1

أسبوع فلسطين للتصميم: دبلوماسية عامة دون إذن

د. دلال صائب عريقات

يوم جديد

في أسبوع فلسطين للتصميم، لم أقف أمام أعمال فنية فحسب؛ وقفت أمام طرق مختلفة لقول ما يصعب على الخطاب السياسي أن يقوله. صورة جواز سفر فلسطيني تحاصره الأسلاك الشائكة تختصر معنى أن تتحوّل حرية الحركة إلى امتياز يُحرم منه الإنسان. وخيط يعبر إطارًا فارغًا يكشف، في عمل راما قزمار «الأرشيف المرئي النفسي»، كيف تنتقل الذاكرة والألم من جيل إلى آخر. أما في «أبعاد متشابكة» لنورا عابدين، فلا يعود الثوب الفلسطيني قطعة لباس؛ يصبح أرشيفًا حيًا، تنسج فيه النساء المعرفة والهوية وحكايات العائلة والوطن.
انطلق أسبوع فلسطين للتصميم من رؤية تعتبر ما يُنتَج في فلسطين ممارسةً ثقافية واجتماعية متجذّرة في الحياة اليومية: في الحِرَف، والمواد، والبيوت، وورش العمل، والذاكرة الجماعية، قبل أن تُصنَّف تحت مسمّى «التصميم».
تستكشف وانت تتجول كيف تستمر المعرفة عبر الممارسة بروح فلسطينية، وكيف يعيد المصممون والحرفيون والفنانون تشكيل المواد وطرق الإنتاج في ظل القيود، وكيف تتحول الحلول اليومية والابتكارات الصغيرة إلى أشكال واعية من التصميم. كما تطرح أسئلة حول من يُعرَّف بأنه مصمم، وما الذي يُعترف به بوصفه تصميمًا، ومن هم الذين جرى تهميش معارفهم وممارساتهم ضمن التصنيفات التي شكّلها تاريخ التصميم الحديث. يحمل البرنامج تعددية فلسطين، ويمنح مساحة للحرفيين والفنانين والمصممين لمساءلة شروط الإنتاج والعرض والعمل: ما الذي نرثه؟ ما الذي نعيد تشكيله؟ وما الذي نتركه لمن سيأتي بعدنا؟
فهذه ثقافة تصميم لا تنتظر إذنًا. لهذا أؤمن بأن الفن دبلوماسية. فالعمل الإبداعي يصل إلى قلب من قد لا يقرأ بيانًا سياسيًا، ويضعه أمام أسئلة لا يستطيع تجاهلها. لكنه يصل أيضًا إلى العقل: يدعوه إلى فهم القيود التي نعيشها، والحقوق التي نطالب بها، والتاريخ الذي نحمله معنا. هذه هي قوة الدبلوماسية العامة الفلسطينية حين تنطلق من أصحاب الحكاية أنفسهم.
واللافت في هذه الأعمال دور النساء في صياغة الرواية، لا في حفظها وحده. فالتطريز والخيط والصورة أدوات تفكير وتعبير؛ تحمل ما ورثناه، وتسأل عمّا سنتركه لمن يأتون بعدنا. هنا تظهر فلسطين بموهبتها وخيالها ومثابرتها، وبإصرار أهلها على أن يصنعوا المعنى وسط واقع يسعى إلى تقييد حتى تفاصيل حياتهم اليومية.
أسماء عديدة لفنانات وفنانين فلسطينيين شاركوا في أسبوع فلسطين للتصميم، جهد يستحق التقدير والمتابعة والبناء، ها هم شباب وصبايا فلسطين يسخرون مواهبهم وادواتهم في تصميم الرواية وحفظ التراث بأدوات وعقول وأيادٍ فلسطينية.  
جاء شعار الدورة الأولى، «دون إذن»، دقيقًا وقويًا. لا نحتاج إلى إذن لنصمّم، ولا لنروي قصتنا بلغتنا، ولا لنجعل حقنا في الحرية مرئيًا للعالم. وكل التقدير لمدير الأسبوع شادي أبو بكر، وللفريق القيّمي دورين توتيكيان وأحمد جبران وعز الجعبري وأسماء المزين، وللفنانات والفنانين وكل من عمل على تقديم هذه المساحة. لقد منحوا أعمالًا متعددة فرصة أن تتحاور، وأن تقول للعالم شيئًا واحدًا بوضوح: فلسطين تملك صوتها، وتملك القدرة على تخيّل مستقبلها. دون إذن!




