1

مدخل لتعميق الوحدة.. مخيم جنين.. أزمة حُلّت وثغرات أُغلقت

 د.د رفيق عوض: اتفاق مخيم جنين يجب أن يكون بداية لمرحلة من الاستعداد لمواجهة التحديات الكبيرة التي تتهدد الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية

د. عمار الدويك: ندعو لاتخاذ خطوات تعزز إنهاء الأزمة وتمنع تكرارها والتوقيع على ميثاق شرف يمنع الظهور العلني للسلاح خارج إطار أجهزة إنفاذ القانون

عدنان الصباح: حل الأزمة خطوة ضرورية خاصة في ظل الاستعدادات لاستقبال أسرى الصفقة.. والوحدة الوطنية يجب أن تكون حقيقة وليست شعاراً

د. تمارا حداد: الاتفاق يفتح آفاقاً لإنهاء الخلافات واستعادة الاستقرار وسيسهم في توحيد الحالة المجتمعية وحماية النسيج الاجتماعي داخل المخيم

فراس ياغي: التوافق في جنين بين قيادة السلطة ولجنة الإصلاح ومسؤولي الفصائل يشير إلى فهم عميق للمخططات الإسرائيلية التي تستهدف الضفة

د. سعد نمر: المطلوب الآن ليس فقط تعزيز الاتفاق الجزئي في مخيم جنين بل الذهاب نحو تفاهمات شاملة تشمل كل الوضع الفلسطيني

 يأتي تنفيذ الاتفاق لإنهاء الأزمة في مخيم جنين في وقت حرج يتهدد فيه الخطر الضفة الغربية، وعلى وقع صفقة التبادل التي تتطلب موقفاً موحداً لاستقبال الأسرى، وتأتي هذه الخطوة في تهدئة الأوضاع لتضع الجميع أمام مسؤولية تعزيز الوحدة وبناء استراتيجية وطنية موحدة لمواجهة التحديات الكبرى.

ويؤكد كتاب ومحللون سياسيون وأساتذة جامعات ومسؤولون، في أحاديث منفصلة مع “ے”، أن هذا الاتفاق لحل أزمة مخيم جنين يأتي لقطع الطريق على المخططات الإسرائيلية التوسعية التي قد تتصاعد خلال المرحلة المقبلة، حيث يعمل الاحتلال على ضم أجزاء من الضفة الغربية وإضعاف السلطة الفلسطينية، كخطوة نحو إنهاء حل الدولتين بشكل نهائي، مؤكدين ضرورة أن يكون هذا الاتفاق بداية لمرحلة جديدة من الوحدة الوطنية ومواجهة مخططات الاحتلال الإسرائيلي.

ويشدد الكتاب والمحللون وأساتذة الجامعات ومسؤولون على أن الحل المستدام للأزمة يتطلب خطوات عملية تشمل إعادة بناء الثقة بين المواطنين والسلطة، وتعزيز سيادة القانون، والاتفاق على ميثاق شرف ينظم العمل العسكري ومنع الظهور العلني بالسلاح، كما يشددون على أهمية العمل الجماعي لتجاوز الخلافات، بما يضمن تعزيز الوحدة الوطنية وحماية الحقوق الفلسطينية في وجه المخططات الإسرائيلية.

مرحلة جديدة من المواجهة بعد قصف الاحتلال المخيم مرتين

يرى الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض أن الاتفاق لإنهاء الأزمة في مخيم جنين في وقت تُقبل فيه الضفة الغربية على مرحلة خطيرة للغاية، مشيراً إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يسعى إلى تفجير الوضع في الضفة الغربية لتحقيق أهدافه التوسعية وإضعاف السلطة الفلسطينية تمهيداً لإنهاء حل الدولتين عملياً.

ويؤكد عوض أن الاحتلال الإسرائيلي يعمل على ضم أجزاء من الضفة الغربية المحتلة، وإضعاف السلطة الفلسطينية وتهميشها، كخطوة أولى نحو إنهاء حل الدولتين بشكل نهائي، كما أن إسرائيل تسعى إلى فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وإسقاط فكرة حل الدولتين، مع فرض سيادتها الكاملة على كامل أراضي الضفة الغربية المحتلة، وتحويل الشعب الفلسطيني من شعبٍ ذي هوية وطنية إلى مجرد جماعات أو أفراد متناثرة.

ويشير عوض إلى أن ما يجري في مخيم جنين هو جزء من هذه الاستراتيجية الخطيرة، مؤكداً أن التصعيد الإسرائيلي في المخيم له أبعادٌ متعددة، وأن الاحتلال قد دخل مرحلةً جديدة من المواجهة بعد قصفه المخيم مرتين، مما أدى إلى سقوط شهداء كثر. 

ويوضح عوض أن الاحتلال يستغل أي فرصة لتأكيد روايته أمام العالم بأن الفلسطينيين غير ناضجين سياسياً، وغير قادرين على تشكيل دولة، وبالتالي تصويرهم كطرف إرهابي دائم.

ويحذر عوض من أن هناك مخططاً إسرائيلياً لإنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين، وشطب وكالة “الأونروا”، وإلغاء حق العودة، مؤكداً أن المخاطر كبيرة جداً، وأن الاحتلال يعمل على استغلال أي فرصة لفرض شروطه وتثبيت روايته، ولذا فإن الاتفاق لإنهاء الأزمة في مخيم جنين جاء لقطع الذرائع على الاحتلال الإسرائيلي.

وفيما يتعلق بالاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الأمن والمقاتلين في مخيم جنين لإنهاء الأزمة في المخيم، يؤكد عوض أن هذا الاتفاق يجب أن يكون بداية لمرحلة جديدة من التضامن والاستعداد لمواجهة التحديات الكبيرة التي تهدد الشعب الفلسطيني. 

ويؤكد أن تعزيز هذا الاتفاق يتطلب إدراكاً من جميع الأطراف بأنهم جزءٌ من شعبٍ واحد، داعياً إلى توحيد الجهود بين فصائل المقاومة، والمجتمع المدني، والشخصيات الاعتبارية، والإعلام، وفي مواقع التواصل الاجتماعي، لتشكيل جبهة ضخمة تضغط من أجل تثبيت الاتفاق ومنع أي محاولات لتقويضه، والوصول إلى حلٍ دائم يضمن وحدة الشعب الفلسطيني ويحفظ حقوقه الوطنية.

