1

جنين.. صناديق أمل من تحت الركام

عبد الباسط خلف- يجلس الفتى علي أبو الرب، تحت شمس كانون الثاني الخجولة، وسط سوق جنين، ويتابع عبر هاتفه موقع لجنة الانتخابات المركزية؛ للتسجيل فيها لأول مرة.

ويقول لـ”الحياة الجديدة” إنه كان في الانتخابات الماضية في الثالثة عشرة من عمره، إلا أنه لم يكن بوسعه التوجه إلى صناديق الاقتراع لاختيار أعضاء بلدية جنين.

ويؤكد أن المجلس البلدي، كما علم من مناقشاته مع والده الخمسيني، مهم جدا لتقديم الخدمات العامة للمواطنين، ومتابعة احتياجاتهم اليومية، والإشراف على تنظيم الطرقات والأسواق.

ويشير بابتسامة لطيفة إلى أنه يفكر في الترشح للانتخابات بعد 6 سنوات، وضمان الوصول إلى 23 عاما، وهو السن القانوني الذي حدده قانون الانتخابات المعدل والجديد.

ويرى مواطنون من المدينة أن الانتخابات القادمة لن تكون سهلة، بسبب ظروف العدوان المتواصل على جنين ومخيمها وريفها، وقرارات الاحتلال إعادة المستوطنات إلى أطراف المدينة ومحيطها.

ويشير الشاب أحمد السعدي، إلى أنه رغم العدوان فلا بد من إجراء الانتخابات؛ لتطوير وإصلاح وإعادة بناء مرافق المدينة التي دمر الاحتلال كل شيء فيها، خلال عدة جولات.

وليس ببعيد عن موقع جلوس علي، كان مدير مكتب لجنة الانتخابات المركزية في جنين، خالد سليمان، يستعرض لصحفيين من المدينة التزامات الصحفيين ووسائل الإعلام وحقوقهم وقواعد سلوكهم خلال الاستحقاق الانتخابي المحلي.

ويلخص تعميم للجنة التزامات الإعلاميين بحمل البطاقة الانتخابية الصادرة عن اللجنة، وإبرازها داخل مراكز التسجيل والاقتراع والفرز، وتفادي ارتداء أو حمل أي شعار يماثل أو يشبه الهيئات الحزبية أو المرشحين أو القوائم، داخل محطات الاقتراع.

وتشدد التعليمات على عدم إحداث أية فوضى أو تشويشات داخل محطة الاقتراع، والامتناع عن إجراء أية مقابلات داخل مراكز التسجيل، وتجنب تصوير كبائن الاقتراع، أو التقاط صور من الممكن أن تكشف سرية الناخبين، وعدم التدخل في مجريات العملية الانتخابية، والامتناع عن تدوين أي معلومات شخصية تتعلق بالمسجلين أو المقترعين، والاستجابة التامة لتعليمات مسئول مركز التسجيل.

ويؤكد سليمان لـ”الحياة الجديدة” أن اللجنة هي الجهة الوحيدة المخولة بنشر أية معلومات تخص التسجيل أو الاقتراع أو الفرز أو إعلان النتائج.

ويقول إن “الانتخابات المركزية” تحتاج إلى إسناد من الإعلاميين للتعريف بالقانون الجديد، ولحثهم على التسجيل الإلكتروني المتاح الآن، عدا عن التسجيل الورقي بين 20 و24 من كانون الثاني الجاري.

وحسب سليمان، فإن فترة الترشح ستمتد بين 23 شباط و1 آذار المقبلين، وستشمل 70 هيئة محلية في جنين.

ويبين أن 54 مجلسا قرويا سيجري اختيار الأعضاء فيها بشكل مباشر، عدا عن 16 مجلسا بلديا، واحد في جنين يضم 15 مقعدا، و4 بـ 13، و11 مجلسا بأحد عشر مقعدا، ستخضع لقوائم مفتوحة مختلفة عن الانتخابات السابقة.

