1

نحن والمنطقة والعالم في مرحلة جديدة

د. أحمد رفيق عوض

أما نحن – الفلسطينيين – فما ينتظرنا الإهمال والإنكار والتفكيك، فضلاً عن التهديد بالطرد أو الضم أو الاستعباد، أو كل ذلك مجتمعاً، الآن إسرائيل ترى في نفسها منتصرة، وأنها غير مضطرة أبداً لتسوية فيها الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية، فلا أحد يضغط عليها أو حتى يملك أدوات الضغط أو الرغبة فيه، وكل الآمال والوعود الوهمية التي بنيت قبل ثلاثين عاماً هُدمت أمام واقع متطرف وعنيف، ليس لأننا إرهابيون وعنصريون وفاسدون وغير ناضجين، بل لأن عدونا يتغير بسرعة البرق، من الرغبة في الاندماج إلى الرغبة في السيطرة محمولاً على أوهام القوة والمزيد منها، تحولات العدو السريعة اجتماعياً وسياسياً وفكرياً قابلها البطء والترهل وعدم الاستعداد من جانبنا، ومن الواضح أن العالم الغربي الاستعماري لا يفكر ولا ينوي مكافأتنا أو حتى تعزيتنا، وكل ما يقوم به عمليات تخدير وإلهاء وإدارة للصراع حتى لا يتحمل أعباءه، فلم يعد حل الدولتين رؤية صالحة لحل الصراع، بل السيطرة والاخضاع وأدوات القوة المتعددة هي الوسائل الأفضل للحصول على الهدوء، وعلى الرغم من أن هذا الوضع سينفجر يوماً ما، إلا أن المحتل ومن يقف معه ويسنده مستعدون لمواجهته كما يدعون، باختصار، فإن المرحلة الجديدة تحمل مخاطر نرى مقدماتها منذ الآن، وأول تلك الملامح أن وحدتنا الاجتماعية ودولتنا العتيدة في مهب الريح تماماً، هناك سيناريوهات وحلول تطبخ باستعجال وابتذال لتجاوز طموحاتنا ودموعنا ودمائنا.

أما المنطقة العربية والإسلامية فقد دخلت منذ عقد تقريباً مرحلة الهشاشة، وحتى السيولة، فقد شهدت المنطقة حالات من الانقسام والتفكك والحروب الأهلية وإعادة التموضع وتغيير الاتجاهات وزوال أنظمة وميلاد قبائليات وطائفيات وعرقيات، منذ عقد تقريباً ونحن نرى الدولة العربية القطرية تنهار أمام التحديات والأسئلة، وتتهاوى أمام الضربات الخارجية والداخلية، لتكشف عن بنية فاسدة ومضمون غير مقنع ورؤيا تنموية قاصرة، وأعتقد أن هذا الضعف سيزداد، وأن التبعية ستتعمق، ذلك أن معظم تلك الأقطار ستزيد من اعتمادها على القوى الخارجية طلباً للحمايهً أو التمويل أو الشرعية، وهو وضع سيمكن إسرائيل أن تقود وتحمي وتسيطر.

منطقتنا العربية لن تستطيع أن تقدم الحلول أو المبادرات، ضعفاً وخوفاً وعجزاً، وستترك الفعل – إن سمحت بذلك أصلاً – لجماعات ومنظمات ستُتهم وتحاصر وتطارد، وبرأيي، إن هذا الغياب السياسي والحضاري سيعمق أزمة المنطقة أكثر فأكثر، ليس بسبب الاحتقان السياسي والفكري، وإنما بسبب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الناشئة عن ضعف الدولة وغياب أجهزتها وقلة مواردها.