ويؤكد عوض أن التشويش الإسرائيلي على المشهد من خلال الهجمات العسكرية الجوية على مخيم جنين كان على حافة زيادة تعقيد الوضع وتعميق الفرقة بين الأطراف الفلسطينية، وهو ما وضع الجميع عند مسؤولياته. 

ويدعو عوض إلى توفّر الإرادات الحقيقية لإنهاء هذا الوضع وعدم تكرار ما جرى، لأنه ليس فقط محرجاً، بل إنه يضر بمستقبل الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.

مزيد من الخطوات من أجل حل الأزمة بشكل كامل

في الوقت الذي رحب فيه د. عمار الدويك، مدير عام الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان “ديوان المظالم”، بالتطورات الإيجابية الأخيرة التي ساهمت في تخفيف التوتر بشكل كبير وتمهد الطريق لإنهاء الأزمة في مخيم جنين، فإنه يؤكد أن هناك مزيد من الخطوات يجب اتخاذها من أجل حل الأزمة بشكل كامل، بما يؤدي الى فرض سيادة القانون داخل المخيم، ومنع تكرار الظواهر السلبية التي أدت إلى الاشتباكات وحالات الاصطفاف التي شهدناها خلال الفترة الماضية، وكذلك التوقيع على ميثاق شرف ينظم العمل العسكري في الضفة الغربية ويمنع الظهور العلني للسلاح خارج إطار أجهزة إنفاذ القانون.

ويوضح الدويك أن إنهاء الأزمة بشكل كامل يتطلب عدة خطوات عاجلة، أولاها الإفراج عن جميع الأشخاص الذين لم تثبت عليهم أي مخالفات قانونية، بمن في ذلك الموقوفون على ذمة محافظ جنين ومن صدرت بحقهم قرارات إفراج عن المحاكم، وكذلك إجراء تحقيقات دقيقة وشفافة في حالات القتل التي وقعت خلال الأزمة، مع ضرورة الإعلان عن نتائج هذه التحقيقات وتعويض الضحايا بشكل عادل، كما أن هناك حاجة أيضاً للتحقيق في الشكاوى الأخرى التي تلقتها الهيئة، بما في ذلك شكاوى تتعلق بحرق المنازل وتدمير الممتلكات، وتعويض المتضررين.

ويشدد على أهمية قيام السلطة الفلسطينية بإعادة تقديم الخدمات بشكل فاعل داخل مخيم جنين، والعمل على إعادة الحياة الطبيعية بأسرع وقت ممكن مع الشروع في تطبيق المشاريع التي تحدث عنها رئيس الوزراء لجنين ومخيمها.

ويؤكد الدويك أن هذه الخطوات ضرورية لاستعادة الثقة بين المواطنين والمؤسسات الرسمية، ولضمان عدم تكرار الأزمات التي تؤدي إلى تفاقم الوضع الإنساني والمعيشي داخل المخيمات.

ويدعو الدويك جميع الفصائل والقوى الفلسطينية إلى التوافق على ميثاق شرف ينظم شكل العمل العسكري في الضفة الغربية، بحيث لا تكون هناك تشكيلات عسكرية علنية داخل المدن الفلسطينية والمخيمات، وان يكون السلاح العلني والظاهر هو فقط سلاح أجهزة انفاذ القانون بالزي الرسمي. 

ويؤكد الدويك أن وجود مثل هذه التشكيلات يخلق توتراً داخلياً كبيراً، ويسمح لأشخاص خارجين عن القانون بالانخراط في هذه التشكيلات، كما يوفر مبرراً للاحتلال الإسرائيلي لتدخل عسكري في المدن الفلسطينية وتدمير البنى التحتية.

ويوضح الدويك أن الجهود المبذولة لحل الأزمة كانت متواصلة منذ اليوم الأول، حيث ساهم الجميع بطرق مختلفة في تخفيف التوتر. 

ويعتقد الدويك أن طول أمد الأزمة، التي استمرت 43 يوماً، إضافة إلى تدخل الاحتلال الإسرائيلي بقصف مخيم جنين وقتل النشطاء والمقاومين، دفعا جميع الأطراف إلى التسريع في قبول الحلول التي كانت مطروحة منذ فترة.

ويؤكد الدويك أن هذه التطورات يجب أن تؤسس لمرحلة جديدة تخلو من التوتر الداخلي، وتُبنى على علاقات واضحة بين جميع الأطراف، مع مراعاة الظروف السياسية والقانون الفلسطيني والمصالح الوطنية العليا، داعياً إلى تعزيز هذه الخطوات الإيجابية، بما يضمن عدم تكرار الأزمات الداخلية، ويعيد التركيز على مواجهة التحديات الكبرى التي تواجه الشعب الفلسطيني، وعلى رأسها الاحتلال الإسرائيلي.

إنهاء الخلافات وتوحيد الطاقات ضرورة كفاحية

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح أن إنهاء الخلافات وتوحيد الجهود والطاقات الفلسطينية هي ضرورة كفاحية من الطراز الأول، ولا يمكن تأجيلها أو التفكير فيها كخيار ثانوي، لذا فإن الاتفاق في مخيم جنين ضرورة ملحة. 

ويشدد الصباح على أن الوحدة الوطنية يجب أن تكون حقيقة قائمة على أرض الواقع، وليس مجرد شعار يُرفع في الخطابات السياسية. 

ويشير الصباح إلى أن المعادلة الخاطئة التي يعيشها الشعب الفلسطيني اليوم هي وجود خلافات وصراعات وجهود مبعثرة، حيث “كل يغني على ليلاه”، في حين أن المفترض أن يكون الجميع قانعين بأن هذا الوطن يُبنى بالجهود المشتركة. 

ويقول الصباح: “لا يمكن لوطن أن يحيى على قاعدة (أنا أو أنت)، الوطن هو الكل، والكل هو الوطن. لا يوجد وطن دون شعبه، ودون كل ألوانه ومقوماته ومكوناته”.