الملك عبد الله الثاني يضع العالم أمام مرآته: ماذا بقي من القانون الدولي؟

الدكتور أسعد العويوي أكاديمي وباحث سياسي

أحياناً لا يحتاج الخطاب السياسي إلى كلمات كثيرة كي يكون ثقيلاً. يكفي أن يضع أمامك السؤال الذي يحاول العالم طويلاً تجنبه. وهذا ما فعله الملك عبدالله الثاني في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.
في قراءتي، لم يكن الخطاب مجرد تعبير عربي عن التضامن مع فلسطين، بل كان وضعاً للمجتمع الدولي أمام مرآته: ماذا يفعل العالم عندما يعرف ما يحدث، ويمتلك أدوات التأثير، ثم لا يستخدمها بما يكفي؟ السؤال لم يعد فقط: ماذا يحدث في غزة والضفة الغربية؟ بل أصبح: ماذا بقي من قدرة النظام الدولي على حماية قواعده عندما تتعارض مع مصالح القوى المؤثرة؟ وهنا تكمن قوة الخطاب.

فالعالم لا تنقصه المعلومات. ما يحدث في غزة موثق، وما يجري في الضفة الغربية من استيطان ومصادرة أراضٍ وعنف وتهجير مطروح أمام المؤسسات الدولية. والمجتمع الدولي أصدر على مدى عقود قرارات ومواقف كثيرة بشأن الصراع. لكن المشكلة ليست في نقص المعرفة. المشكلة في الفجوة بين المعرفة والفعل. وهذه الفجوة هي التي تجعل الفلسطيني يشعر بأن القانون الدولي موجود في الوثائق، لكنه لا يصل إلى الأرض بالقوة نفسها التي تصل بها الجرافات والأسلحة وقرارات مصادرة الأرض.

عندما تحدث الملك عن العقوبات وتجميد الأصول والحظر والعزل الدبلوماسي، فإنه لم يكن، في جوهر الأمر، يطالب بعقاب من أجل العقاب. كان يطرح سؤالاً عن اتساق النظام الدولي: إذا كانت هذه الأدوات موجودة وتستخدم في أزمات أخرى، فهل ينبغي أن تصبح غير قابلة للاستخدام عندما يتعلق الأمر بإسرائيل؟

قد تختلف الدول في تفسير الأحداث أو تقييم المسؤوليات، لكن مبدأ واحداً يفترض ألا يكون انتقائياً: القانون لا يفقد معناه عندما يكون الطرف الأقوى هو من يخضع له.
وهنا أرى أن جوهر خطاب الملك يتجاوز الحكومة الإسرائيلية الحالية. الحكومات تتغير، لكن الوقائع التي تُفرض على الأرض قد تبقى لعقود. لذلك لا تكمن المسألة فقط في هوية رئيس الحكومة الإسرائيلية أو تركيب ائتلافه السياسي، وإنما في سؤال أكبر: هل سيقبل المجتمع الدولي بأن تتحول القوة إلى وسيلة لإعادة تشكيل الواقع، ثم يُطلب من الفلسطينيين لاحقاً التفاوض على واقع فُرض عليهم؟ إذا حدث ذلك، فلن تكون المفاوضات طريقاً لصناعة السلام، بل قد تتحول إلى وسيلة لتثبيت نتائج القوة.

وهنا يجب أن نكون صريحين أيضاً مع أنفسنا؛ الفلسطينيون لا يحتاجون إلى مزيد من الخطب التي تؤكد التعاطف معهم. يحتاجون إلى نظام دولي يستطيع تحويل التعاطف إلى حماية، والقانون إلى مساءلة، والقرارات إلى نتائج. لكن المسؤولية ليست خارجية فقط. على الفلسطينيين أن يدركوا أن انتظار التحولات في إسرائيل أو الولايات المتحدة أو أوروبا لا يمكن أن يكون استراتيجية وطنية. الحكومات تتغير، والتحالفات تتبدل، والأولويات الدولية تتحرك، لكن القضية الفلسطينية تحتاج إلى قوة سياسية ومؤسسية فلسطينية قادرة على حماية مصالحها في كل الظروف.

