1

المخيم الفلسطيني عصي على المحو والانكسار

محمد علوش

ويبقى المخيم الفلسطيني عصياً على المحو والانكسار، ويبقى شاهداً وشهيداً على جريمة النكبة المستمرة من سبعة وسبعين عاماً، تاه خلالها الشعب الفلسطيني في خيام اللجوء وفي المنافي القريبة والبعيدة، بعيداً عن أرض وطنهم، فقد صمدوا ورسخوا هويتهم الوطنية والإنسانية وناضلوا وما زالوا من أجل حقهم المقدس بالعودة الى الديار التي شردوا منها منذ تلك الجريمة الإرهابية التي ارتكبتها العصابات الصهيونية بدعم مباشر من سلطة الانتداب البريطاني، القوة القائمة بالاستعمار والاحتلال الغاشم آنذاك.

لقد شكلت مخيمات اللاجئين عناوين للصمود بصفتها محطات مؤقتة على طريق العودة، ورغم كل هذا الانتماء العميق من أهل المخيم للمخيم، فما هو إلا دليل على إرادة هؤلاء الناس الذين عاهدوا من سبقوهم من الشهداء والمقهورين والمعذبين أن لا يرحلوا من هذه المخيمات رغم كل ما فيها من بؤس وقساوة الحياة وظروف القهر والحرمان إلا إلى ديارهم التي اقتلعوا منها، يربون الأجيال على ثقافة العودة وحق العودة، فإما العودة وإما العودة.

ولقد شكل تعبير “مخيمات اللاجئين” واحداً من أكثر التعبيرات شيوعاً واستخداماً كونها شاهداً على النكبة واللجوء والثورة وغير ذلك من أشكال المعاناة والمقاومة، وقد أثارت مخيمات اللجوء العديد من الأسئلة حول مصير هذا المكان المؤقت والتحولات التي طرأت على حياة سكانه في التنظيم والخدمات والاهتمامات، وفيما إذا لم يزل المخيم يجسّد حقّ العودة في ظل هذه التحولات الكبرى داخله وخارجه. 

تحاول إسرائيل دائماً محو هذا الشاهد على جريمتهم التي أرادوا أن يكون ضحاياها شتاتاً ممزقاً وليس حضوراً مكثفاً،  ومن هنا يأتي إصرار الاحتلال على التدمير الممنهج للمخيمات الفلسطينية في إطار رؤيته للقضاء على رمزية وهوية المخيم وصورته الماثلة أمام شعبنا وأمام العالم، بما في ذلك إنهاء عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” في داخل المخيمات وفي خدمتها تجاه عموم اللاجئين وفقاً للقرار الأممي الذي حدد مهما في خدمة اللاجئين إلى أن يتحقق حقهم بالعودة وفق القرار 194 وهذا الحق الثابت، الفردي والجماعي الذي لا يسقط بالتقادم.

من الواضح أن تفاوت رغبة تدمير المخيمات من حيث شدّتها وأسبابها قاد لاحقاً إلى تفاوت في الوسائل والأساليب التي اتبعها حكومات الاحتلال المتعاقبة لتحقيق هذه الرغبة، وقد انقلبت هذه الرغبة بسبب طول فترة الصراع إلى نقيضها، أي رغبة جميع الأطراف في وقت لاحق في بقاء المخيم، فبينما فشل الاحتلال في الدفع نحو التوطين، وخشية الضغط عليهم من أجل إعادة هؤلاء اللاجئين، فضلوا بقاء المخيم على نحو لا يشكل خطراً أمنياً عليهم من خلال إستراتيجية استهداف متعددة الوسائل والأساليب وطويلة المدى، إلى أن وصل بالاحتلال ذروة هذا الجنون وما يقوم به من تدمير وتجريف وتفجير للمباني وبيوت اللاجئين في مخيمات الضفة الغربية تزامناً مع الحرب العدوانية الشاملة المتواصلة في قطاع غزة والابادة الجماعية التي ينفذها الاحتلال الإسرائيلي بدعم متواصل وبلا حدود من قبل الإدارات الأمريكية – الديمقراطية والجمهورية – اللتين وقفتا مع إسرائيل كشريك مكتمل الأركان وهو ما يؤكد ما ذهبنا إليه من قبل أن كيان الاحتلال ما هو إلا قاعدة استعمارية متقدمة في خدمة المصالح الأمريكية الإمبريالية.