ويعتبر الصباح أن الوحدة الوطنية والقيادة الموحدة والبرنامج الوطني الفلسطيني الواحد هي الأساس الذي لا يمكن التقدم بدونه، حيث أنه لا يمكن لأحد أن ينتصر دون الآخر، قائلاً: “إما أن ننتصر معاً، أو لا ننتصر أبداً. لا يوجد نصر يحققه ابن البلد على ابن البلد، الناس ينتصرون على الأعداء، ولا يمكن لأحد أن ينتصر على الأعداء إذا كان ظهره ليس معه، أو إذا لم يكن هناك من يسنده أو يقف إلى جانبه”.

ويشدد الصباح على أنه إذا لم يكن الفلسطينيون “كتفاً إلى كتف وظهراً إلى ظهر”، فلن يتمكنوا من تحقيق أهدافهم الوطنية وطموحاتهم. 

ويؤكد الصباح أن الوصول إلى حل الأزمة في مخيم جنين كان خطوة ضرورية، خاصة في ظل الاستعدادات لاستقبال الأسرى الذين سيتم الإفراج عنهم في الصفقة القادمة مع الاحتلال الإسرائيلي.

ويشير الصباح إلى أن الشعب الفلسطيني في قطاع غزة بدأ يتنفس الصعداء بعد الإعلان عن توصل لاتفاق تتوقف فيها الحرب، مؤكداً أن ما حدث في الماضي يجب أن يبقى في الماضي، وأن التركيز الآن يجب أن يكون على تصحيح المسار. 

ويقول: “ما كان كان، لكن كل ما يجري الآن هو تصحيح للحال. الوضع يسير في اتجاهه الصحيح، وتوقف الحال الذي لم يكن من الممكن أن يستمر. الحالة الطبيعية هي حالة التوافق والاتفاق”.

ويؤكد الصباح أن الوحدة الوطنية ليست مجرد خيار، بل هي ضرورة وجودية للشعب الفلسطيني، داعياً إلى تعزيز الجهود المشتركة وبناء استراتيجية موحدة لمواجهة التحديات المقبلة، معتبراً أن ذلك هو الطريق الوحيد لتحقيق النصر والحرية للشعب الفلسطيني.

 إنهاء حالة التسلح العلني لسحب الذرائع من الاحتلال

تؤكد الكاتبة والباحثة السياسية الدكتورة تمارا حداد أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه في مخيم جنين يعد خطوة إيجابية نحو إنهاء الخلافات الداخلية، وتهدئة الوضع في المخيم، واستعادة الأمن والاستقرار. 

وتشير حداد إلى أن هذا الاتفاق سيسهم في توحيد الحالة المجتمعية وحماية النسيج الاجتماعي داخل المخيم، الذي عانى لفترة طويلة من التوترات والاشتباكات.

وتشدد على ضرورة أن يترابط مخيم جنين مع المحافظات الأخرى، خاصة أن السلطة هي المسؤولة عن إدارة الضفة الغربية، بما في ذلك المخيمات، مؤكدة أن دور السلطة يتمثل في حماية المواطنين داخل مخيم جنين، وفرض الأمن والنظام، واستعادة الاستقرار، محذرة من أن وجود مجموعات مسلحة خارج إطار القانون يضعف السلم الأهلي والوحدة الداخلية الفلسطينية، ويؤثر سلباً على النسيج المجتمعي وطبيعة العلاقة بين المواطنين والسلطة.

وتشدد حداد على أن استمرار وجود مثل هذه المجموعات يؤدي إلى فقدان الثقة بين المواطن والسلطة، وهو أمر يجب تجنبه، خاصة أن السلطة هي النواة الأساسية للدولة الفلسطينية المستقبلية.

وتشير إلى أن الاتفاق بين السلطة وشباب مخيم جنين سيسهم في حماية المخيم من خلال إدخال طواقم الدفاع المدني لإزالة العبوات الناسفة التي تشكل خطراً على حياة المواطنين، كما سيعمل الاتفاق على تأمين المخيم بإدخال فرق الأشغال وطواقم شركات الكهرباء والمياه والاتصالات لإعادة ترميم البنية التحتية وتعبيد الشوارع، مما يهيئ المخيم ليكون مكاناً صالحاً للحياة بشكل أفضل.

وتشدد حداد حداد على أن القضاء هو الجهة الوحيدة التي يجب أن تفصل في المخالفات القانونية، وأنه من الضروري إنهاء حالة التسلح العلني التي تخلق ذريعة للاحتلال الإسرائيلي لإعادة الصراع في الضفة الغربية وتدميرها، كما حدث في قطاع غزة. 

وتؤكد أن الشعب الفلسطيني يجب أن يكون في منأى عن هذا التدمير والحصار، وأن السلطة لها دور رئيسي في حماية صمود المواطنين ومنع حدوث أي أضرار كارثية.

وتدعو حداد إلى تأسيس لجان مشتركة بين السلطة ومخيم جنين لتعزيز الثقة بين المواطنين والأجهزة الأمنية، موضحة أن هذه اللجان يجب أن تضم شخصيات اعتبارية من داخل المخيم، وأن تكون مهمتها إدارة الأوضاع وتلقي طلبات الأهالي وتنسيقها مع السلطة، بالإضافة إلى تسوية أوضاع المطلوبين أمنيًا للسلطة ممن عليهم مخالفات قانونية وحماية السلم الأهلي.

وتشدد حداد على أهمية الحفاظ على رمزية مخيم جنين كقضية جامعة للاجئين، وحمايته من أي محاولات لتدميره من قبل الاحتلال الإسرائيلي، داعية إلى تعزيز الخدمات الصحية والتعليمية والاقتصادية داخل المخيم، وتحسين البنية التحتية لضمان استقرار الحياة العامة.

وتشدد حداد على دور مؤسسات حقوق الإنسان والمجتمع المدني ووكالة الغوث “الأونروا” في تعزيز الهدوء ودعم صمود المواطنين على أرضهم. 

وتؤكد حداد أن هذا الاتفاق يجب أن يكون بداية لمرحلة جديدة من التعاون والثقة بين جميع الأطراف، بما يضمن استقرار المخيم وحماية حقوق المواطنين.

حينما تم إعمال لغة الحوار تم إبرام الاتفاق

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي فراس ياغي أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه جاء بعد تدخل شخصيات فلسطينية وعشائرية وجهات إصلاحية وبعدما أخفقت كل الجهود السابقة، لكن حينما تم إعمال لغة الحوار تم إبرام الاتفاق. 

