1

نظرية الأمن الإسرائيلي المتوهم

د. أحمد رفيق عوض

كثير من الخبراء والعسكريين والأكاديميين الإسرائيليين الذين يدعون أنهم الأقدر في فهم ما يسمونه الشرق الأوسط، وأنهم الأنجع في التعامل معه ومع ظواهره، يعتقدون أن هذه المنطقة بكل ما فيها من فسيفساء عرقية وطائفية منطقة هشّة دائمة التغير وكثيرة الصراعات، تخلو من الشرعيات والثوابت، وتعبد القوة بكل صورها وتجلياتها، ويعتقدون أن شعوب هذه المنطقة وطوائفها طارئون ولم يطوروا يوماً دولاً راسخة أو أنظمة مستقرة، حتى الدول التي نشأت هنا كانت دولاً إقطاعية عشائرية تقوم على العصبية أكثر مما تقوم على القومية أو الوطنية.

المشكلة في هذا أن المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية تتعامل معنا بهذه العقلية الاستعمارية والاستشراقية. بمعنى أنها تتعامل معنا ومع شعوب دول المنطقة من منطلق أننا لسنا شعوباً ناضجة ولسنا دولاً حقيقة أيضاً. 

فالمؤسسة الأمنية العسكرية الإسرائيلية الحاكمة في إسرائيل وصاحبة القرار حتى الآن على الأقل تعتقد أن من الممكن التوصل إلى أمن دائم ولا أقول سلاماً دائماً من خلال اجراءات القوة بكل أشكالها، بدءاً من احتلال الأرض وطرد أهلها أو التنكيل بهم أو حرمانهم من ثرواتهم وسلبهم حقوقهم، والتحكم في حياتهم، والسيطرة على نشاطهم والحد من قدرتهم على المواجهة، ومنعهم من ممارسة الحقوق الأساسية، ودفعهم إلى الإحساس بأنهم داخل سجن كبير غير مسموح لهم بالكثير من الامتيازات التي يمتلكها كل مواطن يعيش على أرضه بكامل حريته، ولهذا عمدت المؤسسة الأمنية العسكرية وعلى مدار 56 سنة إلى تقييد الحريات والحركة والعمل والسفر والبناء والتعليم والتطور الحضري والسكاني، وذلك من خلال منظومة قانونية تمييزية وتمدد الاستيطان وتغيير شبكة الطرق ومصادرة الأرض لاعتبارات شتى وطرد المواطنين، ومنعهم من البناء ودفعهم إلى مربعات سكانية تضيق وتضيق كلما تقدم فيها الزمن. 

ولكن المؤسسة الأمنية العسكرية الإسرائيلية لم تكتف بإجراءات القوة والإخضاع هذه رغم أنها باهظة وقاسية، ونجحت في بعض أهدافها المتمثلة في إفقار المواطنين وإلحاقهم بالاقتصاد الإسرائيلي وتفكيك البنى الاجتماعية بمدى معين، وكذلك دفعهم إلى الهجرة أو ترك مقاعد الدراسة أو الانغماس في عالم الجريمة. المؤسسة الأمنية العسكرية لم تكتف كما قلت بإجراءات القوة هذه، بل عمدت إلى استخدام أداة أخرى للسيطرة والإخضاع وذلك من خلال المقترحات السياسية ومشاريع التسوية ووضع البدائل وطرح الخيارات السياسية المتعددة، وعلى مدى 56 سنة، فقد عمد المحتل الى تجاوز خيارات الشعب الفلسطيني ورموزه وممثله السياسي، حاول المحتل طيلة الوقت أن يصنع قيادات بديلة وخططاً أخرى وأجساماً وهمية، وحاول أن يخلق حلولاً لا رجلين لها ولا يدين وأن يصطنع قبضايات من مختلف المناطق والألوان والأهواء . 

ويبدو  أن ذلك لم ينجح لأسباب يطول شرحها ولا يحتملها مقال صحفي مثل هذا، لهذا عمدت المؤسسة الأمنية العسكرية إلى حلول أخرى جديدة مثل التفكيك والتشكيك والتفريق وعمليات الإغراء والإغواء وخطط التمويل والإيهام بالتمثيل. عمدت المؤسسة العسكرية الأمنية الإسرائيلية إلى استخدام القوة وفائضها من جهة وإلى استخدام الوسائل الناعمة وخداعها، من منطلق أن شعوب المنطقة واهمة  ومتوهمة وطائشة وعاطفية وتصدق كل شيء بقليل من الإغراء والإغواء. 