الاحتلال يريد تحويل واقع المخيمات إلى جحيم وإلى أماكن غير قابلة للحياة، حيث يتعمد قصف وحرق منازل المواطنين وتدمير كافة البنى التحية وبشكل ممنهج، إلى جانب إجبار الآلاف من اللاجئين إلى النزوح من جديد، وهو ما يقوم به جيش الفاشية الإرهابي في هذه المرحلة في مخيم جنين منذ أكثر من مائة يوم، وما يقوم به في مخيم طولكرم وفي مخيم نور شمس، والتي نعتبرها بداية مفتوحة على كل الاحتمالات نحو استمرار هذه السياسية العدوانية والتي ربما ستتسع لتشمل كافة المخيمات الأخرى في الضفة الغربية.

إن الذاكرة الفلسطينية ما زالت تستعيد فصول النكبة والتي قامت فيها الحركة الصهيونية وعصاباتها الفاشية بارتكاب المجازر الجماعية، واقتلعت وطردت وشردت شعباً بأكمله من أرضه ووطنه، في أبشع جريمة تطهير عرقي عرفها التاريخ الحديث، والتي ما زال شعبنا يعيش آثارها ويتجرع مرارتها حتى يومنا هذا داخل الوطن وفي مخيمات اللجوء والشتات بعيداً عن أرض وطننا فلسطين، وتأتي ذكرى النكبة هذا العام في ظل تواصل جرائم الاحتلال الإسرائيلي واستمرار مخططاته الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية، ومحاولاته تقويض قيام الدولة الفلسطينية المستقلة بدعم مباشر من الإدارة الأمريكية التي انتقلت من دور الوسيط المنحاز إلى دور الشريك مع الاحتلال، عبر مسلسل من الإجراءات والممارسات العدوانية والحصار المالي والخنق الاقتصادي، ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية عبر ما يسمى بحسم الصراع وإعلان الاحتلال عن البدء بسياسة الضم لأجزاء واسعة من الضفة وأسرلة الأغوار وشمال البحر الميت والتنكر لقرارات الشرعية الدولية والتي تأتي في إطار الحرب الشاملة التي يشنها الاحتلال على شعبنا من قتل وحصار واعتقال ونهب للأرض والاستيطان، واستمرار سياسة الطرد والتهجير في ظل نوايا ومنطلقات حكومة المستوطنين الفاشيين العنصريين بزعامة نتنياهو التي تتكشف في ظل قوانينهم العنصرية وإجراءاتهم المتطرفة والعدوانية، وتواصل النهج الاحتلالي العنصري فيما يسمى بقانون المواطنة والولاء للدولة اليهودية وقانون “النكبة” الذي يستهدف أبناء شعبنا في الداخل وثقافتهم الوطنية وانتمائهم الفلسطيني الأصيل، إلى جانب التصعيد الإسرائيلي الهمجي على شعبنا ومواصلة انتهاج النوايا الحقيقية للاحتلال الذي يسعى لتفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها الأصليين وتوسيع المستوطنات استكمالاً لفصول النكبة، ومحاولة قطع الطريق أمام قيام الدولة الفلسطينية بعد الانجازات السياسية والدبلوماسية المهمة التي حققتها منظمة التحرير الفلسطينية والقيادة الفلسطينية واعترافات دول العالم المتتالية بالدولة الفلسطينية المستقلة.




فلسطين وسيادة القانون

د. دلال صائب عريقات

في معركة الحرية، لا يكفي أن نرفع الشعارات في المحافل الدولية، ولا أن نحمل قضيتنا من مؤتمر إلى آخر، نناشد العالم بضمير قد نام. فلسطين اليوم، كما كانت أمس، لا تحتاج فقط إلى تأييد الخارج، بل إلى يقظة الداخل. التغيير الحقيقي يبداً وينتهي بالداخل. الخارج مكملات وليس العكس.

