1

استدامة غير مستدامة

لما عواد

في ظل ازدياد استخدام مصطلح “الاستدامة” في خطابات التنمية ومشاريع الدعم الدولية والمحلية، تبرز تساؤلات جوهرية حول مدى واقعية هذا المفهوم، خصوصًا في السياق الفلسطيني المعقّد سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، وعلى الرغم من أن “الاستدامة” تُقدَّم كمبدأ رئيسي لضمان ديمومة أثر المشاريع وتقليل الاعتماد على المانحين، إلا أن الواقع يشير إلى مفارقة واضحة، تختصرها الجملة التي أصبحت تتردد في الأوساط الميدانية حول “الاستدامة مش مستدامة”. 

ففي الخطاب التنموي الفلسطيني، تكاد لا تخلو ورقة مشروع أو استراتيجية تدخل دولية أو محلية من مصطلح “الاستدامة”، والذي يُقدَّم كأنه الحل السحري لضمان ديمومة الأثر، وتقليل الاعتماد على المانحين، وتعزيز المسؤولية المحلية. ولكن حين ننزل من مستوى الخطابة إلى الواقع، نصطدم بمفارقة قاسية، فمعظم المشاريع التي تُسوّق على أنها “مستدامة”، إما تختفي بعد انتهاء التمويل، أو تتحوّل إلى عبء على المجتمعات المحلية، او عدم احداث أي تغيير، لإبقاء الامر ضمن حالة الاحتياج الدائم. 

تشير الدراسات والمراجعات النقدية المتعددة إلى أن الاستدامة كما تُطرح في مشاريع التنمية الفلسطينية ليست نابعة من تحليل جذري للاحتياجات المحلية أو من ظروف السيادة المحدودة، بل تأتي استجابة لمتطلبات الممول، وبمنطق السوق والنتائج السريعة. حيث يُطلب من الجهات المنفذة إنتاج “نموذج قابل للاستمرار”، دون توفير بنية قانونية واقتصادية تُعزز هذا الاستمرار فعلًا. وعليه، يغيب التخطيط الفعلي طويل الأمد لصالح إنجازات شكلية وسريعة، وتتحول مشاريع كثيرة إلى مبادرات مؤقتة، تُطوى مع انتهاء التمويل، وتعبر عن واقع يوضح التناقض بين الشعارات الرنانة وبين الواقع العملي، خاصة في سياقات مثل التنمية، المشاريع، أو السياسات العامة.

ماذا نقصد بالاستدامة؟ هل فعلاً مشاريعنا “مستدامة”؟ ما الفرق بين “استدامة لغوية” و”استدامة فعلية”؟

” ضمن ورش العمل، وعلى رأس كل وثيقة مشروع، تُزين الكلمة الذهبية “استدامة” العناوين، لتُروّج لنا أنها الحل السحري (لتمويل محدود + وخطة قصيرة الأجل = لأثر طويل المدى).

الواقع، كما أصبح يعرفه أغلبنا، شيء آخر تمامًا، فالاستدامة الحقيقية لا تأتي من “تقرير مخرجات” ولا من “ورقة تقييم نهاية المشروع”، الاستدامة تبدأ حين يُسأل المجتمع: “شو بدكم؟”، وحين تُبنى البرامج على ثقة الناس، لا على رغبة الممول. لكنها في أغلب الأحيان تتحول إلى وهم إداري، يتم تغليفه في كلمات رنانة، وتنتهي صلاحيتها مع آخر دفعة تمويل، كم من مبادرة أُطلقت باسم النساء، وتوقفت قبل أن تصل إليهن؟ كم من برنامج ريادي أو بيئي أو شبابي رُوّج له على أنه “نموذج للتنمية المستدامة”، ثم اختفى دون أن يُترك له أثر؟ نحن أمام ظاهرة اسمها: “استدامة مش مستدامة”، حيث تكون الاستدامة مجرد ديكور لغوي، لا ممارسة فعلية، هذا ليس مجرد نقد، إنه دعوة للتوقف…. لنعيد تعريف “الاستدامة” بأصوات النساء، وبصبر العاملات، وبإرادة المجتمعات. 