ويشير ياغي إلى أن الاتفاق جاء في محاولة لوقف الأحداث التي استمرت أكثر من 46 يوماً في مخيم جنين، حيث تم التوافق على ضوابط وثوابت عبر لجنة الإصلاح الفصائلية والعشائرية تهدف إلى تحقيق حلول تتفق مع رؤية السلطة الفلسطينية وتوجهات مقاومة الاحتلال بالمفهوم العام، مع الحفاظ على حقن الدماء الفلسطينية.

ويوضح أن الاتفاق ينص على أن تكون السلطة هي الجهة صاحبة السيادة على مخيم جنين، حيث سيتم تطبيق القوانين من حيث “القانون الواحد، والسلطة الواحدة، والشرعية الواحدة”، كما سيتم نشر الشرطة الفلسطينية في المخيم، على أن لا تتم ملاحقة المطلوبين للاحتلال الإسرائيلي أو اعتقالهم، وفي المقابل، سيتم منع المظاهر المسلحة داخل المخيم.

ويشير ياغي إلى أن هذا الاتفاق يأتي في سياق تطورات مماثلة في قطاع غزة، حيث بدأت تتبلور اتفاقات قد تؤدي إلى إنهاء الحرب والإبادة في القطاع، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على الضفة الغربية. 

ويحذر ياغي من أن المشهد القادم في الضفة قد يشهد افتعالاً لأزمات من قبل اليمين الإسرائيلي المتطرف والمستوطنين، مما يتطلب تضافر الجهود الفلسطينية لمواجهة هذه المخططات.

ويعتبر ياغي أن التوافق بين قيادة السلطة الوطنية ولجنة الإصلاح العشائرية ومسؤولي الفصائل الفلسطينية في جنين يشير إلى فهم عميق للمخططات الإسرائيلية المستقبلية، التي تهدف إلى تقويض كل شيء فلسطيني في الضفة الغربية. 

ويؤكد أهمية التوافق الذي تم عبر تشكيل لجنة تحقيق لتحديد المسؤولين عن قتل المدنيين في مخيم جنين، مؤكداً أن إراقة الدماء الفلسطينية ليست في مصلحة أي طرف، وأن اللغة الوحيدة التي يجب أن تسود هي لغة الحوار.

ويؤكد ياغي أن تعزيز هذا الاتفاق يتطلب وحدة وطنية فلسطينية شاملة، تشمل منظمة التحرير، وحركتي حماس، الجهاد الإسلامي، والفصائل الأُخرى، بحيث يتم العمل ضمن إطار منظمة التحرير وفقاً لقرارات الشرعية الدولية.

ويؤكد ياغي أن منظمة التحرير يجب أن تكون منظمة تشاركية، لا يسيطر عليها فصيل واحد، بل يجب أن تكون هناك قيادة جماعية تعمل على تنفيذ برنامج سياسي مستند إلى قرارات الشرعية الدولية، كما يجب أن يكون هناك إجماع وطني فلسطيني حول كيفية التعامل مع المخططات الإسرائيلية القادمة، سواء إذا كان ذلك من خلال التعاطي معها بما بصب في المصلحة الوطنية الفلسطينية في الحرية والاستقلال وليس وفق مفاهيم تقليص وتخفيض حدة الصراع، كما طرحها سابقا نفتالي بينيت وتؤيدها الإدارة الأمريكية، حيث من المتوقع له أن يصبح رئيس الوزراء الإسرائيلي القادم إذا ما انهارت حكومة اليمين المتطرف برئاسة نتنياهو.

ويتطرق ياغي إلى الوضع الإسرائيلي الداخلي، حيث يشير إلى الانقسامات الحادة داخل المجتمع الإسرائيلي، خاصة بين مؤيدي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أي في داخل كتلة اليمين نفسها وليس فقط مع معارضيه، مؤكداً أن هذه الانقسامات تعكس فشل الرؤية الإسرائيلية في تحقيق أهدافها، سواء في غزة أو الضفة الغربية، لافتاً إلى أن المجتمع الدولي عليه ان لا يتعاطى مع الرؤية الإسرائيلية الحالية التي تؤجج الصراع، بل عليه فرض قرارات الشرعية الدولية على إسرائيل وإلزامها بتطبيقها.

وفيما يتعلق بالوضع الفلسطيني، يدعو ياغي إلى إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية لتجديد الشرعية الفلسطينية، مؤكداً أن الإرادة الحقيقية هي للشعب الفلسطيني، الذي يجب أن يكون له الدور الأساسي في تقرير مصيره، ومشدداً في الوقت ذاته على ضرورة أن تبدأ السلطة الفلسطينية بالتحضير لانتخابات تشريعية ورئاسية، مع الضغط على المجتمع الدولي لضمان إجرائها بحيث تشمل كل الجغرافيا الفلسطينية في الأرض التي احتلت عام 1967.

ويشير ياغي إلى أن الحلول النهائية للقضية الفلسطينية تبقى صعبة في ظل الوضع الحالي، لكنه يؤكد أن الحوار لتحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية من أهم العناصر التي ستدفع المجتمع الدولي للعمل على تطبيق قرارات الشرعية الدولية.

خطوة مهمة نحو إنهاء الخلافات الداخلية

يؤكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت د. سعد نمر أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه يمثل خطوة مهمة نحو إنهاء الخلافات الداخلية، خاصة في ظل توقف الحرب على قطاع غزة، مشيراً إلى أن السلطة تسعى الآن إلى المشاركة في إدارة قطاع غزة، لكن هذه المشاركة لن تتم دون موافقة القوى الوطنية والمقاومة في القطاع، وعلى رأسها حركة حماس.

ويعتبر نمر أن هذا الوضع سيضطر السلطة وحركة فتح إلى الذهاب باتجاه حل الخلافات الداخلية، معرباً عن أمله في أن يتم ذلك قريباً. 

ويؤكد نمر ضرورة أن يكون هناك ضغط شعبي على جميع الأطراف للدخول في اتفاقات تهدف إلى إنهاء مرحلة الانقسام وفتح صفحة جديدة، خاصة في ظل التهديدات الإسرائيلية المستمرة ليس فقط على غزة، بل أيضاً على الضفة الغربية.

