1

سفينة “مادلين” وصلت… إلى وجداننا

سماح جبر

في رحلة بحرية لا ترحم، وتحت سماء مثقلة بطائرات الاستطلاع، تبحر سفينة صغيرة اسمها مادلين نحو غزة. في الظاهر، تبدو كأي مركب عادي محمّل بالدواء والمساعدات، ولكن جاء بها أناس قلوبهم حرة تُكذّب الصمت وتقاوم الخذلان. بعد 20 شهر من الحصار الخانق والابادة تأتي مادلين كفعل مقاومةٍ أخلاقي، وصرخة مدوية في وجه القسوة العالمية.

المرمرة: ذاكرة الحصار والجُرح المفتوح

في عام 2010، هزّت سفينة مافي مرمرة ضمير العالم، حين اقتحمتها القوات الإسرائيلية في عرض البحر وقتلت عشرة متضامنين أتراك على متنها. كانت المرمرة، ضمن أسطول الحرية، تحاول إيصال مساعدات إلى غزة المحاصرة، لكنها انتهت مأساةً دامية على شاشات الأخبار. رغم ذلك، لم يُطفئ الدمُ الرسالة، بل أكّدها: أن من غير الفلسطينين، ومن شتّى البلدان، هناك أناس أصحاب ضمائر حيّة، مستعدّون للموت كي لا يُترك الفلسطيني وحيدًا في ألمه وعزلته.

من تلك اللحظة، تحوّلت المرمرة إلى رمز، ليس فقط للشهادة، بل للإرادة الأممية التي ترفض أن ترى التجويع والتدمير وتبقى صامتة. وقد أقيم لسفينة مرمرة نصبا تذكاريا في ميناء غزه تم تحطيمه العام الماضي على يد الة العدوان الاسرائيليه. 

مادلين: شقيقة المرمرة في الإيمان والوجع

بعد 15 عاما تعود صورة المرمرة من خلال سفينة مادلين، التي أبحرت من أوروبا في طريقها إلى شواطئ غزة، محمّلة  بمتضامنين وأدوات طبية وقلوب عازمة على نصرتنا. على متنها وجوه من جنسيات مختلفة، أناس لم يجمعهم الوطن ولا اللغة، بل الحقيقة: أن الإنسانية في غزة تُداس، وأن الصمت مشاركة في الجريمة.

نعلم ويعلمون أنهم قد لا يصلون، وأن البحرية الإسرائيلية قد تعترضهم أو تختطفهم أو تعتقلهم. ومع ذلك، يركبون البحر لأنهم لا يحتملون الخيانة اليومية التي تمارسها حكوماتهم بصمتها.

بلسم لجرح الخذلان 

في فلسطين، وفي غزة على وجه الخصوص، تعتبر مادلين  ترياق معنوي في زمن الإبادة. منذ أكتوبر 2023، والفلسطينيون يعيشون عزلة مرعبة: مجازر تُرتكب على الهواء، جوع ينهش الأطفال، موت معلن بلا تدخل حقيقي. في هذا السياق، تبدو مادلين كحورية بحرية تطبع قبلتها على جبين غزه وتقول لاهلها لستم وحدكم.

الطفل الذي فقد أهله، والأم التي تنام على رائحة القنابل الحارقة، والطبيب الذي يجرّ جسدًا بلا مخدر، جميعهم يحتاجون قبلة من مادلين. هذه القبلة، حتى وإن لم تصل السفينة فعليًا، تصل إلى الوجدان الفلسطيني وتعيد إليه شيئًا من الإيمان بالإنسان.

سفن إنسانية تُعترض… وسفن حربية تحوب المحيطات 

مما يضاعف مرارة الحصار هو المفارقة الجارحة: في الوقت الذي يُمنع فيه دخول سفينة إنسانية بسيطة إلى غزة، تعبر يوميًا السفن الحربية المحمّلة بالقنابل والصواريخ والمقاتلات نحو الموانئ الإسرائيلية، محمّلة من مخازن الغرب، ومرحّبًا بها كأنها تحمل ورودًا لا أدوات قتل.