أولًا: الاستدامة كفخ لغوي، الاستدامة كما تُطرح في معظم المشاريع ليست مفهومًا فعليًا نابعًا من سياق فلسطيني، بل هي نسخة مفرغة من محتواها، تُقدَّم ضمن مصطلحات مانحة مثل exit strategy أو value for money وبما أن التمويل المشروط هو الأداة الرئيسية في المشاريع، فإن أي “استدامة” لا تأخذ بعين الاعتبار بنية الاحتلال، وقيود السيادة، وواقع التجزئة الجغرافية، هي استدامة وهمية.

ثانيًا: التمويل غالبًا ما تُربط “الاستدامة” بقدرة المشروع على “توليد الدخل” أو “الاعتماد على الذات”، دون التوقف عند شروط السوق الفلسطيني المشوه، الذي يخضع للتحكم الإسرائيلي، والقيود على الموارد، وسياسات الجمارك والضرائب المجحفة. فإذا كانت البنية الاقتصادية نفسها غير مستقلة، فكيف نتحدث عن مشاريع مستدامة؟ هذا الطرح يُعيد إنتاج منطق الليبرالية الجديدة: انسحاب الدولة، وتفكيك المسؤولية العامة، وتحميل الأفراد عبء الاستمرارية. 

ثالثًا: على حساب النساء والفئات المهمشة غالبًا ما تُسقط مشاريع “التمكين الاقتصادي” للنساء تحت عنوان الاستدامة، لكنها لا تعالج الأسباب البنيوية للفقر أو التهميش، يتم تمويل تدريب أو دعم صغير، ثم يُطلب من النساء أن “يحافظن على المشروع” دون بنية قانونية حامية، أو سوق عادل، أو حماية اجتماعية، هكذا تتحول الاستدامة إلى مسؤولية مفروضة على الفئة المهمشة والهشة، بدل أن تكون التزامًا ممنهجًا من الدولة والمجتمع.

رابعًا: غياب الحوكمة والمتابعة من الناحية المؤسسية، لا توجد معايير واضحة لقياس الاستدامة في القطاع العام أو الأهلي الفلسطيني. حيث تنتهي معظم المشاريع بتقارير تقييم شكلية، لا تُخضع النتائج لتحليل معمّق، ولا تُستثمر الدروس المستفادة، فلا السياسات تُراجع، ولا البرامج تُعدل بناءً على الأثر، بل يُعاد تدوير نفس النماذج من جديد. 

فجوة التمويل والواقع الاقتصادي

“بيحكولنا “مشروع مستدام”، بس بنكتشف إنه “استدامة مش مستدامة”… وين راحت الخطة؟ وين راحت الموارد؟ وخلصت الفكرة لما خلص التمويل”.

العديد من البرامج التي تُروَّج تحت شعار “الاستدامة” تتجاهل السياق الاقتصادي الفلسطيني القائم على الاحتلال والتحكم بالموارد، والإغلاق المتكرر، والتشتت الجغرافي. كيف يمكن لأي مشروع محلي أن يكون “مستدامًا” في ظل هذه المعطيات؟ وكيف تُحمَّل المجتمعات مسؤولية الحفاظ على مشاريع دون تمكينها فعلًا؟ هذه الأسئلة تفتح الباب لنقد السياسات التنموية السائدة، التي تُفرّغ “الاستدامة” من بعدها السيادي والعدالى. 

