1

باروميتر الشباب الفلسطيني ليس مجرد إحصاءات

د. دلال صائب عريقات

توقفت أمام نتائج باروميتر الشباب الفلسطيني– الموجة الأولى 2026 لأنها تقدم صورة مركبة لجيل يعيش واقعًا بالغ الصعوبة، يعاني أزمات نفسية واقتصادية وامنية واجتماعية، لكنه لم يفقد انتماءه ولا إيمانه بقدرته على التغيير. شملت الدراسة بيانات 1,281 شاًبا وشابة من 18 إلى 29 عاًما، موزعين على الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس. اقترب التوزيع الفعلي من حصص الجنس والعمر المستهدفة، وتجاوز العدد المنفذ الهدف الادنى البالغ 1,200 استجابة.
الرقم الأكثر إثارة للقلق هو أن 64.1% من الشباب المشاركين يفكرون في مغادرة فلسطين أحيانًا أو بجدية، لكن هذا الرقم لا يعني ضعف الانتماء، فالباروميتر يسجل مستوى انتماء وطنيًا يبلغ 64.3% على المقياس المعياري، ويرتفع في القدس إلى 79.5%، كما أن 90%  من الشباب يرون أن مشاركتهم يمكن أن تُحدث تغييرًا حقيقيًا؛ 59.1% يرون أن تأثيرها يمكن أن يكون كبيرًا، و30.9% يرونه محدودًا لكنه موجود.
وهنا تظهر واحدة من أهم مفارقات التقرير أن الشباب منتمون، ويؤمنون بقدرتهم على التغيير، لكن مساحة مشاركتهم الفعلية لا توازي هذا الإيمان. فأكثر من نصف المشاركين، 52.7%، لم يشاركوا خلال الأشهر الستة السابقة في أي نشاط تطوعي أو مبادرة شبابية أو مجتمعية أو نشاط ثقافي أو رياضي، وتنخفض المشاركة في نشاط واحد على الأقل إلى 30.7% في غزة. هذه فجوة ليست في إرادة الشباب، بل في الفرص والمساحات المتاحة أمامهم.
ويظهر الأمر أيضًا في المجال الانتخابي. فمن بين من قالوا إن الانتخابات المحلية كانت متاحة لهم وكانوا مؤهلين للتصويت، ٧٢.٤٪ لم يتابع الانتخابات أبداً في غزة و٢٦.٧٪ في الضفة! وهذا يعود لعدم الاهتمام بالشأن السياسي بنسبة 45.4%، ثم عدم الثقة بالعملية الانتخابية 15.4%، ثم غياب المرشح المناسب 13%..
الحديث عن الشباب يجب ألا يقتصر على دعوتهم للمشاركة السياسية. علينا أن نسأل أيضًا: هل النظام السياسي والمؤسسات والأحزاب تمنحهم أسبابًا حقيقية للمشاركة؟ وهل يرون أثرًا لصوتهم؟
ثم يأتي مؤشر لا يقل خطورة: الضغط النفسي، بلغ المستوى الوطني للضغط النفسي في العينة 70.3%. وفي غزة يرتفع المتوسط إلى 77.3%، وفي القدس إلى 71.8%، وفي الضفة إلى 64.8%.. وفي المقابل، لا يلجأ إلى مختص نفسي أو مرشد اجتماعي سوى 6.2%، بينما يقول 15.6% إنهم لا يجدون دعمًا أصلًا. هذه الأرقام تقول لنا إن الصحة النفسية للشباب الفلسطيني قضية مرتبطة مباشرة بالصمود، والتعليم، والعمل، والمشاركة والقدرة على بناء المستقبل.
أما المؤشر الذي يحتاج إلى انتباه استراتيجي فهو مصدر المعلومات.76.9% من الشباب يعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدرهم الأول للأحداث والأخبار، مقابل 8.4% للأسرة والأصدقاء، و6.5% للمواقع الإخبارية الإلكترونية، و5.5%  فقط للإعلام التقليدي. وترتفع نسبة الاعتماد على وسائل التواصل إلى 84.5% في القدس.
وهنا يجب أن نكون دقيقين: الدراسة تخبرنا أين تتشكل البيئة المعلوماتية لجيل كامل، وتلفت صراحة إلى مخاطر المعلومات المضللة. وهذا بالنسبة لي مؤشر استراتيجي عندما يحصل أكثر من ثلاثة أرباع الشباب على أخبارهم أساسًا من منصات رقمية تتحرك فيها المعلومة بسرعة أكبر من التحقق، فإن التضليل، والمحتوى المجتزأ، والشائعات، وخطابات الكراهية والاستقطاب ليست قضية إعلامية فقط؛ بل يمكن أن تصبح قضية تتعلق بالتماسك المجتمعي والوعي السياسي. والحل ليس بمهاجمة وسائل التواصل الاجتماعي أو اتهام الشباب. هذه هي الساحة التي اختارها هذا الجيل، وعلى المؤسسات والإعلام وصناع القرار أن يكونوا موجودين فيها بمحتوى موثوق وسريع وشفاف ومقنع، وأن نستثمر بجدية في التربية الإعلامية والرقمية ومهارات التحقق من المعلومات.
نتائج الباروميتر توجه رسالة سياسية واجتماعية واضحة: لدينا جيل منتمٍ لكنه يفكر في الرحيل؛ يريد أن يغيّر لكنه لا يجد دائمًا المساحة؛ يعيش ضغطًا نفسيًا مرتفعًا؛ ويتشكل وعيه بصورة متزايدة داخل الفضاء الرقمي.
نحو ٦٠٪ من المجتمع الفلسطيني تحت سن ٣٠ عاماً، لذلك، لا يكفي أن نقول إن الشباب هم المستقبل, علينا أن نمنحهم مكانًا في الحاضر: في الانتخابات، والأحزاب، والمؤسسات، والمجالس، وصناعة السياسات والقرار، وأن نوفر لهم فرص العمل والتعليم والدعم النفسي، وأن نحمي فضاءهم المعلوماتي من التضليل من خلال المعرفة والشفافية، لا الوصاية ولا الولاءات. الصمود ليس أن نطلب من الشباب البقاء فقط؛ الصمود أن نصنع واقعًا يجعلهم يريدون البقاء، ويستطيعون المشاركة، ويشعرون أن لصوتهم أثرًا وأن لهم مستقبلًا في فلسطين، وهناك فرصة حقيقية من خلال الانتخابات القادمة بعد قرار تعديل عمر الترشح للمجلس التشريعي إلى ٢٣ عاماً، علينا ألا نتمنى، ولكن أن نعمل لضمان تمثيل حقيقي للشباب والكفاءة في كافة القوائم، على كل الفصائل والقوائم أخذ الشباب كأولوية على قوائمها، وألا ندعهم يشكلون قوائم مستقلة بهدف ضمان مشاركتهم.




