1

قمباز… أبو شاويش

في خطوة تعكس الاعتزاز بالتراث والثقافة الفلسطينية، قدم السفير عبد الله أبو شاويش أوراق اعتماده سفيراً لدولة فلسطين لدى جمهورية الهند مرتدياً “القمباز” الزي الفلسطيني الفلاحي التقليدي، ومتوشحاً بالكوفية الفلسطينية. ارتداء أبو شاويش للزي التقليدي خلال هذه المناسبة الرسمية هو تأكيد على الهوية الوطنية الفلسطينية، ورسالة فخر بالتراث الثقافي الفلسطيني أمام المجتمع الدولي. هذا الزي، المعروف بـ القمباز، يجسد تاريخاً طويلاً من الأصالة والتقاليد الفلسطينية، ويعكس ارتباط الشعب الفلسطيني بأرضه وتراثه.

عبد الله أبو شاويش – المولود في 22 تشرين الأول 1970 ، والذي ينحدر من قرية بَرْقَة المحتلة، نشأ في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة- اللاجئ الفلاح هو نموذج حي للانتماء العميق للأرض الفلسطينية، ليس فقط من خلال عمله الدبلوماسي الذي يسعى إلى ترسيخ حقوق الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية، بل أيضاً من خلال ارتباطه الشخصي بالتاريخ والجذور. حبه للأرض كان جزءًا لا يتجزأ من الهوية والتكوين الشخصي، فحمل هذا الحب معه أينما ذهب، سواء في عمله أو في حياته اليومية. يُعرف أبو شاويش بشغفه العميق بالفلاحة، حيث يرى في الأرض أكثر من مجرد تراب، إنها ذاكرة الأجداد وقصة الصمود الفلسطيني. رغم انشغاله بالعمل الدبلوماسي، ظل متمسكاً قولاً وفعلاً بالأرض التي تعكس ارتباطه بالتاريخ والتراث، معبراً عن قناعته بأن الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي حياة وهوية وحق لا يقبل التفريط. يؤمن بأن الفلاحة ليست مجرد مهنة، بل مقاومة تعكس إرادة الفلسطيني في الحفاظ على أرضه وهويته. كما أنه دائم الحديث عن أهمية الزراعة في تعزيز الصمود الاقتصادي، وتشجيع الفلسطينيين على استثمار الأرض كمصدر حياة وكوسيلة لحماية الوجود الوطني .

القمباز يعتبر اللباس التقليدي الفلسطيني، وهو جزء أساسي من التراث الثقافي الفلسطيني، حيث يعكس تاريخ الشعب الفلسطيني، وعاداته، وتقاليده، وهويته الوطنية، كما يحمل دلالات وطنية، كيف لا وقد كان لباس الثوار الفلسطينيين في ثورة العام 1936 . والقمباز أكثر من مجرد قطع من القماش، فهو يحمل في طياته روايات الأجداد ويعبر عن الانتماء للأرض والجذور. ومع استمرار الاحتلال ومحاولات طمس الهوية الفلسطينية، أصبحت الملابس التقليدية رمزاً للمقاومة والتشبث بالتراث الوطني.

ففي ظل محاولات محو الهوية الفلسطينية، تُستخدم الملابس التقليدية كأداة لمقاومة الاحتلال ثقافياً. فالثوب المطرز أصبح جزءًا من الدبلوماسية الفلسطينية، حيث ترتديه النساء الفلسطينيات في المحافل الدولية كدليل على التراث الوطني. كما أن الكوفية أصبحت رمزاً عالمياً للقضية الفلسطينية، حيث يرتديها نشطاء ومتضامنون حول العالم تعبيراً عن دعمهم لحقوق الفلسطينيين.

وتأكيد على الحق الفلسطيني صادقت اللجنة الدولية الحكومية لصون التراث الثقافي غير المادي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) خلال جلستها يوم 15 كانون أول 2021 على إدراج الثوب الفلسطيني “التطريز الفلسطيني– الممارسات والمهارات والعادات المرتبطة به” على اللائحة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية. لعل ذلك يعتبر إنجازاً للرواية الفلسطينية في مجابهة الرواية الإسرائيلية المزيفة أمام العالم عبر إبراز تراثهم في المحافل الدولية والتأكيد على أن هذه الملابس جزء أصيل من تاريخهم، خاصة في ظل سعي الاحتلال الدائم لتزوير وطمس الهوية، وسرقة التراث والموروث الشعبي الفلسطيني. وتدمير التراث الفلسطيني بشقيه المادي وغير المادي.

