهيئ البيئة السياسية والقانونية اللازمة لإنجاح الانتخابات، وأن يعالج القضايا الخلافية المتعلقة بآلياتها وضماناتها، بينما تبقى الانتخابات الأداة الديمقراطية التي تمنح الشرعية للمؤسسات الوطنية وتجدد العقد الاجتماعي بين الشعب وقيادته.
ومن الناحية القانونية، فإن منظمة التحرير الفلسطينية ليست ملكاً لأي فصيل، بما في ذلك حركة فتح، وإنما هي البيت السياسي الجامع لكل الفلسطينيين. وتجديد مؤسساتها مسؤولية وطنية جماعية تتجاوز الاعتبارات التنظيمية والفصائلية. وكلما تأخرنا في تجديد هذه المؤسسات، ازدادت قدرة الأطراف الخارجية على فرض ترتيبات سياسية وإدارية لا تعكس الإرادة الفلسطينية.
ويزداد هذا الأمر أهمية في ظل ما نشهده اليوم من نقاشات دولية حول “اليوم التالي” في غزة، وظهور مشاريع تتحدث عن مجالس لإدارة القطاع، وترتيبات أمنية، وصيغ للحكم وإعادة الإعمار تُناقش أحياناً بمعزل عن المؤسسات الفلسطينية الشرعية. إن أفضل رد على هذه المشاريع ليس فقط برفضها، وإنما بإثبات قدرة الفلسطينيين على إدارة شؤونهم بأنفسهم، وتجديد شرعية مؤسساتهم، وإدارة خلافاتهم عبر الوسائل الديمقراطية.
تبقى أسئلة مشروعة ممكن الرد عليها من خلال الحوار، ومنها عقد الانتخابات في القدس أو غزة أو نتائج الانتخابات الفلسطينية، هل ستكون مقبولة من قبل المجتمع الدولي والاحتلال؟ في 2005/ 2006 بعد الانتخابات تعرضت الحكومة لحصار مالي خانق واعتقالات وضغوطات خارجية عطلت الديمقراطية ومنعت استمرار العمل، مَن يضمن عدم تكرار ذات المشهد اليوم؟
إن الوحدة الوطنية لا تُبنى بالبيانات السياسية وحدها، ولا بالمحاصصة الفصائلية، وإنما بعقد اجتماعي جديد يحتكم فيه الجميع إلى الشعب الفلسطيني باعتباره مصدر السلطات وصاحب القرار النهائي. فالانتخابات ليست هدفاً بحد ذاتها، وإنما وسيلة لإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته، وتعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ مبدأ التداول السلمي للسلطة والمساءلة. إن مسؤوليتنا الوطنية تفرض علينا الجمع بين الحوار المسؤول والانتخابات الديمقراطية، باعتبارهما مسارين متكاملين لا متعارضين، وكلاهما يشكل المدخل الحقيقي لاستعادة الثقة وبناء نظام سياسي أكثر قدرة على مواجهة تحديات المرحلة. والمضي في مسيرة التحرر من الاحتلال وتجسيد حق تقرير المصير.




