1

سيلة الظهر تبكي سندها

عبد الباسط خلف-هبط صباح أمس الإثنين ثقيلا على سيلة الظهر، جنوب جنين، التي فقدت ابنها سند ناجح محمد حنتولي (25 عاما) برصاص الاحتلال، قرب بلدة الرام.

ويؤكد ابنه عمه وسيم لـ”الحياة الجديدة” أن العائلة تلقت نبأ ارتقاء ابنها قرابة الساعة العاشرة، أثناء محاولة الوصول إلى مكان عمله في أراضي الـ 48.

ويشير إلى أن قناصة الاحتلال أطلقوا النار صوب وسيم، بعد اجتيازه جدار الضم والتوسع بواسطة حبل.

ويفيد أن ابن عمه أصيب في البطن والفخذ، بعد أن تمكن من اجتياز جهتي الجدار، لكن رصاص الاحتلال كان الأسرع، فتمكن منه قبل أن يصل الأرض.

ووفق العائلة، فإن ابن عم آخر كان يرافق سند، وكان على جهة الجدار الثانية، وشاهد استهداف سند برصاصتين عن قرب، وكان حاول الحصول على آخر أغراضه الشخصية من ابن عمه.

وتصطبغ مواقع التواصل بمشاهد قاسية للشاب حنتولي، الذي كان غارقا بدمه، بجوار الجدار، وخلفه الحبل الذي استخدمه في العبور.

ويقول أهالي البلدة إن سند خرج من بيته على قدميه، لكنه عاد محمولا على أكتاف المشيعين، الذين شاهدوا منزله غير المكتمل، المقام بجوار بيت عائلته في منطقة النزلة.

وسار أهل البلدة بالشهيد حنتولي قرابة نصف ساعة من منزله إلى المسجد القديم، ثم إلى المقبرة البعيدة نسبيا عن بيت العائلة.

ووفق الأسرة، يحمل سند الترتيب الثاني بين إخوته، فيسبقه فادي، ويليه سعيد، ومحمد، وفريد، وعامر، وزين، ثم الشقيقتان ورود وياسمين، وترك مقاعد الدراسة قبل الثانوية العامة، ويعمل في فرع البناء، ولم يجهز بعد بيته الخاص الملاصق بمنزل الأسرة.

ويقول الشاب عدنان أبو عصبة إن بلدته كانت حزينة، وأقفلت متاجرها أبوابها خلال الجنازة، وكان مشهد المنزل الذي لم يفرح به صاحبه قاسيا.

ويبين أن سند هو شهيد لقمة العيش الأول في البلدة، التي تعاني بفعل عودة مستعمرة (حومش) المخلاة.

وتتشارك أسرة سند في مهنة البناء، لكنها صارت تتقاسم القهر والحسرة على ابنها.

ويصف السائق إبراهيم عبد الله، الذي تزامن التشييع مع عبوره من طريق البلدة الرئيس، الرابط بين جنين ونابلس، البلدة بـ”الجريحة على شاب كان يحول تأمين لقمة العيش، لكنها غمست بالدم”.

وحسب بيانات المكتب الإعلامي للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، فإن عدد شهداء لقمة العيش منذ مطلع العام الحالي وحتى منتصف أيلول، وصل إلى 45 بينهم 4 أجانب.

ويفيد بأن 8 عمال قضوا في المحافظات الشمالية، ومثلهم أثناء محاولة وصولهم إلى أماكن عملهم، أو خلال ملاحقتهم، بينما قضى 29 في أراضي الـ 48.

وتقول أرقام الاتحاد إن 9 من شهداء لقمة العيش، تم ذكر تسبب الاحتلال في مقتلهم بإطلاق نار أو خلال الاعتقال، أو عند جدار الضم والتوسع أثناء محاولات ذهابهم أو إيابهم من أماكن عملهم، أو إثر اقتحام جنود الاحتلال للورش التي يعملون فيها.

وتبعا للاتحاد، فإن 38 من شهداء لقمة العيش، تسبب الاحتلال بغيابهم منذ 7 تشرين الأول 2023.