والمختلف، والكلام لسليمان، أن القانون الجديد خفض نسبة الحسم إلى 5% من الأصوات الصحيحة، بدلا من 8% في الانتخابات السابقة، عدا عن عدم السماح لرئيس الهيئة المحلية الذي ينتخب من بقية الأعضاء بالجمع بين وظيفتين، وضرورة استقالته من عمله.

وفتحت لجنة الانتخابات النقاش مع الإعلاميين، خلال لقاء توعوي عقدته بالتنسيق مع محافظة جنين حول دور وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في انتخابات الهيئات المحلية، التي ستعقد في 25 نيسان القادم، وستعلن نتائجها النهائية في التاسع والعشرين منه.

وطرح الإعلاميون تساؤلات حول القانون والترشح وحقوقهم وواجباتهم خلال الانتخابات المحلية.

فيما أكد مدير اللجنة في جنين، أهمية دور الإعلام والمؤثرين في مواقع التواصل في المنافسات التي ستشهدها محافظة جنين والمحافظات الأخرى.

وكانت اللجنة أعلنت أمس أن نسبة المسجلين حتى نهاية العام الماضي في جنين، وصلت إلى 88,7% من أصحاب حق الاقتراع.

وتصبغ “الانتخابات المركزية” حملاتها الترويجية ومنشوراتها بشعار (باقون) للدلالة على الصمود أمام الهجمة الشرسة التي تشهدها محافظات الوطن منذ أكثر من عامين.

وتقول صفاء الشيخ إنها تفكر في خوض غمار الانتخابات في بلدتها، بخاصة بعد رفع “الكوتا” النسوية في القانون الجديد إلى 3 في الهيئات ذات المقاعد الأحد عشر.

وتشير إلى أن فكرة تشكيل قائمة نسوية كاملة لم تعد صعبة، خاصة بعد أن ترشحت قائمتان في السابق لها، واحدة في مدنية الخليل، والثانية في بلدة برقين، غرب جنين.




علي سمودي.. “شمس” مؤجلة مرة أخرى

عبد الباسط خلف- أجل الاحتلال مجددّا حرية الصحافي على صادق سمودي، 59 عامًا، وحرمت أسرته وأحفاده من فرحة اللقاء المنتظر.

وتشعر العائلة بقلق كبير على حياة والدها، القابع رهن الاعتقال الإداري والرهينة لعدة أمراض في سجون الاحتلال، منذ 8 أيار الماضي.

ويؤكد نجله محمد لـ”الحياة الجديدة” أن الاحتلال حوّل والده لـ”الإداري”، بعد عشرة أيام من اعتقاله، لستة أشهر، وعاد وجدد الحكم أربعة أشهر أخرى، ومدد اعتقاله للمرة الثالثة لمدة أربعة جديدة، أمس الأحد.

وتقول العائلة إن الأب خضع لقسطرة قلب قبل اعتقاله بوقت قصير، وحرمه الاحتلال من نظارته الطبية التي لا يستطيع المشي دونها، كما يمنع عنه الدواء من نحو 10 أمراض صارت تلازمه.

واعتقل جيش الاحتلال الصحافي سمودي من منزله فجر 29 نيسان الماضي، وكانت آخر تغطياته اقتحام الحي الشرقي في المدينة، التي تتعرض منذ 21 كانون الثاني 2025 لعدوان متواصل.

وتشير أخته الوحيدة تغريد إلى أنه تعرض لإصابات عديدة برصاص الاحتلال، وآخرها يوم ارتقاء شيرين أبو عاقلة في أطراف مخيم جنين، وحالات اعتقاله المتكررة.

وتبعًا لمحامي العائلة، فقد نقله الاحتلال من معتقل النقب الصحراوي إلى “مجدو” في ظروف سيئة، وتعرض للضرب والقمع والإهانات.