 أكد لي والدي مراراً أنه “من غير المجدي ان يكون وزن المسؤول ١٠٠ كيلو في عواصم العالم بينما وزنه لا يتجاوز ٢٠ كيلو في فلسطين”. القيادة تُقاس بالثقة الشعبية، وليس بالألقاب أو الأوسمة. هذه هي أبجديات القيادة السياسية. 

الرأي العام هو الأساس وحق الشعب لا يسقط بالتقادم، بينما كانت قضيتنا العادلة تجوب العالم، كانت أروقة الداخل تمتلئ بشروخ خطيرة. مؤسسات تنهار، عدالة تغيب، حقوق تُداس، ومناصب تشغل باسم الوطن. لقد أضعنا الكثير من الوقت بينما الداخل يتآكل تحت أقدام الطامعين. لقد ظننا طويلاً أن العمل الدبلوماسي وحده قادر على أن يشق لنا طريق الخلاص، لكننا غفلنا أن أقوى الساحات التي يجب أن ننتصر فيها هي ساحاتنا نحن: في الحكم، في القانون، وفي الضمير الوطني وها نحن نرى اليوم بوضوحٍ لا لبس فيه: لا تحرير مع ظلم داخلي، ولا عدالة مع فساد مستشرٍ ولا تحرر دون إخلاص وانتماء حقيقي لفلسطين والقضية. 

ابن خلدون كتب منذ قرون: “الظلم مؤذن بخراب العمران.” وإن الاحتلال الذي ينخر في الجسد الفلسطيني، لا يختلف كثيراً عن ذلك الظلم الصامت الذي يصنعه الفساد والإهمال في أروقة الحكم. إننا نطالب العالم كل يوم بأن يحترم حقنا المشروع، ونستنكر ازدواجية معاييره. لكن، أي احترام نطلبه إذا كنا نحن أول من يدهس معايير العدل تحت أقدام المصالح؟ لا بد أن نعي جيداً أن استغلال المناصب، تحريف القوانين، التلاعب بالثقة الشعبية، كلها ممارسات لا تقل فتكاً عن رصاص الاحتلال. 

إن تحرير الأرض يبدأ بتحرير الإنسان من الظلم، بتحرير مؤسساته من الفساد، بتحرير القوانين من أن تكون أداةً للهيمنة وبتحرير العقول من الاستعباد. ليس الاحتلال وحده ما يكبلنا، بل كذلك كل يدٍ خانت العدالة، وكل سلطةٍ داست القانون، وكل صمتٍ تواطأ مع الخطأ. فلسطين لا تحتاج فقط إلى صدى صوتها في الأمم المتحدة، بل إلى صوت الضمير يعلو من كل بيت ومدرسة ومؤسسة: صوت يقول: “لا أحد فوق القانون، ولا شيء فوق الحق.” علينا أن نعيد بناء الداخل قبل أن نطرق أبواب العالم، أن نقيم قلاع العدالة في مؤسساتنا قبل أن نشكو ظلم الآخرين، أن نحمي الحلم الوطني من التآكل كما نحميه من الرصاص. نصوص القوانين الفلسطينية لا غبار عليها. علينا بالإنفاذ وتماماً كما نطالب العالم بعدم الازدواجية في المعايير، علينا احترام إنفاذ سيادة القانون بعدالة بغض النظر عن الجاني وولاءاته علاقاته أو انتماءاته. لن يتحقق النصر ما دمنا نطالب العالم بالعدل بينما نغض الطرف عن ظلمه بيننا ولا يُصان حق شعبٍ إلا إذا صانه بنفسه أولاً ولا يُنتصر لقضية عادلة إلا بأيادٍ طاهرة وضمائر يقظة. 

فلسطين اليوم تحتاج إلى يقظة داخلية حقيقية. فالتغيير الذي نصبو إليه لا يُصنع في الخارج، بل يبدأ من داخلنا، من وعينا وإرادتنا وإصرارنا على بناء وطن لا تهز أركانه الرياح. معركة التحرر الحقيقية تبدأ من الداخل: من الحكم الرشيد، من إنفاذ القانون، ومن إعلاء صوت الضمير الوطني. 