ويؤكد نمر أن المطلوب الآن ليس فقط تعزيز الاتفاق الجزئي في جنين، بل الذهاب نحو تفاهمات شاملة تشمل كل الوضع الفلسطيني، مشيراً إلى أن التفرد الحالي في صنع القرار لا يساعد في مواجهة عدوان الاحتلال الإسرائيلي، خاصة في الضفة الغربية خلال الفترة المقبلة.

ويدعو نمر إلى التوجه نحو وحدة وطنية حقيقية، معتبراً أن ذلك سينهي الصراعات الثانوية والجانبية وسيؤسس لمرحلة جديدة يتم فيها وضع استراتيجيات واضحة لتحقيق الأهداف الفلسطينية. 

ويؤكد نمر أن تجميع كل القوى الفلسطينية تحت مظلة واحدة هو أمر بالغ الأهمية، مشيراً إلى أن الموضوع ليس مجرد تقاسم وظيفي بين الضفة وغزة او بين فصيل أو آخر، بل هو موضوع استراتيجي يتعلق بكيفية مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

ويشير إلى أن الفلسطينيين لم يقوموا بمراجعة حقيقية لطبيعة استراتيجياتهم منذ اتفاق أوسلو، مؤكداً أن أوسلو فشل بشكل كبير بسبب إفشال إسرائيل له، موضحاً أن إسرائيل لا تريد إقامة دولة فلسطينية بأي شكل من الأشكال، مما يتطلب من الفلسطينيين إعادة ترتيب بيتهم الداخلي ووضع استراتيجيات واضحة للتعامل مع المرحلة المقبلة.

ويؤكد نمر أن المرحلة المقبلة تتطلب وضع استراتيجية فلسطينية واضحة للتعامل مع التحديات التي تواجهها القضية الفلسطينية، معتبراً أن ذلك هو الطريق الوحيد لتحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية.




الضفة الغربية بين مطرقة الجيش الإسرائيلي وسندان المستوطنين

الضفة الغربية بين مطرقة الجيش الإسرائيلي وسندان المستوطنين

د. عقل صلاح*

ننطلق في هذه المقالة من قاعدة حكمت تاريخ الشعب الفلسطيني، فقد جاء عنوانها ليؤكد على معاناة ومأساة الشعب الفلسطيني المستمرة بسبب إدامة الاحتلال الذي أوغل في الدماء الفلسطينية حتى وصل إلى حد الإبادة، وفي العودة إلى القاعدة التي تنص على استخدام سنة بدل عام في كل التواريخ التي حصلت منذ إعلان وعد بلفور سنة 1917، وذلك لأن العام يستعمل لما فيه خير (الغيث والمطر واليسر والرخاء)، والسنة لما فيه شر، (شدة وتعب وظلم). وكان ذلك واضحًا في الاستعمال القرآني حيث ذكرت السنين للشر والجدب والقحط، والأعوام للخير، ومن الأمثلة سورة يوسف: {تزرعون سبع سنين دأباً}، {ثم يأتي عام فيه يغاث الناس}. وبناء على هذه القاعدة، الشعب الفلسطيني حياته كلها سنين- القمع والظلم والحصار والحرب والتشريد والدمار والقتل والحرق والهدم والاعتقال والإبادة- كل ذلك نتاج وعد بلفور وممارسات الاحتلال الوحشية المستمرة، ولم يعش الشعب الفلسطيني عامًا واحدًا في حياته. 

لقد انتهت السنة الماضية مخلفة وراءها أكبر جريمة بالتاريخ بحق غزة، حيث حصدت هذه الحرب الإجرامية حوالى10% من أهالي القطاع بين شهيد وجريح ومفقود تحت الأنقاض وفي السجون الإسرائيلية من أسرى القطاع الذين تم إعدامهم وهم أحياء ومقيدين، وتم تدمير البنية الجغرافية والمعمارية والتحتية للقطاع، فهذه الحرب الدموية أثارت جملة من الأسئلة المتعلقة بحرب الإبادة والتجويع وعدم محاسبة ومعاقبة إسرائيل، فالتحركات والفعاليات القانونية الدولية لم تقدم إجابات شافية حول هذه الأسئلة، وعن كل ما مرت وتمر به فلسطين على مدار 77 سنة من الاحتلال، وعن الدور العالمي في إيقاف الحرب، وعن كيفية حفظ حقوق الشعوب التي تنشد التحرر من الاحتلال. 

هذه الأسئلة وغيرها من الأسئلة التي تدور في ذهن كل فلسطيني هي التي دفعتنا إلى مراجعة تاريخ احتلال فلسطين؛ سعيًا إلى فهم أعمق لطبيعة المرحلة ولهذه التساؤلات المعقدة، وإن لم نحسم أمر كشف إجابات لها، على مدار أكثر من خمسة عشر شهرًا من الحرب المستمرة على القطاع، ومقاومة امتدت لأكثر من سبعة عقود، عكست جانبًا من جوانب ثقافتنا وتاريخنا الفلسطيني الوطني الذي بدأ في العصيان مرورًا في الثورة والانتفاضات ووصولًا لطوفان الأقصى. 

قد يكون طرح السؤال من أبرز التقنيات المعرفية التي كثيرًا ما يلجأ إليها المواطن الفلسطيني في تسليط الضوء على دور الحكومة الإسرائيلية والمستوطنين في استهداف الوجود الفلسطيني في الضفة بشكل خاص وفي فلسطين بشكل عام، وكأنّ أحد أوجه الاستهداف التي تعيشها غزة من حرب إبادة مستمرة للشعب الفلسطيني وحرب الجغرافية على الضفة لمحاصرة الوجود الفلسطيني وصولًا لإنهاء هذا الوجود في مناطق “ب” التي تبلغ مساحتها 20% ومنطقة “ج” ومساحتها 60%، وفقًا لتصنيفات اتفاقية أوسلو سنة 1993، وحصر هذا الوجود في منطقة “أ” والتي تساوي 20% من مساحة الضفة التي ستكون أكثر كثافة سكانية وصولًا للتضيق على الفلسطيني بها ليصل لمرحلة الهجرة لعدم توفر إمكانيات التطور والعيش الكريم، فالمنطلقات والتصريحات والخطط وممارسات الجيش الإسرائيلي والمستوطنين تعبر عن الواقع الحالي في الضفة، وحتى قبل طوفان الأقصى، كانت ومازالت الحرب على المواطن والجغرافيا الفلسطينية تطرح سؤالًا جوهريًا: “هل أصبحت الضفة تخضع لدولة المستوطنين؟”. 