وعلى الصعيد الداخلي الفلسطيني فإن الحكومة الفلسطينية مطالبة أكثر من أي وقت مضى بالحفاظ على تمسك المواطنين الفلسطينيين رجالاً ونساء بالزي التقليدي القمباز والثوب، وتعزيز ارتدائها بين المواطنين، ويمكن للحكومة الفلسطينية تبني مجموعة من الآليات والأدوات من خلال عدد من السياسات والتشريعات مثل سن قوانين تدعم الحفاظ على الأزياء الفلسطينية كموروث ثقافي، ومنع استغلالها أو سرقتها من قبل الاحتلال. وإعفاء الملابس التقليدية من الضرائب وتقديم إعفاءات جمركية أو تخفيض الضرائب على إنتاج وبيع الملابس التقليدية لتشجيع الصناعات المحلية. ودعم الحرفيين والمصممين وتوفير منح وقروض ميسرة لدعم الحرفيين الذين يعملون في التطريز وصناعة الأزياء التقليدية. وإنتاج أفلام وثائقية، وبرامج تلفزيونية، وإعلانات تروّج للملابس التقليدية وتبرز أهميتها التاريخية والثقافية، وإطلاق حملات رقمية للترويج للأزياء التقليدية. ودعم مشاريع النساء في القرى والمخيمات اللواتي يعملن في التطريز اليدوي. وتحفيز الاستثمار في صناعة الأزياء التراثية وتقديم دعم مالي وفني لمشاريع ريادية تسوق الأزياء الفلسطينية بطرق عصرية، وتطوير أسواق إلكترونية محلية ودولية لتسهيل وصول الملابس الفلسطينية للأسواق العالمية عبر المنصات الرقمية. وتنظيم معارض دولية للترويج للأزياء الفلسطينية على مستوى عالمي وجذب الاهتمام الثقافي والسياحي.

أما إذا أردنا من الناحية العملية إعادة الاعتبار للزي التقليدي الفلسطيني القمباز والثوب، فيمكن أن يكون ذلك بالتدريج من خلال، ارتداء العروسين للزي وقت كتب الكتّاب (الملاك) ، وعند تقديم سفرائنا وسفيراتنا أوراق اعتمادهم لدى الدول الشقيقة والصديقة. وارتداء الموظفين الحكوميين الزي التقليدي الفلسطيني يوماً واحداً في الشهر، وأن يكون الزي الرسمي لطلبة المدارس والجامعات، وإلزام الوفود الرسمية الفلسطينية بارتداء الزي التقليدي.

أخيراً، فإن الملابس التقليدية الفلسطينية تعكس عمق الهوية الوطنية، فهي ليست مجرد أزياء، بل رموز تحمل في طياتها معاني المقاومة والانتماء للأرض. وفي ظل التحديات التي تواجهنا، يظل ارتداء هذه الأزياء طريقة للحفاظ على التراث، وتأكيد الحضور الفلسطيني في المشهد الثقافي العالمي. ومن هنا، فإن التمسك بالملابس التقليدية هو تمسك بالهوية، وتأكيد على أن فلسطين كانت وما زالت حاضرة في وجدان شعبها، مهما حاول الاحتلال طمس معالمها.




تهجير الفلسطينيين.. جريمة حرب

بينما تستمر عملية العودة المؤزرة لمواطني غزة إلى شمال القطاع من وسطه وجنوبه، وسط حشود كبيرة ومشاهد تثلج الصدور، ورغم تأكد عشرات الآلاف من عدم وجود مساكن أو مبانٍ صالحةٍ للعيش، إلا ان عشق الوطن وتراب غزة، يفوق كل شيء ويخلط مشاعر فرح العودة بالحزن والاسى مع بدء رحلة البحث عن جثامين الشهداء تحت الأنقاض، حيث إن فرصة الحصول على وقف لإطلاق النار ولجم العدوان الإسرائيلي، تعتبر بحد ذاتها مكسباً للساعين إلى إعادة البناء والتمسك بالارض والتشبث بها والصمود على ثراها مهما كان الثمن.

رغم كل ذلك ما زالت الأصوات والأبواق الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، تنساق خلف الرغبات الإسرائيلية بضرورة تهجير الفلسطينيين من القطاع وإسكانه في دولة غربية أو عربية، وبعد فشل المحاولة الأميركية مع الأردن ومصر، يطل خيار إندونيسيا كحل جديد وسط إصرار غريب ومشبوه من قبل الرئيس ترمب الذي يسعى  لترحيل  مليونين من أبناء الشعب الفلسطيني إلى الدولة الآسيوية بحجة عدم وجود أمان للعيش في غزة.

وحسناً فعلت إندونيسيا عندما نفى المتحدث باسم وزارة الخارجية، توتوك روليانسيا سوميرت، تلقي بلاده أي عرض من أي جهة، بما في ذلك الولايات المتحدة، بشأن نقل لاجئين فلسطينيين من غزة إلى إندونيسيا، وأكد أن الحكومة الإندونيسية تدعم إعادة إعمار غزة بطرق مختلفة دون استقبال لاجئين فلسطينيين على أراضيها. 