إرهاب الدولة الإسرائيلي واختراق السيادة القطرية

د. دلال صائب عريقات

لم يكن العدوان الإسرائيلي الأخير الذي طال الأراضي القطرية مجرد حدث عابر يمكن تفسيره باعتباره “استهدافًا لحركة حماس” كما تدّعي إسرائيل. في العلاقات الدولية، اللغة لها معنى، والسيادة لها قدسية، والقانون الدولي يضع حدودًا فاصلة بين الدولة واللاعبين من غير الدول. إن محاولة تبرير استهداف قطر بذريعة ضرب “حماس” لا تعدو كونها خطابًا عبثيًا يهدف إلى التملص من المسؤولية القانونية والسياسية، وإلى شرعنة إرهاب دولة منظم بات نهجًا راسخًا في سلوك الاحتلال الإسرائيلي.

إسرائيل اخترقت سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، ودولة عضو في مجلس التعاون الخليجي، بل ووسيط أساسي في مفاوضات وقف إطلاق النار الجارية. هذا ليس مجرد انتهاك للقانون الدولي العام وميثاق الأمم المتحدة، بل هو اعتداء مباشر على منظومة الأمن الجماعي. في العلاقات الدولية، استهداف دولة ذات سيادة، بغض النظر عن المبررات، يرقى إلى عمل عدواني يستوجب الرد.

إرهاب الدولة المنظم: سياسة الاغتيالات ليست جديدة في سجل إسرائيل؛ إنها عقيدة ممنهجة تمارسها الدولة العبرية منذ نشأتها. من بيروت إلى تونس، ومن دمشق إلى طهران، واليوم إلى الدوحة، يتكرر المشهد: اغتيالات خارج الحدود، ضربات جوية وصاروخية، كلها تعكس إرهاب دولة ممنهج، وليس مجرد “عمليات أمنية محدودة”. ما يجري اليوم هو تكريس لمعادلة القوة الغاشمة: لا احترام للسيادة، لا التزام بالقانون الدولي، ولا اكتراث لميثاق الأمم المتحدة. وفق القانون الدولي، ميثاق الأمم المتحدة يحظر بشكل واضح استخدام القوة ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي. كما أن مبدأ الحصانة الدبلوماسية والسيادة الوطنية محمي بموجب الاتفاقيات الدولية. ما قامت به إسرائيل يعد خرقًا صريحًا لكل ذلك. الأخطر أن هذا العدوان جاء ضد دولة تقوم بدور الوسيط، أي أن إسرائيل لم تكتفِ بانتهاك السيادة، بل وجهت رسالة إلى العالم أن لا حصانة لأحد، حتى للدول التي تبذل جهدًا لصناعة السلام.

المعضلة الكبرى تكمن في أن استمرار إسرائيل في الإفلات من العقاب هو ما يفتح لها الباب لمواصلة عدوانها. من غزة إلى الضفة الغربية، ومن لبنان إلى سوريا، وصولًا إلى اليمن والآن قطر، نجد أن الدولة العبرية تنفذ عمليات عسكرية تتراوح بين جرائم إبادة جماعية في غزة، وإرهاب استيطاني في الضفة، واعتداءات متكررة على سيادة دول المنطقة. إن لم يتم لجم إسرائيل ومساءلتها وفق القانون الدولي، فإن السؤال ليس ما إذا كانت ستكرر هذه الأفعال، بل متى وأين ستكررها.

قطر وسيط فاعل يتمتع بمرونة سياسية، موارد داعمة، وقدرة على بناء جسور الحوار في صراعات تمتد من غزة إلى كولومبيا، ومن أفغانستان إلى أوكرانيا, تواطؤ الولايات المتحدة أو صمتها يفاقم المأساة. فالدوحة ليست فقط دولة خليجية، بل أيضًا حليف استراتيجي لواشنطن ووسيط رئيسي في ملفات المنطقة والصراعات الدولية. برزت قطر خلال العقدين الأخيرين كأحد أهم الوسطاء في العالم، إذ راكمت سجلًا حافلًا من النجاحات في الشرق الأوسط من خلال دورها في اتفاق الدوحة 2008 الذي أنهى أزمة لبنان، ورعايتها اتفاق دارفور 2011 في السودان، ومحاولاتها في ليبيا واليمن، إضافة إلى وساطاتها المتكررة بين إسرائيل وحماس في غزة. وعلى الصعيد الدولي، احتضنت الدوحة مفاوضات طالبان–الولايات المتحدة التي أثمرت عن اتفاق 2020، كما ساهمت في ملفات بالغة الحساسية مثل البرنامج النووي الإيراني وتبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا. وإلى جانب ذلك، امتد الدور القطري إلى أمريكا اللاتينية عبر دعم مسار السلام في كولومبيا والتواصل بين حكومة فنزويلا والمعارضة. عندما تتغاضى واشنطن عن جريمة بهذا الحجم، فإنها عمليًا تشرعن سلوكًا شاذًا يقوض مبادئ القانون الدولي، ويعرض النظام الدولي لاهتزاز خطير.