وعلي أب لولدين: مجد، ومحمد ولابنتين: فرات وفرح، وولدت أصغر حفيداته سهير، بعد اعتقاله، فيما حرمته القيود من حفيداته: حور، ورفيف، ومليكا، وتوفيت زوجته قبل عدة سنوات.

وتوضح ابنته الصغرى فرات لـ”الحياة الجديدة” في مناسبة سابقة، أن والدها كان يرهن نفسه للعمل الإعلامي والتطوعي، ولم تكن تلتقي العائلة به خلال الاقتحامات المتكررة للمدينة.

وتستعيد لحظة اعتقاله، حينما اقتحم جنود الاحتلال منزله، واحتجزوا العائلة في غرفة، وصادروا هواتفها، وتعرض الأب للضرب، وأجبره الجنود على خلع ملابسه، ومنعوه من ارتداء نظارته، واحتجزوه 3 أيام في مخيم جنين.

ويعتبر سمودي أحد أقدم الصحافيين في جنين، فقد التحق بالعديد من وسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية، ونشط في العمل الخيري خلال السنوات الماضية.

بدوره، نشر نادي الأسير قائمة بأكثر من (100) معتقل صدرت بحقهم أوامر اعتقال إداري، بينهم سمودي.

وتبعًا للنادي، يواصل الاحتلال التصعيد من جريمة الاعتقال الإداري، تحت ذريعة وجود “ملف سري”، والتي شهدت تصاعدًا غير مسبوق عقب 7 تشرين الأول 2023، إذ يصل عدد الإداريين اليوم (3350).




في اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني

د. دلال صائب عريقات

في اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، يقف أبناء شعبنا في غزة والضفة والقدس والداخل والشتات أمام لحظة مفصلية تُعيدنا لعمق المأساة التي نعيشها منذ حوالي ثمن عقود. فهذا اليوم، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1977 ليس مناسبة احتفالية ولا حدثًا بروتوكوليًا؛ بل هو تذكير سنوي بثبات الحقيقة: أن شعبًا كاملًا ما يزال يرزح تحت الاحتلال، وأن حقوقه الوطنية والإنسانية ما تزال مؤجّلة.
نقف في اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني أمام لحظةٍ من أكثر لحظات تاريخنا وضوحًا وخطورة. لحظة لا تحتمل التجميل ولا الغموض، ولا تقبل الخطابات الفارغة أو الرسائل المواربة. فكل شيء بات يُقال ويُدار علنًا: الضغوط، الصفقات، الإملاءات، فرض الحقائق والمؤامرات التي تُحاك أمام أعين العالم بلا خجل.
نعم، تُفرض علينا اليوم خيارات مؤلمة، وحلول ناقصة، وترتيبات لا تليق بدماء شعبنا ولا بتضحياته. ويراد للفلسطيني أن يقبل بين خيارين مستحيلين: إما المساعدات أو الحرية… إما الأمن المزيّف أو الكرامة الحقيقية… إما الدبلوماسية والكلام الناعم وقبول كل ما يأتي أو سحب الشرعية.
كرامة الفلسطيني ليست بندًا للتفاوض، وحرية شعبنا ليست جزءًا من أي صفقة. حقوقنا ليست قابلة للمساومة، وهويتنا ليست ورقة في لعبة سياسية. نحن شعبٌ أصيل على هذه الأرض، ولسنا ضيوفًا فيها. وأولويتنا الوطنية الأولى هي حماية شعبنا، وحماية سيادتنا، وحماية كرامتنا الوطنية. وهذا ليس شعارًا، بل واجب يومي نرفض التراجع عنه مهما اشتدت الضغوط.
ورغم قسوة المشهد، يظل يوم التضامن منصة عالمية لإعادة البوصلة إلى جوهر القضية الفلسطينية: الحرية والكرامة والعدالة. ففي الوقت الذي تتكشف فيه ضغوط سياسية وحلول ناقصة لا تلامس الحد الأدنى من تطلعات الفلسطينيين، يظل الخطاب الوطني ثابتًا وواضحًا: لا كرامة تحت الاحتلال، ولا أمن بلا حرية، ولا تسوية على حساب حقوق الشعب.
وما يميز هذا العام هو الزخم الشعبي العالمي غير المسبوق. فقد خرجت الملايين في عواصم العالم الكبرى وفي الجامعات والنقابات والمجتمعات المدنية، مدفوعة بضمير إنساني يقظ، لتؤكد أن القضية الفلسطينية ليست شأنًا محليًا بل قضية عدالة إنسانية. هذا التضامن أعاد القضية إلى النقاش الدولي وأتاح للفلسطينيين مساحة أوسع لسرد روايتهم ومطالبهم العادلة.
وبالتوازي، شهد العالم تحركات دبلوماسية وقانونية لافتة، سواء من خلال محاولات محاسبة الاحتلال على جرائمه، أو من خلال تزايد الاعترافات بالدولة الفلسطينية. ورغم أن هذه الإجراءات وحدها لا تكفي لإنهاء الاحتلال، إلا أنها تعكس تحولًا مهمًا في الوعي الدولي وفي إدراك حقيقة الصراع.
ومع ذلك، تبقى الحقيقة المريرة ماثلة: الفلسطينيون لم ينالوا حقوقهم بعد، والاحتلال ما زال واقعًا يوميًا يمس حياة كل فرد. لذلك، فإن يوم التضامن ليس للاحتفال، بل لحشد الإرادة الدولية والتذكير بجوهر القضية: استعادة حقوق شعب فقد أرضه وحريته وما يزال يقاوم الظلم بالصمود والإرادة.
ويرتكز الخطاب الفلسطيني اليوم على مجموعة من الثوابت:
•     الشعب الفلسطيني هو المرجعية وصاحب القرار.
•     رفض أي حلول تنتقص من الحقوق الأساسية أو تفرض وقائع مخالفة للقانون الدولي.
•     تثمين التضامن الشعبي والدبلوماسي العالمي باعتباره رصيدًا يجب البناء عليه.
•     التأكيد على الوحدة الوطنية كركيزة لمواجهة المرحلة المقبلة.
•     تفعيل الأدوات الدبلوماسية والقانونية إلى جانب كل الوسائل المشروعة لضمان حماية شعبنا وتحقيق حريته.
لقد هرولت دول عديدة نحو اتفاقيات أبراهام بدافع براغماتي بحت، بحثًا عن مصالحها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بعيدًا عن أي إطار عربي موحّد أو أي حل جذري للقضية الفلسطينية، بل مع استمرار تهميش الفلسطينيين واستبعادهم. واليوم، إذ يحيي الفلسطينيون ومن يقفون معهم يوم التضامن العالمي في 29 تشرين الثاني، ذكرى قرار التقسيم 181، نتوجه إلى شعوب العالم بأعمق آيات الشكر. فقد شهدنا تضامنًا شعبيًا يرتقي لأبهى صوره، ومن المهم البناء على هذا الزخم واستثماره وعدم تركه لحظيًا أو مؤقتًا حتى ينعكس نداء الشعوب وتضامنها في السياسة الخارجية للدول.
إن الشعب الفلسطيني لا يطالب بما هو فوق طاقة العالم، بل بما أقرّته الشرعية الدولية نفسها: إنهاء الاحتلال، وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من حزيران، وأن يعيش بكرامة وأمان أسوة بكل شعوب الأرض. وفي يوم التضامن العالمي، نعيد التأكيد أن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن إرادة الشعوب أقوى من كل منظومات القهر، وأن فلسطين ستظل بوصلتنا الأخلاقية والإنسانية حتى تتحقق العدالة ويشرق فجر الحرية.