شرطة بن غفير في الضفة!

د. ابراهيم ملحم

أقل الكلام

بعد فشل الجيش في التصدي لإرهاب المستوطنين في قصرة، أوعز “كاتس” بنقل صلاحيات إنفاذ القانون في الضفة إلى “شرطة بن غفير” التي “لن تتهاون مع إرهاب المستوطنين، وستضرب بيدٍ من حديدٍ كلَّ من يتجاوز القانون باعتداءاتٍ أو اقتحاماتٍ أو سرقاتٍ وغيرها من ارتكابات، من شأنها أن تولِّد ردود فعلٍ دولية منتقدة لإسرائيل!”.
لا نملك غير السخرية في توصيف ذلك التقاسم الوظيفي بين الجيش والمستوطنين والشرطة في التنكيل بالبلدات والقرى والتجمعات البدوية، التي باتت ورقةً في صناديق الاقتراع، إذ تتسارع الخطوات لفرض الوقائع الصلبة غير القابلة للتذويب، بعد أن تفشل تلك الطغمة الحاكمة في الخروج مرةً ثانيةً من صناديق الاقتراع التي ستُفتح بعد اثنين وسبعين يوماً، حسب ما تشير إليه استطلاعات الرأي.
فبن غفير صاحب براءة الاختراع لـ”برك التماسيح”، والحاصل على “شهادة الآيزو” في تفشي الجريمة في أراضي ٤٨، هو الأقدر من الجيش في تولي المهمة، فالرجل المنفلت من كل قيدٍ يعتمد على ذكائه الطبيعي، لا الاصطناعي، في توليد الأفكار، وتحمّل النقد الدولي تجاه ما يُعِدّ له من جرائم في الضفة، قد يستعيد فيها سيرة الآباء المؤسسين من قادة العصابات التي مارست التطهير العرقي عام ٤٨.