النساء والفئات المهمشة والهشة، هن/هم أول المتضررات في برامج “التمكين الاقتصادي”، وغالبًا ما يُلقى عبئ الاستدامة عليهن بعد انتهاء المشروع، رغم أنهن ما زلن يعانين من فجوات بنيوية في الوصول إلى التمويل، والسوق، والحماية القانونية، والعمل اللائق.  وتُسجَّل حالات كثيرة لمبادرات نسوية توقفت تمامًا فور انتهاء فترة التمويل، دون ترك أي أثر مؤسسي أو حماية

اجتماعية أو متابعة جدية، بذلك، تتحول “الاستدامة” من أداة دعم إلى عبء إضافي، ومن شعار إلى التزام فعلي إن تجاوز هذا الواقع يتطلب إعادة تعريف الاستدامة من منطلق وطني وشامل، يأخذ بعين الاعتبار عناصر السيادة، العدالة الاجتماعية، والملكية المجتمعية للبرامج. 

ماذا نريد؟ نحو استدامة حقيقية. من شعار إلى التزام فعلي “استدامة مش مستدامة” ليست مجرد جملة ساخرة، بل توصيف دقيق لحالة بنيوية نعيشها يوميًا في فلسطين، وإذا أردنا تجاوز هذا الفخ، علينا أن ننتقل من استهلاك المصطلحات، إلى إنتاج حلول قائمة على فهم الواقع، لا على تجميله. 

ولتحقيق ذلك، هنالك حاجه إلى.

– تمويل غير مشروط يُبنى ويراعي أولويات المجتمعات المحلية الحقيقية. 

– شراكات مجتمعية حقيقية تبدأ من القاعدة، لا من المانح.

– مساءلة حقيقية لمخرجات المشاريع، ومدى استمرارها فعليًا، وليس فقط لأموالها.

– بنية قانونية واقتصادية، تُمكّن النساء والفئات الهشة من الاستمرار دون اتكال.

–  تعزيز مفاهيم الاقتصاد التضامني والاجتماعي كبدائل مستدامة.

– تفعيل أدوار الدولة والمجتمع، لا الانسحاب منهما.

– دعم البنية التشريعية لحماية النساء والرياديات والفئات الهشة.

الاستدامة مش كلمة حلوة، مش تمويل بس، الاستدامة التزام، وخطاب مسؤول.

الاستدامة ليست مجرد بند في مقترح مشروع، بل التزام طويل الأمد تُقاس فعاليته بما يبقى بعد انتهاء كل مرحلة. وإذا لم تُربط هذه الاستدامة بسياسات وطنية عادلة وبقدرة حقيقية على الصمود، فإننا سنبقى نُكرّر نفس النموذج: “استدامة مش مستدامة.

“فالاستدامة” الحقيقية ليست مجرد بند في مقترح مشروع، أو “خط إنتاج” داخل مشروع، بل التزام طويل الأمد تُقاس فعاليته بما يبقى بعد انتهاء كل مرحلة، وقدرة الناس على بناء ما يبقى بعد أن يرحل الجميع.  إنها نتيجة منطق تخطيط وطني شامل، يربط بين السيادة السياسية والاقتصادية، ويعيد الاعتبار للدور العام، وإذا لم تُربط هذه الاستدامة بسياسات وطنية عادلة وبقدرة حقيقية على الصمود فإننا سنبقى نُكرّر نفس النموذج ” استدامة غير مستدامة”.




رمانة.. بيوت محتلة حتى إشعار آخر

عبد الباسط خلف- لم يكن 11 مواطنا من أبناء عائلة صبيحات، في قرية رمانة غرب جنين، يعلمون أن بيوتهم ستصبح محتلة، بين عشية وضحاها، وسيحول جيش الاحتلال بعضها إلى ثكنة عسكرية.

ويفيد الخمسيني رسمي صبيحات، أحد أصحاب المنازل المخلاة قسرا، بأن جيش الاحتلال اقتحم القرية مساء أمس الأول الجمعة، وأمهل العائلات 10 دقائق للخروج من المنازل، وعدم العودة إليها إلا بعد أسبوع، أو حتى يجري إبلاغه.

ويشير بمرارة إلى أن جنود الاحتلال أحضروا معهم معدات كثيرة تكشف نيتهم الإقامة طويلا، ونصبوا خيمتين على سطح منزلي منير غسان صبيحات، ومحمد نجيب صبيحات، بينما أفرغوا بقية المنازل من أهلها.