كل ذلك يقودنا إلى تناول الاستهداف الإسرائيلي لفلسطين من طرفين كل منهما مكمل لدور الآخر. يتجسد الطرف الأول، بمطرقة الجيش الإسرائيلي الذي يتفنن في صناعة القتل والإبادة والقرارات التي تهدف لضم الضفة، والطرف الثاني يتمثل بسندان المستوطنين الذين يسعون إلى إقامة دولتهم الخاصة الاستيطانية في الضفة التي لا تلتزم بغير قانون التوراة الذي ينص على أن الضفة جزءًا من دولتهم، وهذا يقودنا إلى تسليط الضوء على هذه الممارسات الاحتلالية المستمرة. 

فممارسات الاحتلال الوحشية منذ أكثر من سبعة عقود ضد الشعب الفلسطيني تعبر عن غباء الاحتلال المستفحل الذي يعالج النتيجة وليس السبب، فالاحتلال يلاحق المقاومة والشعب الفلسطيني ويبحث عن الحلول الدموية من أجل عدم الاعتراف في الحقوق الفلسطينية، حتى الاتفاقيات التي وقع عليها لم يلتزم بها على الرغم من أنها لا تلبي الحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية، وهذه المعالجات على مدار عمر الاحتلال لم تفلح في إنهاء مقاومة الشعب الفلسطيني ومطالبته في الحرية والاستقلال والطموح لبناء الدولة الفلسطينية. 

وحتى وزراء الحكومة اليمينية المتطرفة هم جزء من التحالف مع المستوطنين في عملية الاستهداف الإجرامي للشعب الفلسطيني، فقد طالب بتسلئيل سموتريتش وزير المالية ووزير الإدارة المدنية بوزارة الحرب، في 6كانون الثاني/يناير 2025، بتحويل مدن قلقيلية ونابلس وجنين كما جباليا، وكان في السابق قد طالب بحرق بلدة حوارة وهذا ما حصل، بالإضافة إلى استمراره في قرصنة واحتجاز إيرادات المقاصّة، التي بلغت في الأشهر الأخيرة حوالي 70% من قيمة المقاصّة الشهرية، ويكرس جل جهوده في دعم الاستيطان والبؤر الاستيطانية وتشريعها، أما إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي الذي يعمل على القضاء على الوجود الفلسطيني في الضفة، وإطلاق يد المستوطنين في الاعتداء على الشعب الفلسطيني ومنحهم القوة وجل الدعم في قتل الفلسطينيين وحرق ممتلكاتهم، وذلك من خلال تسليح أكثر من 200 ألف مستوطن بأفضل أنواع الأسلحة الرشاشة، ومنحهم الحرية في الاستيلاء على ممتلكات المواطن الفلسطيني في القوة وغيرها من القرارات التي تصب في حماية المستوطنين من أجل تهجير الشعب الفلسطيني من خلال السيطرة في المرحلة الأولى على منطقة “ج” والتي تم حسمها ومن ثم منطقة “ب” التي تم اتخاذ القرارات في حصر الوجود الفلسطيني بها وسحب صلاحيات السلطة الفلسطينية منها وتحويلها إلى منطقة “ج” وكل ذلك يصب في خطة الضم للضفة؛ ففي النهاية جميع قرارات الحكومة ابتداء من الحواجز والبوابات على مداخل المدن والقرى والاقتحامات وتدمير البنية التحتية والإعدامات الميدانية، وتقييد الحركة وحرية التنقل، والحرمان من الحق في السكن والتهجير القسري، والانتهاكات ضد المؤسسات التعليمية والإعلامية والصحية واستهداف الأماكن الدينية وحرية العبادة، والانتهاكات بحق الأسرى الفلسطينيين حيث تم قتل المئات منهم منذ سنة 1967، واتخاذ القرارات بمصادرة الأراضي والبناء الاستيطاني والهدم الممنهج، الذي وصل إلى أطراف المدن المصنفة “أ” كما حصل في الجبل الشمالي ونابلس الجديدة والضاحية وهذه المناطق تعتبر في قلب مدينة نابلس، والاعتقالات اليومية في الضفة، تصب في الفهم التوراتي الذي ينص على أن الضفة جزء من دولة إسرائيل الكبرى. 

أما ممارسات المستوطنين، فقد تم إطلاق الحرية التامة لهم في الاعتداء الهمجي على الشعب والأرض الفلسطينية، فمستوطن واحد يستطيع السيطرة على مساحة شاسعة من الأراضي ومن ثم إقامة مستوطنة عليها وهذا ما يفسر ارتفاع عدد البؤر الاستيطانية لحوالي 180 ومنها في منطقة “ب” وبالإضافة إلى إلغاء فك الارتباط عام 2005، والذي نص على الانسحاب من أربع مستوطنات في شمال الضفة وتم إعادة المستوطنة الأولى وهي حومش، حيث نشرت قناة 14 العبرية في 9كانون الثاني/يناير 2025، بأن الخطوة الأولى لإلغاء قانون فك الارتباط من خلال المكونات الأمنية في مستوطنة حومش: من خلال تركيب كاميرات مراقبة، وأعمدة إنارة، ومكونات أمنية في حومش. الحديث يدور عن خطوات ذات تأثير كبير في توفير الأمن وحماية المستوطنين في المستوطنة وفي المدرسة الدينية شمال الضفة. 

وتعمل إسرائيل ليلًا ونهارًا على إنهاء حالة المقاومة في شمال الضفة لعودة باقي المستوطنات وهي سانور وغانيم وكاديم، ويضاف على ذلك الاستيطان الرعوي الذي يحاصر كل محافظة وأصبح يسيطر على ما تبقى من منطقتي “ب وج”، وكل ذلك بحماية ومباركة الحكومة. وبهذا الخصوص يمكن تسليط الضوء على تصريح منظمة البيدر بأن الجيش الإسرائيلي والمستوطنين نفذوا 2,977 اعتداءً على التجمعات البدوية في الضفة خلال سنة 2024، ما أسفر عن تهجير 67 تجمعاً بدوياً، و340 عائلة، وعلى نفس المنوال أعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” في 4كانون الثاني/يناير 2025، بأن سنة 2024 تمثل أسوأ سنة لعنف المستوطنين في الضفة، 1400حادث عنف من المستوطنين، وهذا ما يؤكده شعار “لا مستقبل بفلسطين” الذي كتب على يافطات وضعها المستوطنون على طريق نابلس رام الله في مستوطنة شيلو. 