تل الزعتر.. حين صار المخيم وطنًا صغيرًا لفلسطين

لؤي صوالحة – كاتب وصحفي فلسطيني

هناك أماكن لا تنتهي حين تسقط جدرانها، وأسماء لا تصبح من الماضي مهما حاول الزمن أن يضع بينها وبيننا مسافة من السنوات، وتل الزعتر واحد من تلك الأماكن التي بقيت واقفة في الذاكرة الفلسطينية رغم أن المخيم نفسه لم يعد قائمًا كما كان، لأن المكان حين يسكنه شعب يحمل وطنًا في قلبه يتحول من جغرافيا عابرة إلى شاهد، ومن شاهد إلى ذاكرة، ومن ذاكرة إلى قضية لا تستطيع الحروب ولا المجازر ولا المنافي أن تطفئها.
في 12 آب/أغسطس 1976، لم يكن الفلسطينيون أمام نهاية مخيم فحسب، وإنما أمام واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخ اللجوء الفلسطيني، بعدما عاش سكان تل الزعتر حصارًا طويلًا وقصفًا ومعارك أنهكت المخيم وأثقلت أيامه بالخوف والجوع والموت، ثم جاء سقوطه والمجزرة التي ارتبطت به لتضيف صفحة دامية إلى سجل شعب لم تبدأ مأساته في لبنان، ولم تنتهِ عند حدود مخيماته، وإنما ظل يحمل جرح النكبة من مكان إلى آخر، وكأن الفلسطيني كتب عليه أن يهرب من الموت ليجده في محطة جديدة من محطات المنفى.
لكن تل الزعتر لم يكن مجرد مخيم.
كان فلسطين حين لم تكن فلسطين قريبة.
كان بيتًا صغيرًا للاجئين الكبار في أحلامهم، وكان في أزقته الضيقة متسع لحيفا وعكا ويافا وصفد والقرى التي تركها أهلها خلفهم عام 1948 وهم يحملون مفاتيح البيوت، وبعض الصور، وقليلًا من التراب، وكثيرًا من اليقين بأن العودة لن تتأخر، قبل أن تتحول الأيام إلى سنوات، والسنوات إلى عقود، ويصبح المفتاح الذي كان يفترض أن يفتح باب البيت يومًا ما شاهدًا على وطن غائب، ودليلًا على أن الفلسطيني يستطيع أن يعيش بعيدًا عن أرضه، لكنه لا يستطيع أن يقتلع الأرض من داخله.
كان في تل الزعتر جيل كامل من الفلسطينيين الذين ولدوا في المنفى وهم يعرفون أسماء أماكن لم تطأها أقدامهم، وكان الطفل يعرف القرية من صوت جدته، والمدينة من حديث أبيه، والبيت من صورة معلقة على جدار، وفلسطين من حكاية تتكرر كل ليلة حتى تصبح جزءًا من تكوينه، ولذلك لم يكن المخيم بالنسبة إلى سكانه مكانًا للنوم والطعام والعمل فقط، بل كان مساحة تحفظ ما تبقى من الوطن، ومكانًا يتوارث فيه الأبناء أسماء الذين سبقوهم، كما يتوارثون ملامح الوجه ولهجة القرية وذاكرة الطريق.
وحين اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية، لم يكن الفلسطيني قادرًا على الوقوف خارج العاصفة، فقد وجد نفسه داخل صراع شديد التعقيد تداخلت فيه القوى اللبنانية والفلسطينية والإقليمية، وتشابكت فيه المصالح والتحالفات والأسلحة، وتحولت المخيمات الفلسطينية إلى جزء من الجغرافيا الساخنة للحرب، وكان تل الزعتر، بحكم موقعه وظروفه، واحدًا من أكثر الأماكن تعرضًا للضغط والحصار، حتى أصبح سكانه يعيشون الأيام كما لو أن الموت يقف خلف الباب وينتظر لحظة الدخول.
في المخيم، لم تعد السياسة كما تُكتب في البيانات والخطب هي السياسة ذاتها التي يعيشها الناس، لأن الكلمات الكبيرة مثل التحالف والصراع والنفوذ والجبهة كانت تختصر داخل بيت صغير إلى أم تبحث عن الماء، وأب يحاول تأمين الطعام، وطفل يسأل عن موعد انتهاء القصف، ومريض ينتظر دواء قد لا يصل، وامرأة تحاول أن تخفي خوفها حتى لا يراه أطفالها في عينيها، ورجل يخرج في الصباح وهو لا يعرف إن كان سيعود في المساء، ولذلك فإن التاريخ الذي يريد أن يفهم تل الزعتر عليه أولًا أن ينظر إلى الإنسان الذي كان يعيش داخل الحصار، لا إلى الخريطة وحدها.
كان المخيم يتقلص تحت النار، وكانت الحياة تنسحب من تفاصيله شيئًا فشيئًا، بينما يتمسك الناس بما يستطيعون من يوم عادي، لأن الإنسان حتى في أقسى الظروف يحاول أن يصنع لنفسه شيئًا يشبه الحياة، فيغلي الماء، ويبحث عن رغيف، ويحاول تهدئة طفل، ويحتفظ بصورة عائلية، ويستعيد اسم قرية بعيدة، وكأن استحضار الوطن في لحظة الخوف كان شكلًا من أشكال المقاومة، وكأن الفلسطيني كان يقول للموت: يمكنك أن تحاصرني هنا، لكنك لن تستطيع أن تجعلني أنسى من أنا.
ثم جاء 12 آب/أغسطس 1976، اليوم الذي سقط فيه تل الزعتر بعد حصار ومعارك دامية، وارتبط سقوطه بمجزرة تركت جرحًا عميقًا في الذاكرة الفلسطينية، وبقيت تفاصيلها وأعداد ضحاياها موضوعًا لروايات ومصادر متعددة، لكن اختلاف الأرقام لا يغير جوهر المأساة، لأن الذين سقطوا لم يكونوا أرقامًا، وإنما كانوا بشرًا لهم أسماء ووجوه وعائلات وأحلام، وكان لكل واحد منهم مكان في قلب أم أو أب أو زوجة أو طفل، وكان لكل بيت قصة انتهت فجأة بينما بقيت أبواب كثيرة مفتوحة على انتظار لا يأتي منه أحد.
الرقم لا يستطيع أن يحكي قصة طفل خرج من بين الركام وهو يبحث عن وجه يعرفه، ولا يستطيع أن يصف أمًا احتفظت باسم ابنها بعد أن غاب، ولا يستطيع أن يشرح معنى أن يعود الناجي إلى المكان فلا يجد البيت الذي عاش فيه، وأن يبحث في الركام عن شيء صغير يثبت أن الحياة كانت هنا، صورة، قطعة قماش، لعبة طفل، باب مكسور، أو مفتاح لم يعد يفتح شيئًا، ولذلك تبقى المجازر أكبر من الأرقام، ويبقى الإنسان هو الحقيقة الأولى في أي رواية عن الموت.
ولأن الفلسطيني يعرف معنى أن يُقتلع الإنسان من المكان، فقد حمل تل الزعتر معه بعد سقوطه، ولم تنتهِ الحكاية عند الذين بقوا تحت الركام، بل خرج الناجون من المخيم إلى أماكن أخرى، وحملوا معهم أسماء الذين رحلوا، وصور البيوت، وتفاصيل الأيام الأخيرة، وحكايات الخوف والجوع، ثم نقلوا كل ذلك إلى أبنائهم، وهكذا أصبح تل الزعتر مكانًا لا يحتاج إلى جدران كي يبقى، لأن الذاكرة الفلسطينية قادرة على بناء مخيم كامل من كلمة واحدة، وعلى إعادة شارع كامل من اسم شهيد، وعلى فتح باب قديم بمجرد أن يقول أحدهم: كان لنا بيت هنا.
وربما لهذا السبب تحديدًا، فإن تل الزعتر لا يمكن قراءته بمعزل عن النكبة الفلسطينية، فالنكبة لم تكن يومًا واحدًا انتهى في عام 1948، وإنما كانت مسارًا طويلًا من الاقتلاع واللجوء والتشرد، ومن فقدان البيت والبحث عن مكان آمن، ومن محاولة تحويل الفلسطيني من صاحب أرض إلى لاجئ ينتظر المساعدة، ومن صاحب تاريخ إلى رقم في سجلات المؤسسات، لكن الفلسطيني قاوم هذا التحويل بالذاكرة، فحفظ أسماء القرى، وأبقى المفاتيح، وروى الحكايات، وعلّم أبناءه أن المكان الذي ولدوا فيه ليس بالضرورة المكان الذي ينتمون إليه، وأن الوطن قد يغيب عن العين لكنه لا يغيب عن القلب.
ومن هنا يصبح تل الزعتر أكثر من ذكرى لمجزرة، لأنه يكشف جانبًا من المأساة الفلسطينية ظل يتكرر في صور مختلفة، حيث يصبح المخيم شاهدًا على أن اللجوء لم يكن نهاية النكبة وإنما امتدادًا لها، وأن الفلسطيني الذي ظن أن المخيم محطة مؤقتة وجد نفسه أمام أجيال جديدة تولد في المنفى، بينما يبقى السؤال الأول معلقًا في الهواء: متى نعود؟