ويضيف صبيحات لـ”الحياة الجديدة” بأن الأسر المستولى على بيوتها، انتابها شعور بالقهر وهي تغادرها بالقوة، خاصة أن الاحتلال لم يمنحها وقتًا للحصول على المقتنيات الضرورية، كما لم ينذرها قبل وقت سابق بما سيفعله.

ويبين بحسرة أن العائلات التي أقصاها الاحتلال عن بيوتها الجديدة، بدأت قبل نحو 13 عاما ببناء منازلها في منطقة اللحف المرتفعة، غرب القرية، والمشرفة على غالبية أحيائها.

وحسب صبيحات، فإن العائلات التي وجدت نفسها دون مأوى، لجأت إلى أقربائها في أرجاء القرية الصغيرة، التي التهم جدار الفصل العنصري مساحات منها.

ويؤكد رئيس مجلس القرية، نضال الأحمد، أن الاحتلال لم يسلم العائلات أي أمر مكتوب بالسيطرة على البيوت خلال اقتحامها، وأنه أبلغ أصحابها بمدد مختلفة للعودة.

ويقول إن الاحتلال أبلغ بعض العائلات بنيته مواصلة تحويل البيوت إلى ثكنات عسكرية من 4 أيام أو 7 أو 10، أو لأسبوعين.

ويوضح بأن ما حصل في رمانة هو الأول من نوعه، ورافقه اعتداء لجنود الاحتلال على بعض أصحاب البيوت المخلاة.

ويبين عضو المجلس القروي، حسن صبيحات، بأن البيوت المستهدفة تؤوي قرابة 70 مواطنا وتعود لأبناء عائلة صبيحات: منير غسان، ورامي كامل، وأحمد راشد، وحسن راشد، ومحمد نجيب علي، وسمير نجيب، وفيصل عبد الرحمن، ومحمد عبد الرحمن، ورسمي محمد، وطارق غالب.

ويوضح بأن المجلس حاول التنسيق عبر هيئة الشؤون المدنية؛ لتمكين المواطنين من إخراج المقتنيات الشخصية خاصة للأطفال والنساء، ومنحهم المزيد من الوقت، إلا أن جنود الاحتلال رفضوا ذلك.

ويستذكر صبيحات ما حل برمانة من احتلال لبيوت في آب 2022، لكنه يفيد بأن ذلك كان لوقت قصير، ورافقه هدم لهدم منزلي الأسيرين، أسعد الرفاعي وصبحي صييحات، منفذا عملية “إلعاد”.

ويؤكد أن الاحتلال حول بعض البيوت إلى ثكنات عسكرية، كما حطم نوافذ بعضها، واستولى على سطوح قسم منها، لكنه حولها كلها إلى ثكنات عسكرية، وتعامل مع البيوت المخلاة التي لم يستخدمها وكأنها “مناطق أمنية عازلة”.

ووفق صبيحات، الذي يترأس هيئة الكهرباء في رمانة والطيبة وزبوبة والسيلة وتعنك، فإن الاحتلال احتل قبل أيام منزلين لخمس عائلات وسط عانين المجاورة، كما استولى على 3 بيوت في الطيبة لعائلة إغبارية.

ويربط منسق لجنة الطوارئ في قرية الطبية، عبد الرحيم محاميد، ما جرى في رمانة وعانين هذا الأسبوع مع ما حدث في الماضي، إذ استهلك جنود الاحتلال رصيد الكهرباء في أحد البيوت، التي احتلها، وعندما نفد التيار تواصلوا مع أصحاب البيت لشحنه.

ويفيد رئيس مجلس قروي عانين، محمد عيسى، بأن الاحتلال حول منزلا متعدد الطوابق لخمس عائلات: إبراهيم مصطفى ياسين واثنين من أبنائه وأطفالهم، والشقيقان أسامة ونسيم ياسين إلى ثكنة عسكرية، وسط القرية.