أما العالم حولنا، فقد غادر النظام العالمي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية إلى نظام آخر لا قوانين فيه، نظام سائل يتعدى ويتحدى الهيئات الدولية والأعراف والتقاليد الدبلوماسية، نظام لا يعترف بالجغرافيا أو بالحدود أو بالسيادة أو الكرامة أو الخصوصية الثقافية، نظام تتسابق فيه الشركة مع البنك لجني الأرباح واستعمار السوق واحتكار المعرفة وإعادة تشكيل المجتمعات والدول والحدود ما كان ذلك نافعاً، نظام يخلق قوانينه حسب مصالحه ويعتمد معايير جديدة تقوم على الانتهازية والقرصنة والقمع، تغلفها بشعارات براقة وصياغات تختزل الواقع والتفاصيل من أجل رواية ناقصة وظالمة وعمياء أيضاً، وفي هذا العالم ستزداد الحروب والمواجهات العسكرية والتجارية والعلمية بسبب التنافس على كل شيء، المعرفة وأدواتها والسوق وإمكاناته والجغرافيا وما يمنحه من أفضلية.

الصورة قاتمة، نعم، قاتمة للأسف، فهل من سبيل للخروج من هذا النفق المخيف؟؟ وما الذي يمكن فعله؟؟ أمامنا سيناريوهات قليلة، فإما التسليم والاستسلام أمام هذه القوة الغاشمة والانتظار لدورة تاريخية أخرى، أو المواجهة والاشتباك رغم الهوامش الضيقة والمخاطر العالية، ولست بمعرض تقديم النصائح أو الوعظ، فأنا أؤمن أن الأيام – رغماً عنا – تلد خياراتها واختياراتها، فما يجري اليوم بهذه السرعة وهذه الكثافة سيؤدي حتماً إلى تعارض المصالح بين الأقوياء، وتفضي للتأكيد إلى التنازع على كل شيء، وهو ما يدفعنا للأمل بالتغير السريع، بمعنى، أن لا يبقى القوي قوياً ولا الضعيف ضعيفاً، ما نحتاج إليه الصبر والإيمان بأننا شعب نستحق الكرامة والسيادة والدولة، وأننا شعب واحد مهما حاول الآخرون تشويهنا وتفكيكنا ومنعنا من تحقيق طموحاتنا.

ما يجري الآن دورة من دورات التاريخ ليس إلا، كان مثلها وسيكون مثلها أيضاً، لن يغرنا ما يحصل ولن يبهرنا ولن يبهظنا، ولن يعمي عيوننا عن الرؤيا الصائبة، فما يجري هو الظلم بعينه والتجبر بذاته، وهو ما لن يدوم على الإطلاق، كل ما نحتاجه هو الصبر والإيمان، وللمرة الألف، فإن الصبر والإيمان هما محركا التاريخ الأشد فتكاً وقوة واستمراراً.




“بيت الشيخ”

عزيزة ظاهر- في جريمة جديدة تضاف إلى سجل الاحتلال الأسود، أقدم مستوطنون متطرفون، على اقتحام مسجد بيت الشيخ في خربة طانا، شرق بلدة بيت فوريك، وارتكبوا جريمة نكراء بحق بيت من بيوت الله، حيث قاموا بتمزيق نسخ من القرآن الكريم، وتحطيم محتويات المسجد، وتخريب أبوابه ونوافذه ومكبرات الصوت الخاصة به.

وذلك بعد أن تسللوا تحت جنح الظلام، بحماية من قوات الاحتلال، إلى المسجد الواقع في منطقة مهمشة، تخضع لاعتداءات استيطانية متكررة، وقاموا بإحراق جزء من أثاث المسجد وتدنيسه، في مشهد أعاد للأذهان جرائم إحراق المساجد والكنائس التي ترتكبها جماعات “تدفيع الثمن” و”شبيبة التلال” الإرهابية.

منسق حملة الدفاع عن طانا، ثائر حنني يوضح لـ”الحياة الجديدة” وهو يقف أمام مسجد بيت الشيخ ممسكا بصفحات ممزقة من القرآن الكريم، ان ما حدث في خربة طانا ليس مجرد اعتداء، بل جريمة تطهير ديني بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

وأشار إلى أنه سبق أن أُعيد ترميم المسجد ليكون مركزًا روحيًا وتعليميًا، إذ تحوّل في إحدى الفترات إلى مدرسة بديلة للأطفال بعد أن دمر الاحتلال مدرستهم الوحيدة، وقُطعت عنهم الكهرباء وخدمات البنية التحتية.