لا تحرر بدون عدالة، ولا عدالة بدون سيادة قانون تُطبق على الجميع دون تمييز، لا استثناءات ولا ولاءات ولا امتيازات.  

كل انتصار سياسي أو دبلوماسي لا قيمة له إن لم يُترجم إلى عدالة في حياة الناس. من يُهمل بناء الداخل، يكتب شهادة هزيمته بيديه. سيادة القانون ليست خياراً، بل شرط وجود لدولة حرة وشعبٍ كريم.




التعديلات المقترحة بشأن آليات انتخاب الهيئات المحلية الفلسطينية وأنصاف الحلول

د. ســـائد الكونـــي/ وزير الحكم المحلي الأسبق

في العام 2016 همت وزارة الحكم المحلي تقديم مشروع قرار بقانون لإجراء تعديلات على آليات الترشح والانتخاب للهيئات المحلية الفلسطينية، وذلك من واقع مسؤولياتها وقربها اليومي من احتياجات وطموحات مواطني الهيئات المحلية، وتحديداً بما يتعلق بتشكيل مجالسها المنتخبة. مبادرة الوزارة هدفت إلى العمل على تلبية هذه الاحتياجات وتحقيق الطموحات المنشودة، وجعل المواطنين شركاء حقيقين في اختيار ممثليهم المحليين، والرقابة الفاعلة لاحقاً على آليات اتخاذ القرار في المجالس المنتخبة من خلال المجالس الاستشارية.

 عقدت الوزارة حينها لقاءات توعية للتعريف بمقترحاتها في عدد من المؤسسات وعلى وجه الخصوص في الجامعات الفلسطينية، رغبة منها في الاستماع والتحاور مع القطاع الشبابي، للفئة العمرية ما بين 18-29 عاماً، كونهم يمثلون ما نسبته 22% من إجمالي السكان في فلسطين، أي ما يزيد عن خمس المجتمع الفلسطيني، بحسب إحصائية  صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء في منتصف العام 2023. وهو توجه تم رفع له القبعة احتراماً كون هذه الفئة العمرية تشكل المخزون البشري الاستراتيجي لشعبنا الفلسطيني، وقياداته المستقبلية المناط بهم مهام جسام متمثلة في السعي نحو التحرر وإحداث التغيير المنشود في شتى مجالات الحياة العامة الفلسطينية. ومن الطبيعي أن يتم إشراكهم في صياغة أية تعديلات على آليات النظام الانتخابي للهيئات المحلية، التي سيكون لها الأثر الكبير في رسم خريطة عمل هيئاتهم المحلية لسنوات طويلة، خاصة إذا ما علمنا بأن القانون الحالي الناظم لانتخابات مجالس الهيئات المحلية هو القانون رقم 10 لسنة 2005 (بتعديلاته الطفيفة التي لم تمس جوهر الآليات الانتخابية). أضف إلى ذلك الحالة الفلسطينية الراهنة التي لا تسر الصديق ولا تغيظ العدا، ولا نرى لها نوراً يبشر بنهاية نفقها المظلم، ما لا يتوقع معه أن ينظر خلال مدى زمني ملائم في تعديلات مستقبلية قد تكون ملحة. 