وحسناً فعل وزير الخارجية عندما أعلن أن بلاده مستعدة لدعم إعادة إعمار غزة، وزيادة تدفق المساعدات، وإرسال قوات لحفظ السلام إذا طلبت الأمم المتحدة ذلك، وفي ذلك توجه حضاري يحترمه شعبنا، أما الدعوات المشبوهة للتهجير أياً كان مصدرها فهي مرفوضة ومدانة، وسيتصدى  لها الشعب الفلسطيني بكل قوة.

بودنا توجيه التحية أيضاً لدول المنطقة، بما في ذلك مصر والأردن، التي رفضت فكرة استقبال لاجئين فلسطينيين، وأكدت التزامها ببقاء الفلسطينيين على أرضهم كما جاء في تصريحات وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، الذي قال إن “الأردن للأردنيين، وفلسطين للفلسطينيين”، بينما شددت مصر على رفضها لأي نقل قسري للفلسطينيين. 

في أحدث حلقات الاستهداف الاسرائيلية لهذا المخطط ما نشرته امس القناة السابعة عن  رئيس أركان الجيش الإسرائيلي حول معبر رفح عندما قال: إن إسرائيل ستسمح لسكان غزة بالخروج من معبر رفح إلى مصر، ولكن باتجاه واحد فقط، وإنهم لن يتمكنوا من العودة إلى غزة، حيث تتوافق الرواية تماماً مع دعوات التهجير الطوعي التي ينادي بها الوزراء المتطرفون.

إن الإقدام على مثل هذه الخطوة المجنونة سيهدد استقرار دول المنطقة، ويثير غضبًا شعبيًا واسعًا، ومن المؤكد أنها ستواجه مقاومة شديدة من الدول العربية والفلسطينيين، الذين سيحاربونها لأنها محاولة لتغيير ديموغرافي وتطهير عرقي.

تماماً كما فشلت كافة المحاولات السابقة، فإن هذه الخطوة ستنهار أمام طموح وإرادة شعبنا، وحتى المحاولات الأخيرة  في جنين  وطولكرم، من خلال هدم المنازل وطرد الأهالي لن تثني شعبنا عن الوقوف في وجه هذه المؤامرات  ومحاربتها بقوة، لأن عمليات التهجير هي جرائم حرب لا تتوافق مع أي قانون دولي أو إنساني، وعلى الجميع التصدي لها وبحزم وبقوة وعدم السماح بتمريرها.




جنين أول فصول المذبحة الإسرائيلية في الضفة

كنا قد أشرنا في يوم السبت الماضي إلى المذبحة القادمة في الضفة الغربية، بعد التحريض السافر من قبل وزراء الحكومة الاسرائيلية، على اعتبار أن قرار الكابينيت الأمني والسياسي بتعديل أهداف الحرب لتشمل الضفة الغربية هو تصريح مباشر ورسمي لشن حرب واسعة النطاق على المواطنين والمدنيين، إضافة إلى تصريحات رئيس جهاز الشاباك آنذاك بأن أطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين سيزيد الدوافع لتنفيذ هجمات جديدة في الضفة الغربية، وتصريحات وزير الجيش كاتس الذي اعتبر أن قرار إلغاء أوامر الاعتقال الإداري بحق المستوطنين هو رسالة لدعم وتعزيز الاستيطان، وفي موضع آخر طالب بإطلاق النار على الفلسطينيين لمنعهم من إبداء أي مظاهر استقبال للأسرى المحررين.

هكذا بدأت الحكاية بحرب تصريحات وتهديدات، كان أهمها تصريح رئيس هيئة الأركان المستقيل الذي أعطى الأوامر للاستعداد للانطلاق بحملات عسكرية نوعية في الضفة الغربية، ليتم وضع جنين كهدف أول في مذبحة إسرائيلية جديدة، بدأت فصولها يوم أمس باجتياح قاتل، أسفر عن استشهاد عشرة مواطنين وإصابة أكثر من ٥٠ مواطناً، بعضهم من الأطباء العاملين في مستشفيات ومراكز جنين  الصحية.

اختارت إسرائيل موعد حملتها العسكرية وعدوانها، تماماً بعد تنصيب الرئيس الأميركي دونالد ترامب خوفاً من صدور قرار في مجلس الأمن بفيتو أمريكي من إدارة بايدن، كما أن العدوان الجديد هو هدية للأحزاب المتطرفة في حكومة نتنياهو من الأخير، خصوصاً للوزير المتطرف بيتسلئيل سموتريتش الذي حدد هدف اقتحامات الضفة الغربية إلى جانب استئناف العدوان على غزة كشرطين لعدم استقالته من الحكومة الإسرائيلية.

تلقت إسرائيل هدية أخرى من الرئيس المنتخب ترامب الذي ألغى قانون الطوارئ الذي يسمح للولايات المتحدة بفرض عقوبات بحق المستوطنين، لتستغل الحكومة الإسرائيلية ذلك لتطلق أيادي المستوطنين لتنفيذ اعتداءات آثمة على المواطنين، في حين كانت جنين أول فصول المذبحة الجديدة، ظهر يومٍ كانت فيه طرق وحواجز الضفة الغربية مغلقة بشكل شبه كامل وسط تحريض سافر من الإعلام الإسرائيلي.