وهنا تلتقي الرسالة الأردنية مع الحاجة الفلسطينية؛ لا يكفي أن نطالب العالم بتطبيق القانون، علينا أيضاً أن نبني لأنفسنا قوة سياسية ومؤسسية تجعل قضيتنا أكثر قدرة على الصمود والتأثير. لذلك، فإن قيمة خطاب عبدالله الثاني لن تُقاس فقط بما قيل في قاعة الأمم المتحدة، بل بما إذا كان سيولد ضغطاً سياسياً ودبلوماسياً وقانونياً حقيقياً. فالكلمات قد تصنع لحظة، لكن الإجراءات هي التي تصنع التاريخ. وأخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط استمرار الحرب. الأخطر أن يعتاد العالم عليها.

أن يصبح قتل الأطفال خبراً يومياً، والاستيطان رقماً جديداً، والتهجير خبراً عابراً، وأن تتحول عبارة “القانون الدولي” إلى مصطلح دبلوماسي جميل بلا قدرة على حماية إنسان واحد. لهذا كان خطاب الملك عبدالله الثاني مهماً. ليس لأنه قال للفلسطينيين ما يريدون سماعه، بل لأنه وضع المجتمع الدولي أمام سؤال يمس جوهر النظام الذي بناه العالم بعد الحرب العالمية الثانية: إذا كان القانون الدولي لا يستطيع حماية الإنسان عندما تكون القوة في الجهة الأخرى، فما الذي بقي من معنى هذا القانون؟ هذا هو السؤال الذي يجب ألا ينتهي بانتهاء الخطاب. والسؤال الأصعب الذي يليه: هل يمتلك العالم الإرادة السياسية لتحويل الإجابة من كلمات إلى أفعال؟




التبريرات الأمريكية لرفض إعطاء الرئيس عباس تأشيرة دخول لأمريكا

زياد ابو زياد

من المقرر ان تبدأ أعمال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة بعد غد الثلاثاء 22 أيلول وتستمر حتى 28 من الشهر الحالي. وتنعقد هذه الدورة تحت شعار ” استعادة الثقة وإدارة التحول: أمم متحدة تحقق مصالح الجميع”.

 وستكون القضية الفلسطينية حاضرة حتى ولو ليس على رأس جدول أعمال الجمعية رغم رفض أمريكا إعطاء تأشيرة دخول “فيزا” للرئيس عباس للمرة الثانية اذ سبق وفعلت ذلك في دورة العام الماضي.

 فقد أعلن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أن الجمعية العامة ستناقش النزاع في الشرق الأوسط والدمار الحاصل في غزة بشكل موسع، مشدداً على ضرورة “خفض التصعيد” ووقف معاناة الشعب الفلسطيني.، كما سيقوم الرئيس عباس بمخاطبة الجمعية عبر تقنية الفيديو المسجل مسبقا، بينما سيشارك رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو المطلوب لمحكمة الجرائم الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة شخصياً وبترحيب أمريكي.

 كما ستُعقد اجتماعات دبلوماسية على هامش الدورة، أبرزها لقاءات تروج لـ “حل الدولتين”  بقيادة أطراف عربية وأوروبية، إلى جانب مناقشة خطط “مجلس السلام” (Board of Peace) المتعلقة بجهود الإدارة المؤقتة وإعادة إعمار غزة.

رفض إعطاء تأشيرة دخول للرئيس عباس هو خرق فاضح لاتفاقية المقر الموقعة بين الولايات المتحدة والأمم المتحدة في 26/6/1947 لتنظيم الوضع القانوني والسيادي للمقر الدائم للأمانة العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وبموجب البند (11) من هذه الاتفاقية تُلزم الاتفاقية السلطات الأمريكية (الفيدرالية والمحلية) بمنح التأشيرات للوفود المشاركة بغض النظر عن طبيعة العلاقات السياسية الثنائية القائمة بين حكومات هؤلاء الأشخاص والولايات المتحدة،  ولكن عندما وافق المشرعون الأمريكيون على هذه الاتفاقية، أقرّوا أيضًا تشريعًا منفصلًا ينص على أن الاتفاقية لا يمكن أن تمنع الولايات المتحدة من حماية مصالح أمنها القومي، بالقول .. : “لا يجوز تفسير أي شيء في الاتفاقية على أنه يقلل بأي شكل من الأشكال من حق الولايات المتحدة في حماية أمنها والتحكم الكامل في دخول الأجانب إلى أي إقليم تابع لها باستثناء منطقة المقر والمناطق المجاورة لها مباشرةً”.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل تشكل زيارة الرئيس عباس لنيويورك والقائه كلمة فلسطين أمام الدورة السنوية للجمعية العمومية تهديداً للأمن القومي الأمريكي؟ّ بالتأكيد “لا”، فالسبب الحقيقي هو الانحياز الأمريكي السافر الى جانب العدوان والاحتلال والاستيطان الإسرائيلي وتخاذل المجتمع الدولي في الإصرار على الزام أمريكا بتنفيذ احكام اتفاقية المقر المذكورة.