للأسف باءت محاولة الاصلاح تلك لوزارة الحكم المحلي بالفشل، لما أسميته حينها بـــ “الفكر الأبوي” الذي يحكم صناعة القرار في مجتمعنا الفلسطيني، وذلك في مقالة متعلقة بالخصوص نشرتها لي صحيفة القدس المقدسية بتاريخ 12-12-2016، وهو فكر تمارسه العائلات والعشائر في القرى والبلدات، والتنظيمات و/أو الفصائل في المدن، في آليات تشكيلها للقوائم الإنتخابية المغلقة، حيث يتم ترتيب أسماء المرشحين فيها بحسب الولاء أو القرب أو البعد من صاحب “الفضل” في اتخاذ القرار بترشيح فلان أو علان وترتيبه في القائمة. وقد أظهرت نتائج انتخابات الهيئات المحلية المتعددة التي أجريت الفشل الذريع بكل المقاييس لهذه الآلية؛ بدءاً من الإشكاليات التي صاحبت تشكيل القوائم وترتيب أسماء مرشحيها داخلها، مروراً بما أفرزته آلية التشكيل تلك من هوةٍ انتخابية بين القوائم المُشكلة وقواعدها الانتخابية، التي تمردت على الخيارات الأبوية في تشكيلها، لتأتي رياح الانتخابات بما لم تشتهِ السفن. أضف إلى ذلك ارتهان صناعة القرار في المجالس المنتخبة في أحيانٍ كثيرة بـــ “إملاءات” أو “رغبات” أو “تمنيات” الجهات الأبوية، التي لم تصبّ بالضرورة في الصالح العام للهيئة المحلية ومواطنيها. والنتيجة إحباط وعدم رضى جماهيري على أداء المجالس المتعاقبة وعرّابيها.

استجابت وزارة الحكم المحلي مشكورة في مقترح تعديلاتها للعام 2016، للرغبة الجماهيرية في التحول إلى نظام القائمة النسبية المفتوحة ذات الصوت الواحد بديلاً عن نظام القائمة المُغلقة، وهو نظام يصوّت فيه الناخب للقائمة ورئيسها، وينجم عنه ترتيب مرشحي القائمة وفق إرادة الناخبين، أي وفق ما تفرزه صناديق الاقتراع. ومن فوائد هذا النظام للقائمة وفصيلها، أنه لا يجعل أحداً من مرشحيها في مأمن من عدم الفوز، وبالتالي يحثهم على العمل بجد واجتهاد لانجاح القائمة، لأن في نجاحها مصلحتهم الفردية، على قاعدة المصلحة المشتركة للقائمة والمرشح، وتعزيز روح التعاون والعمل بمقتضى المثل القائل “الفرد للكل والكل للفرد”. وفي هذا النظام أيضاً مصلحة ونصرة للفصيل أو الحزب، إن كان ذلك هو المبتغى من العمل بنظام القوائم الانتخابية، حيث أن نظام القائمة المفتوحة بالآلية المشار إليها يعمق من التفاف القاعدة الجماهرية لكل فصيل حول قائمته الانتخابية، كون الناخب المؤطّر يشعر باحترام قيادته لرأيه في اختيار قياداته المحلية الأجدر من أبناء فصيلهم الذين اشتملت عليهم القائمة.

 ذوو “الفكر الأبوي” لم يرق لهم بطبيعة الحال تلك المقترحات، لما رأوه فيها من حدٍ لسطوتهم الأبوية في صناعة المجالس المحلية وقيادتها من المريدين. فكان الطرح بالقبول بنظام القائمة المفتوحة، ولكن مع إتاحة المجال للناخب للتصويت لأكثر من مرشح من داخل القائمة (كما هو مطروح الآن)، وهو خيار يُتيح لذوي “الفكر الأبوي” المحافظة على نفوذهم في تشكيلة المجالس المنتخبة والتأثير اللاحق على مجريات أعمالها، من خلال الترويج، أو بالأصح “الكولسة”، لأعضاء القائمة المرضي عنهم أو المقربين منهم. مقترح يحقق لهم المراد، دونما انتباه لما يسببه من حزازات ومشاحنات بين أفراد القائمة الواحدة؛ فهو يفرقهم ويُعيق العمل الجماعي الآني والمستقبلي بينهم، ويُضعف فرص فوز قائمة الفصيل أو نسب حصادها الانتخابي.