إسرائيل لم تتخل يوماً عن محاولة ترسيخ أمنها ولا أقول سلامها عن طريق العصا الغليظة التي تعمل دون التفات إلى التسويات، وعن طريق سياسات ناعمة تعمل دون التفات إلى العصا الغليظة. تبدو إسرائيل في ذلك غير مفهومة أو كأنها مجنونة أو أنها بدون كوابح قانونية أو ضوابط إنسانية  على الإطلاق. ما المشكلة في هذا كله؟! المشكلة أن إسرائيل لم تحصل على الأمن حتى هذه اللحظة، ولم تحصل على السلام أيضاً، فقد ظلت في حروب دائمة تكلفها الكثير مادياً وبشرياً وظلت في اضطراب دائم وجدل هائل، وبالقدر الذي تغيرنا فيه نحن، فإن المجتمع الإسرائيلي تغير هو الآخر بوتيرة أكبر، فإسرائيل تفقد حيويتها ومؤسساتها الضامنة وعواملها الذاتية القوية وتنحدر إلى هوة التطرف والعنصرية ونذر الحرب الأهلية، وتفقد الألق والسمعة والاحترام، في الوقت الذي تزداد فيه المخاطر والتحديات القريبة والبعيدة.

المشكلة في نظرية الأمن الإسرائيلي المتوهم أن إسرائيل لا تريد أن ترى أنها تحتل وتصادر شعباً آخر ورغم ذلك تطالب المنطقة ليس بالاعتراف بذلك فقط وإنما المشاركة في تحمل تبعاته، هذا احتلال لم يكن من قبل، وهذا صحيح أيضاً فالإسرائيلي المحتل لا يعتقد أنه يمارس احتلالاً بشعاً بل يرى أنه يعود إلى بيته الذي هجره من آلاف السنين، وبالتالي فإنه يقوم بترميمه من جديد. وعمليات الترميم فيها بعض الخسائر. هذه هي مشكلة الأمن الإسرائيلي: أوهام كثيرة وجهود خارقة لإثبات صحتها وهو ما لا يستقيم أبداً.

………….

المشكلة في نظرية الأمن الإسرائيلي المتوهم أن إسرائيل لا تريد أن ترى أنها تحتل وتصادر شعباً آخر ورغم ذلك تطالب المنطقة ليس بالاعتراف بذلك فقط وإنما المشاركة في تحمل تبعاته.




حرب المستوطنين في الضفة

بهاء رحال

منذ بدأت حرب الإبادة في غزة استعر الاستيطان في المدن والبلدات الفلسطينية، وعلى نحو خاص في القدس التي تتعرض لأكبر عملية تهويد وعزل عن محيطها العربي الفلسطيني، حيث ترافق ذلك بدعم غير مسبوق من حكومة الحرب والاحتلال ومن وزرائها المتطرفين في مقدمتهم سموتيرتش وبنغفير، فبين تشريعات وقوانين تم إقرارها في كنيست الاحتلال وبين الإجراءات المتسارعة على الأرض هيمن الاستيطان على الضفة وقضم مئات آلاف الدونماتمن الأرض، وفق خطط معلنة الهدف منها بات واضحًا ومعلنًا وهو يتمثل بالسيطرة الكاملة، وطرد وتهجير الفلسطينيين من الضفة والقدس، تمامًا كما هي المحاولات لتهجير الناس من غزة.

ومع اتساع رقعة العدوان وتواطؤ المجتمع الدوليوالصمت الإقليمي والعربي، تصاعدت عمليات الهدم والمصادرة، في مشهدٍ يعكس حجم التواطؤ والتغطية على سياسات الاحتلال التوسعية التي لم تتوقف، بل هي آخذه بالتصاعد يومًا وراء يوم.  

والمتابع لكل ما يجري على الأرض يعلم أنه لم تَعُد المسألة مجرد قرارات عسكرية أو أمنية، بل باتت خطة ممنهجةتتشارك فيها الأذرع السياسية والعسكرية والقضائية للاحتلال، لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا بما يخدم المشروع الصهيوني الاحلالي، وهم يجاهرون بتصريحاتهم. وفي القدس، تتكثف الإجراءات من تضييق على السكان، وهدم للمنازل، وتغيير ملامح المدينة، إلى منع أي مظهر من مظاهر الحياة العربية الفلسطينية، في محاولة لطمس الهوية وسلب المكان من معناه الفلسطيني العميق. 