وأكد حنني أن ما يجري من اعتداءات متكررة، تتضمن حرق الخيام والكهوف وتهديد السكان بالقتل، يمثل سياسة ممنهجة لإفراغ الخربة من سكانها الأصليين، لكنه شدد على أن أهالي طانا لا يزالون يرفضون مغادرة أرضهم رغم كل محاولات التهجير.

الحاقد “كوبي”

ويقود حملة الترهيب الرامية إلى إنهاء الوجود الفلسطيني في الخربة مستوطن حاقد يدعى “كوبي”، وهو أحد المستوطنين الذين يقودون حملة ما يعرف بـ “الاستيطان الرعوي” بالضفة الغربية، ويقيم بؤرة على مئات الدونمات من أراضي “بيت فوريك”، ولم يترك في الخربة خيمة أو كهفاً قائماً من دون تهديد.

كما يعمل “كوبي” على تدمير خلايا النحل وألواح الطاقة الشمسية بحماية من قوات الاحتلال، التي كانت تستدعي جرافات عسكرية لهدم وتجريف وترويع الفلسطينيين.

ويؤكد حنني أن الاحتلال ومستوطنيه لم يتركوا وسيلة ولا إجراءات إلا ومارسوها ضد أهالي الخربة خلال السنوات الماضية لإجبارهم على الرحيل، لكن لا مجال للقبول بالأمر الواقع، لذا كنّا عقب كل عملية تدمير نباشر بإعادة البناء، وتوفير الخيام وألواح الطاقة الشمسية، وإعادة ترميم الكهوف وحظائر الأغنام، وزراعة الشجر.

وأضاف بلهجة غاضبة، ما يجري في خربة طانا ليس عبثًا فرديًا، بل خطة ممنهجة لاقتلاع الفلسطينيين من أراضيهم، عبر ترهيبهم، واستهداف مقدساتهم، وبث الرعب في نفوسهم.

واختتم حنني حديثه بدعوة واضحة، نحن بحاجة لتحرك عاجل من المؤسسات الدينية والحقوقية، فالمقدسات تُهان، والاحتلال يفتح الباب لحرب دينية مفتوحة، والعالم صامت كأن شيئًا لم يكن.




استدامة غير مستدامة

لما عواد

في ظل ازدياد استخدام مصطلح “الاستدامة” في خطابات التنمية ومشاريع الدعم الدولية والمحلية، تبرز تساؤلات جوهرية حول مدى واقعية هذا المفهوم، خصوصًا في السياق الفلسطيني المعقّد سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وعلى الرغم من أن “الاستدامة” تُقدَّم كمبدأ رئيسي لضمان ديمومة أثر المشاريع وتقليل الاعتماد على المانحين، إلا أن الواقع يشير إلى مفارقة واضحة، تختصرها الجملة التي أصبحت تتردد في الأوساط الميدانية حول “الاستدامة مش مستدامة”. 

ففي الخطاب التنموي الفلسطيني، تكاد لا تخلو ورقة مشروع أو استراتيجية تدخل دولية أو محلية من مصطلح “الاستدامة”، والذي يُقدَّم كأنه الحل السحري لضمان ديمومة الأثر، وتقليل الاعتماد على المانحين، وتعزيز المسؤولية المحلية. ولكن حين ننزل من مستوى الخطابة إلى الواقع، نصطدم بمفارقة قاسية، فمعظم المشاريع التي تُسوّق على أنها “مستدامة”، إما تختفي بعد انتهاء التمويل، أو تتحوّل إلى عبء على المجتمعات المحلية، او عدم احداث أي تغيير، لإبقاء الامر ضمن حالة الاحتياج الدائم. 