فكل ما سبق، من ممارسات للجيش وللمستوطنين تم التعبير عنها في 6كانون الثاني /يناير 2025، عبر الحسابات الرسمية للمستوطنين على مواقع التواصل الاجتماعي عبر خريطة “مملكتي يهوذا وإسرائيل”، تعود إلى سنة 928 قبل الميلاد، والتي تظهر فيها سيطرة وهمية على أراضٍ فلسطينية وأردنية ومصرية ولبنانية وسورية، كل ذلك يعبر عن العقلية الإجرامية التي تحكم إسرائيل بغطاء توراتي زائف. 

*كاتب وباحث فلسطيني مختص بالحركات الأيديولوجية. 




أسرى فلسطين في معسكرات الموت

لم يكن إعلان صحيفة هآرتس يوم أمس أن ٦٨ أسيراً فلسطينياً على الأقل ماتوا في السجون الإسرائيلية نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي منذ السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ هو الوحيد الصادم، فقد كشفت هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير تفاصيل صادمة ومروعة لعمليات التعذيب الممنهجة التي يتعرض لها الأسرى في مراكز التحقيق والاعتقالات ومعسكرات الجيش، حيث التنكيل والتجويع والجرائم الطبية والضرب المبرح وعمليات القمع، وذلك بناء على روايات عدد من المعتقلين الذين أُفرج عنهم، إضافة إلى عمليات الاحتجاز في ظروف قاسية مؤلمة، مع استمرار تفشي مرض الجرب في صفوف الأسرى نظراً لعدم وجود أي رعاية طبية.

إن الظروف المأساوية التي يعيشها الأسرى، التي يمكن وصفها برحلة عذاب، تفرض على الجميع قرع جرس الإنذار، والالتفات لقضية الأسرى من أجل نيل حريتهم وتخليصهم من أسوأ كابوس قد يعرفه الإنسان في حياته، ومن هنا فإن الصفقة التي يجري التفاوض بشأنها في الدوحة مطلوبة بأسرع وقت ممكن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وقبل فوات الأوان، فالأساس يجب أن يكون الالتفات  لقضية الأسرى الفلسطينيين وليس العكس، لأن السجون تتكدس بالآلاف منهم.

لقد استغلت إسرائيل عدداً من معسكرات الجيش، في مقدمتها معسكر (سديه تيمان) الذي شكّل العنوان الأول لعمليات القهر والتعذيب التي وصلت إلى حد الشهادة، إضافة إلى سجني النقب وعوفر ومعسكر تيمان، وذلك لاستخدامها من  أجل ممارسة الفظائع والاعتداءات الجنسية على نحو واسع النطاق.

وتشهد المعسكرات والسجون، بتوجيهات الوزير المتطرف ايتمار بن غفير، تشديدات على كل مناحي عيش الأسرى، ولا سيما الزيارة الأخيرة للوزير إلى سجن (ركفيت) وافتتاحه تحت الأرض، وتحديداً تحت زنازين سجن الرملة، وهو يعبر عن التوصيف الحقيقي لمعسكر الموت الذي يتناول فيه الأسرى طعامهم مرة واحدة طيلة ساعات الليل والنهار، ولا ينامون إلا على مقاعد صلبة، ويتم توثيق أياديهم وأرجلهم باستمرار.

لقد تطرق عدد من الأسرى لشهادات صاخبة، وفي الوقت نفسه مؤلمة وقاسية جداً، من خلال أصعب أنواع العذاب التي يتعرضون لها، وفي مقدمتها التكبيل والضرب والإهانات والإذلال ورشق الأسرى بالماء الساخن والمياه العادمة وتركهم ينامون بالجوع وتحت وطأة البرد الشديد، وتعميق أزماتهم الصحية، وعدم السماح بتلقي العلاجات والأدوية، حيث انتشر مرض الجرب  بين الأسرى، إضافة لقيام عدد من المحققين والجيش بالتبول على المعتقلين الفلسطينيين، وممارسة كافة أشكال الجرائم والتنكيل والحرمان، وإبقاء الأسرى المرضى يرتعشون من البرد.

إن قضية الأسرى هي قضية استراتيجية ويجب على جميع الهيئات والمنظمات الحقوقية والإنسانية التدخل بشكل طارئ للضغط على إسرائيل لحل مشكلتهم والإفراج عنهم، وتخليصهم من معسكرات يعيشون فيها الموت، مؤكدين مرة أخرى أن صفقة التبادل يجب أن تخرج إلى النور لتعيد البسمة لمئات بل آلاف الأسرى، الذين تنتهك إسرائيل كل حقوقهم وتحرمهم إياها، انتقاماً منهم بعد طوفان الأقصى.




شرق أوسط 2025.. بين الاحتمالات والتحديات الكبرى

د. روان سليمان الحياري

يمر الشرق الأوسط بمنعطفٍ تاريخي حاسم، في ظل التغيرات الجيوسياسية الراهنة، تبرز فيه تساؤلات تتعلق بمصير سوريا، مستقبل إسرائيل، ودور القوى الإقليمية كالسعودية وتركيا وتفاعلها مع القوى العالمية. الأحداث المتسارعة في المنطقة تُلقي بظلالها على العام 2025، الذي قد يحمل مفاجآت سياسية وتحولات استراتيجية غير مسبوقة.

فبعد سنوات من الصراع المرهق، يواجه المشهد السوري تعقيدًا جديدًا، حيث تزداد مخاوف من أن يؤدي الفراغ السياسي وتبعاته، إلى اندلاع نزاعات وصراعات طائفية واسعة. فليس خافياً مواصلة دعم الجماعات المتنافسة على أسس طائفية وعرقية من قبل بعض القوى الإقليمية والدولية “على اعتبارهم وكلاء مصالح”، ما يعمّق الانقسامات – السنة، العلويون، الأكراد، والدروز- وصراع النفوذ، فيما تبقى دمشق وريفها في حالة غموض، ما يستوجب أن يكون هناك تحرك وطني بالدرجة الأولى يُعطي الأولوية للمصالحة الوطنية لغاية بناء نظام سياسي شامل يقبل الآخر وتزيد التعددية من قوته، بعيدًا عن الأجندات الطائفية والتقسيمات العرقية التي تفاقم الأزمة وتُمهد لتفتيت البلاد، ومما لا شك فيه ضرورة الإسناد الدولي المسؤول لذلك .