رفضت وزارة الحكم المحلي وحكومة الوفاق الفلسطينية آنذاك أنصاف الحلول، وآثرت الإبقاء على النظام القائم بعيوبه، يحذوها في ذلك قول الشاعر: “أيقتلكِ البردُ ؟ أنا …. يقتلني نِصفُ الدفئِ … وَنِصفُ المَوقِفِ أكثر”. وحريٌ بوزارتنا العتيدة اليوم كما بالأمس طرح مقترح التعديل القائم على نظام القائمة النسبية المفتوحة ذات الصوت الواحد، احتراماً لإرادة الجماهير والقواعد التنظيمية في اختيار ممثليهم وقادتهم المحليين، وبما يُحتم على القيادات الفصائلية بادئ ذي بدء من الاحتكام إلى المعايير المهنية البحتة في اختيار مرشحيهم من أبناء التنظيمات أو خلافهم من أصحاب الخبرة والصلاح، ومن ثم إفساح المجال لعناصرهم ومناصريهم أمر تحديد من يفوز ومن يقود.




سيكولوجيا البوابات.. هندسة القهر في الجغرافيا الفلسطينية

أمين الحاج

في محاولة تبدو توعوية، شاهدت مقطعاً قصيراً على صفحات إعلاميين رسميين، وعشرات المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، جميعها تشرح دلالات ألوان البوابات المنتشرة على مداخل المدن والقرى الفلسطنية، كان الهدف المعلن هو رفع “الوعي” حول دلالة اللون المستخدم، بما يساعد الناس على التصرف وفقا له، لكن ما غاب عن هذا الخطاب أو غيره، هو أن شرح أدوات القهر لا يؤدي إلى تفكيكها، بل يسهم – عن غير قصد – في ترسيخها في الوعي الجمعي، بوصفها مكوناً من مكونات نظام يبدو كما لو أنه “طبيعي” في الحياة اليومية تحت الاحتلال، فيقدم اللون كما لو كان رمزاً محايداً، وتشرح القواعد كما لو كانت تعليمات مرورية بسيطة، وكأن هذه البوابات لا تنتمي إلى منظومة استعمارية شاملة، تعيد تشكيل الحيز العام والخاص للفلسطيني، و”تهندس” حركة الأفراد والوعي في آن واحد، وهكذا يتحول الإعلام الرسمي والمجتمعي– عن غير قصد – إلى وسيط غير مباشر يعيد “إنتاج” منطق السيطرة.

في قلب الجغرافيا الفلسطينية، وعلى محدوديتها، لم تعد البوابة مجرد قطعة حديدة ملونه تفصل بين مكانين، بل غدت رمزاً مركزياً لمنظومة السيطرة الممنهجة التي تمارس على الفلسطيني يومياً، تشهد الضفة الغربية منذ سنوات، وقد تكثفت كثيراً في الأشهر الأخيرة، نشراً واسعاً وغير مسبوق للبوابات، لا يوجد رقم دقيق لذلك، ربما هي ألف او أكثر أو اقل، ولكنها – باختلاف ألوانها – تخفي منطقاً واحداً، تكريس التفوق الاستيطاني على حساب الفلسطيني، نفسياً ومكانياً وزمانياً.

فالبوابة ليست مجرد حاجز مادي، بل أداة لإنتاج العجز والانكسار النفسي، يراد لها أن ترسخ في وعي الفلسطيني شعوراً دائماً بالانعزال عن محيطه، وبالضعف والتبعية، تغلق وتفتح وفق “منطق أمني” غامض يحدده الاحتلال، وتُخضع الفلسطيني لحالة دائمة من الانتظار والارتياب، في ظل ما يمكن وصفه بـ”يقين اللايقين”، فهو متأكد من أن شيئاً غير مؤكد سيحدث، هل سيتمكن من الوصول إلى عمله؟ هل سيسمح له بالعبور لحضور مناسبة عائلية او حفل افتتاح مركز تجاري؟ هل سيصل إلى المستشفى في الوقت المناسب؟ هذا القلق المزمن يولد حالة من التوتر الجمعي والإنهاك النفسي، تغذي “سيكولوجيا القهر” التي تسهم في تفتيت الإرادة الجمعية.