تشير الدراسات والمراجعات النقدية المتعددة إلى أن الاستدامة كما تُطرح في مشاريع التنمية الفلسطينية ليست نابعة من تحليل جذري للاحتياجات المحلية أو من ظروف السيادة المحدودة، بل تأتي استجابة لمتطلبات الممول، وبمنطق السوق والنتائج السريعة. حيث يُطلب من الجهات المنفذة إنتاج “نموذج قابل للاستمرار”، دون توفير بنية قانونية واقتصادية تُعزز هذا الاستمرار فعلًا. وعليه، يغيب التخطيط الفعلي طويل الأمد لصالح إنجازات شكلية وسريعة، وتتحول مشاريع كثيرة إلى مبادرات مؤقتة، تُطوى مع انتهاء التمويل، وتعبر عن واقع يوضح التناقض بين الشعارات الرنانة وبين الواقع العملي، خاصة في سياقات مثل التنمية، المشاريع، أو السياسات العامة.

ماذا نقصد بالاستدامة؟ هل فعلاً مشاريعنا “مستدامة”؟ ما الفرق بين “استدامة لغوية” و”استدامة فعلية”؟

” ضمن ورش العمل، وعلى رأس كل وثيقة مشروع، تُزين الكلمة الذهبية “استدامة” العناوين، لتُروّج لنا أنها الحل السحري (لتمويل محدود + وخطة قصيرة الأجل = لأثر طويل المدى).

الواقع، كما أصبح يعرفه أغلبنا، شيء آخر تمامًا، فالاستدامة الحقيقية لا تأتي من “تقرير مخرجات” ولا من “ورقة تقييم نهاية المشروع”، الاستدامة تبدأ حين يُسأل المجتمع: “شو بدكم؟”، وحين تُبنى البرامج على ثقة الناس، لا على رغبة الممول. لكنها في أغلب الأحيان تتحول إلى وهم إداري، يتم تغليفه في كلمات رنانة، وتنتهي صلاحيتها مع آخر دفعة تمويل، كم من مبادرة أُطلقت باسم النساء، وتوقفت قبل أن تصل إليهن؟ كم من برنامج ريادي أو بيئي أو شبابي رُوّج له على أنه “نموذج للتنمية المستدامة”، ثم اختفى دون أن يُترك له أثر؟ نحن أمام ظاهرة اسمها: “استدامة مش مستدامة”، حيث تكون الاستدامة مجرد ديكور لغوي، لا ممارسة فعلية، هذا ليس مجرد نقد، إنه دعوة للتوقف…. لنعيد تعريف “الاستدامة” بأصوات النساء، وبصبر العاملات، وبإرادة المجتمعات. 

أولًا: الاستدامة كفخ لغوي، الاستدامة كما تُطرح في معظم المشاريع ليست مفهومًا فعليًا نابعًا من سياق فلسطيني، بل هي نسخة مفرغة من محتواها، تُقدَّم ضمن مصطلحات مانحة مثل exit strategy أو value for money وبما أن التمويل المشروط هو الأداة الرئيسية في المشاريع، فإن أي “استدامة” لا تأخذ بعين الاعتبار بنية الاحتلال، وقيود السيادة، وواقع التجزئة الجغرافية، هي استدامة وهمية.

ثانيًا: التمويل غالبًا ما تُربط “الاستدامة” بقدرة المشروع على “توليد الدخل” أو “الاعتماد على الذات”، دون التوقف عند شروط السوق الفلسطيني المشوه، الذي يخضع للتحكم الإسرائيلي، والقيود على الموارد، وسياسات الجمارك والضرائب المجحفة. فإذا كانت البنية الاقتصادية نفسها غير مستقلة، فكيف نتحدث عن مشاريع مستدامة؟ هذا الطرح يُعيد إنتاج منطق الليبرالية الجديدة: انسحاب الدولة، وتفكيك المسؤولية العامة، وتحميل الأفراد عبء الاستمرارية. 