مشروع غزة منفصل عن فلسطين

حمادة فراعنة

واضح من الأقوال والأفعال الأميركية المعتمدة سلفاً تفاهمها مع حكام المستعمرة، في كيفية إنجاز خطة الرئيس ترامب، لبناء “قوة الاستقرار الدولية” المقرر تشكيلها بموجب هذه الخطة، اعتماداً على استمرارية إنهاء الحرب في قطاع غزة.

مشاورات أميركية تتم مع مصر والإمارات وقطر وأذربيجان وأندونيسيا، وحتى مع تركيا التي لديها الحماس كما تقول واشنطن للمشاركة في القوة المقترحة.

 مستشار أميركي رفيع المستوى في لقاء مع الصحفيين يقول إن القوة المقترحة: “لها دور إشرافي لوجستي تنسيقي، وليس لها دور قتالي على الإطلاق” .

وقال “هناك الآن 12 إلى 22 شخصاً أميركياً على الأرض للمساعدة في إعداد هذه العملية” وقال: “إن المرحلة الأولى من الاتفاق كانت تهدف فعلياً إلى تحقيق الإنسحاب حتى الخط الأصفر، وتهيئة الظروف لوقف إطلاق النار، وفتح المجال أمام المساعدات الإنسانية، تم إتمام عملية تبادل جميع الرهائن والأسرى، وقد تم إنجاز ذلك بنجاح” رغم المعيقات فيما يتعلق بانتشال الجثث.

وحول المرحلة الثانية قال المستشار الأميركي لدى البيت الأبيض:

“المرحلة الثانية تنص على وجود إدارة فلسطينية غير سياسية، تكنوقراطية، وقد بدأنا فعلاً البحث عن الأشخاص المناسبين، وتجنيدهم، وتهيئة الظروف المناسبة لذلك، لكن الهدف من هذه العملية ليس التورط في النقاشات القديمة حول السيادة والدولة والحكم الذاتي، بل التركيز على جعل غزة مكاناً وظيفياً قابلا للحياة” وأضاف بوضوح: “هذه المرة الأولى التي يعتقد فيها كثيرون أنه يمكن إنشاء بديل جديد، لا هو السلطة الفلسطينية ولا حماس، يمكن أن يشكل قيادة جديدة تُمكن الشعب الفلسطيني من التحرر من الظروف القاسية التي عاشها، والتي كانت في معظمها نتيجة سوء القيادة والقرارات الخاطئة”.

واضح أن المستشار الأميركي يستحضر مفهوم نتنياهو الذي سبق وأطلقه: “لا حمستان ولا فتحستان” وأن سبب مشاكل الشعب الفلسطيني هي: 1- سوء القيادة، 2- القرارات الخاطئة، سوء القيادة في رام الله، والقرارات الخاطئة في غزة.

إذن على الفلسطينيين أن يدركوا ويتعملوا ويفهموا ما ينتظرهم، وكيف يتم استثمار تضحياتهم في معركة غزة، وكيف يتم التعامل مع الخطة والبرنامج الأميركي كي تكون غزة بداية نموذج لفلسطين، شعب لديه أحزاب وتنظيمات تتنافس عبر صناديق الاقتراع لإدارة قطاع غزة من جانبهم، من إدارتهم، من فصائلهم وأحزابهم، مع مواصلة النضال في منطقتي الاحتلال الأولى عام 1948: في الجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل المختلطة عبر النضال المدني الديمقراطي، وخاصة في انتخابات المجالس المحلية – البلديات، وفي انتخابات مجلس النواب الكنيست، ليكون لهم الدور التأثيري عبر الوصول أكبر عدد منهم إلى صناديق الاقتراع، والدفع باتجاه التحالف بين قواهم السياسية: الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، الحركة الإسلامية، التجمع الوطني الديمقراطي، الحركة العربية للتغيير، الحزب الديمقراطي العربي، وغيرهم من القوى السياسية.

وفي مناطق 1967: في القدس والضفة الفلسطينية مواصلة النضال بأشكاله المتعددة لجعل الاحتلال مكلفاً أمام المجتمع الإسرائيلي، وأمام العالم لجعل المستوطنين منبوذين، غرباء، من المستعمرين الذين لا يجدون الأمن أو الاستقرار أو الطمأنينة.