تقوم فلسفة هذه البوابات على فرضية يمينية تعتبر أن للمستوطن “الأولوية الحصرية” أو أنه صاحب “الحق الأول” في التنقل، دون أن “يتلوث” سمعه وبصرة بمشاهدة جموع “الأغيار”، وبناء على ذلك، تدار البوابات لتخدم هذا المنطق، ولو كان “الثمن” عزل مدن وقرى فلسطينية بأكملها، وإعادة ترسيم “الحيز العام”، وبهذا يتحول الفضاء “المشترك” إلى مستعمرة زمنية وجغرافية، يعاد تشكيلها بما يخدم تفوق الأقلية الاستيطانية على حساب الأغلبية الأصلانية.

حين تغلق البوابة، لا تغلق طريقا فحسب، بل يغلق معها نسيج اجتماعي بأكمله، تقطع صلات الرحم، يمنع الطلاب من الوصول إلى جامعاتهم، ويعزل المزارعون عن أراضيهم، وتفصل العائلات عن بعضها البعض، وهكذا، لا تستخدم البوابة لعزل الإنسان عن المكان فقط، بل لعزله عن ذاته، ولتفكيك الرابط بين الجغرافيا والهوية.

رغم أن البعض قد يظن أن اختلاف ألوان البوابات أمر عشوائي، إلا أن هذا التعدد البصري هو جزء من منظومة الرموز الاستعمارية، ووسيلة إضافية للسيطرة النفسية، فلكل لون دلالة “أمنية” غير معلنة، هذا الغموض يضيف طبقة إضافية من الإرباك واللايقين، في محاولة لإرغام الفلسطيني على التعامل مع واقع القيد كجزء من يومه، فتطبع في الوعي مع الزمن، ويعاد إنتاج القهر بوصفه “عادياً”.

إن “سيكولوجيا البوابات” تكشف وجها “متجدداً” للاحتلال، لا يكتفي بالسيطرة العسكرية، بل يسعى إلى برمجة وعي الفلسطيني على تقبل القيد والتعايش معه، وفي هذا السياق لا يكون الاحتلال مجرد قوة غاشمة، بل يصبح “مهندساً” للجغرافيا والنفس، يعيد “تشكيل” الزمان والمكان والذات.

وأمام هذا الواقع، لا بد من محاكمة هذه الممارسات التي قد تبدو بسيطة أو “تقنية”، لكنها في جوهرها تجسد أعمق أشكال الهيمنة وأكثرها خطورة، الهيمنة على الكينونة، وبالتالي يتوجب علينا ألا نكتفي بفهم دلالة الألوان، بل نذهب بعيداً، لنسأل، من ولماذا؟ وما الرسائل التي يريد إيصالها إلى عقل الإنسان الفلسطيني قبل ان يقيد جسده؟




الغُبّس”.. درب جنيني تاريخي مُستهدف

عبد الباسط خلف- قفز اسم طلعة الغبس إلى واجهة الأخبار والألسن منذ الاجتياح الإسرائيلي المستمر، وخلال عدوان الاحتلال على المدينة ومخيمها قبل نحو 4 سنوات.

وتفصل التلة المنحدرة والحادة بين جنين وأحياء المخيم الجنوبية، وكانت أول الطرقات التي يطالها التخريب والتجريف، خلال السنوات الأخيرة.

وجلس الستيني محمد أسعد، على شرفة منزله التي تواجه الطريق الصعبة، وقال إنها كانت تتعرض في كل اقتحام للتخريب، وكأنها اعتبرت من الشوارع المفضلة للتدمير.

وأكد أن الدرب الذي يجاوره منذ 4 عقود انقلب حاله 180 درجة، خلال العدوان الذي يقترب من إكمال شهره الثالث، واليوم يمكن من حوافه مشاهدة التدمير الواسع في جانبي الشارع.

سيرة مكان

وردد الشاعر والفنان التشكيلي حسام السبع سيرة المكان التي يحفظها عن ظهر قلب، وأكد لـ”الحياة الجديدة” وجود خطأ شائع في اسمها، فهي طلعة ( الغُبّس) وليست (الغبز).