هذا السؤال لم يمت مع الذين رحلوا في تل الزعتر، ولم يمت مع الذين غادروا المخيم، ولم يختفِ عندما ابتعدت الأجيال عن لبنان، بل انتقل مع الأطفال إلى أبنائهم، ومع الأبناء إلى أحفادهم، حتى أصبحت العودة جزءًا من الوعي الفلسطيني، لا لأنها شعار يقال في المناسبات، وإنما لأنها الحقيقة التي أبقت للمنفى حدوده، ومنعت المخيم من أن يتحول إلى وطن بديل، وحالت دون أن تصبح السنوات الطويلة دليلًا على سقوط الحق.
وعندما نستعيد تل الزعتر اليوم، فإننا نستعيد معه زمنًا كاملًا من التاريخ الفلسطيني، زمنًا كانت فيه الثورة تبحث عن طريقها وسط عالم عربي ودولي شديد التعقيد، وكانت فيه فلسطين حاضرة في الفكر والسياسة والتنظيم والمقاومة، وكانت أجيال من الفلسطينيين ترى أن استعادة الوطن ليست حلمًا فرديًا، وإنما قضية شعب بأكمله، وأن الطريق إليها قد يختلف من مدرسة إلى أخرى، لكن جوهر القضية يبقى ثابتًا: شعب اقتُلع من أرضه يريد أن يستعيد حقه في الحرية والكرامة والعودة.
وفي ذلك الزمن، كانت الكلمة سلاحًا، والصورة سلاحًا، والذاكرة سلاحًا، وكانت الحكاية الفلسطينية نفسها فعل مقاومة، لأن من يستطيع أن يحكي حكايته يستطيع أن يقاوم الرواية التي تريد محوها، ومن يستطيع أن يقول اسم قريته يستطيع أن يثبت أن القرية لم تختفِ بمجرد أن هُجّر أهلها، ومن يستطيع أن يحفظ اسم شهيده يستطيع أن يمنع موته من أن يتحول إلى رقم مجهول في كتاب قديم.
ولهذا فإن مسؤولية الذاكرة اليوم ليست أن تجعلنا أسرى للحزن، وإنما أن تجعلنا أكثر قدرة على فهم الحاضر، لأن فلسطين التي فقدت تل الزعتر لم تفقد المخيم وحده، بل فقدت بشرًا عاشوا فيه وحملوا وطنهم، ومن حق هؤلاء أن تبقى قصتهم حاضرة، لا من أجل إنتاج الكراهية، وإنما من أجل إنتاج الحقيقة، فالحقيقة وحدها تستطيع أن تمنع التاريخ من أن يتحول إلى رواية يكتبها المنتصرون، والعدالة تبدأ من الاعتراف بالإنسان الذي سقط ومنحه اسمه ومكانه في الذاكرة.
واليوم، حين ينظر الفلسطيني إلى غزة، لا يستطيع أن يمنع الذاكرة من استعادة صور قديمة، لأن الحصار والدمار والنزوح ومشهد العائلة التي تبحث عن مكان يحمي أبناءها يعيد إلى الوعي الفلسطيني أسئلة يعرفها منذ زمن بعيد، وإن كانت لكل حرب ظروفها وسياقاتها وأطرافها، فإن الإنسان الذي يبحث عن مأوى في غزة اليوم يعرف، بطريقة موجعة، معنى أن يصبح البيت هدفًا، وأن يتحول المكان الذي يفترض أن يحميك إلى مساحة خوف، وأن تحمل أطفالك من شارع إلى شارع وأنت لا تعرف أين يمكن أن تجد صباحًا أكثر أمانًا.
من تل الزعتر إلى غزة، ومن مخيمات لبنان إلى مخيمات فلسطين، تبدو الذاكرة كأنها خيط طويل يصل بين أجيال متباعدة، ليس لأن التاريخ يعيد نفسه بالحرف، وإنما لأن قضية اللاجئ الفلسطيني لم تجد حلًا عادلًا، ولأن سؤال الوطن بقي مفتوحًا، ولأن الفلسطيني ما زال يواجه محاولات تحويل المأساة إلى أمر طبيعي، واللجوء إلى قدر دائم، والاحتلال إلى واقع لا يتغير.
لكن فلسطين ليست واقعًا يُفرض على الذاكرة.
فلسطين حكاية شعب.
وحكاية الشعب لا تنتهي لأن أحدًا حاول إغلاقها بالقوة.
لقد سقطت جدران تل الزعتر، لكن لم تسقط الحكاية، وتفرقت العائلات، لكن لم تتفرق الذاكرة، ورحل الشهود، لكن تركوا وراءهم أبناء يعرفون أسماء الذين رحلوا، وأحفادًا يعرفون أن وراء كل اسم قرية، ووراء كل قرية بيتًا، ووراء كل بيت وطنًا.
لهذا لا أكتب عن تل الزعتر باعتباره قبرًا للماضي، وإنما باعتباره شاهدًا على شعب رفض أن يموت في المنفى، وشاهدًا على أمهات حملن فلسطين في أصعب الظروف، وعلى أطفال كبروا وهم يحملون وطنًا لم يروه، وعلى ناجين لم يسمحوا للمجزرة أن تنتصر عليهم مرتين، مرة بالقتل ومرة بالنسيان.
وأنا أكتب اليوم، أرى في تل الزعتر أكثر من ركام، أرى وجه طفل يسأل عن أبيه، وأرى أمًا تخبئ مفتاحًا بين ثيابها، وأرى رجلًا يروي لأبنائه قصة البيت الذي تركه خلفه، وأرى فلسطين كاملة تختبئ في التفاصيل الصغيرة، في صورة قديمة، وفي اسم قرية، وفي مفتاح صدئ، وفي حكاية لا تزال تُروى رغم مرور نصف قرن.
أرى أيضًا ذلك المعنى الأعمق للثورة، حين تتحول الذاكرة إلى فعل مقاومة، وحين تصبح الكتابة دفاعًا عن الذين لم تعد أصواتهم قادرة على الكلام، وحين يصبح الصحفي شاهدًا لا يكتفي بتسجيل ما حدث، وإنما يبحث عن الإنسان الذي حاولت الحرب أن تمحوه من الصورة.
وهذا ما يجعل تل الزعتر حاضرًا فينا حتى اليوم، لأن الشهداء الذين رحلوا هناك لم يأخذوا فلسطين معهم، وإنما تركوا لنا ما هو أثمن من الكلمات: تركوا الذاكرة، وتركوا أسماءهم، وتركوا صورهم، وتركوا للأجيال القادمة سؤالًا لا يستطيع أحد إسكاتَه: إذا كان لنا وطن، فكيف يمكن أن نقبل بأن يصبح المنفى وطنًا أبديًا؟
في ذكرى تل الزعتر، لا أريد أن أستدعي الموت وحده، وإنما أريد أن أستعيد الحياة التي كانت هناك، الحياة التي حاولت أن تستمر وسط الحصار، والنساء اللواتي حافظن على بيوتهن، والأطفال الذين ظلوا أطفالًا رغم الحرب، والرجال الذين حاولوا حماية عائلاتهم، والناجين الذين حملوا ما تبقى من المخيم في قلوبهم، لأن قوة المأساة لا تكمن فقط في عدد الذين قتلوا، وإنما في حجم الحياة التي أُريد لها أن تختفي.
تل الزعتر لم يكن نهاية فلسطين، كما لم تكن النكبة نهايتها، ولم يكن اللجوء نهاية الحكاية، لأن فلسطين ظلت تنتقل من جيل إلى جيل، من الأم إلى الابن، ومن الابن إلى الحفيد، حتى أصبح الوطن جزءًا من الذاكرة اليومية، وصار حق العودة شيئًا لا يحتاج إلى شرح طويل، لأن الإنسان الذي يعرف من أين جاء لا يحتاج إلى أحد كي يخبره إلى أين يريد أن يعود.
بعد خمسين عامًا، يمكن للزمن أن يغير المدن، وأن يسقط الأبنية، وأن تتبدل الوجوه، وأن تفتح الطرق وتغلق أخرى، لكنه لا يستطيع أن يغير الحقيقة الأساسية التي بقيت في قلب كل لاجئ: أن هناك بيتًا لم يعد إليه بعد.
وتل الزعتر هو واحد من أبواب تلك الذاكرة.
باب لا يغلق.
لأن خلفه أناسًا عاشوا وماتوا، وأطفالًا كبروا، وأمهات انتظرن، وناجين شهدوا، وشعبًا كاملًا ما زال يقول للعالم إن الذاكرة ليست حنينًا إلى الماضي، وإن العودة ليست حلمًا مستحيلًا، وإن فلسطين ليست اسمًا على خريطة، وإنما وطن يسكن في الإنسان كما يسكن الإنسان في وطنه.
وفي 12 آب/أغسطس، حين نستعيد تل الزعتر، فإننا لا نستعيد يومًا من أيام الحرب فقط، وإنما نستعيد جزءًا من روح فلسطين، ونقول لمن رحلوا إن أسماءهم لم تضيع، ولمن نجوا إن شهاداتهم لم تذهب سدى، وللأجيال التي ولدت بعدهم إن المخيم الذي سقط بالحجر لم يسقط بالذاكرة، وإن الوطن الذي غاب عن العين بقي حاضرًا في القلب.
تل الزعتر لم يمت، لأن فلسطين لم تمت.
وما دام هناك فلسطيني يتذكر اسم بيته، فإن الطريق إلى البيت لم يُغلق.
لؤي صوالحة