بين الانسحاب المشروط والحرب الأهلية… الرهان الإسرائيلي على لبنان

إسماعيل جمعة الريماوي

لم يكن مشهد الاحتفال في وسائل الإعلام الإسرائيلية عقب الإعلان عن الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية مشهدًا عابرًا، بل كشف الكثير عن طبيعة الرهانات الإسرائيلية الكامنة خلف هذا الاتفاق، فعندما تتفق معظم القنوات والمحللين العسكريين والسياسيين في إسرائيل على وصف الاتفاق بأنه “إنجاز تاريخي” و”اتفاق ممتاز”، يصبح من المشروع التساؤل: ما الذي حققته إسرائيل حتى تبدو بهذه السعادة؟
الجواب لا يتعلق فقط بالشق الأمني، بل بما تعتبره تل أبيب تحولًا استراتيجيًا في طبيعة الصراع، فالاتفاق، وفق القراءة الإسرائيلية، لا يربط الانسحاب من جنوب لبنان بوقف الاعتداءات أو بتطبيق قرارات الأمم المتحدة، وإنما يجعل الانسحاب مشروطًا بنزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية بواسطة الدولة اللبنانية نفسها، وبذلك تنتقل المواجهة، من المنظور الإسرائيلي، من صراع مباشر بين إسرائيل وحزب الله إلى صراع داخلي لبناني.
وهذا ما يفسر التصريحات اللافتة التي خرجت من الإعلام الإسرائيلي، والتي تحدث بعضها صراحة عن أن إسرائيل “تدفع لبنان إلى حرب أهلية”، وأن مواجهة بين الجيش اللبناني وحزب الله “قد لا تكون سيئة لإسرائيل”، بل إن بعض المحللين اعتبرها الهدف الحقيقي منذ البداية، وهذه التصريحات لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد تحليلات إعلامية، بل تعكس رؤية متداولة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ترى أن تفكيك حزب الله من الداخل أقل كلفة بكثير من خوض حرب جديدة معه.
ولذلك لم يكتفِ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالترحيب بالاتفاق، بل وضع شرطًا واضحًا: لا انسحاب إسرائيلي من الحزام الأمني قبل نزع سلاح حزب الله وانتهاء ما تعتبره إسرائيل تهديدًا لأمنها، وهذا يعني عمليًا أن إسرائيل تحتفظ بحق البقاء داخل الأراضي اللبنانية إلى أجل غير محدد، بينما تتحول عملية نزع السلاح إلى مسؤولية الحكومة اللبنانية.
الأخطر أن الاتفاق، وفق ما سربته وسائل الإعلام الإسرائيلية، يقوم على تنفيذ تجريبي في مناطق محددة، بحيث تمنح إسرائيل نفسها حق تقييم أداء الجيش اللبناني، ثم تقرر توسيع نطاق التنفيذ أو تجميده، وبذلك تصبح إسرائيل صاحبة القرار الفعلي في تحديد مدى التزام لبنان، وتتحول عملية الانسحاب إلى ورقة ضغط دائمة يمكن استخدامها سياسيًا وعسكريًا.
كما تكشف التصريحات الإسرائيلية أن الهدف النهائي لا يقف عند حدود الجنوب اللبناني، بل يمتد إلى إعادة رسم المشهد السياسي اللبناني بالكامل، فالإذاعة الإسرائيلية تحدثت صراحة عن أن الاتفاق يمهد لاتفاق سلام مستقبلي مع لبنان بعد إنهاء النفوذ الإيراني، فيما رأى عاموس يدلين أن الاتفاق يختلف عن أي تفاهم سابق لأنه يربط بين نزع سلاح حزب الله والوصول إلى سلام بين البلدين.
وفي المقابل، فإن التحفظات التي صدرت عن شخصيات إسرائيلية مثل أفيغدور ليبرمان أو بعض رؤساء المجالس الحدودية لا تعكس رفضًا للاتفاق بقدر ما تعكس اختلافًا حول آلية تنفيذه وسرعة الانسحاب، فجميع هذه المواقف تتفق على هدف واحد، وهو إنهاء القوة العسكرية لحزب الله، بينما يتركز الخلاف على الوسيلة والتوقيت.
إن قراءة المشهد الإسرائيلي تكشف أن تل أبيب ترى في الاتفاق فرصة تاريخية لتحقيق ما عجزت عن تحقيقه عبر سنوات طويلة من الحروب والاغتيالات والضغوط العسكرية، فإذا نجحت الدولة اللبنانية في نزع سلاح حزب الله تكون إسرائيل قد حققت هدفًا استراتيجيًا دون إطلاق رصاصة، وإذا رفض الحزب ودخل في مواجهة داخلية، فإن إسرائيل ستكون قد نجحت في نقل الحرب إلى الداخل اللبناني، مستنزفة خصومها بأيدي بعضهم البعض.
 وهنا تكمن خطورة هذا الاتفاق في أن إسرائيل لا تنظر إليه بوصفه نهاية لمواجهة، بل بداية لمرحلة جديدة من الصراع تُدار بأدوات سياسية وأمنية داخلية بدل الدبابات والطائرات، لذلك فإن النشوة التي اجتاحت الإعلام الإسرائيلي لم تكن احتفالًا بتوقيع وثيقة، وإنما احتفالًا بإمكانية تحقيق مشروع طال انتظاره: تفكيك البيئة المقاومة من الداخل، وتحويل لبنان من ساحة مواجهة مع الاحتلال إلى ساحة صراع بين أبنائه، أما ما إذا كان هذا الرهان سينجح أم سيفتح الباب أمام واقع أكثر تعقيدًا، فسيظل مرهونًا بقدرة اللبنانيين على منع تحويل خلافاتهم الداخلية إلى أداة تخدم الأهداف الإسرائيلية.