مع استمرار الاضطرابات في سوريا ولبنان، تتزايد احتمالات استغلال إسرائيل لهذه الفوضى لتحقيق حلم “إسرائيل الكبرى”، بداية عبر ضم أجزاء استراتيجية من جنوب لبنان وأجزاء من أراضي سوريا، بما فيها منابع المياه، وما يتبعه من تصعيد للصراعات الإقليمية، وفتح جبهات جديدة في منطقة مشتعلة أصلًا. لا أعني فترة نشوة النصر، وإنما المرحلة القادمة في ترسيخ الأنظمة السياسية. الحفاظ على سيادة الدول يتطلب موقفًاً واضحاً وموحدًا ودعمًا دوليًا صارمًا لاحترام الحدود القائمة.

تتصاعد الإشارات والتحركات السياسية والديبلوماسية المتسارعة إلى تمهيد سيناريو معاهدة سلام تاريخية بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية، ورغم أن معاهدة كهذه قد تُحدث تحولًا جذريًا في العلاقات الإقليمية، إلا أن تأثيرها الحقيقي سيعتمد على شروط الاتفاق، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

من جهة أخرى، وفي ظل الدعم التركي المتزايد لجيش تحرير الشام، ودوره في الشمال السوري، يبقى السؤال حول مستقبل الإسلام السياسي في المنطقة. فهل ستكون هناك محاولات للتحرك في الدول العربية؟ على اعتبار الفوضى الإقليمية والصراعات الحالية فرصة نفوذ لن تتكرر؟! وهل يمكن أن ترى بعض القوى الإقليمية في الإسلام السياسي، أداة لتحقيق أهدافها؟ والسؤال هنا، ما تحتاجه هذه الدول لمواجهة هذا التحدي من تعزيز استقرارها عبر التنمية الاقتصادية والإصلاحات السياسية الحقيقية.

يواجه الشرق الأوسط عامًا حاسمًا مليئًا بالاحتمالات، تتشابك القضايا وتتداخل المصالح. وحدها الحكمة السياسية والرؤية الاستراتيجية يمكن أن تحول هذه التحديات إلى فرص تعزز الأمن والاستقرار في المنطقة، بعيدًا عن الطائفية والتوسع والنزاعات.

فهل يكون 2025 عام المفاجآت ومعاهدات السلام؟




أثر السلم الأهلي والقضاء على أشكال الفلتان في المجتمع الفلسطيني

خضر رامية

أصبح السلم الأهلي حجر الزاوية لاستقرار المجتمعات وتحقيق نهضتها. السلم الأهلي ليس مجرد مفهوم نظري أو شعار يرفع في المؤتمرات والندوات، بل هو مطلب حيوي يرتبط ببقاء وحماية الأجيال القادمة من ويلات الفوضى والانقسام.

السلم الأهلي يمثل حالة من التناغم وتقبل بعضنا البعض في المجتمع، بغض النظر عن الاختلافات الثقافية  أو السياسية. إنه الأساس الذي يبنى عليه الأمن والاستقرار، ويعتبر مفتاحا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. فبغيابه، تتحول المجتمعات إلى ساحة صراع تغيب فيها العدالة وتنتشر الفوضى.

فالسلم الأهلي يمنع النزاعات الداخلية ويوفر بيئة آمنة تتيح للمجتمع التركيز على البناء والتطوير.

الانقسام الداخلي والفلتان يقودان إلى انهيار المؤسسات وضعف السيادة الوطنية، مما يفتح الباب أمام التدخلات الخارجية وحرف البوصلة الوطنية.

وهناك عدة صور للفلتان الذي يضرب مجتمعنا:

–  كالفلتان الاجتماعي الذي يضعف الروابط بين أفراد المجتمع ويساهم في تفكك النسيج الاجتماعي.

– والفلتان الأخلاقي الذي يفسد القيم المجتمعية ويشجع على الفساد والانحراف.

– والفلتان الإعلامي الذي يخلق حالة من التضليل ونشر الشائعات التي تزيد من حدة التوترات وشحن الاجواء بين الاطراف.

ولتحقيق السلم الأهلي لا بد من تعزيز سيادة القانون، فلا يمكن تحقيق السلم الأهلي دون تطبيق القانون بشكل عادل وشفاف على الجميع ومحاسبة كل من يساهم في زعزعة الأمن أو يشعل الفتن، وإحياء ثقافة الحوار وبناء جسور التواصل بين مختلف الأطراف والفئات، وتشجيع المصالحة الوطنية والعمل على استنهاض الفصائل الوطنية للوقوف عند مسؤوليتها بهذا الموضوع.

وبتقوية الأجهزة الأمنية لضمان تطوير النظام القضائي ليكون رادعا للجرائم ومرجعا للعدالة.

وتعزيز قيم التسامح والتعايش من خلال المناهج الدراسية ووسائل الإعلام وعمل جلسات توعوية من خلال مدراء المدارس للطلبة وإشراك رجال الدين من خلال وزارة الاوقاف بتخصيص خطبة الجمعة لنشر الوعي بأهمية السلم الأهلي.

فالسلم الأهلي هو صمام الأمان للمجتمعات وشرط أساس لتحقيق الاستقرار والازدهار. والفلتان بكل أشكاله يهدد هذا السلم ويعطل مسيرة التقدم.

لذا، فإن مواجهة هذه التحديات تتطلب وعيا شعبيا، وتكاتفا بين جميع مكونات المجتمع، إضافة إلى فرض القانون وتحقيق العدالة. وتذكروا دائما أن النضال ليس فقط بالسلاح، بل بالكلمة، وبالتعليم، وبالصبر.

“السلم الأهلي ليس خيارا، بل ضرورة تمس حياة كل فرد ومستقبل الأجيال القادمة”.

“الوطن يحتاج إلى أبنائه متكاتفين، متحدين، ومخلصين”.