مطلوب من فصائل العمل الوطني السياسي لدى القدس والضفة الفلسطينية جعل حياتهم كفاحية في مواجهة الاحتلال، عبر الوسائل والأدوات التي يرونها مناسبة وواقعية وعملية.

الفلسطينيون أمام التحدي، والتحدي بعد معركة غزة الباسلة الشجاعة، هو الوصول إلى وحدتهم الوطنية على أساس: 1- برنامج سياسي مشترك، 2- مؤسسة تمثيلية موحدة، 3- أدوات كفاحية متفق عليها، هذا هو الطريق نحو الحرية والاستقلال والعودة.




بين كيسنجر وويتكوف: من دبلوماسية الإعلام إلى الدبلوماسية السرّية

دلال صائب عريقات

سخر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من هنري كيسنجر قائلاً إنّه “كان يسرب المعلومات”، قبل أن يضيف أن ويتكوف “سريّ للغاية”، ترمب لم يكن يكتفي بإطلاق نكتة سياسية خلال خطابه في الكنيست الإسرائيلي قبيل توجهه إلى شرم الشيخ للإعلان عن خطته للسلام في الشرق الأوسط، بل عبّر عن تحوّلٍ عميق في عقل الدبلوماسية الأمريكية بين جيلين. جيلٌ كان يرى في الإعلام والاتصال المفتوح أداة لتليين المواقف وتهيئة الأرضية للاتفاق، وجيلٌ آخر يتعامل مع السرّية بوصفها ضمانة للسيطرة على النتيجة. هذا الفارق ليس مجرد أسلوب، بل فلسفة متكاملة في فهم السياسة والعلاقات الدولية: كيف تُبنى الثقة، وكيف يُدار الصراع، وكيف تُصنع التسويات.

كيسنجر وفي سبعينيات القرن الماضي، ابتكر ما سُمّي “دبلوماسية الذهاب والإياب”، إذ كان يتنقّل بطائرة بين العواصم بعد حرب أكتوبر، محاولًا تثبيت معادلة “السلام الممكن”. لكن ما جعله حالة فريدة في التاريخ الأمريكي لم يكن فقط كثافة تحرّكاته ورحلاته الجوية، بل طريقته في إدارة الرأي العام. كان يؤمن بأن الدبلوماسية لا تُمارَس في الغرف المغلقة فحسب، بل أيضًا في العقول والقلوب عبر الإعلام.

استخدم الصحفيين كأدوات اختبار، فكان يصطحب الصحافيين الكبار على متن طائرته ويُسرب إليهم ما يشاء من أفكار تمهيدية، فيقرأ من خلال ردود الفعل استعداد الأطراف لتنازلات أو قبول حلول وسط. كانت تسريباته المدروسة من خلال الصحافيين بمثابة “استطلاع دبلوماسي” قبل اتخاذ القرار. فهو يختبر المزاج العام محليًا ودوليًا، ليدرك ما يمكن تمريره وما يجب تأجيله. بهذه الطريقة، نجح في تحويل الإعلام من خصمٍ محتمل إلى حليفٍ ذكي، يخدم مشروعه السياسي تحت غطاء الشفافية وقدم في حقل الدبلوماسية نموذج لقيادة الدبلوماسي بتوجيه الاعلام وليس العكس. ورغم الجدل الأخلاقي الذي رافق سياساته، إلا أنّ كيسنجر قدم فهما للدبلوماسية: أنها فن إدارة التناقضات لا إخفائها. كان يعرف أن المصالحة لا تولد من الصمت، بل من حوارٍ متدرّج يوازن بين العلن والسر.