إن ما يجري ليس سوى فصلٍ من فصول النكبة المستمرة، والتطهير العرقي والإبادة التي يحاول فيها الاحتلال إعادة إنتاج المشروع الاستعماري بثوبٍ جديد، هو ثوب القتل والقهر والقمع، وسياسات مرعبة وغير مسبوقة من قبل، وقوانين جائرة وظالمة، ضاربًا كل النداءات والقرارات الدولية، ومحاولًا الاستفادة من التواطؤ الدولي الذي يقف على رأسه ترامب الداعم لاستمرار حرب التطهير العرقي في غزة والضفة والقدس.

إن ما يتعرض له الناس من اعتداءات دائمة يقوم بهاقطعان المستوطنين، تتمثل في مصادرة الأراضي وحرق الممتلكات والعربدة بكل أشكالها تحت حراسة مشددة من جيش الاحتلال وبدعم مستمر من حكومة نتنياهو التي توزع السلاح بشكل علني، وتمنحهم الغطاء القانوني والسياسي لممارسة إرهابهم ضد الفلسطينيين العُزّل. هذا الواقع المأساوي خلق بيئة من الرعب اليومي في القرى والبلدات، حيث باتت حياة الأهالي مهددة في كل لحظة، بين اجتياحات المستوطنين للبيوت والمنازل، ومهاجمة المحاصيل الزراعية التي تُعد مصدر رزقهم الوحيد.

ومع ذلك، يبقى الشعب الفلسطيني على الأرض، صامدًا، ثابتًا، متمسكًا ببيته رغم الهدم والخراب، مؤمنًا بفلسطين الأرض والهوية، و على يقين تام أن الاحتلال مهما طال، زائل لا محالة.




اقتحام بن غفير للمسجد الأقصى

سري القدوة

الاحتلال يواصل حرب الإبادة الجماعية بلا هوادة في قطاع غزة في ظل أقدام وزير أمن الاحتلال الإسرائيلي المتطرف بن غفير على اقتحام  المسجد الأقصى المبارك بحراسة مشددة من قوات الاحتلال. ويأتي هذا التصرف الاستفزازي والتحريضي تجاه مشاعر الملايين من المسلمين حول العالم، واستخفاف واضح بالمجتمع الدولي وبالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية .

 اقتحام المتطرف إيتمار بن غفير للمسجد الأقصى وتدنيسه للمقدسات الإسلامية التي أصبحت عرضة للانتهاكات اليومية من قبل عصابات المستعمرين الذين يعملون بغطاء حكومة يمينية تعمل بشكل حثيث من أجل السيطرة على مقدساتنا الإسلامية والمسيحية من خلال خطة ممهنجة ومحددة بشكل واضح، وان ما يقوم به المتطرف بن غفير من اقتحامات تؤكد الغطاء السياسي الإسرائيلي له وتورط حكومة بنيامين نتنياهو في هذه الممارسات. وكان بن غفير قد اقتحم الأقصى مدعوماً من حكومته اليمينية المتطرفة لـ (8) مرات منذ توليه منصبه و(5) مرات منذ بدء الحرب على غزة، وكان أصدر سابقاً عدة تصريحات يمينية متطرفة هدد فيها بتأسيس كنيس يهودي في المسجد الأقصى .

 محاولات حكومة الاحتلال مساسها بالوضع التاريخي والقانوني للأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس مرفوضة وباطلة، وتمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وتسهم في زيادة التصعيد والتوتر وعدم الاستقرار في المنطقة، حيث جاءت بعد قصف جيش الاحتلال العيادة التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين “الأونروا” في مخيم جباليا في قطاع غزة، ما أدى إلى استشهاد وإصابة العشرات من النازحين معظمهم من الأطفال والنساء وتوسيع الاحتلال لعملياته العسكرية في جميع أنحاء القطاع وسياسة التجويع الممنهج بحق المدنيين، وهو ما يمثل جريمة وكارثة ضد الإنسانية وخرقاً صارخًا لكل المواثيق الدولية التي تكفل حقوق الإنسان وحق الشعوب في العيش بكرامة .

هذا السلوك من شأنه ان يشعل فتيل أزمة جدية في القدس لأن هذه الاقتحامات تمس مشاعر المسلمين وانتهاك لقدسية المسجد الذي هو ملك خالص للمسلمين وحدهم ولا ينازعهم فيه أحد بقرار رباني، وأن بن غفير وغلاة المستعمرين الذين اقتحموا المسجد الأقصى المبارك على الهواء مباشرة يدركون جدياً أن هذه الخطوة استفزازية لمشاعر المقدسيين الذي يفدون الأقصى بالمهج والأرواح، وأن هذا الاقتحام يعد استخفافاً بمشاعر الأمة الإسلامية قاطبة .