ثالثًا: على حساب النساء والفئات المهمشة غالبًا ما تُسقط مشاريع “التمكين الاقتصادي” للنساء تحت عنوان الاستدامة، لكنها لا تعالج الأسباب البنيوية للفقر أو التهميش، يتم تمويل تدريب أو دعم صغير، ثم يُطلب من النساء أن “يحافظن على المشروع” دون بنية قانونية حامية، أو سوق عادل، أو حماية اجتماعية، هكذا تتحول الاستدامة إلى مسؤولية مفروضة على الفئة المهمشة والهشة، بدل أن تكون التزامًا ممنهجًا من الدولة والمجتمع.

رابعًا: غياب الحوكمة والمتابعة من الناحية المؤسسية، لا توجد معايير واضحة لقياس الاستدامة في القطاع العام أو الأهلي الفلسطيني. حيث تنتهي معظم المشاريع بتقارير تقييم شكلية، لا تُخضع النتائج لتحليل معمّق، ولا تُستثمر الدروس المستفادة، فلا السياسات تُراجع، ولا البرامج تُعدل بناءً على الأثر، بل يُعاد تدوير نفس النماذج من جديد. 

فجوة التمويل والواقع الاقتصادي

“بيحكولنا “مشروع مستدام”، بس بنكتشف إنه “استدامة مش مستدامة”… وين راحت الخطة؟ وين راحت الموارد؟ وخلصت الفكرة لما خلص التمويل”.

العديد من البرامج التي تُروَّج تحت شعار “الاستدامة” تتجاهل السياق الاقتصادي الفلسطيني القائم على الاحتلال والتحكم بالموارد، والإغلاق المتكرر، والتشتت الجغرافي. كيف يمكن لأي مشروع محلي أن يكون “مستدامًا” في ظل هذه المعطيات؟ وكيف تُحمَّل المجتمعات مسؤولية الحفاظ على مشاريع دون تمكينها فعلًا؟ هذه الأسئلة تفتح الباب لنقد السياسات التنموية السائدة، التي تُفرّغ “الاستدامة” من بعدها السيادي والعدالى. 

النساء والفئات المهمشة والهشة، هن/هم أول المتضررات في برامج “التمكين الاقتصادي”، وغالبًا ما يُلقى عبئ الاستدامة عليهن بعد انتهاء المشروع، رغم أنهن ما زلن يعانين من فجوات بنيوية في الوصول إلى التمويل، والسوق، والحماية القانونية، والعمل اللائق.  وتُسجَّل حالات كثيرة لمبادرات نسوية توقفت تمامًا فور انتهاء فترة التمويل، دون ترك أي أثر مؤسسي أو حماية

اجتماعية أو متابعة جدية، بذلك، تتحول “الاستدامة” من أداة دعم إلى عبء إضافي، ومن شعار إلى التزام فعلي إن تجاوز هذا الواقع يتطلب إعادة تعريف الاستدامة من منطلق وطني وشامل، يأخذ بعين الاعتبار عناصر السيادة، العدالة الاجتماعية، والملكية المجتمعية للبرامج. 

ماذا نريد؟ نحو استدامة حقيقية. من شعار إلى التزام فعلي “استدامة مش مستدامة” ليست مجرد جملة ساخرة، بل توصيف دقيق لحالة بنيوية نعيشها يوميًا في فلسطين، وإذا أردنا تجاوز هذا الفخ، علينا أن ننتقل من استهلاك المصطلحات، إلى إنتاج حلول قائمة على فهم الواقع، لا على تجميله. 

ولتحقيق ذلك، هنالك حاجه إلى.

– تمويل غير مشروط يُبنى ويراعي أولويات المجتمعات المحلية الحقيقية. 

– شراكات مجتمعية حقيقية تبدأ من القاعدة، لا من المانح.

– مساءلة حقيقية لمخرجات المشاريع، ومدى استمرارها فعليًا، وليس فقط لأموالها.

– بنية قانونية واقتصادية، تُمكّن النساء والفئات الهشة من الاستمرار دون اتكال.

–  تعزيز مفاهيم الاقتصاد التضامني والاجتماعي كبدائل مستدامة.