ويؤكد بأن الجنود أبلغوا العائلات بعدم العودة إلى ديارهم قبل أسبوع من الآن، وهي المرة الرابعة التي يعمد الاحتلال فيها إلى هذا الإجراء.

ويعرب أهالي من القرى الثلاث المستهدفة عن مخاوفهم من اتساع دائرة الاحتلال المؤقت للبيوت، ويخشون من تخريب مقتنياتهم والسطو عليها، والتفسير الوحيد الذي يخمنه الشاب أحمد صبيحات أن احتلال بيوت رمانة وغيرها يأتي ربما للاحتماء من أية ضربات صاروخية محتملة قد تصل معسكر سالم القريب من قريته، في ظل الهجمات المتبادلة بين تل أبيب وطهران.




جرائم المستعمرة

حمادة فراعنة

هل من كلمة يمكنها إيجاز وصف مقارفات المستعمرة، وما تفعله من تجاوزات ومحرمات، من قتل مقصود للمدنيين، وتدمير ممنهج للمؤسسات الصحية والعلاجية من مستشفيات، وقصفها بكل وقاحة، وللمدارس، ودور العبادة من مساجد وكنائس ومسحها عن الأرض، ومساكن الناس حتى خيامهم القماشية لا تسلم من أذى القصف والدمار وحصيلته وأد الحياة، والعمل على إلغاء وبقاء الفلسطينيين على أرض وطنهم.
وها هي تعتدي على سفينة “مادلين” المبحرة من إيطاليا وعليها من المتضامنين الأجانب، نحو غزة لكسر الحصار، وتقديم نموذج إنساني من ذوات متطوعة متعددة الجنسيات، فيتم الاستيلاء عليها من المياه الدولية، قبل وصولها إلى المياه الإقليمية الفلسطينية ويتم جرها إلى ميناء إسدود، ومنعها من مواصلة طريقها إلى غزة، بعد اعتقال روادها من جنسيات مختلفة، والمس بهم، لأنهم يتضامنون إنسانياً مع فلسطين وشعبها في قطاع غزة.
المستعمرة ترتكب الجرائم، بكل أنواعها وأشكالها، حتى استفزت الحلفاء الأوروبيين الذين صنعوها، ودعموها، وتبنوا مشروعها الصهيوني الاستعماري التوسعي، على حساب شعب فلسطين وأرضه وحقوقه وكرامته، قبل أن تتبناها الولايات المتحدة التي وفرت لها الحماية، وها هي تتخذ قرار الفيتو للمرة السابعة في مجلس الأمن منذ اجتياح أكتوبر 2023، بهدف حمايتها من المساءلة القانونية الدولية.
المستعمرة ترتكب الموبقات الجرمية، ولا تخاف ولا تسأل، لا تحتاط، ولا تتردد، لأنها محمية من واشنطن أولاً، ومن العواصم الأوروبية ثانياً، التي ما زالت تخشى المس بها ومعاقبتها على ما تفعله من جرائم وموبقات وقتل: عينك عينك.
سبق ليهود أوروبا أن تعرضوا للأذى من قبل القياصرة والنازيين والفاشيين، وكان عليهم أن يستفيدوا ويتعلموا ويتحاشوا فعل ما فعلته بهم الأنظمة الأوروبية، ولا يفعلون بالشعب العربي الفلسطيني، ما فعلته بهم الأنظمة العنصرية الفاشية: روسيا القيصرية، ألمانيا النازية، إيطاليا الفاشية.
مؤتمر نيويورك الدولي من قبل المبادرة المشتركة الفرنسية السعودية، ومؤتمر باريس الذي دعا له الشريكان إيهود أولمرت وناصر القدوة، يجب أن لا تقتصر دعواتهما لإقرار حق الفلسطينيين بالدولة والاستقلال، وهذا توجه مفيد ومهم، ولكن يجب أن توجه الإدانة لأفعال المستعمرة الإجرامية، بكل وضوح، لتعرية مشروع المستعمرة الأحادي التوسعي العنصري، والدعوة لعزله وسحب الشرعية منه وعنه.
تتوهم المستعمرة أنها أحبطت مسيرة سفينة “مادلين” بمنعها من مواصلة رحلتها إلى بحر غزة، واعتقال روادها، لأنها قطعت شوطاً كبيراً في هدفها وقفزها السياسي المعنوي، وهي خطوة على الطريق، وها هي مسيرة “تونس” التونسية الجزائرية المغاربية الليبية، تواصل زحفها نحو حدود فلسطين، والشيء المؤكد أنها لن تتمكن من دخول فلسطين، ولكنها ستبرز مدى الانحياز والتعاطف مع قضية الشعب الفلسطيني، وتوجه الإدانه للمستعمرة وسلكوها، وللمطبعين معها، أنهم لم يتمكنوا من زحزحة المستعمرة عن برنامجها الاستعماري.
ما بعد أكتوبر 2023، لن يكون كما قبله، فالنضال والتضحيات ومراكمة الفعل من قبل الفلسطينيين، في مواجهة جرائم وأفعال الإسرائيليين، انعكس على وعي شعوب العالم، وخاصة أوروبا وأميركا، إضافة إلى زيادة الوعي والفهم العربي والإسلامي والمسيحي، ولذلك ستكون المعطيات مختلفة عما هي بعد أكتوبر، مقارنة بما كان قبل أكتوبر 2023.