 لا بد من تحرك عربي وإسلامي ودولي عاجل وجاد لمنع تكرار هذه الاقتحامات التي تنذر بانفجار صراع ديني في المنطقة تكون عواقبه وخيمة على كل الشعوب العربية والإسلامية وعلى المجتمع الإسرائيلي أيضا، ويجب على منظمة التعاون الإسلامي والعرب والمسلمين أن يتخذوا موقفا صارماً بهذا الصدد، احتجاجاً على هذا التحدي لمشاعر أكثر من 2 مليار مسلم في العالم .

 الصمت الدولي هو الذي شجع الاحتلال على التمادي في تحدي القانون الدولي، ومواصلة ارتكاب الجرائم ضد شعبنا وأرضنا، ويجب إجبار دولة الاحتلال على الخضوع للشرعية الدولية ووقف عدوانها وجرائمها، ولا بد المجتمع الدولي ومجلس الأمن والبرلمانات الدولية والإقليمية وشعوب العالم الحر اتخاذ إجراءات صارمة وفورية تجاه الاحتلال لوقف هذه الممارسات الاستفزازية بحق المقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس ووقف الإبادة الجماعية والتطهير العرقي الذي يرتكبه بحق أهلنا في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، وأن تقاعس المجتمع الدولي يشجع حكومة الاحتلال على تعميق استفرادها العنيف بالشعب الفلسطيني، ويدفعها لمواصلة حرب الإبادة والتهجير والضم .

…….

محاولات حكومة الاحتلال مساسها بالوضع التاريخي والقانوني للأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس مرفوضة وباطلة، وتمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي.




جنين تبكي “ملك” خبّازيها

-عبد الباسط خلف- بكت جنين في يوم عدوان الاحتلال الرابع والسبعين خبازها الأربعيني حسين جميل حسين حردان، الذي قضى على بعد نحو 100 متر من بيته في مشارف ضاحية صباح الخير بالمدينة.

وأغرق استشهاد حردان رواد مواقع التواصل بالحزن على غياب الخباز الأسمراني وطيب القلب، الذي اعتاد مساعدة الأسر المتعففة، ورفض رفع أسعار الخبز رغم موجات الغلاء المتلاحقة.

وقال شقيقه محمد بصوت مسكون بالقهر، إن حسين المولود عام 1982 قتل بدم بارد، إذ داهم الاحتلال بيته ولاحقته مسيرة، وكان بوسع جنود الاحتلال اعتقاله، لكنهم اختاروا قتله، ليترك خلفه عائلة وأطفالا بأمس الحاجة إليه.

قيود ورصاصة

وخسرت عائلة حردان أصغر أفرادها، إذ يسبقه في الترتيب محمد وعلي وشقيقتان، بينما ترك أحزانا ثقيلة في قلب أمه، وزوجته، التي تنتظر مولودا جديدا بعد بضعة أشهر، بجوار البكر حمزة (13 عاما)، وسديل (12 ربيعا)، وأسيل (10 سنوات)، وملاك (6 أعوام).

وأضاف الأخ المكلوم أن حسين اعتقل عام 2002، وأمضى خلف القضبان خمس سنوات ونصف السنة رهن الاعتقال الإداري، وأعيد أسره عام 2009 لعام آخر.

وورث الشهيد حردان مهنته عن والده وجده أبو جميل، إذ اشتهر الأخير في جنين بـ “الفران” قبل عقود، وشرع برفقة أخويه محمد وعلي عام 2008 في إعادة الحياة إلى فرن والدهم الذي رحل قبل عام من انتهاء فترات اعتقالهم.

درس حسين حتى الثامن الأساسي، ثم أتقن مهنة الحدادة، وكان رياضيا في بنيته، وأكمل تعليمه خلف ستائر العتمة، ونال شهادة (التوجيهي)، ولم يلتحق بالتعليم الجامعي، بينما انحاز في طفولته بحي جبل أبو ضهير للعب “الطميمة” و”البنانير”.

وواصل شقيقه المكلوم: أحب أخي عالم السيارات، وكان يقودها منذ بداية الصبا، وامتلك رخصة في وقت مبكر، وخلال عمله حافظ على ثبات أسعار الخبز دون الاكتراث بالارتفاعات المتتالية في أسعار الخبز والمواد التي تدخل في تحضيره، وكانت لديه معادلته الخاصة في حسابات الربح والخسارة.