تُفتَّش مادلين بحثًا عن أدوات مقاومة وتلاحق بالطائرات ويتم تشويش ادوات الملاحه الخاصه بها، بينما تُفرغ السفن الحربية شحنات الموت بلا رقابة. يكفي أن ننظر إلى شواطئ حيفا وأسدود، لنجد كم من السفن العسكرية رست هذا العام، محملة بدعم غير مشروط لآلة القتل في غزة. بينما تُمنع سفينة إنسانية من إيصال قطنٍ معقّم أو عكازات لطفل بترت ساقه.

إنها ليست مجرد ازدواجية معايير، بل هي استعراض  لانهيار الضمير العالمي.

 مادلين كصرخة للضمير العالمي

في كل مرة تعترض فيها سفينة نحو غزة، تنكشف هشاشة الضمير العالمي. الأمم المتحدة تصمت، الحكومات العربية تبرّر، والديمقراطيات الغربية ترفع شعارات فارغة. مادلين، بهذا المعنى هي مرآة تُظهر لنا جميعًا: من يقف مع الإنسان، ومن يساوم على حياته.

 كيف أصبح إيصال دواء إلى طفل، تهمة؟ كيف صار الحبّ جريمة؟ كيف صار الوقوف مع المظلوم مخاطرة؟

سواء وصلت مادلين أم لم تصل، فهي، كالمرمرة،  قد رست بالفعل في قلب الفلسطينين. هي ليست فقط تحدّيًا للحصار .بل نداءً موجّهًا للعالم: أن فلسطين ليست ساحة للموت فقط، بل ساحة للكرامة والوفاء والإنسانية والحب الثوري الذي يأتي بهؤلاء الغرباء إلى شواطئ غزة.

من المرمرة إلى مادلين، ومن البحر إلى المخيم، تستطيع فلسطين أن تعرف وتقدّر من كان معها، ومن تواطأ ضدها.




لقاء مهم ودعوة تستحق التوقف

حمادة فراعنة

لا شك أن دعوة الحزب الشيوعي الأردني مع حزب الشعب الديمقراطي وحزب الوحدة الشعبية، للقاء يوم السبت 31-5-2025، الذي استجاب له العديد من القيادات السياسية والنقابية والشخصيات العامة، شكل رافعة سياسية في ظل الوضع السياسي الصعب المعقد الذي يجتاح بلدنا ومنطقتنا وجوارنا وإقليمنا، يجعلنا في حالة إرباك، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، خاصة بعد التطورات السلبية التي حصلت: 

1- إضعاف المقاومة الفلسطينية واغتيال قياداتها العسكرية والسياسية، على إثر تداعيات مبادرة  7 أكتوبر 2023، وزيادة في التعقيد والضعف بسبب الانقسام بين فتح وحماس، بين الضفة والقطاع.

2- اغتيال قيادات حزب الله اللبناني وإضعافه وإخراجه من موقعه الطليعي في إدارة المشهد السياسي في مواجهة المستعمرة الإسرائيلية، وتغيير موازين القوى الداخلية اللبنانية. 

3-  تدمير الجيش السوري بكافة قدراته، وإخراجه من موقع المواجهة مع العدو الإسرائيلي.

تطورات تحتاج وتتطلب تعزيز العامل الذاتي وطنياً وقومياً في مواجهة التفوق الإسرائيلي المدعوم أميركياً على كل صعيد. 

كما أن الصمود الفلسطيني، رغم التضحيات والخسائر غير المسبوقة بسبب القتل المتعمد والتصفية المقصودة للمدنيين الفلسطينيين، والتضامن العالمي وخاصة الأوروبي والتحولات التدريجية لصالح فلسطين وضد المستعمرة الإسرائيلية تدريجياً تفرض نفسها على المراقبين، في اختيار الانحياز نحو الثقة بالنفس وعدم التراخي. 