الانتخابات الفلسطينية القادمة… بين إعادة بناء الشرعية ومخاطر إعادة إنتاج الانقسام

د. إبراهيم نعيرات

تأتي الانتخابات الفلسطينية القادمة في لحظة تاريخية شديدة التعقيد، ربما تكون من أكثر اللحظات حساسية منذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية. فهي لا تجري في سياق سياسي طبيعي يمكن فيه التعامل مع الانتخابات باعتبارها مجرد استحقاق دوري لتجديد المؤسسات، بل تأتي في ظل تحولات عميقة فرضتها حرب غزة، والتغيرات المتسارعة في الضفة الغربية، والتحديات الإقليمية والدولية، ومحاولات إسرائيل إعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي للقضية الفلسطينية.

ولهذا فإن الانتخابات القادمة لا يمكن قراءتها فقط من زاوية المنافسة بين القوى السياسية أو توزيع المقاعد، بل باعتبارها لحظة قد تعيد تشكيل النظام السياسي الفلسطيني بأكمله. فالسؤال الحقيقي ليس فقط: من سيفوز في الانتخابات؟ وإنما: ماذا ستنتج هذه الانتخابات؟ وهل ستكون مدخلاً لإعادة بناء القدرة الوطنية الفلسطينية، أم أنها قد تصبح بداية دورة جديدة من الصراعات والانقسامات؟

هناك اليوم حالة واضحة من التشوش وعدم اليقين تجاه الواقع الفلسطيني القادم. فالمشهد الذي ستجري فيه الانتخابات لم يتبلور بعد بصورة كاملة؛ إذ لا تزال مآلات حرب غزة مفتوحة، وطبيعة الترتيبات السياسية والأمنية المتعلقة بالقطاع غير واضحة، بينما تشهد الضفة الغربية تحولات متسارعة بفعل الاستيطان والضغوط الإسرائيلية والتغيرات الميدانية. وهذا يعني أن الانتخابات ستجري في بيئة مختلفة جذرياً عن كل الانتخابات السابقة.

في الظروف الطبيعية، تُجرى الانتخابات ضمن واقع سياسي واضح نسبياً، حيث تتنافس القوى على برامج ورؤى محددة. أما في الحالة الفلسطينية الحالية، فإن الانتخابات ستجري في مرحلة انتقالية تحمل أسئلة كبرى حول مستقبل القضية الفلسطينية، وشكل النظام السياسي، وطبيعة القيادة القادرة على إدارة المرحلة المقبلة.