خبز وحيفا

وتمسك حردان بسعرٍ ثابت للخبز منذ تصاعد موجات الغلاء، مبقيا على وزنٍ ثابت لربطة الخبز تتفاوت من 1380 إلى 1450 غراما، ويبيعها بخمسة شواقل، أما الكعك فيسوق كل 550 غراما بـالسعر نفسه، رغم أنه كان يُشغل 16 عاملا، ويدفع لكل واحد 150 شيقلا يوميا. كما لم يغير حجم الرغيف، بالرغم من ارتفاع سعر الطحين، الذي يُنتج كل كيس منه كمية تتفاوت من 60 إلى 65 ربطة، محققا صافي أرباح بـ 100 شيقل.

بدوره، قال المربي المتقاعد تميم حردان، إنه علم ابن عمومته حسين في الصف السادس، وقد كان مختلفا عن أقرانه، وتفوق عليهم في تفكيرهم، بالرغم من تحصليه الدراسي العادي.

وأضاف بمرارة: صارت تربطني بحسين صداقة، وكنت أرتاد على مخبزه، ووجدت محبة الناس والزبائن له، وهو ما حدث خلال تشييع جثمانه، إذ حضر أطفال مع آبائهم لوداعه، وكان الحزن واضحا على وجوههم.

واستذكر علاقة قربيه بالخبز، فقد ورث حسين اسم جده وعمي حسين أسعد حردان (أبو جميل الفران)، الذي بدأ صناعة الخبز في حيفا قبل النكبة، وذاع صيت مخبزه تحت أحد جسور المدينة، ثم انتقل إلى جنين وأحياء جبل أبو ضهير، وشارع المحطة، وداخل المخيم، ثم ورث المهنة إلى ابنه جميل، الذي أتقن الصنعة ونقلها إلى أولاده، وأصبح حسين الساعد الأيمن لوالده.

وذكر حردان أن أبناء عمومته ظلوا يعملون معا بيد واحدة وتوافق، ورفضوا رفع أسعار الخبز بالمرة، وكانوا يقدمون نحو 400 غرام مجانا في كل كيلوغرام.

يد بيضاء

وتابع بحزن إن حسين كان داعما لبيت المسنين وعدة مدارس وبعض الأسر المتعففة في المدينة، ودخل إلى قلوب كثير من أهلها، وكان يوزع يوميا قسما من إنتاج مخبزه بالمجان للمحتاجين، وخصص في أوقات اجتياحات الاحتلال معظم الخبز دون مقابل لأهالي جنين.

وأكد أن الاحتلال بدأ بملاحقة حسين منذ 4 نيسان 2024، لكنه وكل أحد المحامين لمعرفة أسباب ذلك، وقد أفاده بعدم استهدافه، فمارس حياته بشكل معتاد، وكان يحرص على التواجد في مخبزه معظم الوقت، ولاحقا عاد الاحتلال وحاول اعتقاله مرتين.

ووفق ابن العم، فقد اقتحم جيش الاحتلال بيت حسين قرابة الواحدة والنصف، بعد منتصف الليل، لكنه فر من المنزل، ولاحقوه وأصابوه في خاصرته على بعد عشرات الأمتار، واحتجزوه وتركوه ينزف عدة ساعات، ثم سلموا جثمانه للهلال الأحمر، وكان بوسعهم اعتقاله.

ووصف حردان حال أبناء حسن، فقد كان البكر حمزة في حالة حزن شديدة، وحاول رغم صغر سنة إظهار تماسكه خلال استقبال المعزين على مدخل مقبرة المدينة الغربية، كما سعى إلى إخفاء دموعه مرارا.

واختتم: دخلت والدته المريضة في صدمة كبرى، فقد كان حسين الأصغر والمدلل والأقرب إليها، وحاولت إنكار استشهاده، وبدأت أحزانها بالدموع والعويل، بينما كانت وصية ابنها أن يدفن بجوار زوجها ووالده الذي رافقه طويلا، وهو ما حدث ظهر أمس.

فيما قالت الخمسينية إخلاص الشيخ إبراهيم، التي اعتادت الشراء من فرن عائلة حردان إن خبز جنين أصطبغ أمس بدم حسين، الذي كان إنسانا قبل أن يكون تاجرا، وقد دخلت الأحزان إلى قلوب الكثير من الأسر التي قدم لها العون، وصار طعم خبزهم مجبولا بالمرارة.