فلسطين ومعيار الشرعية الإقليمية

لما عواد

ليست كل القضايا تحتفظ بموقعها بالطريقة نفسها. فبعضها يتراجع، وبعضها يختفي، بينما يعيد بعضها تعريف دوره. والقضية الفلسطينية تنتمي إلى الفئة الثالثة؛ إذ لم تفقد مكانتها في الشرق الأوسط، لكنها غيّرت وظيفتها. فلم تعد القضية التي تدور حولها التحالفات فحسب، بل أصبحت أحد أهم المعايير التي تُقاس بها شرعية النظام الإقليمي الجديد.
لعقود طويلة، وُصفت القضية الفلسطينية بأنها “القضية المركزية” في النظام العربي والإقليمي. لم يكن هذا الوصف مجرد شعار سياسي، بل كان يعكس حقيقة أن معظم الاصطفافات والتحالفات والمواقف الإقليمية كانت تُقاس بمدى قربها أو بعدها من فلسطين. أما اليوم، وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، يبدو أن السؤال لم يعد: هل ما تزال فلسطين القضية المركزية؟ بل أصبح: ما الدور الذي تؤديه فلسطين في نظام إقليمي يعاد تشكيله؟
الجواب، في تقديري، أن موقع فلسطين لم يتراجع بقدر ما تغيرت طبيعته.
لم تنتقل فلسطين من مركز النظام الإقليمي إلى هامشه، بل انتقلت من كونها محورا تُبنى حوله السياسات إلى أحد أهم المعايير التي تُقاس بها شرعية تلك السياسات، بل ربما أكثرها حساسية في الشرق الأوسط.
لقد دخل الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة مرحلة إعادة هندسة سياسية وأمنية غير مسبوقة. فملفات الأمن الجماعي، والطاقة، والممرات التجارية، والذكاء الاصطناعي، والاستثمارات العابرة للحدود، أصبحت تحتل مكانة متقدمة في حسابات الدول. ولم تعد القضية الفلسطينية وحدها تحدد اتجاهات العلاقات الإقليمية كما كان الحال في العقود السابقة.
ولفهم هذا التحول، لا بد من قراءة المكانة التي شغلتها فلسطين عبر المراحل المختلفة من تطور النظام الإقليمي العربي. ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ارتبطت فلسطين بمشروع القومية العربية، وأصبحت معيارا لالتزام الأنظمة بخطاب التحرر والوحدة. ومع التحولات التي شهدتها المنطقة منذ سبعينيات القرن العشرين، وانتقال عدد من الدول إلى مقاربات أكثر واقعية، غدت القضية الفلسطينية معيارا تُقاس به شرعية الأنظمة العربية في نظر شعوبها، حتى وإن اختلفت سياساتها تجاه الصراع. أما منذ انطلاق عملية السلام في تسعينيات القرن الماضي، فقد أصبحت فلسطين ميدانا لاختبار قدرة التسويات السياسية على إنتاج سلام مستدام، لا مجرد اتفاقات سياسية.
واليوم، وفي ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، لم تعد فلسطين تمثل معيارالشرعية نظام أو أيديولوجيا بعينها، بل أصبحت المعيار الذي يُختبر من خلاله مدى قدرة النظام الإقليمي الجديد على تحقيق الاستقرار والقبول والاستدامة. وهكذا، فإن ما تغيّر ليس أهمية القضية الفلسطينية، وإنما الوظيفة السياسية التي تؤديها داخل بنية النظام الإقليمي.
وهذا التحول الوظيفي هو ما يفسر استمرار حضور فلسطين في قلب النقاشات الإقليمية، رغم تغيّر أولويات الدول وأدواتها.