كما أن الضغوط التي تواجه الأردن، والتحديات التي تصنعها المستعمرة الإسرائيلية للأردن باتجاهين: 

الأول، المس بالمصالح والعناوين الأردنية نحو فلسطين: 1- وضع العراقيل للمساعدات الأردنية نحو غزة، 2- التطاول على الوصاية الهاشمية والرعاية الأردنية والمس بقدسية المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي بالخليل وغيرها من العناوين. 

والثاني، محاولات إعادة رمي القضية الفلسطينية إلى خارج فلسطين، عبر محاولات التهجير، والضم التدريجي للضفة الفلسطينية لخارطة المستعمرة الإسرائيلية، والاستيطان، وهي محاولات تهدف إلى جعل الضفة الفلسطينية كما سائر الجغرافيا الفلسطينية طاردة لشعبها بالضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية والمعيشية القاسية، كما يحصل في قطاع غزة، ومخيمات الضفة الفلسطينية.

تحديات كبيرة تواجه شعبنا وبلدنا، تستوجب اليقظة والوحدة وتحصين جبهتنا الداخلية.

مبادرة الحزب الشيوعي تجري في هذا السياق، وإن كانت ما زالت محدودة، مقتصرة على أحزاب التيار اليساري، الذي له الاحترام ولكنه لا يملك وحدة قدرة التصدي للمهام التي عرضها وتضمنها بيان الحزب الذي تم توزيعه، فالتيار اليساري لديه ما يكفيه من المتاعب الداخلية، وإن كان الحزب الشيوعي تقدم خطوة جوهرية بوحدته الداخلية، وانتخاب قيادة جديدة، واضح أنها تتمثل بالفعالية والحيوية، ولكن المواجهة والتحديات تتطلب مشاركة أحزاب التيار القومي مع هذه التوجهات، كون الطرفين اليساري والقومي تعرضا لانتكاسات جوهرية على المستوى الدولي بسبب نتائج الحرب الباردة، لا زالت تداعياتها ماثلة وزادتها نتائج الربيع (الخريف) العربي. 

ومع ذلك تبقى مبادرة الأحزاب اليسارية الثلاثة لها قيمة واعتبار، وخطوة ضرورية، تتقدم إلى الأمام حقاً بتوسيع قاعدة المشاركة والتحالف بعيداً عن التباينات والخلافات التي عصفت بعلاقاتهم منذ الانتخابات النيابية إلى اليوم.




يوم ثقيل عاشته القدس والأقصى

بقلم : راسم عبيدات

 يوم الإثنين 26/5/2025،ما يعرف بالذكرى الثامنة والخميسن لتوحيد القدس،إستكمال احتلال القسم الشرقي من المدينة،حيث كانت مسيرة ما يعرف بالأعلام أو رقصة الأعلام،كتقليد سنوي دأبت عليه دولة الإحتلال، بدء به عام 1968 بعد عام من حرب حزيران عام/1967،على يد الحاخام يهودا حيزاني،حيث أقيم اول احتفال في “مركز هاراف”،أي مركز الحاخام،ومن بعد ذلك جرى تدشين هذه الإحتفال بشكل رسمي ،أوسع وأشمل عام 1974،وأصبح يحظى بدعم واسناد مالي من بلدية “القدس” ووزارة التربية والتعليم الإسرائيلية، وتشارك فيه منظمات استيطانية وتلمودية متطرفة مثل ” لاهفا” المعروفة بكرهها وحقدها على العرب والفلسطينيين،وطلاب المدارس الدينية ” يشفوت”،وكذلك المجلس الإستيطاني “يشع”،ويجري تنظيم تلك المسيرة من قبل جماعات دينية شبابية مثل “نوعاني” و”عكيفا”،وجماعات مرتبطة بالأحزاب الدينية الصهيونية،”القوة اليهودية” و”الصهيونية الدينية ( بن غفير وسموتريتش).