والحقيقة هي ان أمريكا تحاول تبرير موقفها العدائي ضد السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني بأسباب واهية لا تعدو كونها مجرد تبنٍ للإدعاءات الإسرائيلية ضد السلطة وشرعنة الجرائم الإسرائيلية ضد شعبنا سواء حرب الإبادة في قطاع غزة والضفة والقدس.

ويعزو بيان الخارجية الأمريكية الصادر في 16 سبتمبر 2026، هذا المنع الى ان واشنطن طلبت من السلطة القيام بإصلاحات ولكنها لم تقم بها وتربط العقوبات الحالية بما في ذلك منع دخول الرئيس عباس و كبار المسؤولين الفلسطينيين وحاملي جواز سفر السلطة الفلسطينية إلى أراضي الولايات المتحدة الأمريكية بعدم تنفيذ تلك الإصلاحات وتشمل:

  • إصلاح السلطة ومؤسسات الحكم بحيث تكون أكثر شفافية ومساءلة، ومكافحة الفساد، وزيادة الحريات الإعلامية، وإتاحة مساحة أكبر للمجتمع المدني.
  • إصلاح نظام الرواتب ووقف المخصصات المرتبطة بالأسرى والشهداء .
  • عدم قيام السلطة ومنظمة التحرير بوقف ما تعتبره واشنطن تمجيدًا “للإرهاب” في التصريحات العامة والمناهج والكتب المدرسية.
  • عدم لجوء م ت ف والسلطة إلى المؤسسات الدولية وخاصة المحكمة الجنائية الدولية  (ICC)  ومحكمة العدل الدولية  (ICJ)، وتعتبر ذلك «تدويلًا» للصراع بدل العودة إلى المفاوضات المباشرة.
  • عدم القيام بخطوات أحادية الجانب بشأن الدولة الفلسطينية حيث ان الولايات المتحدة تنتقد جهود الحصول على اعتراف دولي بالدولة الفلسطينية خارج إطار اتفاق يتم التوصل إليه عبر المفاوضات الفلسطينية–الإسرائيلية.
  • الالتزام بالمسار السياسي والاتفاقات السابقة، وتزعم واشنطن بإن بعض التحركات الفلسطينية في المؤسسات الدولية تتعارض مع الالتزامات السابقة المرتبطة بقراري مجلس الأمن 242 و338، وهما من الأسس الدولية لمسار التسوية.

والملاحظ ان جزءاً من هذه المطالب هو تدخل سافر في الشأن الداخلي الفلسطيني وتكرار للاتهامات التي تروجها إسرائيل ضد السلطة لاغتيالها معنويا والادعاء بأنه لا يوجد ممثل حقيقي للفلسطينيين الذين تنكر الحكومة الإسرائيلية وجودهم كشعب وتعمل على تهجيرهم قسرا من القطاع والضفة، والجزء الثاني قلب للحقائق والواقع لأن إسرائيل هي التي ترفض الالتزام بالاتفاقيات الموقعة وترفض العودة للمفاوضات، وتمعن في الاستيطان الذي أطلقت عليه الدبلوماسية الأمريكية منذ أكثر من عقدين من الزمن مصطلح “الإجراءات احادية الجانب”، وكل ذلك من أجل توفير الغطاء لاستمرار حرب الإبادة في غزة والاستيطان والإرهاب والقتل بالضفة، وبنفس الوقت منع السلطة من اللجوء سواء الى محكمة العدل الدولية او محكمة الجرائم الدولية لمنع استمرار هذه الجرائم او مطالبة دول العالم بالإعتراف بالدولة الفلسطينية، دون ان تقدم واشنطن البديل لذلك.

فاللجوء لمحكمة الجرائم الدوالية ومحكمة العدل الدولية لم يكن الا نتيجة استمرار الاحتلال والاستيطان وحرب الإبادة وتواطوء الإدارة الأمريكية مع اسرائيل بتوفير الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي لتمكينها من الاستمرار في ذلك.