– تفعيل أدوار الدولة والمجتمع، لا الانسحاب منهما.

– دعم البنية التشريعية لحماية النساء والرياديات والفئات الهشة.

الاستدامة مش كلمة حلوة، مش تمويل بس، الاستدامة التزام، وخطاب مسؤول.

الاستدامة ليست مجرد بند في مقترح مشروع، بل التزام طويل الأمد تُقاس فعاليته بما يبقى بعد انتهاء كل مرحلة. وإذا لم تُربط هذه الاستدامة بسياسات وطنية عادلة وبقدرة حقيقية على الصمود، فإننا سنبقى نُكرّر نفس النموذج: “استدامة مش مستدامة.

“فالاستدامة” الحقيقية ليست مجرد بند في مقترح مشروع، أو “خط إنتاج” داخل مشروع، بل التزام طويل الأمد تُقاس فعاليته بما يبقى بعد انتهاء كل مرحلة، وقدرة الناس على بناء ما يبقى بعد أن يرحل الجميع.  إنها نتيجة منطق تخطيط وطني شامل، يربط بين السيادة السياسية والاقتصادية، ويعيد الاعتبار للدور العام، وإذا لم تُربط هذه الاستدامة بسياسات وطنية عادلة وبقدرة حقيقية على الصمود فإننا سنبقى نُكرّر نفس النموذج ” استدامة غير مستدامة”.




رمانة.. بيوت محتلة حتى إشعار آخر

عبد الباسط خلف- لم يكن 11 مواطنا من أبناء عائلة صبيحات، في قرية رمانة غرب جنين، يعلمون أن بيوتهم ستصبح محتلة، بين عشية وضحاها، وسيحول جيش الاحتلال بعضها إلى ثكنة عسكرية.

ويفيد الخمسيني رسمي صبيحات، أحد أصحاب المنازل المخلاة قسرا، بأن جيش الاحتلال اقتحم القرية مساء أمس الأول الجمعة، وأمهل العائلات 10 دقائق للخروج من المنازل، وعدم العودة إليها إلا بعد أسبوع، أو حتى يجري إبلاغه.

ويشير بمرارة إلى أن جنود الاحتلال أحضروا معهم معدات كثيرة تكشف نيتهم الإقامة طويلا، ونصبوا خيمتين على سطح منزلي منير غسان صبيحات، ومحمد نجيب صبيحات، بينما أفرغوا بقية المنازل من أهلها.

ويضيف صبيحات لـ”الحياة الجديدة” بأن الأسر المستولى على بيوتها، انتابها شعور بالقهر وهي تغادرها بالقوة، خاصة أن الاحتلال لم يمنحها وقتًا للحصول على المقتنيات الضرورية، كما لم ينذرها قبل وقت سابق بما سيفعله.

ويبين بحسرة أن العائلات التي أقصاها الاحتلال عن بيوتها الجديدة، بدأت قبل نحو 13 عاما ببناء منازلها في منطقة اللحف المرتفعة، غرب القرية، والمشرفة على غالبية أحيائها.

وحسب صبيحات، فإن العائلات التي وجدت نفسها دون مأوى، لجأت إلى أقربائها في أرجاء القرية الصغيرة، التي التهم جدار الفصل العنصري مساحات منها.

ويؤكد رئيس مجلس القرية، نضال الأحمد، أن الاحتلال لم يسلم العائلات أي أمر مكتوب بالسيطرة على البيوت خلال اقتحامها، وأنه أبلغ أصحابها بمدد مختلفة للعودة.

ويقول إن الاحتلال أبلغ بعض العائلات بنيته مواصلة تحويل البيوت إلى ثكنات عسكرية من 4 أيام أو 7 أو 10، أو لأسبوعين.

ويوضح بأن ما حصل في رمانة هو الأول من نوعه، ورافقه اعتداء لجنود الاحتلال على بعض أصحاب البيوت المخلاة.