هذه المسيرة حتى عام 2017كانت تأخذ طابع احتفالي،ولم يكن يسمح لها بالدخول الى البلدة القديمة من القدس، والمرور بالأحياء العربية، وبالذات الحي الإسلامي، ولكن من بعد الإنزيحات الواسعة التي حصلت في المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين والتطرف، والتماهي مع حكومة اليمين والتطرف، وانتقال الجماعات الصهيونية المتطرفة من أطراف المشروع الصهيوني الى قلب هذا المشروع، والتي باتت تتحكم بمفاصل القرار السياسي الإسرائيلي، بسبب تفكك الأحزاب الإسرائيلية الكبرى، وأبعد من ذلك باتت تتحكم بالحكومات الإسرائيلية بقاءً وسقوطاً.

من بعد عام 2017 بدات عمليات استعراض القوة في تلك المسيرات، وبأن تلك المسيرات تأتي لتأكيد السيادة والسيطرة على مدينة القدس وبأنها “العاصمة الأبدية” لإسرائيل، وعليها ان تؤكد تلك السيادة والسيطرة المزعومتين، بالدخول الى البلدة القديمة والمرور بالأحياء العربية فيها، وبات الحاخامات والوزراء واعضاء الكنيست من اليمين المتطرف يتسابقون على قيادتها والمشاركة فيها، فهي تنطلق في الثامن والعشرين من الشهر الثامن العبري، ذكرى ما يعرف بتوحيد القدس.