إن ما جرى مع قطر ليس حادثًا منفصلًا، بل حلقة جديدة في مسلسل إرهاب الدولة الإسرائيلي. الرد لا بد أن يكون عربيًا وخليجيًا ودوليًا، يتجاوز الإدانة إلى الفعل، عبر تفعيل أدوات القانون الدولي، وممارسة ضغط سياسي واقتصادي حقيقي يضع حدًا للإفلات من العقاب.

إن لم يتم الرد اليوم، فغدًا قد تكون أي دولة عربية أخرى هدفًا، ما دام الاحتلال يمارس إرهاب الدولة بلا رادع، وما دامت العدالة غائبة. وكما أن جريمة الإبادة في غزة لم تجد بعد رادعًا دوليًا، فإن استهداف قطر يجب أن يكون جرس إنذار: إسرائيل تمارس إرهاب دولة منظم، وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي، فإن النظام الدولي نفسه سيكون الضحية التالية.




غزة: اليوم التالي والممر التجاري.. فرصة اقتصادية أم فخ “إسرائيل الكبرى”؟

د. دلال صائب عريقات

برز مجدداً اسم جاريد كوشنير وطوني بلير، وتُطرح في الآونة الأخيرة مشاريع إقليمية ضخمة تربط بين آسيا وأوروبا بطرق تجارية جديدة، تهدف إلى إعادة رسم خريطة الاقتصاد العالمي. ومن أبرز هذه المشاريع فكرة ممر يبدأ من الهند، مرورًا بالخليج العربي، ثم برًا عبر الأردن وصولًا إلى غزة، حيث تتحول الأخيرة إلى عقدة لوجستية تنقل البضائع إلى أوروبا عبر المتوسط.

هذا الطرح يبدو في ظاهره مشروعًا اقتصاديًا واعدًا، لكنه في جوهره يحمل أبعادًا أمنية وجيوسياسية خطيرة، تتعلق بمكانة غزة ومستقبلها، وبالتوازنات الإقليمية، بل وبفكرة “إسرائيل الكبرى” التي تتجاوز حدود فلسطين. سنحاول تقديم تحليل من عدة زوايا: 

أولًا: غزة كمركز تجاري بديل لقناة السويس: تقوم الفكرة على جعل غزة حلقة وصل تجارية بين الشرق والغرب، بما يجعلها بديلًا استراتيجيًا لممر قناة السويس.

•   اقتصاديًا: يوفر المسار الجديد طريقًا بريًا قد يكون أسرع وأقل تكلفة من النقل البحري التقليدي عبر قناة السويس.

•   إقليميًا: يقلص من دور مصر الاستراتيجي كمحور للتجارة العالمية، ويمنح إسرائيل والولايات المتحدة والأردن والخليج مكانة جديدة في النظام التجاري.

•   فلسطينيًا: يطرح تساؤلًا وجوديًا: هل يمكن أن تتحول غزة من منطقة محاصرة إلى مركز اقتصادي دولي؟ أم أنها ستبقى مجرد “ممر” خاضع لإشراف خارجي؟

ثانيًا: البعد الأمني – سيطرة أمريكية–إسرائيلية: لا يمكن فصل المشروع عن الإطار الأمني, احتلال غزة على أساس:

•   الرقابة والسيطرة: أي حركة للبضائع عبر غزة ستخضع لإشراف أمني أمريكي–إسرائيلي مشترك، بما يجعل الفلسطينيين مهمشين في إدارة شريان تجاري يمر عبر أرضهم.

•   الأمن قبل الاقتصاد: جوهر المشروع ليس التنمية الفلسطينية، بل ضمان أن تبقى غزة مرتبطة بهيكل أمني إسرائيلي قادر على التحكم في الحدود والموانئ.