لذلك فإن قراءة الانتخابات لا يجب أن تقتصر على يوم الاقتراع، بل يجب أن تشمل مرحلتين أساسيتين: مرحلة ما قبل الانتخابات ومرحلة ما بعد الانتخابات.

في مرحلة ما قبل الانتخابات، يبرز سؤال أساسي حول طبيعة المزاج الشعبي الفلسطيني بعد سنوات من الجمود السياسي، وبعد الحرب على غزة وما أحدثته من تحولات عميقة في الوعي العام. هل ستكون هناك رغبة واسعة في التغيير وإعادة تشكيل المشهد السياسي؟ هل ستظهر نخب جديدة تحمل رؤية مختلفة؟ أم أن حالة القلق وعدم اليقين ستدفع المجتمع نحو البحث عن قوى أكثر خبرة وقدرة على إدارة مرحلة صعبة؟

لكن الإشكالية أن معظم القوى والجهات السياسية اليوم تبدو مدفوعة باتجاه الانتخابات، وكأن إجراءها بحد ذاته يمثل الحل. فهناك إصرار واسع على اعتبار الانتخابات بوابة للخروج من حالة الجمود السياسي، وهذا مفهوم في ظل الحاجة إلى تجديد الشرعية، لكنه يحمل في الوقت ذاته مخاطر إذا تحول إلى اندفاع غير محسوب.

ففي لحظات التحول التاريخي، لا تكون القضية فقط في الرغبة بالتغيير، بل في طبيعة التغيير الذي يمكن أن ينتج، وفي القدرة على إدارة نتائجه. وقد يكون الخطر أن يصبح هدف التغيير بحد ذاته هو المحرك الأساسي، بينما تغيب الأسئلة الأكثر أهمية: ماذا بعد الانتخابات؟ كيف ستُدار المرحلة التالية؟ هل يمتلك النظام السياسي القدرة على استيعاب النتائج؟ وهل توجد ضمانات تمنع تحول المنافسة الديمقراطية إلى صراع جديد على القيادة والتمثيل؟

إن التغيير بأي ثمن قد يحمل نتائج لا تحمد عقباها. فالانتخابات ليست غاية مستقلة عن الواقع، وإنما أداة سياسية يجب أن تخدم هدفاً وطنياً أوسع. والتجارب السياسية تثبت أن الانتخابات لا تنتج دائماً الاستقرار، وأن الديمقراطية عندما تجري في بيئة منقسمة ودون توافق على قواعد إدارة المرحلة قد تتحول من أداة لتجديد النظام إلى أداة لتعميق أزماته.

الخطر الصامت: عندما تصطدم الشرعية الانتخابية بالشرعية التاريخية

لعل أحد أكبر المخاطر الاستراتيجية المحيطة بالانتخابات الفلسطينية القادمة لا يكمن في احتمال صعود قوى سياسية جديدة بحد ذاته، فذلك جزء طبيعي من أي عملية ديمقراطية حقيقية، بل ربما يكون من أهم أهداف الانتخابات إعادة تجديد النخب وضخ دماء جديدة في النظام السياسي الفلسطيني.

لكن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تعامل النظام السياسي والمجتمع والقوى القائمة مع احتمال انتقال مركز الثقل السياسي من قوى اعتادت قيادة المشهد إلى قوى جديدة لم تكن في موقع الصدارة سابقاً.

فالديمقراطية لا تُختبر عندما تأتي نتائج الانتخابات متوافقة مع التوقعات، أو عندما تحافظ القوى التقليدية على مواقعها، بل تُختبر عندما تنتج صناديق الاقتراع تحولات غير متوقعة، وتعيد ترتيب موازين القوى، وتفرض واقعاً سياسياً جديداً على الجميع.

في الحالة الفلسطينية، فإن هذا الاحتمال يحمل حساسية خاصة، لأن النظام السياسي لا يقوم فقط على الشرعية الانتخابية، بل يتداخل فيه تاريخ طويل من الشرعية الوطنية المرتبطة بدور قوى سياسية قادت الحركة الوطنية الفلسطينية لعقود، وبمراحل نضالية وتاريخية شكلت الوعي السياسي الفلسطيني. وفي المقابل، فإن الانتخابات تمنح الناخبين فرصة لإنتاج شرعية جديدة تستند إلى الإرادة الشعبية المباشرة.

وهنا قد تظهر المعضلة: ماذا يحدث إذا أنتجت الانتخابات صعود قوى جديدة أو شخصيات غير مألوفة في مركز المشهد؟ هل سيتم التعامل مع ذلك باعتباره تجديداً طبيعياً للنظام السياسي، أم باعتباره تراجعاً لدور قوى تاريخية ترى نفسها صاحبة دور مركزي في المشروع الوطني؟

الخطر لا يكمن في وجود شرعيتين؛ فالشرعية التاريخية والشرعية الانتخابية يمكن أن تتكاملا، بل إن الجمع بينهما قد يكون مصدر قوة للنظام السياسي. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه الشرعيات إلى مصادر تنافس وصراع.

فقد نجد أنفسنا أمام معادلة صعبة: قوى جديدة تقول “لدينا شرعية الصندوق”، وقوى تاريخية تقول “لدينا شرعية المشروع الوطني والتاريخ”. وإذا لم توجد رؤية وطنية قادرة على استيعاب الشرعيتين ضمن إطار واحد، فقد يتحول الاختلاف الطبيعي إلى أزمة سياسية جديدة.

وهنا تظهر المعضلة الأولى: احتمال رفض القوى التقليدية لنتائج لا تتوافق مع توقعاتها. فإذا شعرت قوى وطنية مركزية بأنها فقدت موقعها أو تراجعت مكانتها، فقد تظهر مقاومة للانتقال الجديد، انطلاقاً من شعور بأن المرحلة لا تسمح بتغييرات جذرية أو أن النتائج لا تعكس حجم دورها التاريخي.