اقتحام واجتياح جنين وشمال الضفة الغربية المبرمج على رزنامة الأهداف القادمة هو إعلان حرب بشكل لا مجال للشك فيه، تسعى من خلاله دولة الاحتلال لتفريغ مخيمات الضفة وقراها وتهجير وطرد أهلها، وذلك من خلال مواصلة الحرب لعدة أيام إضافية، كما ادعى مسؤول عسكري إسرائيلي وقال إن الحرب على جنين ستستمر طويلاً.

إسرائيل كالعادة تُظهر وجهها الحقيقي القائم فقط على القتل والتدمير والاقتحامات، فمن سيتدخل ليحمي أهل جنين، ومن سيوقف آلة القتل والدمار والفتك التي لم تشبع أصلاً من دماء الفلسطينيين في قطاع غزة؟




جدل الانتصار والهزيمة

هاني المصري

من حق شعبنا أن يحتفل بوقف المعاناة ووقف حرب الإبادة، وبما جاء في اتفاق الدوحة لوقف إطلاق النار – على الرغم من مثالبه الكثيرة – من التزام إسرائيلي بالانسحاب والإغاثة وإعادة الإعمار وعودة النازحين، وإطلاق سراح الأسرى بمن فيهم معظم المحكومين بالمؤبدات وذوو الأحكام العالية، ولا بد من ملاحقة إسرائيل لمحاسبتها وتحميلها المسؤولية عن الجرائم التي لا تسقط بالتقادم، خصوصًا حرب الإبادة والتدمير الشامل.

جاء التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار وفق الصيغة التي كانت في أيار الماضي مفاجئًا، فقد كانت حكومة نتنياهو ترفض هذه الصيغة، وتصر على استمرار الحرب لتحقيق الأهداف المعلنة وغير المعلنة، وهي وافقت عليها من دون تحقيق أهدافها، مع أن ما قامت به فاق كل التوقعات، وذلك يعود إلى الأسباب الآتية:

السبب الأول: إصرار الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب على إتمام الصفقة مع توليه منصبه، ويقال إن مبعوثه هدد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بأنه سيفقد منصبه إذا لم يمررها.

السبب الثاني: حصول تحول في إسرائيل، إذ أصبحت هناك أغلبية إسرائيلية تطالب بوقف الحرب، بعد الخسائر السياسية والعسكرية والبشرية والاقتصادية والمعنوية الكبيرة، وبعد أن تعذر إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين بالضغط العسكري.

السبب الثالث: صمود المقاومة وبسالتها واستمرارها في تكبيد قوات الاحتلال خسائر ملموسة، وتمكنها من إفشال خطة الجنرالات.

السبب الرابع: يتعلق بالهدايا التي وعد ترامب بتقديمها إلى إسرائيل، وهي تتعلق بما يأتي: أولًا، التطبيع مع السعودية وغيرها من الدول العربية والإسلامية ودمجها في المنطقة. ثانيًا، معالجة وضع إيران، وخاصة الملف النووي، سواء بالضغوط القصوى والحصار والتفاوض، أو من خلال توجيه ضربة عسكرية قوية لإيران إذا لم تنجح سياسة العصا والجزرة. ثالثًا، إعطاء ضوء أخضر للسياسات والإجراءات الإسرائيلية في الضفة. رابعًا، إزالة بعض القيود على توريد الأسلحة والذخيرة الأميركية إلى إسرائيل.

السؤال الذي يطرح نفسه: هل سينفذ الاتفاق في مراحله الثلاث؟ الجواب ليس سهلًا، ويمكن أن يكون نعم ما دامت الأسباب التي أدّت إليه لا تزال قائمة، وإذا دخلنا في العمق أكثر فإن المرحلة الأولى ستنفذ بشكل شبه مؤكد. أما المرحلتان الثانية والثالثة فسيتم تطبيقهما، ولكن مع خطر بعدم التطبيق يمكن أن يكبر أو يصغر وفق الأحداث وسلوك اللاعبين؛ أي مع تأجيل وشد وجذب وخروقات صغيرة وكبيرة وربما تصل الأمور إلى استئناف الحرب ولو بأشكال جديدة.

وسواء طبق الاتفاق أو لم يطبق، فإنه يتعلق بمعركة وجولة جديدة في صراع طويل بدأ منذ أكثر من مائة عام، وسيستمر مهما طال الزمن حتى يعود الحق إلى أصحابه.

تأسيسًا على ذلك، فإن حكومة نتنياهو أو أي حكومة إسرائيلية قادمة إذا سقطت الحكومة الحالية أو تغير الائتلاف المكون لها، ستواصل العمل على تحقيق الأهداف التي لم تتحقق، سواء باستئناف الحرب لاحقًا، بعد المرحلة الأولى أو فيما بعد، أو من خلال استخدام المعاناة الإنسانية والحاجة إلى إعادة الإعمار ومواصلة العدوان، بحجة أن حركة حماس لا تزال تسيطر على قطاع غزة.