•   الرسالة السياسية: المشروع يعكس قناعة بأن أي إدماج لغزة في الاقتصاد العالمي لا بد أن يكون مشروطًا بالأمن الإسرائيلي، ما يحول الاقتصاد إلى أداة للسيطرة لا للتحرر.

ثالثًا: الحلول الاقتصادية على حساب الحقوق السياسية: الممر التجاري ليس سوى نسخة جديدة من مقاربات قديمة سعت إلى استبدال الحقوق السياسية الفلسطينية بمكاسب اقتصادية محدودة.




بعد موافقة حماس: تسوية قريبة أم مماطلة إسرائيلية ؟

نبهان خريشة

أعلنت حركة حماس موافقتها على ما نسبته ثمانية وتسعين في المئة من مقترح الوسطاء لوقف اطلاق النار في غزة، الذي هو في جوهره مقترح المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، وطالبت بتعديلات طفيفة لا تتجاوز نسبتها اثنين في المئة. هذه التعديلات تمحورت حول ثلاث قضايا أساسية: آلية تسليم الأسرى الإسرائيليين بشكل متقطع، واستثناء منظمة المساعدات الأمريكية من العمل داخل القطاع، إلى جانب تكليف الأمم المتحدة وحدها بتوزيع المساعدات، إضافة إلى التأكيد على فتح معبر رفح كمنفذ حيوي للغزيين. بهذا تكون حماس قد أبدت مرونة واضحة، وتراجعت عن مطالب كانت تعتبرها حتى الأمس القريب خطوطاً حمراء، وفي مقدمتها وقف الحرب وانسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع، وهو تراجع يعكس حجم الضغط الهائل الذي يتعرض له المدنيون الفلسطينيون جراء التقتيل والتجويع والتشريد المستمرة منذ شهور.

هذه الموافقة، على الرغم من كونها مشروطة ببعض التعديلات، تشكل تحولا في موقف حماس السياسي والعسكري. فالحركة التي رفعت منذ بداية الحرب شعار الصمود حتى تحقيق الانسحاب الكامل، تجد نفسها اليوم مضطرة لإعادة ترتيب أولوياتها تحت وطأة الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع. مئات آلاف الناس بلا مأوى، عشرات الآلاف بين قتيل وجريح، انهيار شبه كامل للبنية التحتية، وحصار خانق يمنع دخول الغذاء والدواء، كلها عوامل أجبرت حماس على تقديم تنازلات، ربما لم تكن لتقبلها لولا إدراكها أن استمرار القتال بالمعطيات الحالية لا يخدم سوى آلة الحرب الإسرائيلية، التي تبدو مستمرة في سحق المجتمع الغزي تحت ذرائع الأمن والردع.

ومع ذلك، فإن الموافقة على مقترح الوسطاء، حتى بصيغته المعدلة بنسبة ضئيلة، لا تعني بالضرورة أن إسرائيل ستسارع إلى التوقيع عليه. فالتجربة التاريخية مع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وخصوصاً حكومة اليمين الحالي بقيادة بنيامين نتنياهو، تثبت أن التعاطي مع أي مبادرة تهدئة لا يخضع فقط لحسابات عسكرية أو إنسانية، بل يرتبط بالدرجة الأولى بحسابات سياسية داخلية. نتنياهو الذي يواجه ضغوطاً متزايدة من عائلات الأسرى الإسرائيليين في غزة، ومن المعارضة التي تتهمه بالفشل في إدارة الحرب، يجد في أي مبادرة فرصة مزدوجة: إما أن يستثمرها لتقديم نفسه بوصفه من أعاد الأسرى وأوقف النزيف، أو أن يستخدم تفاصيلها، حتى وإن كانت هامشية، ذريعة للتسويف وإطالة أمد القتال.