ما ميز مسيرة الاثنين، أنها أتت في ظل متغيرات كبرى في المنطقة والإقليم، حيث “إسرائيل” تشن حربها التي سمتها بالوجودية، منذ أكثر من ١٩شهراً على قطاع غزة، بغرض التصفية والإقتلاع للشعب الفلسطيني وانهاء قضيته بشكل نهائي، عبر عمليات طرد وتهجير واقتلاع، وحسم للسيادة والسيطرة النهائية على مدينة، والتهويد للمسجد الأقصى المبارك، كأقدس مكان لليهود ” جبل الهيكل”، وطبعاً اتت تلك المسيرة في ظل حالة عربية – اسلامية بائسة ومنهارة، بدت مستسلمة للمخطط والمشروع الإسرائيلي- الأمريكي في المنطقة.
وما ميز تلك المسيرة أيضاً، والتي حولت القدس والأقصى الى مسرح غنائي واستعراض للقوة والمزايدات السياسية، الأعداد الكبيرة من المستوطنين المشاركين فيها، والمشبعين بالحقد والعنصرية والتطرف، حيث أقاموا الرقصات التلمودية والتوارتية في ساحة باب العامود، رافعين بكثافة الأعلام الإسرائيلية، ومرددين الشعارات العنصرية والمتطرفة، والتي تعكس جوهر مشروعهم الصهيوني القائم على طرد وتهجير شعبنا الفلسطيني، واقصاء والغاء كل مظاهر وجوده، ومن تلك الشعارات التي رفعت والهتافات التي أطلقت،”عام 67 القدس بأيدينا” و”عام 2025 غزة بأيدينا” و”لا انتصار بدون نكبة”،و”محمد مات”، و”احرقوا شعفاط”، و”امحوا غزة عن الوجود” ، و”لنبني الهيكل وحان وقت بناء الهيكل  والصعود اليه”.
وفي ظل تلك الإحتفالات الصاخبة في ساحة باب العامود وفي الشيخ جراح والصوانة وسلوان وفي قلب المسجد الأقصى وفي ساحة حائط البراق، حيث عشرات الألاف من المستوطنين،الذين ادوا طقوسهم ورقصاتهم التلمودية والتوراتية،بما في ذلك رقصة “الهورا”، وبمشاركة وزيرة الأمن الداخلي الأمريكي كريستي نوم ومشاركة وزراء في الحكومة واعضاء كنيست من تيارات سياسية مختلفة،”الليكود”،”الصهيونية الدينية”،”القوة اليهودية” ،”اسرائيل بيتنا”، عكست اجماع صهيوني ديني وقومي،حول مسألة السادة والسيطرة على مدينة القدس، واعتبارها “عاصمة أبدية لإسرائيل” وغير قابلة للتقسيم مرة ثانية، ورفض مطلق لحل الدولتين واقامة دولة فلسطينية، وقد تجلى هذه الإجماع الصهيوني في المشاركة في الإحتفالات واستعراض القوة في ساحة باب العامود والمسجد الأقصى وحائط البراق، حيث كان من بين المشاركين الوزراء،بن غفير وسموتريتش ويتسحاق فاسرلاف،وتسفي سوكوت وارئيل فلنر، واعضاء كنيست شاركوا في الرقصات ورفع الأعلام، احتفلوا ورقصوا ،واقتحموا البلدة القديمة واعتدوا على التجار وعلى الأطفال والنساء والمسنين والصحفيين والإعلاميين واطلقوا تصريحاتهم العنصرية والإستفزازية، وحولوا الأقصى  الى مسرح للغناء والمزايدات والإستعراضات السياسية، عقدوا جلسة حكومة لهم في حصن تحت الأرض في بلدة سلوان،ما يسمونها بمدينة داود، واقتحموا البلدات المحيطة في القدس، رقصوا وغنوا  في الشيخ جراح والصوانة ورأس العامود،ومنعوا سكان سلوان من ركن سياراتهم أمام منازلهم، وذهبوا الى مقر وكالة الغوث واللاجئين في الشيخ جراح واعتدوا عليه، يتقدمهم عضو كنيست من حزب ” اسرائيل بيتنا” يوليا ملينوفسكي، مطالبين بالإستيلاء عليه، في استهداف واضح لوكالة الغوث واللاجئين الفلسطينيين” الأونروا”.