فهل يُعقل سحب الدعاوى الفلسطينية من أروقة القضاء والعدالة الدولية دون توقف الحرب والقتل والاستيطان وانهاء الاحتلال والاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني ؟

هذا الانحياز الأمريكي المدان ضد شعبنا هو تماه مع السياسة العنصرية الاستيطانية الإسرائيلية ودعم وتشجيع لها. ومن حق شعبنا أن يرفض هذه السياسة بنفس القدر الذي يرفض به حرب الإبادة والاستيطان والاحتلال.

 وأخيراً وليس آخراً، لا بد من القول وبصوت عال بأننا وإن كنا تثمن ونشكر مواقف الدول التي صوتت ضد عدم منح الرئيس عباس تأشيرة دخول للأمم المتحدة، وفرضت قبول القاء كلمته أمام الجمعية العمومية عبر تقنية الفيديو، إلا أننا نقول للدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، التي أقيمت أصلا من أجل القدس إثر محاولة إحراق المسجد الأقصى في 21/8/1969 وأتت على منبر صلاح الدين برمته، وللدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، بأنه لا يكفي الترحيب بقرار إعطاء الفرصة لكلمة الرئيس عباس عبر الفيديو، بل المطلوب منكم أكثر، لأن بالإمكان لو التقت قلوبكم على هدف واحد وهو وقف حرب الإبادة والحصار والاستيطان وفرض انهاء الاحتلال والاستيطان لاستطعتم ذلك وليس فقط إعطاءه تأشيرة دخول، ولكن وللأسف الشديد “تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى”.وسيبقى شعب فلسطين صامدا وسيبقى صوت فلسطين عاليا الى ان يُحق الله الحق ويُزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا.




البناء في E1 يكشف الإختلاف الإسرائيلي على معنى الأمن

اللواء أحمد عيسى باحث متخصص في دراسات الأمن ىالقومي الفلسطيني والإسرائيلي

لا تبدو معركة إسرائيل حول منطقة E1، الواقعة بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم، مجرد خلاف جديد حول الاستيطان. فالقرار الإسرائيلي بالمضي في مناقصة لبناء 1,234 وحدة سكنية يكشف صراعًا أعمق داخل التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي حول مستقبل الضفة الغربية والقدس والدولة الفلسطينية و”اليوم التالي” لحرب غزة.
واللافت أن الخلاف لا يدور فقط بين إسرائيل والفلسطينيين أو المجتمع الدولي، بل داخل مؤسسات التفكير الاستراتيجي الإسرائيلية نفسها. فالبروفيسور إفرايم إنبار في معهد القدس للاستراتيجية والأمن (JISS) يرى البناء في E1 ضرورة استراتيجية للحفاظ على القدس موحدة وتأمين الاتصال الإسرائيلي بغور الأردن. أما معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، فيقر بأهمية المنطقة لإسرائيل، لكنه يحذر من أن تحويلها إلى واقع استيطاني دائم قد يحقق مكسبًا سياسيًا آنيًا على حساب المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى.
وهنا يكمن جوهر الخلاف: هل تستخدم إسرائيل E1 لتأمين شروط تسوية مستقبلية، أم لتغيير هذه الشروط بحيث تصبح الدولة الفلسطينية أقل قابلية للتحقق؟
 ينظر إنبار إلى E1 من زاوية جيوستراتيجية. فالمنطقة تقع على المحور الذي يربط القدس بمعاليه أدوميم وغور الأردن، والسيطرة عليها ضرورية، في رأيه، للحفاظ على طريق عسكري آمن من الساحل إلى الحدود الشرقية.
ومعاليه أدوميم، في رؤيته، ليست مجرد مستوطنة، بل جزء من منظومة أمنية تشمل القدس وغور الأردن، ومن هنا دفاعه عن إقامة ممر استيطاني يهودي يربط القدس بها. لكنه لا يدعو إلى استيطان كل الضفة، بل إلى استيطان انتقائي في المناطق التي يعتبرها ذات أهمية أمنية وقومية، خصوصًا القدس ومحيطها ومعاليه أدوميم وغور الأردن، مع مواجهة البؤر غير القانونية وعنف المستوطنين. وهذا يميزه عن مشروع الضم الشامل الذي يتبناه اليمين الأكثر تطرفًا.
لكن إنبار يصل إلى نتيجة سياسية واضحة: إذا كانت إسرائيل تعتبر القدس الموحدة وغور الأردن من مصالحها الحيوية، فعليها تثبيت هذه المصالح على الأرض.
 لا ينكر INSS أهمية E1، لكنه يرفض اعتبارها مبررًا كافيًا للبناء. فالخطر لا يتعلق فقط بعدد الوحدات، وإنما بالانتقال من التخطيط إلى التنفيذ.
الحكومات الإسرائيلية السابقة دفعت بمخططات E1، لكنها توقفت عند المناقصات بسبب المعارضة الأميركية والأوروبية. أما الحكومة الحالية فتجاوزت هذه العتبة. وبما أن المشروع يحتاج إلى وقت قبل البناء الفعلي، تبدو قيمته السياسية المباشرة أكبر من قيمته العمرانية، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات، حيث تستطيع الحكومة القول إنها غيرت قواعد اللعبة، وتجعل التراجع مستقبلًا أكثر كلفة سياسية.
ومن هنا يقرأ INSS المشروع باعتباره جزءًا من سياسة أوسع لفرض الوقائع بدلًا من إدارة التفاوض.
 