وهذا العنوان (سيطرة حماس على القطاع)، ستستخدمه الحكومة الإسرائيلية لمواصلة الاغتيالات والاعتقالات والهدم والتدمير، خصوصًا أن الاتفاق لا يتضمن أي بند يتحدث عن اليوم التالي، ومن سيحكم القطاع، وسنكون أمام احتمال تعمق الانقسام الفلسطيني، وربما تحوّله إلى اقتتال فلسطيني رغم الرفض الإسرائيلي لعودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة خشية من أن تجسد الهوية الوطنية ووحدة الضفة والقطاع، ما يبقي قيام الدولة الفلسطينية مفتوحًا، ويزداد الأمر تعقيدًا في ظل عدم توصل القيادة والقوى الفلسطينية إلى الاتفاق على صيغة موحدة، سواء بعودة الحكومة الحالية إلى القطاع، أو بعد تعديلها، أو تشكيل حكومة وفاق وطني، وفقًا لما نص عليه إعلان بكين (وهذه أفضل صيغة)، أو تشكيل لجنة إسناد مجتمعي وفقًا للاقتراحات الأميركية والمصرية والإماراتية.

يدور في الصفوف الفلسطينية والإسرائيلية والعربية، وعلى امتداد العالم، جدل ساخن موضوعه تقييم ما حصل، وهل يشكل انتصارًا أو هزيمة، أو ما بين الانتصار والهزيمة، لأن الحرب لم تستكمل ولم تحسم بالضربة القاضية لصالح هذا الطرف أو ذاك، وتقييم الحرب لن يحسم إلا عندما تضع الحرب أوزارها ويتم تطبيق المراحل الثلاث، ومن ثم نرى هل توقفت من دون تحقيق أهدافها الإسرائيلية، مع عدم التقليل من أهمية ما حققته أو بين بين، مع أن ما لم تستكمل تحقيقه إسرائيل خلال 470 يومًا من الصعب أن تحققه الآن أو في المستقبل القريب على الأقل، بعد أن تمكنت المقاومة من الاستفادة من تداعيات الاتفاق إسرائيليًا وفلسطينيًا وعربيًا ودوليًا.

هناك من يعتبر ما حدث هزيمة نكراء للمقاومة، بدليل أن حكومة نتنياهو تمكنت من إجراء تغيير شامل في منطقة الشرق الأوسط، وخصوصًا في ظل ما حدث في سوريا، وباتت أقرب لفرض هيمنتها على المنطقة، وبحكم الإبادة الجماعية وتحويل معظم قطاع غزة إلى منطقة غير قابلة للعيش البشري، وعدم تحقيق معظم الأهداف التي حددها القائد العام للقسام في يوم بداية طوفان الأقصى.

وهناك من رأى ما حصل انتصارًا ناصعًا للمقاومة، بدليل عدم تحقيق دولة الاحتلال الأهداف التي أعلنتها، والخسائر على مختلف الأصعدة التي تكبدتها، بما فيها تخلخل المكانة الاستراتيجية لإسرائيل ودورها الوظيفي وسقوطها الأخلاقي، وفي ظل أن القاعدة المتعارف عليها في التاريخ أن الضعيف ينتصر عندما يصمد، ولم يمكّن الطرف القوي من تحقيق أهدافه، والعكس صحيح.

 هناك رأي ثالث، يرى أن الصمود الأسطوري والمقاومة الباسلة والشجاعة منقطعة النظير التي جسدها شعبنا ومقاومته، وعدم تحقيق الاحتلال لأهدافه المعلنة وغير المعلنة، خطوة مهمة على طريق النصر، ويمكن اعتبارها شكلًا من أشكال النصر، كما يرى التغيير النوعي الحادث الذي يمكن أن يحدث في الشرق الأوسط، خصوصًا فيما يتعلق بدمج إسرائيل في المنطقة، كما يرى الكارثة الإنسانية والخسائر الجسيمة التي تكبدها شعبنا في قطاع غزة، والتي تكبدتها المقاومة، وجعلتها تطالب بوقف إطلاق النار، من دون تحقيق معظم أهداف المقاومة، وأحسن ما يمكن أن يحدث هو بقاء المقاومة وعودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر على مغزاها الاستراتيجي ليس انتصارًا، وإنما نصر الضعيف على القوي؛ بمعنى عدم تمكينه من تحقيق أهدافه، وهو ثمرة صمود أسطوري ومقاومة باسلة. 