حيث مقر الوكالة الرئيسي الذي اعتدى عليه المستوطنين بقيادة بن غفير أكثر من مرة وهددوا العاملين فيه بالمس بحياتهم،اذا ما استمروا بالعمل فيه، ومن بعد ذلك في تشرين اول 2024، أقرت الكنيست الإسرائيلي قانوناً بالقراءات الثلاثة،اعتبار وكالة الغوث، وكالة خارجة عن القانون، والغت ما كانت يتمتع فيه العاملين فيها من حصانة وامتيازات، ولا يجوز التعامل والتواصل معها، وطالبوا الوكالة بدفع تعويض مالي 27 مليون شيكل عن استخدام المقر بطرق غير قانونية، بإعتبار ان ارض هذا المقر ملك للوكالة اليهودية، والمقر سيجري تحويله الى بؤرة استيطانية (1440) وحدة استيطانية.
هذه المسيرة بهذه الزخم وبهذا الكم من المستوطنين وبهذه النوعيات المشاركة فيها، والشعارات والهتافات التي رفعت وأطلقت، تقول بشكل واضح، أن ما ينتظر القدس والأقصى في قادم الأيام على درجة كبيرة من الخطورة، فالأقصى اذا ما استمر الوضع العربي والإسلامي في حالته البائسة والمزرية والمخزية، فهو ذاهب الى ما هو ابعد من التقسيمين الزماني والمكاني، بل ايجاد قدسية وحياة يهودية في المكان، كشراكة إسلامية – يهودية في البداية على طريق اقامة كنيس في المنطقة الشرقية بدل مصلى باب الرحمة، بإنتظار ذبح واحدة من البقرات الخمس الحمراء في ساحات المسجد الأٌقصى، ومن ثم اقامة الهيكل الثالث المزعوم بدل مسجد قبة الصخرة.
أما ما يتعلق في القدس، فهي سائرة نحو التهويد والأسرلة، وزرع احيائها العربية بالمستوطنات والبؤر الاستيطانية، لكي تمنع قراها وبلداتها الفلسطينية من التواصل الجغرافي والديمغرافي، والتفكيك الممنهج لوحدتها الإجتماعية والوطنية، وتحويلها الى جزر متناثرة في محيط اسرائيلي واسع.
ولكن في النهاية نقول بأن هناك حالة استعصاء امام تنفيذ تلك المشاريع والمخططات، يتقدمها الصمود والثبات الفلسطيني على الأرض والتشبث بها، والإصرار على إفشال تلك المشاريع والمخططات، رغم كل قوة الدفع خلفها عسكرية وامنية ومالية، وقمع وتنكيل واستيطان وهدم منازل وطرد وتهجير وتطهير عرقي، فالقدس التي يجري تحويلها لثكنة عسكرية في هذا اليوم، ويحشد لتأمين الحماية لهذه المسيرة أكثر من 3 الآلاف شرطي وجندي حرس حدود، واغلاقات للطرق وشل حركة المواطنين المقدسيين في المدينة ونشر الحواجز الشرطية الثابتة والمتحركة على بواباتها ومداخلها، تقول بأن هذه المدينة العربية محتلة ومقسمة وليست موحدة.
 Quds.45@gmail.com