وقال بحنين جارف إلى الماضي، إن الشارع مرتبط بصهر عائلته، الحاج سليم سعيد الغبس، الذي شيّد أول بيت في باطن الجبل، واعتاد الوصول إلى بيته عبر ممر صخري، وعندما اتسعت حركة البنيان في المنطقة، وصار الناس يشاهدون الحاج سليم، أطلقوا اسمه على الشارع المنحدر، منذ تأسيس البيت مطلع عام 1950.

واختار الغبس تصميم منزله على شكل “فيلا” صغيرة، قبل النكبة، وفي محيطه حديقة تنافست لتجميل البيت أشجار كثيرة.

وأفاد السبع بأن الحاج الغبس اشترى أرضًا وأقام بيته في أعلى الجبل، الذي كان وقتها منطقة نائية جداً ومنحدرة، وخالية من البيوت، واستغرب أهل جنين منه، خاصة أن المدينة كانت صغيرة جداً لم تكن تتعدى دوار السينما والمخيم وبستان شريم في شارع نابلس، وبيارة فؤاد قاسم عبد الهادي على دوار الزايد حالياً.

مزارع ونكسة

وبيّن أن صاحب المكان، عمل في الزراعة واشتهر بتقليم أشجار النخيل، التي كانت تزين بها المدينة.

ووفق السبع، فإن عمته نجية ارتبطت بمحمود الغبس، واعتاد خلال طفولته وصباه زيارة منزلها واللهو رفقة أولادها في المساحات الفارغة العديدة، التي كانت منتشرة حول بيتها، وكانوا يصعدون إلى الجابريات الخالية وقتها من أي بيت، ويشاهدون دبابة أردنية دمرت عشية النكسة، وظلت صامدة وقتًا طويلًا.

وقال إن المزارع الغبس، أنجب أربعة أبناء انتقلوا جميعًا إلى الكويت قبل النكسة، ثم عاش شقيقهم الأكبر خالد في الأردن، بينما تزوج محمد من عائلة الطرزي، وبقي الابن فتحي بعد النكسة، غير أنه تعرض لمطاردة الاحتلال بعد النكسة، وفر إلى الأردن مطلع السبعينيات، ولم يعد من يومها إلى جنين.

وأكد أنه لم يبق في جنين من عائلة الغبس غير ابنة عمته عزيزة (60 عامًا) التي كانت مقيمة في الكويت، بينما توفيت عمتها خالدية قبل سنتين.

“ثكنة عسكرية”

وأوضح السبع أن الحاج سليم الغبس من رجالات جنين الأصليين، والطلعة تعتبر من أحد معالم المدينة التي تعرضت لعدوان، وجرى تحريف اسمها إلى الغبز.

وأشار إلى أن الاحتلال حرث الشارع عدة مرات، ويواصل منذ 84 يومًا تخريبها، وتعرض محيط منزل الحاج سليم إلى التدمير، مثلما عاث المحتلون فسادًا ببوابة البيت القديمة.

فيما ذكر الإعلامي تامر أبو الهيجاء، الذي كان يقيم في منطقة قريبة من الشارع، بأن طلعة الغبس تحولت إلى ثكنة عسكرية لجنود الاحتلال، عبر الاستيلاء على عدة منازل مشرفة على المخيم والمدينة.

وأوضح أن البيوت على جانبي الطريق تعرضت لعمليات حرق وتدمير وتخريب، وقد غير العدوان معالمها، كما حول غالبيتها إلى ركام.

من جهته، أفاد السائق محمد أبو الفريد أن الطلعة واحدة من أقسى طرق جنين وعورة، لكنها مشهورة كثيرًا، وهي بلا مبالغة أحد أبرز الشوارع في المدينة كلها.

وتأثر من جراء التدمير المتكرر لبيوت المخيم والمدينة، وللتجريف المتكرر لطلعة الغبس، التي كان يتكرر ذكرها كثيرًا في نداءات مكاتب التكسي، خلال توصيف البيوت للوصول إلى الركاب.

وأنهى أبو الفريد: لا تنطق غالبيتنا اسم الشارع بصورة صحيحة، ولم أعلم شخصيًا إلا قبل أسبوعين بأنها منسوبة إلى عائلة الغبس، وكنا نظنها مثل أي اسم أو دون معنى.