ويبين عضو المجلس القروي، حسن صبيحات، بأن البيوت المستهدفة تؤوي قرابة 70 مواطنا وتعود لأبناء عائلة صبيحات: منير غسان، ورامي كامل، وأحمد راشد، وحسن راشد، ومحمد نجيب علي، وسمير نجيب، وفيصل عبد الرحمن، ومحمد عبد الرحمن، ورسمي محمد، وطارق غالب.

ويوضح بأن المجلس حاول التنسيق عبر هيئة الشؤون المدنية؛ لتمكين المواطنين من إخراج المقتنيات الشخصية خاصة للأطفال والنساء، ومنحهم المزيد من الوقت، إلا أن جنود الاحتلال رفضوا ذلك.

ويستذكر صبيحات ما حل برمانة من احتلال لبيوت في آب 2022، لكنه يفيد بأن ذلك كان لوقت قصير، ورافقه هدم لهدم منزلي الأسيرين، أسعد الرفاعي وصبحي صييحات، منفذا عملية “إلعاد”.

ويؤكد أن الاحتلال حول بعض البيوت إلى ثكنات عسكرية، كما حطم نوافذ بعضها، واستولى على سطوح قسم منها، لكنه حولها كلها إلى ثكنات عسكرية، وتعامل مع البيوت المخلاة التي لم يستخدمها وكأنها “مناطق أمنية عازلة”.

ووفق صبيحات، الذي يترأس هيئة الكهرباء في رمانة والطيبة وزبوبة والسيلة وتعنك، فإن الاحتلال احتل قبل أيام منزلين لخمس عائلات وسط عانين المجاورة، كما استولى على 3 بيوت في الطيبة لعائلة إغبارية.

ويربط منسق لجنة الطوارئ في قرية الطبية، عبد الرحيم محاميد، ما جرى في رمانة وعانين هذا الأسبوع مع ما حدث في الماضي، إذ استهلك جنود الاحتلال رصيد الكهرباء في أحد البيوت، التي احتلها، وعندما نفد التيار تواصلوا مع أصحاب البيت لشحنه.

ويفيد رئيس مجلس قروي عانين، محمد عيسى، بأن الاحتلال حول منزلا متعدد الطوابق لخمس عائلات: إبراهيم مصطفى ياسين واثنين من أبنائه وأطفالهم، والشقيقان أسامة ونسيم ياسين إلى ثكنة عسكرية، وسط القرية.

ويؤكد بأن الجنود أبلغوا العائلات بعدم العودة إلى ديارهم قبل أسبوع من الآن، وهي المرة الرابعة التي يعمد الاحتلال فيها إلى هذا الإجراء.

ويعرب أهالي من القرى الثلاث المستهدفة عن مخاوفهم من اتساع دائرة الاحتلال المؤقت للبيوت، ويخشون من تخريب مقتنياتهم والسطو عليها، والتفسير الوحيد الذي يخمنه الشاب أحمد صبيحات أن احتلال بيوت رمانة وغيرها يأتي ربما للاحتماء من أية ضربات صاروخية محتملة قد تصل معسكر سالم القريب من قريته، في ظل الهجمات المتبادلة بين تل أبيب وطهران.