ما المطلوب من حماس؟

هاني المصري

من الطبيعي أن يتظاهر من يعاني من جريمة الإبادة والتهجير والتدمير الشامل، خاصة أن معظم قطاع غزة أصبح غير قابل للحياة بعد الحصار الخانق وغير المسبوق.

ومن الطبيعي أن تنال حركة حماس ليس بوصفها حركة مقاومة بل بوصفها السلطة الحاكمة في قطاع غزة حصتها من الغضب الشعبي، فهي جسدت حكمًا فئويًا قمعيًا ومن دون رقابة ولا مساءلة ولا محاسبة ولا مشاركة شعبية، وعليها أن تفهم الدوافع من وراء التظاهر ضدها، وتلبي ما يمكن تلبيته من مطالب المتظاهرين الغاضبين.

مروحة المطالب المقدمة إلى حماس واسعة، وهي تقدم من شريحة كبيرة من الشعب وليس من كل أو معظم الشعب، وهذا يعكس التعددية الفلسطينية مصدر قوة ومناعة واستمرار القضية الفلسطينية، فهناك أيضا شريحة كبيرة من الشعب تدعم حماس، وتبدأ بمطالبة بعض المتظاهرين لحماس الذين انطلقوا من بيت لاهيا وامتدت بعد ذلك في عدة مناطق،  بإبداء الاستعداد الجدي للتخلي عن حكم قطاع غزة، وذلك لسحب الذرائع والمبررات من الاحتلال الذي يدعي عبر حكومته أن إنهاء حكم حماس سيؤدي إلى وقف الإبادة الجماعية، إذا ترافق مع الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين، وضمان ألا يبقى قطاع غزة مصدرًا للتهديد، مع أن الأهداف الحقيقية أكبر بكثير كما أوضح نتنياهو يوم الأحد الماضي حين وضع شروطا تعجيزية لإتفاق وقف النار منها المضي بتهجير أهل القطاع، أي تصل الشروط الإسرائيلية إلى التهجير والضم، كما أن تخلي حماس عن الحكم أصبح مطلوبا من أجل سحب الذرائع من الأطراف الإقليمية والدولية التي أعلنت عدم استعدادها لتمويل إعادة الإعمار إذا استمرت حماس سلطة الأمر الواقع في قطاع غزة، لأن هذا يمكن أن يؤدي إلى عدوان إسرائيلي جديد يدمر ما يتم إعادة بنائه وإعماره.

والسؤال الذي يطرح نفسه هل المطلب عادلٌ بإنهاء حكم حماس من دون توافق وطني شامل أو بلا إجراء انتخابات يختار فيها الشعب الفلسطيني من يمثله؟ طبعًا، لا، بل يعدُّ استمرارًا وانعكاسًا لتخلي الأطراف العربية والإقليمية والدولية والمجتمع الدولي عن مسؤولياته، التي تفرض إلزام دولة الاحتلال بوقف الإبادة وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير مصيره وفقًا لما يحدده القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ولكن رغم ظلمه يجب تحقيقه لأن الحكمة تقتضي ذلك حتى لا تتحمل المقاومة أي قدر من المسؤوليةعن استمرار جريمة الإبادة الجماعية.

تأسيسًا على ما سبق، وعلى الرغم من أن حماس من حقها أن تشارك في الحكم كونها فازت في آخر انتخابات بالأغلبية، غير أنها لم تمكّن من الحكم منفردة عندما شكلت حكومتها، و لم تمكّن من الحكم بعد مشاركتها في حكومة الوحدة الوطنية، ما دفعها  إلى تنفيذ انقلاب سيطرت فيه على الحكم في قطاع غزة، وهذه جريمة لا تغتفر رغم شروطها التخفيفية النابعة من كونها كانت قد فازت بالانتخابات ولم تمكن من الحكم من الاحتلال وأطراف داخلية وخارجية.

والحق يقال أن حماس أبدت استعدادًا لمشاركة الآخرين بالحكم من خلال حكومة وفاق وطني بعد أن عجزت عن الحكم بمفردها وواجهت صعوبات جمة بالحكم في ظل الحصار والمقاطعة، كما وافقت على  الاحتكام إلى الشعب بالانتخابات، خصوصًا في عام 2021، عندما كنا على أبواب الانتخابات قبل إلغائها بقرار انفرادي من الرئيس محمود عباس.

