1

الأسرى الفلسطينيون… حين تُختبر العدالة في ظل القيد

رانية مرجية‬

كاتب عمود

ليست قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي ملفًا إنسانيًا عابرًا، بل هي أحد أكثر الاختبارات وضوحًا لمفهوم العدالة حين يُنزع من سياقه الأخلاقي ويُترك تحت هيمنة القوة.
فما يجري خلف الجدران لا يمكن قراءته كأرقام أو لوائح، بل كحياة بشرية تُدار خارج الحد الأدنى من شروط العدالة التي يُفترض أنها عالمية.
في جوهرها، قضية الأسرى تكشف أن الحرية ليست قيمة نظرية، بل ممارسة يومية تُختبر حين تُسلب، وأن العدالة ليست شعارًا يُرفع، بل معيار يُقاس بمدى حماية الإنسان حتى في لحظات ضعفه.
الاعتقال هنا لا يقتصر على سلب الجسد حريته، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة السيطرة على الزمن والوعي والذاكرة.
لكن التجربة الفلسطينية في الأسر، الممتدة عبر عقود، تُظهر أن هذا الهدف يبقى دائمًا غير مكتمل، لأن الإنسان، حتى حين يُحاصر بالكامل، لا يفقد قدرته على إنتاج المعنى.
فالأسير الفلسطيني لا يتحول إلى رقم، ولا إلى حالة صامتة داخل النظام، بل يبقى فعلًا مستمرًا للرفض، وشاهدًا على أن محاولات الإلغاء تصطدم دائمًا بحدود الوعي الإنساني.
الجدران قد تُغلق المساحة، لكنها لا تُغلق الفكرة.
وفي المقابل، لا تنفصل هذه التجربة عن الخارج.
فالعائلات الفلسطينية، وفي مقدمتها الأمهات، تعيش حالة امتداد دائم لهذا القيد، حيث يتحول الانتظار إلى شكل من أشكال الوجود اليومي، قائم على يقين بأن الغياب ليس نهاية، بل حالة مؤقتة مهما طال الزمن.
هذا البعد الإنساني يجعل قضية الأسرى تتجاوز بعدها القانوني والسياسي، لتصبح سؤالًا أوسع عن قدرة أي نظام على الادعاء بالعدالة، في ظل استمرار احتجاز آلاف البشر خارج شروطها الأساسية.
وفي النهاية، تطرح قضية الأسرى سؤالًا لا يمكن تجاهله:
كيف يمكن للحرية أن تُقيَّد إلى هذا الحد، ومع ذلك تبقى حاضرة كاحتمال لا يُلغى؟
إن استمرار هذا الواقع لا يعيد فقط إنتاج الألم، بل يعيد فتح سؤال العدالة نفسه، لا بوصفه نقاشًا نظريًا، بل بوصفه اختبارًا يوميًا لمعناه الحقيقي.




هندسة التلاشي العائلي: حين تُعاد برمجة الوعي الفلسطيني عبر الاقتصاد الخفي للانتباه

صدقي أبو ضهير :باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي

في الضفة الغربية لم تعد المنصات الرقمية مجرد أدوات تواصل، بل تحولت إلى بنية غير مرئية تعيد توزيع الانتباه داخل البيت الواحد، وتعيد تشكيل العلاقات والوعي بطريقة تدريجية وهادئة لكنها عميقة الأثر. ما نعيشه اليوم لا يمكن اختزاله بمفهوم الإدمان التقليدي، بل هو حالة من إعادة التهيئة الإدراكية المستمرة التي تُحوّل الإنسان من فاعل إلى كيان يتفاعل وفق مسارات مُعدة مسبقًا. هذه ليست أزمة استخدام، بل أزمة سيطرة ناعمة على الزمن النفسي، حيث لم يعد الوقت يُستهلك بل يُستخرج، ولم تعد الرغبة تُعبّر بل تُصاغ.

المنصات اليوم تعمل ضمن ما يمكن تسميته اقتصاد الانتباه المُستنزِف، حيث تتحول كل لحظة انتباه إلى وحدة قابلة للاستخراج والاستثمار. المستخدم لا يدخل ليستهلك محتوى، بل يُسحب تدريجيًا إلى سلسلة من الالتزامات الدقيقة التي تبدأ بمقطع وتنتهي بجلسة ممتدة بلا قرار واعٍ. هذا النمط لا يُنتج فقط وقتًا ضائعًا، بل يُنتج إرادة مُجزّأة، حيث تصبح القدرة على التوقف نفسها قرارًا صعبًا، وتتحول الرغبة إلى نتيجة خوارزمية لا دافعًا داخليًا.