يدعو بتسلئيل سموتريتش إلى الانتقال من إدارة الصراع إلى “دفن” الدولة الفلسطينية. وهنا يختلف عن إنبار: الأخير يقدم E1 أداة لحماية مصالح إسرائيل الاستراتيجية، فيما يمنحها سموتريتش وظيفة سياسية مباشرة، هي منع قيام دولة فلسطينية.
فإذا كان الهدف حماية القدس وغور الأردن، يمكن تصور E1 جزءًا من ترتيبات حدودية مستقبلية. أما إذا كان الهدف دفن فكرة الدولة الفلسطينية، فإنها تصبح أداة لتغيير طبيعة الصراع وتقليص الشروط الجغرافية والسياسية اللازمة لقيام الدولة.
لكن السؤال الذي لا يجيب عنه مشروع اليمين هو: ماذا بعد منع قيام الدولة الفلسطينية؟ فحتى مع توسيع الاستيطان والسيطرة على المنطقة C، تبقى قضية ملايين الفلسطينيين قائمة. والخيارات تنحصر بعد ذلك في حكم ذاتي محدود، أو الضم، أو سيطرة أمنية طويلة الأمد، أو شكل من الإدارة المشتركة، أو طرد وتهجير، أو إبادة جماعية، ولذلك فإن منع حل معين ليس استراتيجية بحد ذاته.
 قد يرغب اليمين في إضعاف السلطة الفلسطينية، لكنه لا يستطيع بسهولة تحمل انهيارها، فهي تدير السكان والخدمات المدنية، وتتحمل جزءًا من العبء الاقتصادي، وتساهم في منع الفوضى الأمنية.
لذلك قد يكون السيناريو الأنسب لبعض القوى الإسرائيلية هو إبقاء سلطة فلسطينية ضعيفة بلا أفق سيادي. لكن هذا النموذج يصطدم بالضغوط الأميركية والعربية والأوروبية التي ترى في سلطة فلسطينية مُصلحة عنصرًا محتملًا في ترتيبات “اليوم التالي” في غزة والضفة. وهكذا تصبح E1 جزءًا من الصراع على مستقبل السلطة نفسها.
 تتضح المفارقة أكثر عند الربط بين غزة والضفة. ففي غزة يجري الحديث عن إدارة فلسطينية تكنوقراطية، وقوة استقرار دولية، ودور عربي وإقليمي، مع إبعاد حماس عن إدارة القطاع. أما في الضفة، فإن بناء E1 وتوسيع المستوطنات يقللان من المجال الجغرافي والسياسي لقيام كيان فلسطيني قابل للحياة.
وهنا يبرز التناقض والاختلاف: هل تريد إسرائيل بناء نظام فلسطيني جديد في غزة، بينما تمنع في الضفة تشكل نظام فلسطيني قابل للحياة؟ إذا كان الأمر كذلك، فنحن أمام هندسة مختلفة للضفة وغزة، هدفها إبقاء السيطرة الاستراتيجية الإسرائيلية في الحالتين.
 عدم اعتراض إدارة دونالد ترامب بصورة مباشرة على E1 منح الحكومة الإسرائيلية هامشًا لم يتوفر للحكومات السابقة، لكنه لا يعني بالضرورة أن واشنطن تتبنى الضم أو إنهاء حل الدولتين.
والمخاطرة تكمن في تفسير الصمت الأميركي المؤقت كضوء أخضر استراتيجي دائم. فقد تتغير أولويات واشنطن إذا ارتبط الملف الفلسطيني بالتطبيع العربي وإعادة ترتيب الشرق الأوسط. لذلك تحتاج إسرائيل إلى تقدير تأثير E1 في المشروع الإقليمي الأوسع، لا الاكتفاء بالموقف الأميركي الراهن.
 لا يمكن فصل E1 عن الدور العربي. فمصر والأردن معنيان مباشرة، بحكم الجغرافيا والأمن، بمستقبل الضفة وغزة، فيما تتعامل الإمارات مع القضية الفلسطينية ضمن هندسة أوسع للنظام الإقليمي وعلاقاتها مع واشنطن وإسرائيل.
بالنسبة لهذه الدول، المشكلة ليست E1 وحدها، بل احتمال تحول سياسة فرض الوقائع الإسرائيلية إلى عقبة أمام ترتيب إقليمي جديد.
وهنا تكمن المفارقة: تريد إسرائيل استخدام قوتها على الأرض لتعزيز موقعها الإقليمي، لكن سياساتها في الضفة قد تعيد القضية الفلسطينية إلى قلب النظام الإقليمي. وبذلك قد تصبح E1 جزءًا من صفقة إقليمية أوسع.
 تكشف المقارنة بين إنبار وINSS انقسامًا جوهريًا داخل التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي. إنبار يقول عمليًا: ثبّت المصالح الحيوية على الأرض، حافظ على التفوق الجغرافي والأمني، ثم تفاوض من موقع قوة.
أما INSS فيحذر من أن تثبيت الوقائع قد يتحول إلى قيد على إسرائيل نفسها إذا جعل التسوية أكثر صعوبة. إنبار يخشى أن يؤدي ترك E1 خالية إلى خسارة استراتيجية، بينما يخشى INSS أن يؤدي بناؤها إلى خسارة سياسية واستراتيجية بعيدة المدى.
لذلك لا يدور الخلاف حول من يؤيد الأمن الإسرائيلي ومن يعارضه؛ فكلاهما ينطلق منه. الخلاف هو في تعريف الأمن نفسه: هل يتحقق بالسيطرة على الأرض، أم يشمل أيضًا القدرة على المناورة السياسية، والحفاظ على التحالفات، وإبقاء خيارات المستقبل مفتوحة؟