كما أن مجرد بقاء المقاومة وحتى بقاء سيطرتها على القطاع على أهميته لا يعدُّ انتصارًا وليس الهدف، وإنما الهدف كان وسيظل تحرير الأرض، لأنه عودة لما كان قائمًا، خصوصًا أنه في ظل المعطيات القائمة سيستخدم بقاؤها وحكمها ذريعة لمواصلة العدوان ومنع الإغاثة وعودة الحياة إلى القطاع من خلال إعادة الإعمار ورفع الحصار ووقف العدوان، ويصب في تكريس الانقسام ومنع قيام دولة فلسطينية، وهذا سيجعل إن حصل قطاع غزة منطقة طاردة وليست جاذبة لسكانها.

وإذا لم يكن ما حصل انتصارًا فهل هو هزيمة؟ لا طبعًا، بل هو فشل إسرائيلي بطعم الهزيمة، ومن لم يصدق لير الغضب والحزن والبكاء والتباين في إسرائيل بين من يعتبر ما جرى انتصارًا وبين من يعتبره هزيمة، لأن الانتصار معياره الحاسم تحقيق الأهداف الموضوعة، وهم قطعوا شوطًا على طريق تحقيقها، ولكنهم لم يستكملوا تحقيقها نتيجة الأسباب المذكورة في مستهل المقال.

وما حصل ليست هزيمة للمقاومة، لأن المقاومة صممت وحافظت على نفسها في ظل ظروف قاهرة، ولم تعترف ولم تتصرف على أنها مهزومة وهذا هو الحاسم، فالهزيمة تصبح كذلك إذا تم الاعتراف بها، وإذا قادت إلى الاستسلام.

لا ينسجم الحديث عن انتصار فلسطيني في ظل المعاناة المروعة والخسائر الفادحة والإبادة الجماعية، ولكن دولة الاحتلال ومعها الاستعمار العالمي كله لم تكسر إرادة الشعب والمقاومة، ولم تؤد إلى الاعتراف بالهزيمة ورفع الراية البيضاء، بل باعتراف العدو ووزير الخارجية الأميركي فإن المقاومة قاتلت حتى اللحظة الأخيرة، وقادرة على مواصلة القتال، وأعادت تنظيم صفوفها، وتمكنت من تجنيد آلاف المقاومين الجدد.

وإذا كانت المقاومة لم تُهزم ولم تنتصر بالمعنى الحرفي للنصر؛ أي تحرير الأرض المحتلة ورفع العلم الفلسطيني على مآذن القدس وكنائسها، فهذا على المدى المباشر، ولكن على المديين المتوسط والبعيد سيكون طوفان الأقصى وتداعياته أحد أسباب انتصار المقاومة المستقبلي، فسيكون ما حصل من صمود أسطوري ومقاومة باسلة وشجاعة منقطعة النظير منذ السابع من أكتوبر وحتى دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ يوم 19 كانون الثاني/ يناير 2025، تمامًا مثلما كانت كومونة باريس مقدمة لانتصار الثروة الفرنسية.

ما العمل؟

حتى لا تضيع البطولات الباسلة والتضحيات الغالية والجسيمة، لا بد من مبادرة فلسطينية بمستوى التحديات والمخاطر وقادرة على توظيف الفرصة المتاحة، وهذا ممكن، إما من خلال – وهذا أفضل وأسرع وأقل كلفة – أن تبادر القيادة أو تستجيب لمبادرات عديدة بالدعوة إلى حوار وطني شامل ينتج منه:

أولًا: قرار لا رجعة فيه بتطبيق ما جاء في إعلان بكين، سواء بتشكيل حكومة وفاق وطني بمرجعية وطنية، وتفعيل الإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير، والتحضير لانتخابات شاملة على كل المستويات، حيث نحقق وحدة المؤسسة والقيادة والقرار في السلم والمقاومة، وبذلك نسحب الذرائع من يد الاحتلال وشركائه لمواصلة العدوان ولو من خلال أشكال جديدة، مثل عمليات اغتيال وقصف مركزة ومتواصلة تمنع الاستقرار والإغاثة والإعمار وتدفع الممولين والمستثمرين للهرب.

ثانيًا: مواصلة الحوار لبلورة رؤية شاملة واستراتيجيات قادرة على تحقيق الأهداف الوطنية المباشرة، وعلى رأسها حق تقرير المصير وإنهاء الاحتلال بوصفه شرطًا لإنجاز استقلال دولة فلسطين على حدود عام 1967 باعتبار ذلك خطوة على طريق تحقيق الأهداف الوطنية كاملة.

وفي حال عدم استجابة القيادة لنداء الوحدة، كما هو حاصل حتى الآن، على القوى والشخصيات التي تتفق على القواسم المشتركة المبادرة إلى تشكيل لقاء وطني أو جبهة وطنية تهدف إلى الضغط على القيادة حتى تستجيب للمصلحة الوطنية ولقرارات الإجماع الوطني بتحقيق الوحدة وشراكة حقيقية، باعتبارها أولوية وضرورة وطنية وحدة تحافظ على التعددية وتنميها، على أن تقدم هذه الجبهة نماذج وحدوية بالقول وعبر أعمال مشتركة تمنع نشوء فراغ يُمكِّنُ دولة الاحتلال من تحقيق أهدافها، أو تسهل عهد الوصاية والاحتواء والبدائل العربية والدولية .