………….

ما بعد أكتوبر 2023، لن يكون كما قبله، فالنضال والتضحيات ومراكمة الفعل من قبل الفلسطينيين، في مواجهة جرائم وأفعال الإسرائيليين، انعكس على وعي شعوب العالم، وخاصة أوروبا وأميركا.




سفينة “مادلين” وصلت… إلى وجداننا

سماح جبر

في رحلة بحرية لا ترحم، وتحت سماء مثقلة بطائرات الاستطلاع، تبحر سفينة صغيرة اسمها مادلين نحو غزة. في الظاهر، تبدو كأي مركب عادي محمّل بالدواء والمساعدات، ولكن جاء بها أناس قلوبهم حرة تُكذّب الصمت وتقاوم الخذلان. بعد 20 شهر من الحصار الخانق والابادة تأتي مادلين كفعل مقاومةٍ أخلاقي، وصرخة مدوية في وجه القسوة العالمية.

المرمرة: ذاكرة الحصار والجُرح المفتوح

في عام 2010، هزّت سفينة مافي مرمرة ضمير العالم، حين اقتحمتها القوات الإسرائيلية في عرض البحر وقتلت عشرة متضامنين أتراك على متنها. كانت المرمرة، ضمن أسطول الحرية، تحاول إيصال مساعدات إلى غزة المحاصرة، لكنها انتهت مأساةً دامية على شاشات الأخبار. رغم ذلك، لم يُطفئ الدمُ الرسالة، بل أكّدها: أن من غير الفلسطينين، ومن شتّى البلدان، هناك أناس أصحاب ضمائر حيّة، مستعدّون للموت كي لا يُترك الفلسطيني وحيدًا في ألمه وعزلته.

من تلك اللحظة، تحوّلت المرمرة إلى رمز، ليس فقط للشهادة، بل للإرادة الأممية التي ترفض أن ترى التجويع والتدمير وتبقى صامتة. وقد أقيم لسفينة مرمرة نصبا تذكاريا في ميناء غزه تم تحطيمه العام الماضي على يد الة العدوان الاسرائيليه. 

مادلين: شقيقة المرمرة في الإيمان والوجع

بعد 15 عاما تعود صورة المرمرة من خلال سفينة مادلين، التي أبحرت من أوروبا في طريقها إلى شواطئ غزة، محمّلة  بمتضامنين وأدوات طبية وقلوب عازمة على نصرتنا. على متنها وجوه من جنسيات مختلفة، أناس لم يجمعهم الوطن ولا اللغة، بل الحقيقة: أن الإنسانية في غزة تُداس، وأن الصمت مشاركة في الجريمة.