غير أن هذا التحول لا يعني أن فلسطين فقدت أهميتها. وقد كشفت الأزمات المتعاقبة في المنطقة أن أي مشروع إقليمي يتعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها ملفا يمكن تأجيله أو تجاوزه، يصطدم سريعا بحدود قدرته على إنتاج الاستقرار. فالحروب المتكررة، وتصاعد التوترات، واتساع دائرة عدم اليقين، تؤكد أن تجاهل جذور الصراع لا يؤدي إلى إنهائه، بل إلى إعادة إنتاجه بأشكال أكثر تعقيدا.
ومن هنا، تبرز فكرة الشرعية الإقليمية بوصفها الإطار الذي يمكن من خلاله فهم موقع فلسطين في الشرق الأوسط الجديد. فالشرعية الإقليمية، كما تقترحهنا، لا تعني مجرد قدرة أي نظام ناشئ على بناء توازنات القوة أو إبرام التحالفات، وإنما تعني قدرته على اكتساب القبول والاستقرار والاستدامة عبر معالجة القضايا المؤسسة للصراع، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
ويمكن قياس هذه الشرعية من خلال ثلاثة مؤشرات مترابطة: قدرة النظام الإقليمي على إنتاج الاستقرار دون الاكتفاء بإدارة الأزمات، واتساقه مع قواعد القانون الدولي وحقوق الشعوب، ومدى قبوله لدى الرأي العام الإقليمي، لا لدى النخب السياسية وحدها. ومن هذا المنظور، تصبح فلسطين ليست مجرد أحد ملفات المنطقة، بل الاختبار الأكثر حساسية لمدى شرعية أي نظام إقليمي جديد وقدرته على الاستمرار.
ولعل المفارقة أن محاولات تجاوز القضية الفلسطينية لم تؤد إلى تراجع حضورها، بل جعلتها تعود في كل أزمة باعتبارها العقدة التي تعيق اكتمال أي ترتيبات جديدة. وكأن المنطقة تستطيع إعادة رسم خرائطها الاقتصادية والأمنية، لكنها لا تستطيع تجاوز الحقيقة الأساسية: أن السلام المستدام لا يُبنى على إدارة الصراع، بل على معالجته.
ولا يقتصر هذا التحول على المستوى الإقليمي، بل يمتد إلى النظام الدولي ذاته. فقد أصبحت المواقف من فلسطين معيارا يُقاس به اتساق الدول مع المبادئ التي تعلن الدفاع عنها، مثل احترام القانون الدولي، وحماية المدنيين، ورفض الاحتلال، وحق الشعوب في تقرير مصيرها. وهنا لم تعد القضية الفلسطينية اختبارا للسياسات الإقليمية فقط، بل اختبارا لمصداقية النظام الدولي نفسه.
إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت فلسطين خرجت من مركز النظام الإقليمي، وإنما ما إذا كان أي نظام إقليمي جديد يستطيع اكتساب الشرعية والاستمرار من دون معالجة عادلة للقضية الفلسطينية. والتجربة التاريخية تشير إلى أن تجاهل فلسطين قد يؤجل الأزمات، لكنه لا يلغيها.
وقد تغيّر الشرق الأوسط مرات عديدة، وتبدلت تحالفاته، وسقطت أنظمة وصعدت أخرى، لكن فلسطين بقيت العامل الأكثر قدرة على كشف حدود أي نظام إقليمي جديد. فالنظام الذي يستطيع إنتاج القوة من دون عدالة قد يفرض نفسه مؤقتا، لكنه يعجز عن إنتاج الشرعية.
لقد تغيّر موقع فلسطين في الشرق الأوسط، لكنه لم يتراجع. فبعد أن كانت القضية التي تدور حولها التحالفات، أصبحت المعيار الذي يكشف حدودها ويمنحها شرعيتها أو يسلبها إياها. ولذلك، فإن السؤال لم يعد: أين تقع فلسطين في النظام الإقليمي؟ بل أصبح: أي نظام إقليمي يمكن أن يكتسب الشرعية وهو يعجز عن تقديم إجابة عادلة للقضية الفلسطينية – وفي الإجابة عن هذا السؤال، لا يتحدد مستقبل فلسطين وحدها، بل تتحدد أيضا ملامح الشرق الأوسط الذي يتشكل اليوم، وحدود شرعيته، وقدرته على إنتاج سلامٍ مستدام.