———
ما ينتظر القدس والأقصى في قادم الأيام على درجة كبيرة من الخطورة، فالأقصى اذا ما استمر الوضع العربي والإسلامي في حالته البائسة والمزرية والمخزية، فهو ذاهب الى ما هو ابعد من التقسيمين الزماني والمكاني




من الدولة المدللة.. إلى المنبوذة

أمين الحاج

لم تكن هذه العبارة يوماً توجه لدولة الاحتلال، لكن يبدو أن الزمن يتغير، والأقنعة تسقط، وها هي اليوم تزاحم أنظمة القمع والإبادة على المقاعد الخلفية للنظام الدولي، فمع اتساع رقعة الإدانات، وتعليق الاتفاقيات، والتهديد بفرض العقوبات، لم يعد وصف المنبوذة مبالغة، بل هو توصيف سياسي وأخلاقي لحقيقة باتت تفرض نفسها بقوة، فهي لم تعد شريكاً، بل عبئاً على ما بقي من ضمير العالم.
عندما تتوالى بيانات الإدانة من قادة دول غربية، وتُصدر منظمات أممية تحذيرات من مجاعة جماعية، وتمتلئ شوارع أوروبا بلافتات تصف دولة الاحتلال بمرتكبة الإبادة، فإننا لسنا أمام أزمة دبلوماسية عابرة، بل أمام تحول تاريخي في موقعها على خريطة “الشرعية الدولية”، وهي التي طالما تمتعت بحصانة سياسية وإعلامية، كما “تمتعت” بقتل الأطفال الفلسطينيين، تجد نفسها اليوم على مشارف العزلة، الأخلاقية والقانونية، ولا نبالغ إذا قلنا أنها دخلت فعلياً مرحلة “الدولة المنبوذة”.
منذ السابع من أكتوبر شنت دولة الاحتلال حرب إبادة جماعية على قطاع غزة، خلفت حتى الآن عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، أغلبهم من الأطفال والنساء، وفق تقارير محلية ودولية، واستهدفت مدارس ومستشفيات وملاجئ، وهجرت مئات الآلاف، ومنعت دخول الغذاء والماء والدواء لفترات طويلة سابقاً، ومؤخراً لمدة تزيد على الشهرين، متسببة بكارثة إنسانية لم يشهدها القرن الحادي والعشرون، وفي كل مرة تعلن “إدخال مساعدات”، لا تكون إلا قطرات، لا تطفئ حرائق الجوع، ولا تسعف المحتضرين.
لكن الجديد هذه المرة ليس فقط حجم الجريمة، ولا اتساع رقعتها، ولا همجيتها، بل في حجم الرفض الدولي، فقادة دول غربية كبريطانيا وفرنسا وكندا حذروا من اتخاذ “إجراءات ملموسة” إذا لم توقف عملياتها في غزة، وفي موقف غير مسبوق من حلفاء تاريخيين ومؤسسين، بريطانيا أعلنت تعليق محادثات التجارة الحرة، والاتحاد الأوروبي بدأ بمراجعة اتفاقية الشراكة، فيما طالبت دول أعضاء أخرى بفرض عقوبات على وزراء حكومة نتنياهو اليمينية، وفي بيان مشترك لاثنتين وعشرين دولة غربية، طالبتها بالسماح بدخول فوري وكامل للمساعدات إلى غزة، ولم تعد البيانات ترفق بمواقف رمادية، بل توصف هذه الأفعال بغير المبررة أخلاقياً وذات نتائج عكسية، وأنها تنطوي على انتهاكات صارخة للقانون الدولي.
وحتى الإدارة الأميركية، ورغم تمسكها بالدعم السياسي والعسكري، بدأت تشهد تصدعات في خطابها الداخلي، وتزايدت الأصوات المحذرة من تبعات دعم غير مشروط لدولة تنتهك القانون الإنساني جهاراً نهاراً، او على مسمع العالم وبصره، وبدأت مواقف حكومة الاحتلال تقابل بالرفض والسخرية، كما حدث حين اتهمت الخارجية الإسرائيلية الأوروبيين بـ”سوء الفهم الكامل”، بل واعتبرت مطالباتهم بوقف الحرب دعماً لحماس.
ما يحدث اليوم ليس مجرد “ضغط دولي”، بل إعلان عالمي بأن دولة الاحتلال لم تعد كياناً فوق القانون، فقد أصبح القتل الممنهج، والتجويع المتعمد، والاستيطان الوقح، والتطهير العرقي، والتهجير الجماعي، عاراً عالمياً لا يمكن التستر عليه، ومع كل طفل ينتشل أشلاء من تحت الأنقاض، وكل أم تفقد أبناءها دفعة واحدة، يتآكل “رصيدها الأخلاقي” في عين داعميها، ذلك الرصيد الذي تأسس على وهم أنها “الديمقراطية الوحيدة” في الشرق الأوسط.
وبهذا فإن العالم لا يعبر فقط عن الغضب، بل عن الرغبة في فك الارتباط مع دولة لم تعد تحترم أي مبدأ من مبادئ القانون الدولي، وتصر على مواصلة جرائمها باسم “حق الدفاع عن النفس”، هذا التحول لا يحدث من فراغ، بل نتيجة تراكمات لعقود من التواطؤ والصمت، تلك التي كسرت اليوم بفعل عدسات الحقيقة وجثث الأطفال والنساء، وهي اليوم – بجرائمها – لم تسلب الفلسطينيين حياتهم فقط، بل سلبت نفسها موقعها في نظام دولي وفر لها الغطاء دائماً، أي أنها الآن باتت دولة منبوذة، أخلاقياً وسياسياً، والخطوة القادمة ليست الشجب، بل المحاسبة.

………….

إسرائيل اليوم – بجرائمها – لم تسلب الفلسطينيين حياتهم فقط، بل سلبت نفسها موقعها في نظام دولي وفر لها الغطاء دائماً، أي أنها الآن باتت دولة منبوذة، أخلاقياً وسياسياً، والخطوة القادمة ليست الشجب، بل المحاسبة.