لو جرت الانتخابات حينها كان من الممكن جدًا ما وصلنا إلى ما نحن فيه الآن. فخطيئة حماس المستمرة  أنها أعطت الأولوية لاستمرار سيطرتها الانفرادية على قطاع غزة، ولم تولِ الاهتمام اللازم لوحدة الضفة الغربية وقطاع غزة وإقامة دولة مستقلة فيها مع أنها وافقت على ذلك ولكن هناك فرق جوهري حاسم بين الموافقة على اقامة الدولة وبين اعتبار ذلك الهدف المركزي لهذه المرحلة، ومن أخطائها أنها تصورت أنها بمفردها يمكنها التحرير، أو، وهذا تناقض، على الأقل يمكنها الحصول على الاعتراف العربي والدولي بها وسلطتها، وصولًا إلى الاعتراف بالدولة على قطاع غزة كمرحلة على طريق التحرير.

في هذا السياق كان من أخطاء حماس أنها منذ اندلاع الحرب  لم تدرك نتائجها وتداعياتها الفعلية، بل كانت أسيرة الأمنيات والتقديرات الخاطئة، لذلك لم تبد استعداداً للتراجع خطوة أو خطوات إلى الوراء وهذا يختلف تماما عن الاستسلام، ولم توافق بشكل جدي وعملي على ترك الحكم مع أنها أبدت استعدادها الشكلي لذلك من خلال موافقتها في إعلان بكين، في تموز/ يوليو 2024، على تشكيل حكومة وفاق وطني لا تشارك فيها الفصائل، وموافقتها بعد ذلك على تشكيل لجنة إسناد مجتمعي مشكلة من شخصيات مستقلة، والدليل على عدم الجدية أنها قالت في أثناء عمليات التبادل إنها هي اليوم التالي. كما أنها بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار أعادت تنظيم حكومتها واللجان المنبثقة منها، وكان بمقدورها أن تفعل ذلك بالشراكة مع الآخرين وهذا يختلف عن دعوتها للإستسلام كما يختلف عن دعوتها لتسليم السلطة للسلطة أو للجامعة العربية لأن دولة الاحتلال احتلت القطاع ولا تخفي نواياها بالبقاء فيه وترفض عودة السلطة الى غزة كما ترفض استلام جامعة الدولة العربية، وصدرت تصريحات وإشارات تدل على أن حماس غير جادة بالتخلي عن الحكم، وأن أقصى ما يمكن أن توافق عليه، أن تغادر الحكومة وتبقى في الحكم، وتجسد صيغة أقرب ما تكون إلى صيغة حزب الله في لبنان قبل الحرب الأخيرة.

وقبل أن ننهي هذه الفقرة لا بد من إكمال الفقرة بالقول إنه لو توفرت الإرادة للرئيس عباس بتشكيل حكومة وفاق وطني لا تشارك فيها حماس ولا الفصائل، لما وصلنا إلى ما نحن فيه.

لا أقلل من مخاوف الرئيس من مخاطر الشراكة مع حماس ورأسها تحت المقصلة، ولكن مخاطر عدم تشكيل حكومة الوفاق، على حماس وفتح وعباس والسلطة والمنظمة ومجمل النظام السياسي والقضية الفلسطينية والشعب أكبر وأعظم. والدليل أن المطروح الآن تصفية القضية الفلسطينية بكل أبعادها عبر التهجير والضم وتصفية قضية اللاجئين، وعبر تشكيل أطر جديدة في قطاع غزة مستقلة فعلًا عن السلطتين لفترة “انتقالية” يتم فيها تجريد السلطة مما تبقى لها من دور سياسي ووطني تحت مسمى “إصلاحها”، وبما يشمل “تجديد” السلطة لتكون قادرة على تلبية متطلبات المرحلة الجديدة، وما يقتضيه ذلك من تجريد الرئيس من صلاحياته خلال ما تبقى من حياته، من خلال تعيين نائب رئيس بشكل لا قانوني ولا شرعي وبدون توافق وطني تنقل إليه صلاحيات الرئيس في حياته، وهذا كله يسير بالتوازي مع عودة نوع من الوصاية الإقليمية والدولية على الفلسطينيين تحظى على الأقل برضا إسرائيل إذا لم يكن بإشرافها.

كان بمقدور القيادة الفلسطينية، ولا يزال، الموافقة على تشكيل حكومة الوفاق، وربط ذلك بإقرار برنامج فلسطيني واستراتيجية فلسطينية وتشكيل قيادة فلسطينية موحدة، تكون مسؤولة عن قرار المقاومة والمفاوضات وتخضع لها كل الأجنحة العسكرية لفصائل المقاومة، كما  يمكن أيضا أن تدمج في جيش وطني موحد. أما الإصرار على إلحاق حماس بالقيادة آذا أرادت دخول المنظمة عبر فرض الشروط الثمانية التي يكررها الرئيس، والتي من ضمنها استمرار الالتزام بالتزامات اتفاق أوسلو الذي قتلته إسرائيل منذ فترة طويلة، ولم تقم بدفنه وإلغائه رسميًا للإبقاء على الالتزامات الفلسطينية فيه.