نعلم ويعلمون أنهم قد لا يصلون، وأن البحرية الإسرائيلية قد تعترضهم أو تختطفهم أو تعتقلهم. ومع ذلك، يركبون البحر لأنهم لا يحتملون الخيانة اليومية التي تمارسها حكوماتهم بصمتها.

بلسم لجرح الخذلان 

في فلسطين، وفي غزة على وجه الخصوص، تعتبر مادلين  ترياق معنوي في زمن الإبادة. منذ أكتوبر 2023، والفلسطينيون يعيشون عزلة مرعبة: مجازر تُرتكب على الهواء، جوع ينهش الأطفال، موت معلن بلا تدخل حقيقي. في هذا السياق، تبدو مادلين كحورية بحرية تطبع قبلتها على جبين غزه وتقول لاهلها لستم وحدكم.

الطفل الذي فقد أهله، والأم التي تنام على رائحة القنابل الحارقة، والطبيب الذي يجرّ جسدًا بلا مخدر، جميعهم يحتاجون قبلة من مادلين. هذه القبلة، حتى وإن لم تصل السفينة فعليًا، تصل إلى الوجدان الفلسطيني وتعيد إليه شيئًا من الإيمان بالإنسان.

سفن إنسانية تُعترض… وسفن حربية تحوب المحيطات 

مما يضاعف مرارة الحصار هو المفارقة الجارحة: في الوقت الذي يُمنع فيه دخول سفينة إنسانية بسيطة إلى غزة، تعبر يوميًا السفن الحربية المحمّلة بالقنابل والصواريخ والمقاتلات نحو الموانئ الإسرائيلية، محمّلة من مخازن الغرب، ومرحّبًا بها كأنها تحمل ورودًا لا أدوات قتل.

تُفتَّش مادلين بحثًا عن أدوات مقاومة وتلاحق بالطائرات ويتم تشويش ادوات الملاحه الخاصه بها، بينما تُفرغ السفن الحربية شحنات الموت بلا رقابة. يكفي أن ننظر إلى شواطئ حيفا وأسدود، لنجد كم من السفن العسكرية رست هذا العام، محملة بدعم غير مشروط لآلة القتل في غزة. بينما تُمنع سفينة إنسانية من إيصال قطنٍ معقّم أو عكازات لطفل بترت ساقه.

إنها ليست مجرد ازدواجية معايير، بل هي استعراض  لانهيار الضمير العالمي.

 مادلين كصرخة للضمير العالمي

في كل مرة تعترض فيها سفينة نحو غزة، تنكشف هشاشة الضمير العالمي. الأمم المتحدة تصمت، الحكومات العربية تبرّر، والديمقراطيات الغربية ترفع شعارات فارغة. مادلين، بهذا المعنى هي مرآة تُظهر لنا جميعًا: من يقف مع الإنسان، ومن يساوم على حياته.

 كيف أصبح إيصال دواء إلى طفل، تهمة؟ كيف صار الحبّ جريمة؟ كيف صار الوقوف مع المظلوم مخاطرة؟

سواء وصلت مادلين أم لم تصل، فهي، كالمرمرة،  قد رست بالفعل في قلب الفلسطينين. هي ليست فقط تحدّيًا للحصار .بل نداءً موجّهًا للعالم: أن فلسطين ليست ساحة للموت فقط، بل ساحة للكرامة والوفاء والإنسانية والحب الثوري الذي يأتي بهؤلاء الغرباء إلى شواطئ غزة.

من المرمرة إلى مادلين، ومن البحر إلى المخيم، تستطيع فلسطين أن تعرف وتقدّر من كان معها، ومن تواطأ ضدها.