إذا نظرنا إلى تجارب الحركة الوطنية الفلسطينية منذ ولادة القضية الفلسطينية وحتى الآن سنجد أن النضالات والتضحيات والبطولات الفلسطينية على ضخامتها لم تحقق إنجازات تتناسب معها، بل كانت المكاسب أقل بكثير، كما أن المقاومة الفلسطينية استطاعت في مرات عدة وفي محطات تاريخيّة من تحقيق إنجازات في المعارك النضالية والعسكرية (على سبيل المثال لا الحصر: ثورة 1936-1939، والانتفاضة الأولى)، غير أن القيادة السياسية أضاعت هذه الإنجازات إما بسبب انقسامها، أو جراء الاستعجال لقطف الثمار السياسية خشية من ضياع الفرصة، أو الامتناع عن الاستثمار بحجج واهية كتحقيق الأهداف مرة واحدة، أو نتيجة الخضوع لأطراف وتدخلات عربية وإقليمية ودولية، أو بسبب تغليب المصالح الفردية والفئوية على المصالح الوطنية.

يجب أن نتذكر أننا عقدنا اتفاق أوسلو بعد الانتفاضة الأولى، وهو على الرغم من بعض إنجازاته وإيجابياته فإنه كان في المحصلة كارثة بكل معنى الكلمة، ويجب ألا ننسى أنه بعد الانتفاضة المجيدة الثانية حصل الهبوط بالسقف السياسي الفلسطيني إلى أقل من أوسلو، إلى مستوى الالتزام من جانب واحد بالتزامات أوسلو، فضلًا عن وقوع الانقسام السياسي والجغرافي والمؤسسي.

على الرغم من التحديات والمخاطر الوجودية المترتبة عليه، أعادت معركة طوفان الأقصى وتداعياتها القضية الفلسطينية إلى الصدارة، لدرجة أن مختلف الأطراف باتت مقتنعة بعدم جدوى وإمكانية تجاوز القضية والقفز عنها، ما يوفر فرصة للتوصل إلى حل يمكن أن يكون وطنيًا أو تصفويًا، يراكم على ما حدث أو يجهضه.

لذا، يجب تغيير المسار وتبني مسار جديد وطني ديمقراطي يعطي الأولوية للوحدة الكفاحية حتى لا يتكرر الهبوط بالسقف السياسي وقبول صيغة سيئة مثل صفقة ترامب، يمكن أن تكون مطروحة بالصفقة الشاملة التي من المتوقع أن يطرحها، حيث يكون التطبيع ودمج إسرائيل في المنطقة مقابل مسار “جدي وموثوق” يؤدي إلى دولة من دون مقومات الدول ومقتطع منها 30% كما هو وارد في صفقة القرن.

من دون وحدة على أساس وطني ديمقراطي كفاحي وشراكة حقيقية سنكون أمام إضاعة ما تحقق بعد الصمود الأسطوري والبطولة الباسلة، وتعميق الانقسام وتعميمه، وضياع الحقوق الفلسطينية ووحدانية التمثيل الفلسطيني، وحتى ندحر ذلك لا بد من التمسك ببرنامج وطني واقعي بعيدًا عن التخاذل والتهور؛ برنامج يحفظ الحقوق وقادر على تحقيق الأهداف والتحليق إقليميًا ودوليًا. فهل نتعظ قبل فوات الأوان؟




الاستعداد لاستقبال الأسرى المحررين: الرعاية النفسية واجب وطني وإنساني

بقلم: د. سماح جبر، استشارية الطب النفسي

عندما يعود الأسرى الفلسطينيون إلى الحرية، يعيشون تجربة مركّبة من المشاعر المتباينة؛ بين الفرح الكبير بالخروج من السجن وبين التحديات النفسية والاجتماعية الناتجة عن سنوات طويلة من المعاناة والحرمان. استقبال هؤلاء الأبطال ليس مجرد احتفال وطني عابر، بل هو مسؤولية أخلاقية وإنسانية تتطلب الاستعداد المجتمعي الكامل لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي الذي يحتاجونه بشدة.

الرعاية النفسية: دور الأسرة والمجتمع

تلعب الأسرة دوراً محورياً في الدعم النفسي للأسير المحرر، حيث تكون هي الحاضن الأول الذي يواجه التحديات النفسية التي تظهر بعد سنوات من الأسر. من المهم أن تعي العائلة أن التجربة القاسية التي مر بها الأسير قد تترك آثاراً نفسية عميقة، مثل اضطرابات النوم التي تتمثل في الكوابيس أو صعوبة النوم بسبب استرجاع مشاهد العنف وذكريات العزل والتحقيق، وفرط اليقظة الذي يجعل ردود فعله مبالغ فيها تجاه الأصوات أو الحركات المفاجئة. كما أن بعض الأسرى قد يظهرون تباعداً عاطفياً وصعوبة في التعبير عن مشاعرهم أو التواصل مع الآخرين.