أما المعضلة الثانية فهي قدرة القوى الجديدة على إدارة انتقال سياسي معقد. فالحصول على شرعية انتخابية لا يعني بالضرورة امتلاك الخبرة المؤسسية أو القدرة على إدارة نظام يواجه الاحتلال والتحديات الاقتصادية والسياسية والضغوط الخارجية. فالانتقال من موقع المنافسة إلى موقع القيادة يحتاج إلى أكثر من الفوز الانتخابي؛ يحتاج إلى رؤية وشراكات وقدرة على إدارة التوازنات الوطنية.

وهنا تكمن النقطة الأساسية: الخطر ليس في تجدد النخب، بل في أن يتحول تجدد النخب إلى صراع على الشرعية.

ولهذا فإن التحضير للانتخابات لا يجب أن يركز فقط على قانون الانتخابات والإجراءات الفنية، بل يجب أن يسبقه نقاش وطني حول “اليوم التالي للانتخابات”:

  • هل الجميع ملتزم مسبقاً باحترام النتائج أياً كانت؟
  • كيف ستشارك القوى التي تخسر؟
  • كيف ستُدمج القوى الجديدة داخل النظام السياسي؟
  • كيف نمنع نشوء مركزين للقرار؟
  • كيف تتحول الشرعية الانتخابية إلى إضافة للشرعية الوطنية وليس بديلاً عنها؟

ولعل التحدي الأكبر لا يكمن فقط في قبول النتائج، بل في وجود الثقة السياسية المتبادلة التي تسمح بانتقال القوة والتمثيل دون خوف من الإقصاء أو التهميش. فغياب الثقة قد يجعل حتى النتائج الديمقراطية الصحيحة مدخلاً إلى أزمة جديدة، بينما يمكن للثقة والشراكة أن تحولا الاختلاف السياسي إلى عنصر قوة.

إن الفلسطينيين لا يحتاجون فقط إلى تغيير سياسي، بل إلى انتقال سياسي منظم. فالانتقال غير المُدار في لحظة ضعف وانقسام قد ينتج أزمة أكبر من أزمة الجمود الحالية.

وفي المقابل، فإن الحاجة إلى إعادة إنتاج النخب الفلسطينية أصبحت ضرورة تاريخية. فالمجتمع الفلسطيني تغير، والتحديات تغيرت، ولم تعد الأدوات التقليدية وحدها كافية لإدارة المرحلة المقبلة. هناك حاجة إلى مشاركة أوسع للشباب والكفاءات والخبرات الوطنية، وإلى قيادة تمتلك رؤية تتجاوز إدارة الأزمة نحو بناء المستقبل.

لكن إعادة إنتاج النخب لا تعني إلغاء النخب التاريخية أو استبدال جيل بآخر. القضية ليست قضية أسماء أو أعمار فقط، بل قضية نموذج سياسي. المطلوب الانتقال من نموذج يعتمد على الشرعية التاريخية وحدها إلى نموذج يجمع بين الخبرة والشرعية الشعبية والكفاءة والقدرة على الإنجاز.

إن المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى قيادات متعددة تتصارع على من يمثل الفلسطينيين، بل إلى قيادة قادرة على استيعاب التنوع وتحويله إلى قوة وطنية. فالتعدد السياسي يمكن أن يكون مصدر قوة إذا تم تنظيمه ضمن رؤية مشتركة، لكنه يصبح مصدر ضعف إذا تحول إلى مراكز قرار متنافسة.

في النهاية، فإن الانتخابات الفلسطينية القادمة ليست مجرد استحقاق ديمقراطي، بل اختبار تاريخي لقدرة الفلسطينيين على إدارة مرحلة انتقالية بالغة الخطورة.

فالنجاح لن يقاس فقط بقدرة الفلسطينيين على الوصول إلى صندوق الاقتراع، بل بقدرتهم على الخروج منه بنظام سياسي أكثر وحدة وقدرة على مواجهة المرحلة القادمة. أما الفشل في إدارة هذا الانتقال فقد يجعل الانتخابات، التي يُراد لها أن تكون بداية تجديد، مدخلاً إلى أزمة جديدة.

الفلسطينيون بحاجة إلى التغيير، لكنهم بحاجة أكثر إلى تغيير مسؤول ومدروس. بحاجة إلى انتخابات تعيد بناء الثقة، لا انتخابات تعيد إنتاج الانقسام. وإلى قيادة منتخبة قادرة على تحويل الاختلاف إلى قوة، والتجديد إلى وحدة، والديمقراطية إلى أداة لحماية المشروع الوطني لا إلى مدخل لإضعافه.