من غير الطبيعي أن يُطلب من حماس وكل الفصائل الفلسطينية سحب سلاحها أو مغادرة قيادتها وكوادرها ومقاتليها، لأن هذا لا يمكن أن يحدث إلا بعد إنهاء الاحتلال واستقلال دولة فلسطين، ولأن سحب السلاح سيشجع قوات الاحتلال على ارتكاب مزيد من المجازر، والشروع في تهجير الفلسطينيين، ولنا في التجارب عبرة منذ تسليم السلاح الفلسطيني للجيوش العربية قبل النكبة، وما حدث بارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا بعد انسحاب قيادة ومقاتلي منظمة التحرير من لبنان، وقتل الحكومات الاسرائيلية لإتفاق أوسلو وانتهاء بعدم الالتزام بمواصلة تطبيق اتفاق الهدنة الأخير، وما تشكيل إدارة خاصة من الحكومة الإسرائيلية لتشجيع التهجير إلا دليل دامغ على أن تسليم السلاح ومغادرة حماس للقطاع لا ينهي تنفيذ مخطط تصفية القضية وتهجير أهلها ، ولأن سحب السلاح وطرد المقاومين بمنزلة استسلام، وهو أخطر ما يمكن أن يحدث، كونه يصادر إمكانية استئناف المقاومة في المستقبل، وهو يختلف عن الهزيمة التي يمكن أن تلحق بالمقاومة، ولكن رفض التسليم بالهزيمة ضروري ومهم جدا لأنه يؤسس لانطلاقة فلسطينية جديدة تستوعب دروس وأخطاء الثورات والانتفاضات السابقة وتسير على طريق الانتصار.

ومع ذلك لو كان الاستسلام يؤدي فعلًا إلى وقف الإبادة والتهجير والضم والانسحاب الإسرائيلي وفك الحصار والشروع في إعادة الإعمار فأهلًا وسهلًا به، فليس هناك ما هو أغلى من الإنسان ولكن لا يستطيع أحد أن يضمن ذلك جراء وجود حكومة في إسرائيل تؤمن بقدرتها على إقامة “إسرائيل الكبرى” وحسم الصراع مع الفلسطينيين، من خلال تصفية القضية الفلسطينية، وخلق شرق أوسط جديد تحت الهيمنة الإسرائيلية، ويشجعها وجود إدارة أميركية لا تقل عنها تطرفًا، وهامش الخلاف بينهما ينحصر في اختلاف الأولويات مع وحدة الأهداف الكبرى.

فلسطين تمر بمنعطف تاريخي يتم فيه إما استكمال شطب القضية الفلسطينية ومختلف مكوناتها، بما فيها منظمة التحرير، وتجاوز وحدانية تمثيلها للفلسطينيين والسلطة المجسدة للهوية ووحدة الضفة والقطاع، وإعادة الأمور لما كانت عليه بعد النكبة إذ كانت قضية لاجئين، قضية انسانية شعبها مشرذم بدون هوية وطنية ولا وحدة ولا إطار جامع ولا برنامج مشترك ولا قيادة واحدة.

أو بداية تبني مقاربة جديدة تركز على أولوية التوافق والوحدة في مواجهة المخاطر المشتركة، وعلى جمع أوراق القوة ، والرهان على الذات أولًا، والقيام بما هو مطلوب فلسطينيا ثم بعد ذلك العمل من أجل أوسع دعم وتضامن عربي وإقليمي ودولي بما يمكن من توفير عوامل الصمود والبقاء للقضية وللشعب على أرضة وطنه، بوصف الصمود أعلى أشكال المقاومة في هذه المرحلة، فضلًا عن إحباط مخطط التصفية والإبادة والضم والتهجير على طريق إنجاز حقوق الشعب الفلسطيني وأهدافه الوطنية.

……………

الحق يقال أن حماس أبدت استعدادًا لمشاركة الآخرين بالحكم من خلال حكومة وفاق وطني بعد أن عجزت عن الحكم بمفردها وواجهت صعوبات جمة بالحكم في ظل الحصار والمقاطعة، كما وافقت على  الاحتكام إلى الشعب بالانتخابات، خصوصًا في عام 2021.