نتائج الحروب العالمية الثلاث – الحلقة الثانية

حمادة فراعنة
لم تكن نتائج الحرب الباردة، للصهيونية ومشروعها الاستعماري التوسعي أقل أهمية من نتائج الحربين العالميتين الأولى والثانية، فإذا كانت نتائج الحرب الأولى قد حققت وعد بلفور عام 1917 وتسهيل قيام مستعمرتها، فقد حققت لها نتائج الحرب الثانية قيام المستعمرة ونيل شرعيتها الدولية واحتلال 78 بالمائة من خارطة فلسطين، كما توسعت عام 1967 لتحتل كامل خارطة فلسطين.
نتائج الحرب الباردة حققت لها الحضور والاختراق السياسي والتطبيع، وهي نتائج شكلت تتويجاً للنتائج الميدانية التي حققتها بفعل العمل العسكري التوسعي، بينما كانت نتائج الحرب الباردة قد تحققت بفعل العمل  السياسي، والضغط الأميركي، والابتزاز، واستثمار العوامل الإقليمية المستجدة بفعل تدمير العراق وليبيا وسوريا واليمن، وهكذا حققت تطلعاتها الاستعمارية التوسعية الاحتلالية،  باحتلالها لكامل خارطة فلسطين، وبذلك نجحت في تحقيق العنوان الأول للصراع الفلسطيني الإسرائيلي لصالحها المتمثل باحتلال كامل خارطة فلسطين، ولكنها فشلت في تحقيق الهدف الثاني المتمثل بطرد وتشريد كامل أعداد الشعب الفلسطيني، فقد بقي وصمد، رغم كل المجازر والقمع والتجويع والتضييق على حياة الفلسطينيين، فقد بقي نصف الشعب الفلسطيني متشبثاً، صامداً على أرض وطنه فلسطين.
في إحصاءات عام 2022، بلغ عدد الفلسطينيين على كامل خارطة فلسطين أكثر من سبعة ملايين، وهم بذلك بالمعايير الإحصائية يشكلون شعباً وليسوا جالية صغيرة محدودة، بل يوازون عدد القادمين الأجانب من اليهود الذين استوطنوا واستعمروا فلسطين.
ولذلك يمكن الاستخلاص أن الوضع البشري والصراع الديمغرافي على أرض فلسطين لصالح الشعب الفلسطيني، رغم مواصلة استقدام الأجانب إلى فلسطين ومنع عمليات “جمع الشمل” باستثناء من سمح لهم بالعودة، بفعل اتفاق أوسلو مع الرئيس الراحل ياسر عرفات خلال خمس سنوات بالأعوام 1994 لغاية 1999، حيث عاد حوالي 400 ألف نسمة من الفلسطينيين عادوا لبلدهم لأول مرة منذ عام 1948.
الوجود البشري الفلسطيني شكل عامل إحباط للإسرائيليين، جعل الهدف اليوم من حرب غزة هو قتل أكبر عدد من المدنيين الفلسطينيين سواء كانوا أطفالاً أو أولادا، نساء أو رجالا، المهم التخلص منهم بالقتل المتعمد وفق كافة المراقبين الإسرائيليين، وتصريحات العسكريين، بلا تردد، ومن هنا يمكن القول أن الصراع في فلسطين وعلى أرضها، ومن أجل مستقبلها بين المشروعين: 1- المشروع الوطني الديمقراطي الفلسطيني في مواجهة: 2- المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي، هو بالأساس: الصراع على الأرض وفي الميدان بين الطرفين، وأن الأطراف الخارجية مهما كانت قوية أو داعمة لهذا الطرف أو ذاك، هي عوامل ثانوية مساعدة، وليست هي صاحبة القرار في حسم الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
العوامل الخارجية على الأغلب لصالح المستعمرة، ولكن العامل الذاتي، والصراع على الأرض وفي الميدان، والاشتباكات هي التي ستحسم الصراع، حتى ولو كانت موازين القوى لصالح المستعمرة، وإمكانات الشعب الفلسطيني متواضعة.
الشعب الفلسطيني يملك الاستعداد للتضحية وقضيته عادلة، والعالم بدأ ينحاز تدريجياً لصالح فلسطين وضد المستعمرة، وهو عامل إضافي ستكون له نتائج إيجابية على مسار الصراع وتداعياته.