التعديلات الثلاثة التي طلبتها حماس قد تتحول إلى أوراق بيد نتنياهو لرفض الاتفاق. فآلية تسليم الأسرى بشكل متقطع، رغم أنها مطبقة في اتفاقات مشابهة سابقة، قد تُصوَّر في الداخل الإسرائيلي على أنها مناورة تتيح لحماس الاحتفاظ بورقة ضغط حتى اللحظة الأخيرة. أما استثناء منظمة المساعدات الأمريكية، فهو مطلب قد يثير حساسية خاصة لدى واشنطن التي ترى في وجود هذه المنظمة ضمانة للرقابة والتأثير، وبالتالي قد يُفسَّر إسرائيلياً على أنه مسعى لإقصاء طرف يعتبر حليفاً استراتيجياً. وأخيراً، فإن تكليف الأمم المتحدة وحدها بتوزيع المساعدات وفتح معبر رفح يشيران إلى رغبة حماس في تقليص اليد الإسرائيلية على الشريان الإنساني للقطاع، وهو ما قد لا توافق عليه تل أبيب بسهولة لأنها اعتادت توظيف هذا الملف كورقة ضغط عسكرية وسياسية.

أمام هذه المعطيات، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل المقترح المطروح على الطاولة. السيناريو الأول، وهو الأكثر تفاؤلاً، أن توافق الحكومة الإسرائيلية على المقترح بعد مشاورات مع واشنطن والقاهرة والدوحة، مدفوعة بضغط داخلي من عائلات الأسرى وبإلحاح دولي لإنهاء الكارثة الإنسانية. في هذه الحالة، ستدخل المنطقة في هدنة تمتد ستين يوماً، قد تتحول إلى بوابة لمسار تفاوضي أوسع يضع أسساً جديدة لإدارة الصراع.

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في أن تقرر إسرائيل القبول المشروط، أي الموافقة على المقترح مع رفض بعض تعديلات حماس الثلاثة. عندها ستدخل المفاوضات في جولات إضافية من الشد والجذب، وقد يطول أمد النقاشات بما يتيح لإسرائيل الاستمرار في عملياتها العسكرية على الأرض بحجة أن الاتفاق لم ينضج بعد. هذا السيناريو يخدم نتنياهو إذا كان هدفه كسب الوقت، إما لترتيب أوراقه السياسية الداخلية أو لتحقيق مكاسب عسكرية إضافية في القطاع قبل أي تسوية.السيناريو الثالث، وهو الأكثر قتامة، أن ترفض إسرائيل المقترح برمته بحجة أن مطالب حماس غير مقبولة، أو أن الأخيرة ليست جادة في تسليم الأسرى بشكل كامل وفوري. في هذه الحالة، ستجد حماس نفسها وقد فقدت ورقة مهمة، فهي أبدت مرونة كبرى بالتنازل عن وقف الحرب والانسحاب، لكن إسرائيل لم تلتقط المبادرة. النتيجة المرجحة عندئذ هي استمرار الحرب وتفاقم المأساة الإنسانية، مع تحميل كل طرف الطرف الآخر مسؤولية فشل المساعي.

بين هذه السيناريوهات، يبدو أن العامل الدولي سيكون حاسماً. الولايات المتحدة، رغم دعمها المطلق لإسرائيل عسكرياً وسياسياً، تدرك أن استمرار المشهد الدموي في غزة يضر بصورتها في المنطقة ويحرج حلفاءها العرب. مصر وقطر اللتان لعبتا دور الوسيط تخشيان بدورهما أن يؤدي الفشل إلى انفجار إقليمي أكبر، سواء على صعيد التوترات الحدودية أو على مستوى الرأي العام العربي والإسلامي. لذلك فإن الضغط على إسرائيل للقبول، ولو بحده الأدنى، قد يتزايد خلال الأيام المقبلة، خاصة أن موافقة حماس شبه الكاملة تحرم نتنياهو من ذريعة الرفض المطلق.

في المحصلة، يمكن القول إن حماس خطت خطوة غير مسبوقة بقبولها مقترح الوسطاء بنسبة 98%، وهو ما يضع الكرة الآن في الملعب الإسرائيلي. فإما أن تستثمر الحكومة الإسرائيلية هذه اللحظة وتذهب نحو التوقيع بما يفتح الباب أمام هدنة إنسانية طال انتظارها، أو أن تختار مسار التسويف والرفض، لتبقى الدماء والمعاناة هي اللغة الوحيدة السائدة في غزة. والرهان في النهاية ليس فقط على عقلانية الساسة في تل أبيب، بل على مدى قدرة المجتمع الدولي على ممارسة ضغط حقيقي يجبر الطرف الأقوى عسكرياً على التنازل أمام معادلة إنسانية لا تحتمل المزيد من المساومات.