أما ويتكوف، أحد أبرز مهندسي الدبلوماسية في عهد ترمب، فينتمي إلى مدرسة مغايرة تمامًا، مدرسة تقوم على السرّية المطلقة بإطار براغماتي واقعي، حيث تُصاغ السياسات كصفقات على شكل عمليات استخبارية لا كمشروعات تفاوضية. في زمن ويتكوف، تحوّل مفهوم “الصفقة” إلى جوهر السياسة الخارجية الأمريكية. فبدل بناء سردية أو رؤية، كانت الغاية التوصل إلى نتائج سريعة تُعلن بعد إتمامها، دون تمهيد أو مشاركة للرأي العام. في تلك المقاربة، لا مكان لتسريبات كيسنجر ولا لتفاعلات الصحافة. المعلومة ليست أداة اختبار، بل ذخيرة يجب حمايتها حتى لحظة الإعلان.

ربما وجد ويتكوف في ذلك ضمانًا للإنجاز وحماية للمسار من الضغوط، لكن النتيجة كانت اتفاقات تفتقر إلى العمق والشرعية المجتمعية. ما يميز ويتكوف هو الكفاءة التقنية والقدرة على ضبط الملفات، لكنه يفتقد إلى الحسّ التاريخي الذي يجعل الدبلوماسية أكثر من مجرد تفاوض بين مصالح- يجعلها مشروعًا لبناء الثقة وإعادة تعريف العلاقات الإنسانية بين الشعوب والعلاقات الدولية بين الحدود على أسس العمل الدولي.

في المقارنة بين كيسنجر وويتكوف، يبدو الفرق بين من يبني الجسور ومن يشيّد الجدران.

الأول استثمر في الفهم، والثاني في السيطرة. كيسنجر زرع أسئلة ستظلّ حاضرة لعقود: كيف يمكن تحويل الصراع إلى حوار؟ كيف نصنع سلامًا واقعيًا دون أن نفقد المبادئ؟ أما ويتكوف، فقد مثّل عصرًا يتعامل مع السياسة بوصفها “صفقة تجارية” مقدما المصالح على أي قيم ومع ذلك، لا يمكن إنكار أنّ العالم اليوم يعيش لحظة تحتاج إلى شيء من الواقعية التي جمعت بين الاثنين: حكمة كيسنجر في قراءة المزاج العالمي، ودقة ويتكوف في إدارة التعقيدات خلف الكواليس.

في منطقتنا، حيث تُختبر الدبلوماسية يوميًا بين الحرب واللاعدالة، تبقى العبرة في المزج بين الحذر والأمل.

فلا نملك ترف المثالية المطلقة، ولا يجوز أن نستسلم لواقعية باردة تنزع السياسة من بعدها الإنساني الحقوقي والقانوني.

ما نحتاجه هو دبلوماسية شجاعة وذكية تتفوق فيها القوة الناعمة، تُصغي إلى الشعوب بقدر ما تتفاوض باسمها، وتفهم أن الصفقات العابرة لا تصنع استقرارًا، وأن التسويات الدائمة لا تُبنى على الصمت بل على المصارحة المدروسة.

ليس من الممكن اكتمال التحليل دون النظر الى تغير النظام العالمي من ثنائي القطبية وقت كيسنجر إلى أُحادي القطبية في عهد ويتكوف واهمية ان الأيديولوجية النيوليبرالية السائدة اليوم تقدم الفرد والربح على أي اعتبار آخر، مثل القيم أو الحقوق أو التوازن ما بين القطبين في عهد كيسنجر.

في النهاية، التاريخ لا يتذكر من أخفى الأسرار، بل من سطر الرواية.. الدبلوماسية التي يحتاجها عالم اليوم هي تلك التي تجمع بين الفهم العميق للمصالح، والإيمان الصادق بالإنسان. وبين الذهاب والإياب، ومن كيسنجر لويتكوف هناك فرصة بأن نعيد صياغة السياسة بما يمنح الأمل دون أن نفقد الواقعية، وأن نؤمن أن طريق السلام يبدأ من الشجاعة والحكمة والعدالة.