تحتاج العائلة إلى تفهم هذه التغيرات النفسية وتجنب الضغط على الأسير للاندماج السريع في الحياة اليومية. توفير بيئة آمنة وداعمة يكون أساسياً في هذه المرحلة، مثل إتاحة المجال له للتحدث عن تجربته بحرية إذا أراد، دون إلحاح أو فرض أسئلة محرجة. كما يمكن للأسرة تنظيم أنشطة بسيطة تجمعهم، مثل تناول الطعام معاً أو القيام بنزهة، لتعزيز الروابط الأسرية.

على المجتمع أيضاً أن يكون شريكاً في دعم الأسرى المحررين. إقامة الفعاليات الجماعية التي تحتفي بهم تسهم في إشعارهم بالتقدير والانتماء. كما أن تقديم الدعم المالي والمهني يعد خطوة أساسية لمساعدتهم على بدء حياة جديدة تليق بتضحياتهم.

الإعلام وحساسية إجراء المقابلات مع الأسرى المحررين

يلعب الإعلام دوراً مهماً في تسليط الضوء على معاناة الأسرى وقضيتهم العادلة، ولكنه يحتاج إلى التعامل بحساسية مع الأسرى المحررين. بعد سنوات طويلة من الحرمان والقمع، قد يشعر الأسرى بعدم الارتياح عند التحدث عن تجربتهم، خاصة إذا تم التركيز على تفاصيل مؤلمة. يجب على الإعلاميين أن يراعوا الحالة النفسية للأسرى، وأن يمنحوهم الحرية في اختيار ما يودون مشاركته، دون ضغط أو إحراج. كما يمكن أن يساهم الإعلام في تعزيز الدعم المجتمعي من خلال عرض قصص النجاح والتأقلم، بدلاً من التركيز على الصدمة فقط، مما يعزز من صورة الأسرى كبشر قادرين على التغلب على محنتهم.

الخدمات النفسية التخصصية للأسرى المحررين

إلى جانب الدعم العائلي والمجتمعي، يحتاج بعض الأسرى إلى خدمات نفسية متخصصة لمعالجة الآثار العميقة التي خلفتها تجربة الأسر. لذلك، يجب أن تكون المؤسسات الصحية النفسية على أهبة الاستعداد لتقديم برامج متكاملة تهدف إلى التقييم والعلاج والتأهيل والتوثيق.

يتطلب التقييم النفسي الشامل مقابلات تخصصية لتحديد آثار الصدمة التي قد تشمل الكرب أو مشاعر الاكتئاب والقلق المزمن. بعد التقييم، يمكن تقديم العلاجات النفسية المناسبة، مثل العلاج السلوكي المعرفي الخاص بالصدمات لمعالجة الأفكار السلبية الناتجة عن تجربة الأسر، أو العلاج النفسي الفردي أو الأسري للتعامل مع الجروح العاطفية العميقة التي خلفتها هذه التجربة وتساعد الأسير على استعادة دوره في عائلته.

جلسات الدعم الجماعي تعد أيضاً وسيلة فعّالة، حيث توفر بيئة مناسبة تجمع الأسرى المحررين ليتبادلوا تجاربهم ويعززوا من شعورهم بالتضامن والتمكين.

إلى جانب العلاج، يجب أن يتم التركيز على برامج التأهيل الاجتماعي التي تعيد إدماج الأسرى في المجتمع. تقديم دورات تدريبية ومهنية يعوضهم عن الفجوات التي خلفتها سنوات الأسر، ويساعدهم على استعادة دورهم الفاعل في المجتمع.

في بعض التجارب السابقة، مثل الإفراج عن الأسرى في صفقة شاليط، تم تنظيم جلسات نفسية جماعية ساعدت الأسرى على تجاوز صدمات الأسر والتكيف مع الحياة الجديدة. كما أثبتت المبادرات المحلية التي تقدم ورشات عمل تدريبية وتأهيلية فعاليتها في تقليل العزلة النفسية وتحفيز الأسرى على الانخراط الإيجابي في المجتمع، ومواكبه الأساليب الحديثه للتواصل الاجتماعي.

تحرير النفس بعد تحرير الجسد

تحرير الأسرى لا يكتمل بمجرد خروجهم من السجون، بل يتطلب تحريراً أعمق لروحهم من آثار المعاناة النفسية التي فرضها الاحتلال. هذه العملية تحتاج إلى تكاتف الجهود بين الأسرة والمجتمع والمؤسسات الصحية. الأسرى المحررون ليسوا فقط ضحايا القهر، بل هم أيضا أبطال الصمود الذين يستحقون كل الدعم والرعاية. لنكن عوناً لهم في رحلة التعافي وإعادة بناء حياتهم، فهم رموز نضالنا وحملة راية كرامتنا الوطنية.