الضمّ: إسرائيل تكرّس مشروعها الكولونيالي وتفرض دولة فصل عنصري

د. دلال صائب عريقات

في خطوة لم تعد صادمة بقدر ما هي كاشفة، صوّت الكنيست الإسرائيلي على مشروع قانون يقضي بضمّ الضفة الغربية، في انتهاك فاضح لكل المواثيق الدولية، وكل ما تبقى من وعود ما سُمّيت بـ”عملية السلام”. هذه الخطوة، وإن كانت جديدة في الشكل، إلا أنها استمرار مباشر لمشروع استيطاني كولونيالي لم يتوقف منذ النكبة، يستهدف بشكل ممنهج حرمان الشعب الفلسطيني من أي شكل من أشكال السيادة الحقيقية.
إنّ هذا التصويت ليس مجرد إجراء تشريعي، بل هو تتويج لمنظومة استعمارية إحلالية تسعى إلى تكريس واقع الدولة الواحدة، ولكن ليس الدولة الديمقراطية التي تساوي بين المواطنين، بل دولة يهودية عنصرية تُبنى على مبدأ تفوّق قومي وديني، وتُقصي ملايين الفلسطينيين من حقوقهم السياسية والمدنية والإنسانية، لا وبل تقصي كل من هو غير يهودي حسب ما جاء في قانون القومية اليهودي لعام ٢٠١٨ والذي منح حقوق المواطنة الكاملة فقط لليهود من المواطنين ما يوكد عنصرية هوية دولة الاحتلال.
في ظل حرب الإبادة الجارية في غزة، وفي وقت تتعرض فيه مناطق الضفة الغربية لحملات اقتحام واعتقال ومصادرة أراضٍ، تصرّ إسرائيل على أن تمضي في مشروعها دون تردد أو خجل، ضاربة بعرض الحائط ليس فقط حقوق الفلسطينيين، بل أيضاً كل تصريحات ومواقف المجتمع الدولي، بما فيها تلك التي صدرت عن الدول الموقّعة على اتفاقيات “إبراهيم”.
لقد تغنّت بعض الأنظمة العربية بوقف “ضم الضفة” كإنجاز دبلوماسي مهد لاتفاقات التطبيع، لكن ها هي إسرائيل، بعد سنوات قليلة فقط، تمضي علناً في ما كانت تفعله على الأرض منذ عقود: ضمّ زاحف، استيطان متسارع، وتشريعات تكرّس واقع الأبارتهايد. وهنا، لا بد من مواجهة حقيقة أن ما نشهده اليوم هو تفكك كامل لأوهام “حل الدولتين”، وظهور صورة صارخة لدولة واحدة بحكم الأمر الواقع، لكن وفق تعريفات نظام استعمار استيطاني يفصل السكان على أساس الهوية، ويمنح الحقوق الكاملة فقط لليهود، بينما يُبقي الفلسطينيين تحت منظومة حكم عسكري، إداري، وقانوني تمييزي.
الضمّ ليس قانوناً فحسب، بل هو رؤية أيديولوجية، وسلوك ميداني، واستراتيجية صريحة لإغلاق الباب أمام أي أفق لتقرير المصير الفلسطيني. هو إعلان أن هذه الأرض لليهود فقط، وأن الفلسطينيين، بأفضل الأحوال، مجرد مقيمين تحت السيطرة الإسرائيلية دون أي حقوق سياسية حقيقية.
أمام هذا الواقع، فإن استمرار بعض الأنظمة في التمسك بوهم “السلام مقابل وقف الضم” بعد أن تم الضم فعلاً، يطرح أسئلة أخلاقية وسياسية جوهرية. إن ما يجري يتطلب من العالم الاعتراف بحقيقة المشروع الإسرائيلي كما هو: نظام فصل عنصري وكولونيالية القرن الحادي والعشرين. وبدلاً من دعم حلول شكلية تُبقي على النظام القائم، لا بد من دعم نضال الفلسطينيين من أجل الحرية، العدالة، والمساواة.
ففي النهاية، لا سلام حقيقياً يمكن أن يُبنى على نظام هيمنة، ولا استقرار يمكن أن يولد من رحم الاستعمار الذي يطبق سياسة “فرق تسد” التي تجسد الانقسام الفلسطيني واستمرار فصل غزة عن الضفة للقضاء على أي حق أو أمل في تقرير المصير للشعب الفلسطيني.