إنزال الفلسطيني عن المنصة

د. أحمد رفيق عوض مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية

منذ حرب الأيام الستة عام 1967، ثم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1978، واتفاق أوسلو عام 1994، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وغزو العراق، والربيع العربي، واتساع موجة التطبيع، وصولا إلى أحداث السابع من أكتوبر، شهد الإقليم تحولات عميقة ومتراكمة. هذه الأحداث، على اختلاف طبيعتها، أسهمت في تقدم المشروع الصهيوني، الذي استطاع أن يفرض نفسه على المنطقة، تارة بالقوة العسكرية، وتارة بالإغراءات السياسية والاقتصادية، وتارة بالاثنين معا.
وترافق هذا التقدم مع محاولات حكومية، وشبه حكومية، وحتى شعبية، لإعادة تشكيل صورة الفلسطيني في الوعي العربي. فلم يعد الفلسطيني يقدم بوصفه صاحب قضية عادلة فحسب، بل جرت محاولات لشيطنته، وتجريده من المكانة الرمزية التي أحاطت به لعقود، وإنزال القضية الفلسطينية من موقعها المركزي، لتصبح مجرد قضية بين قضايا كثيرة، أو حتى عبئا على الدول العربية. في المقابل، جرى تقديم القضايا المحلية، الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، باعتبارها أولويات تتقدم على القضية الفلسطينية، في ظل تحولات عميقة أصابت النظام العربي نفسه.
برأيي، فإن هذه الظاهرة لها أسباب عديدة ومتداخلة.
أول هذه الأسباب هو أنها تمثل، إلى حد ما، ردة فعل جماهيرية على الخطاب الذي كانت بعض الأنظمة العربية تروج له لعقود. فقد استخدمت القضية الفلسطينية في كثير من الأحيان لتبرير القمع، وتأجيل التنمية، وتفسير الفشل السياسي والاقتصادي، حتى أصبح بعض الناس ينظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها جزءا من المشكلة، لا بسبب الفلسطينيين أنفسهم، وإنما بسبب الطريقة التي استغلت بها الأنظمة هذه القضية.
السبب الثاني يتمثل في توسع عمليات التطبيع. فالتطبيع ليس مجرد اتفاقيات سياسية، بل هو عملية لإعادة تشكيل الوعي العام، وإعادة ترتيب الأولويات، وإنتاج رواية جديدة ترى في إسرائيل شريكا محتملا، لا عدوا استراتيجيا. ومن الطبيعي أن تتطلب هذه العملية تقليص مكانة الفلسطيني في الوعي العربي، لأن بقاء القضية في مركز الاهتمام يعيق نجاح هذا التحول.
أما السبب الثالث، فلا يمكن إنكاره، وهو سوء الأداء الفلسطيني نفسه. فالانقسام الداخلي، وتراجع المؤسسات، والاتهامات المستمرة بالفساد، وضعف المشروع الوطني، كلها عوامل أضعفت التعاطف مع الفلسطيني، ومنحت خصومه مادة جاهزة للهجوم عليه وتشويه صورته.
وهناك أيضا رغبة لدى بعض الأنظمة العربية الجديدة، وهي أنظمة تعاني في كثير من الأحيان من هشاشة داخلية، في التخلص من أعباء القضية الفلسطينية، وتوجيه غضب المواطنين نحو طرف آخر، وليكن الفلسطيني. فبدلا من معالجة الأزمات الداخلية، يصبح الفلسطيني هدفا سهلا لتحميله مسؤولية الإخفاقات أو لتبرير سياسات جديدة.
كما أن انفجار الصراعات الداخلية في عدد من الدول العربية، سواء كانت إثنية أو طائفية أو سياسية، ساهم في تراجع القضية الفلسطينية عن مركز الاهتمام. فحين تصبح الدولة منشغلة بصراعاتها الداخلية، يصبح من السهل النظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها قضية خارجية يمكن تأجيلها أو التقليل من أهميتها.
ولا يمكن إغفال الضغوط الغربية الكبيرة التي مورست على عدد من الأنظمة العربية لتقليص علاقتها بالفلسطينيين، بالتوازي مع الاختراق الإسرائيلي المتزايد للنظام الإقليمي العربي، سواء عبر التهديدات الأمنية أو عبر الإغراءات الاقتصادية والسياسية، الأمر الذي منح إسرائيل حضورا غير مسبوق داخل المنطقة.
ومن الأسباب المهمة أيضا انهيار الأفكار الجامعة، كالعروبة والإسلام  بوصفهما إطارين جامعَين، إلى جانب تراجع فعالية المؤسسات العربية المشتركة، مثل جامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي، والاتحاد المغاربي، وغيرها. كما أن انتقال مراكز صنع القرار العربي إلى عواصم جديدة تمتلك المال والإعلام والنفوذ السياسي، أدى إلى إعادة صياغة الأولويات الإقليمية بطريقة مختلفة.
وزاد من ذلك اندلاع الحروب البينية بين الدول العربية، وظهور محاور متصارعة في المنطقة، بما فيها الصراع بين ما يعرف بالمحور الشيعي والمحور السني، رغم أنني لا أفضل استخدام هذه المصطلحات، لكنها أصبحت جزءا من الواقع السياسي.
كما ظهرت في السنوات الأخيرة مبادرات وخطط سياسية تتجاوز حتى فكرة حل الدولتين، وتتجه نحو ترتيبات اقتصادية وإدارية هدفها التعايش مع الاحتلال والتكيف معه، بدلا من إنهائه. وهذا كله يستدعي، بطبيعة الحال، إضعاف الرواية الفلسطينية وإبعادها عن مركز المشهد.
وأخيرا، لا بد من الاعتراف بأن طول أمد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مع العجز العربي والدولي عن الوصول إلى حل عادل، خلق لدى بعض الناس حالة من الإرهاق واليأس، استغلها كثيرون للدفع باتجاه شيطنة الفلسطيني، وكأن المشكلة تكمن في الضحية لا في الاحتلال.
ورغم كل هذه الأسباب، فإن السؤال يبقى: هل ستنجح هذه الحملات في إنزال الفلسطيني عن المنصة؟ وهل سينصرف العرب فعلا عن القضية الفلسطينية؟
أعتقد أن الإجابة هي لا. ليس لأن الفلسطينيين لم يرتكبوا أخطاء، ولا لأن الأنظمة العربية ستعود إلى خطابها القديم، وإنما لأن إسرائيل، في جوهر مشروعها، لا تستهدف الفلسطيني وحده، بل تسعى إلى فرض الهزيمة على الإقليم كله، وإعادة تشكيله بما يخدم مصالحها. وهذه حقيقة ستفرض نفسها عاجلا أم آجلا على الجميع.
لهذا السبب، أعتقد أن القضية الفلسطينية ستبقى القضية المركزية في المنطقة. قد تتراجع في الخطاب السياسي، وقد تتغير أولويات الحكومات، وقد تنجح حملات التشويه في التأثير على بعض الناس، لكنها لن تستطيع إخراج فلسطين من قلب الصراع. فالصراع لم يعد فلسطينيا إسرائيليا فقط، بل أصبح أيضا صراعا إقليميا على شكل المنطقة ومستقبلها، وعلى من يملك حق رسم خرائطها السياسية والأمنية.