جرائم المستعمرة

حمادة فراعنة

هل من كلمة يمكنها إيجاز وصف مقارفات المستعمرة، وما تفعله من تجاوزات ومحرمات، من قتل مقصود للمدنيين، وتدمير ممنهج للمؤسسات الصحية والعلاجية من مستشفيات، وقصفها بكل وقاحة، وللمدارس، ودور العبادة من مساجد وكنائس ومسحها عن الأرض، ومساكن الناس حتى خيامهم القماشية لا تسلم من أذى القصف والدمار وحصيلته وأد الحياة، والعمل على إلغاء وبقاء الفلسطينيين على أرض وطنهم.
وها هي تعتدي على سفينة “مادلين” المبحرة من إيطاليا وعليها من المتضامنين الأجانب، نحو غزة لكسر الحصار، وتقديم نموذج إنساني من ذوات متطوعة متعددة الجنسيات، فيتم الاستيلاء عليها من المياه الدولية، قبل وصولها إلى المياه الإقليمية الفلسطينية ويتم جرها إلى ميناء إسدود، ومنعها من مواصلة طريقها إلى غزة، بعد اعتقال روادها من جنسيات مختلفة، والمس بهم، لأنهم يتضامنون إنسانياً مع فلسطين وشعبها في قطاع غزة.
المستعمرة ترتكب الجرائم، بكل أنواعها وأشكالها، حتى استفزت الحلفاء الأوروبيين الذين صنعوها، ودعموها، وتبنوا مشروعها الصهيوني الاستعماري التوسعي، على حساب شعب فلسطين وأرضه وحقوقه وكرامته، قبل أن تتبناها الولايات المتحدة التي وفرت لها الحماية، وها هي تتخذ قرار الفيتو للمرة السابعة في مجلس الأمن منذ اجتياح أكتوبر 2023، بهدف حمايتها من المساءلة القانونية الدولية.
المستعمرة ترتكب الموبقات الجرمية، ولا تخاف ولا تسأل، لا تحتاط، ولا تتردد، لأنها محمية من واشنطن أولاً، ومن العواصم الأوروبية ثانياً، التي ما زالت تخشى المس بها ومعاقبتها على ما تفعله من جرائم وموبقات وقتل: عينك عينك.
سبق ليهود أوروبا أن تعرضوا للأذى من قبل القياصرة والنازيين والفاشيين، وكان عليهم أن يستفيدوا ويتعلموا ويتحاشوا فعل ما فعلته بهم الأنظمة الأوروبية، ولا يفعلون بالشعب العربي الفلسطيني، ما فعلته بهم الأنظمة العنصرية الفاشية: روسيا القيصرية، ألمانيا النازية، إيطاليا الفاشية.
مؤتمر نيويورك الدولي من قبل المبادرة المشتركة الفرنسية السعودية، ومؤتمر باريس الذي دعا له الشريكان إيهود أولمرت وناصر القدوة، يجب أن لا تقتصر دعواتهما لإقرار حق الفلسطينيين بالدولة والاستقلال، وهذا توجه مفيد ومهم، ولكن يجب أن توجه الإدانة لأفعال المستعمرة الإجرامية، بكل وضوح، لتعرية مشروع المستعمرة الأحادي التوسعي العنصري، والدعوة لعزله وسحب الشرعية منه وعنه.
تتوهم المستعمرة أنها أحبطت مسيرة سفينة “مادلين” بمنعها من مواصلة رحلتها إلى بحر غزة، واعتقال روادها، لأنها قطعت شوطاً كبيراً في هدفها وقفزها السياسي المعنوي، وهي خطوة على الطريق، وها هي مسيرة “تونس” التونسية الجزائرية المغاربية الليبية، تواصل زحفها نحو حدود فلسطين، والشيء المؤكد أنها لن تتمكن من دخول فلسطين، ولكنها ستبرز مدى الانحياز والتعاطف مع قضية الشعب الفلسطيني، وتوجه الإدانه للمستعمرة وسلكوها، وللمطبعين معها، أنهم لم يتمكنوا من زحزحة المستعمرة عن برنامجها الاستعماري.
ما بعد أكتوبر 2023، لن يكون كما قبله، فالنضال والتضحيات ومراكمة الفعل من قبل الفلسطينيين، في مواجهة جرائم وأفعال الإسرائيليين، انعكس على وعي شعوب العالم، وخاصة أوروبا وأميركا، إضافة إلى زيادة الوعي والفهم العربي والإسلامي والمسيحي، ولذلك ستكون المعطيات مختلفة عما هي بعد أكتوبر، مقارنة بما كان قبل أكتوبر 2023.

………….

ما بعد أكتوبر 2023، لن يكون كما قبله، فالنضال والتضحيات ومراكمة الفعل من قبل الفلسطينيين، في مواجهة جرائم وأفعال الإسرائيليين، انعكس على وعي شعوب العالم، وخاصة أوروبا وأميركا.