هل تخدم الفوضى الإسرائيلية القضية الفلسطينية؟ (قراءة في حدود الفرصة ومخاطر الوهم السياسي)

شريف الهركلي

تشهد إسرائيل منذ سنوات حالة متصاعدة من الانقسام السياسي والاستقطاب المجتمعي، انعكست في أزمات حكومية متكررة وصراعات حادة بين الأحزاب والتيارات المختلفة. وقد دفعت هذه كثيرين إلى التساؤل عما إذا كانت الفوضى السياسية الإسرائيلية تمثل فرصة حقيقية للقضية الفلسطينية أم أنها مجرد متغير مؤقت في مشهد الصراع الممتد منذ عقود.
من الناحية السياسية، تؤدي الانقسامات الداخلية عادة إلى إضعاف قدرة الدول على اتخاذ قرارات مستقرة وصياغة استراتيجيات طويلة المدى. كما تكشف حجم التناقضات داخل مؤسسات الحكم وتؤثر في ثقة الجمهور بالنظام السياسي. وفي الحالة الإسرائيلية، تتجلى هذه الأزمة في التنافس الحاد بين الأحزاب الدينية والقومية والعلمانية، وفي الخلافات المتزايدة حول أولويات الدولة وهويتها ومستقبلها السياسي.
غير أن الاعتقاد بأن الأزمات الإسرائيلية ستتحول تلقائياً إلى مكاسب فلسطينية يبقى استنتاجاً يحتاج إلى قدر كبير من الحذر. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الحكومات التي تواجه أزمات داخلية قد تلجأ أحياناً إلى تشديد خطابها الأمني، أو تصعيد سياساتها الميدانية، بهدف توحيد الجبهة الداخلية وصرف الأنظار عن أزماتها السياسية. وعليه، فإن الانقسام الإسرائيلي قد يخلق فرصاً كما قد يفرض تحديات جديدة في الوقت ذاته.
في المقابل، تتيح هذه التحولات مساحة مهمة للتحرك الفلسطيني على المستويات السياسية والدبلوماسية والقانونية. فكل تصدع داخل البنية السياسية الإسرائيلية يفتح نافذة لإبراز الرواية الفلسطينية أمام الرأي العام الدولي، ويمنح الدبلوماسية الفلسطينية فرصة أوسع لحشد الدعم لقضاياها العادلة في المحافل الدولية.
لكن نجاح هذا المسار لا يرتبط بحجم الأزمة داخل إسرائيل بقدر ما يرتبط بقدرة الفلسطينيين على استثمارها. فالتاريخ يعلمنا أن ضعف الخصم لا يتحول تلقائياً إلى قوة للطرف الآخر، وأن الفرص السياسية قد تضيع إذا غابت الرؤية الواضحة ووحدة الموقف والقدرة على تحويل المتغيرات إلى إنجازات ملموسة.
إن جوهر المسألة لا يكمن في انتظار تعثر الخصم، بل في امتلاك مشروع وطني قادر على قراءة التحولات الإقليمية والدولية والتعامل معها بواقعية وفاعلية. فالأمم لا تحقق أهدافها بأخطاء الآخرين وحدها، وإنما بحسن إدارة الفرص التي تتيحها الظروف والمتغيرات.
وعليه، فإن الفوضى السياسية في إسرائيل ليست نصراً فلسطينياً بحد ذاتها، لكنها قد تشكل فرصة سياسية مهمة إذا أُحسن التعامل معها. وبين حدود الفرصة ومخاطر الوهم السياسي تبقى الحقيقة الأهم أن الإنجازات الوطنية لا تصنعها الأزمات وحدها، بل تصنعها الإرادة والرؤية والقدرة على تحويل اللحظة السياسية إلى مكسب استراتيجي مستدام.