“المرأة الفلسطينية: من الحضور إلى صناعة القرار”.. في الطريق إلى المجلس التشريعي.. سؤال الدور لا سؤال العدد

د. منى أبو حمدية

لم تكن المرأة الفلسطينية يوماً خارج المشهد الوطني. كانت حاضرة في تفاصيل الحياة الفلسطينية، في الأسرة والمجتمع، وفي العمل الوطني والسياسي والنقابي والثقافي، كما كانت حاضرة في مواجهة التحولات الكبرى التي مر بها الشعب الفلسطيني. لكن حضورها التاريخي والمجتمعي لم يكن دائماً متناسباً مع حضورها في مواقع صناعة القرار.
ومع اقتراب الانتخابات التشريعية المقبلة، يصبح من الضروري إعادة طرح السؤال، ولكن من زاوية مختلفة: ليس كم امرأة ستصل إلى المجلس التشريعي، وإنما ماذا نريد من المرأة أن تفعل بعد وصولها؟
فالمسألة في جوهرها ليست قضية تمثيل عددي فقط، وإنما قضية تتصل بطبيعة النظام السياسي الفلسطيني وقدرته على الاستفادة من طاقات المجتمع كافة.
لقد أسهمت الإجراءات القانونية التي اعتمدت لضمان مشاركة المرأة في فتح المجال أمام حضور نسائي أكبر في القوائم الانتخابية، وهو أمر مهم في مسار تطور الحياة الديمقراطية الفلسطينية. لكن الكوتا، مهما بلغت أهميتها، لا ينبغي أن تتحول إلى نهاية المطاف؛ فهي وسيلة لضمان الحضور، وليست ضمانة “للتأثير”.
وهنا تكمن المسافة بين الوجود في المؤسسة السياسية والمشاركة في صناعة القرار.
فالمرأة قد تصل إلى البرلمان، لكن السؤال يبقى: هل كانت شريكة في صياغة البرنامج الذي أوصلها؟ هل شاركت في تحديد الأولويات السياسية؟ هل تمتلك القدرة على التأثير في التشريع والرقابة والسياسات العامة؟ وهل تنظر إليها القوى السياسية باعتبارها قيادية وصاحبة قرار، أم باعتبارها استكمالاً للنسبة المطلوبة في القائمة؟
باعتقادي المتواضع ان هذه الأسئلة أكثر أهمية من الرقم نفسه.
فالمرأة الفلسطينية لا تحتاج إلى أن تدخل السياسة باعتبارها “قضية نسائية”. إنها تدخلها باعتبارها مواطنة وشريكة في الشأن الفلسطيني العام. ولذلك فإن حضورها في المجلس التشريعي يجب ألا يُحصر في قضايا الأسرة والمرأة والحماية الاجتماعية، على أهميتها، بل ينبغي أن يمتد إلى الاقتصاد والتعليم والثقافة والتنمية والحكم والإدارة والتشريع والسياسات الوطنية.
فالمرأة ليست ملفاً في أجندة الدولة؛ المرأة شريك في صياغة أجندة الدولة.
وهذا التحول في النظرة ضروري أيضاً داخل القوى السياسية. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى أن يكون اختيار المرشحات قائماً بصورة أكبر على الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على التواصل مع المجتمع، لا على استكمال متطلبات التمثيل فقط.