لقاء مهم ودعوة تستحق التوقف

حمادة فراعنة

لا شك أن دعوة الحزب الشيوعي الأردني مع حزب الشعب الديمقراطي وحزب الوحدة الشعبية، للقاء يوم السبت 31-5-2025، الذي استجاب له العديد من القيادات السياسية والنقابية والشخصيات العامة، شكل رافعة سياسية في ظل الوضع السياسي الصعب المعقد الذي يجتاح بلدنا ومنطقتنا وجوارنا وإقليمنا، يجعلنا في حالة إرباك، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، خاصة بعد التطورات السلبية التي حصلت: 

1- إضعاف المقاومة الفلسطينية واغتيال قياداتها العسكرية والسياسية، على إثر تداعيات مبادرة  7 أكتوبر 2023، وزيادة في التعقيد والضعف بسبب الانقسام بين فتح وحماس، بين الضفة والقطاع.

2- اغتيال قيادات حزب الله اللبناني وإضعافه وإخراجه من موقعه الطليعي في إدارة المشهد السياسي في مواجهة المستعمرة الإسرائيلية، وتغيير موازين القوى الداخلية اللبنانية. 

3-  تدمير الجيش السوري بكافة قدراته، وإخراجه من موقع المواجهة مع العدو الإسرائيلي.

تطورات تحتاج وتتطلب تعزيز العامل الذاتي وطنياً وقومياً في مواجهة التفوق الإسرائيلي المدعوم أميركياً على كل صعيد. 

كما أن الصمود الفلسطيني، رغم التضحيات والخسائر غير المسبوقة بسبب القتل المتعمد والتصفية المقصودة للمدنيين الفلسطينيين، والتضامن العالمي وخاصة الأوروبي والتحولات التدريجية لصالح فلسطين وضد المستعمرة الإسرائيلية تدريجياً تفرض نفسها على المراقبين، في اختيار الانحياز نحو الثقة بالنفس وعدم التراخي. 

كما أن الضغوط التي تواجه الأردن، والتحديات التي تصنعها المستعمرة الإسرائيلية للأردن باتجاهين: 

الأول، المس بالمصالح والعناوين الأردنية نحو فلسطين: 1- وضع العراقيل للمساعدات الأردنية نحو غزة، 2- التطاول على الوصاية الهاشمية والرعاية الأردنية والمس بقدسية المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي بالخليل وغيرها من العناوين. 

والثاني، محاولات إعادة رمي القضية الفلسطينية إلى خارج فلسطين، عبر محاولات التهجير، والضم التدريجي للضفة الفلسطينية لخارطة المستعمرة الإسرائيلية، والاستيطان، وهي محاولات تهدف إلى جعل الضفة الفلسطينية كما سائر الجغرافيا الفلسطينية طاردة لشعبها بالضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية والمعيشية القاسية، كما يحصل في قطاع غزة، ومخيمات الضفة الفلسطينية.

تحديات كبيرة تواجه شعبنا وبلدنا، تستوجب اليقظة والوحدة وتحصين جبهتنا الداخلية.

مبادرة الحزب الشيوعي تجري في هذا السياق، وإن كانت ما زالت محدودة، مقتصرة على أحزاب التيار اليساري، الذي له الاحترام ولكنه لا يملك وحدة قدرة التصدي للمهام التي عرضها وتضمنها بيان الحزب الذي تم توزيعه، فالتيار اليساري لديه ما يكفيه من المتاعب الداخلية، وإن كان الحزب الشيوعي تقدم خطوة جوهرية بوحدته الداخلية، وانتخاب قيادة جديدة، واضح أنها تتمثل بالفعالية والحيوية، ولكن المواجهة والتحديات تتطلب مشاركة أحزاب التيار القومي مع هذه التوجهات، كون الطرفين اليساري والقومي تعرضا لانتكاسات جوهرية على المستوى الدولي بسبب نتائج الحرب الباردة، لا زالت تداعياتها ماثلة وزادتها نتائج الربيع (الخريف) العربي. 

ومع ذلك تبقى مبادرة الأحزاب اليسارية الثلاثة لها قيمة واعتبار، وخطوة ضرورية، تتقدم إلى الأمام حقاً بتوسيع قاعدة المشاركة والتحالف بعيداً عن التباينات والخلافات التي عصفت بعلاقاتهم منذ الانتخابات النيابية إلى اليوم.