كما تحتاج النساء أنفسهن إلى خوض المجال السياسي بأدوات جديدة؛ فالمشاركة السياسية لم تعد مرتبطة بالعمل التنظيمي التقليدي وحده، وإنما أصبحت تتطلب معرفة بالتشريع والسياسات العامة، وقدرة على التواصل والإقناع، وحضوراً في الفضاء الإعلامي والرقمي، ووضوحاً في البرنامج والرؤية.
وتبرز هنا أهمية الجيل الشاب من النساء. فإتاحة المجال أمام الشباب للمشاركة السياسية يمكن أن تفتح نافذة جديدة أمام قيادات نسائية تمتلك المعرفة الأكاديمية والخبرة المجتمعية، وتعرف أدوات التواصل الجديدة، وتحمل رؤى مختلفة حول الدولة والمجتمع والمواطنة.
لكن الطريق ليس خالياً من التحديات. فإلى جانب التحديات السياسية والمؤسساتية، لا تزال هناك تحديات اجتماعية وثقافية تؤثر في فرص المرأة في المنافسة والوصول إلى مواقع القرار. كما أن طبيعة النظام السياسي الفلسطيني، وما يحيط به من ظروف الاحتلال والانقسام والأزمات الاقتصادية، تجعل عملية تطوير المشاركة السياسية أكثر تعقيداً.
ومع ذلك، فإن صعوبة الواقع لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتأجيل الإصلاح السياسي أو تقليص المشاركة. بل على العكس، كلما ازدادت التحديات، ازدادت الحاجة إلى مؤسسات أكثر تمثيلاً وأكثر قدرة على الاستفادة من جميع طاقات المجتمع.
ومن هنا، فإن الانتخابات التشريعية المقبلة يمكن أن تكون فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين المرأة والسياسة.
الاختبار الحقيقي لن يكون في عدد النساء اللواتي ستضمهن القوائم، ولا حتى في عدد من سيصلن إلى المجلس التشريعي، وإنما في طبيعة الدور الذي سيُتاح لهن بعد الوصول.
هل ستكون المرأة جزءاً من عملية صنع القرار؟ أم سيظل حضورها في حدود التمثيل؟ هل ستشارك في صياغة السياسات؟ أم تكتفي بالمشاركة في التصويت عليها؟ وهل ستُقاس كفاءتها بما تستطيع أن تقدمه، أم ستظل محكومة باعتبارات تتجاوز الكفاءة والبرنامج؟
إن بناء نظام سياسي فلسطيني أكثر توازناً لا يعني إقصاء الرجل لصالح المرأة، كما أن تعزيز حضور المرأة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره منافسة بين الجنسين. المسألة أبسط وأعمق في الوقت ذاته: كيف نبني نظاماً سياسياً يستفيد من المجتمع كله؟
فالمرأة الفلسطينية أثبتت، عبر تاريخها، أنها قادرة على تحمل المسؤولية الوطنية والاجتماعية، وحان الوقت لأن يتحول هذا الرصيد من مجرد اعتراف رمزي إلى مشاركة أكثر تأثيراً في المؤسسات.
وفي الطريق إلى المجلس التشريعي، ربما يكون السؤال الأجدى ليس: كم امرأة نريد في البرلمان؟
بل: أي دور نريد للمرأة في صناعة القرار الفلسطيني؟
فبين الحضور والتأثير مسافة، وبين المقعد وصناعة القرار تجربة كاملة. وهذه المسافة هي التي ينبغي أن تبدأ الحياة السياسية الفلسطينية الجديدة في ردمها.