في هذا السياق، لا تعمل الخوارزميات كأدوات عرض، بل كأنظمة توجيه احتمالي تُعيد ترتيب خيارات المستخدم دون أن يشعر. هي لا تفرض، بل تُهيّئ، ولا تُجبر، بل تُرجّح، حتى يبدو المسار الذي تسلكه وكأنه اختيارك الحر، بينما هو في الحقيقة نتاج هندسة سلوكية صامتة. مع مرور الوقت، يتشكل ما يشبه القفص الإدراكي الذي يحدد ما تراه وما لا تراه، وما تفكر فيه وما يتم إقصاؤه من وعيك، لتتحول حرية الاختيار إلى وهم مريح داخل حدود مرسومة.

الأخطر من ذلك أن العلاقة بين الشباب والتكنولوجيا، خصوصًا تحت سن الخامسة والعشرين، لم تعد علاقة استخدام بل علاقة تشييء ناعم. فبدل أن تكون أدوات الذكاء الاصطناعي وسيلة للإنتاج، أصبحت في كثير من الحالات مساحة للاستهلاك السريع والتفاعل السطحي، حيث يتحول المستخدم إلى مُدخل بيانات حي يغذي الأنظمة بسلوكه وتفضيلاته، فتتعلم منه لتعيد تشكيله من جديد. هذه الدائرة المغلقة تُنتج جيلًا يعرف كيف يمرر ويشاهد ويتفاعل، لكنه أقل قدرة على البناء والتحليل والإنتاج العميق.

داخل العائلة الفلسطينية، يتجلى هذا التحول بشكل أكثر حساسية، لأن البيئة أصلًا تعاني من ضغط مركب سياسيًا واقتصاديًا ونفسيًا. هنا لا تُفكك التكنولوجيا العلاقات بشكل مباشر، بل تُعيد ترتيبها بصمت. يتواجد الجميع في نفس المكان، لكن كل فرد يعيش داخل فقاعة إدراكية خاصة به، ما يخلق حالة من العزلة المتجاورة، حيث يغيب الحوار العميق ويحل محله تفاعل سريع ومقتضب، وتتآكل اللغة المشتركة التي كانت تشكل أساس الترابط العائلي. يصبح القرب الجسدي بلا معنى تفاعلي، ويتحول البيت إلى مساحة بث متوازي بدل أن يكون مساحة تواصل.

بالتوازي مع ذلك، يحدث تحول أخطر على مستوى العقل ذاته، حيث لم تعد المعرفة هي القيمة العليا داخل هذه المنظومة، بل القدرة على الجذب والإثارة. المحتوى الذي ينتشر ليس الأكثر عمقًا، بل الأكثر قدرة على تحفيز الانفعال اللحظي، ما يؤدي إلى تسليع الشعور وتحويله إلى أداة تداول. يعيش المستخدم بين موجات متتالية من الإثارة والفراغ، ما يدفعه للبحث المستمر عن دفعة جديدة، في دورة لا تنتهي من الاستهلاك العاطفي السريع. هذا النمط يضعف القدرة على التركيز، ويعيد تشكيل الدماغ ليفضل السرعة على العمق، والانطباع على التحليل.

في هذا المناخ، يتراجع العقل الإنتاجي لصالح ما يمكن وصفه بالسطحية السريعة، حيث يتم استبدال المعرفة المتراكمة بشذرات متفرقة، ويتم اختزال التفكير النقدي إلى ردود فعل لحظية. يصبح إكمال الفيديو أهم من إكمال الفكرة، ويصبح الانتشار معيارًا للقيمة بدل التأثير الحقيقي. هذا التحول لا يؤثر فقط على الأفراد، بل يعيد تشكيل الثقافة العامة، ويخلق بيئة تُكافئ التبسيط المفرط وتُعاقب العمق.

ضمن السياق الفلسطيني، يتجاوز التأثير الجانب الفردي ليصل إلى مستوى إعادة تشكيل الأولويات الجمعية، حيث تعمل المنصات كآلية لإعادة ترتيب ما يستحق الانتباه. القضايا الجوهرية قد تتراجع أمام موجات من المحتوى السريع، ما يخلق حالة من التشويش الإدراكي ويضعف القدرة على التمييز بين المهم والهامشي. هنا لا نتحدث فقط عن تأثير إعلامي، بل عن شكل من أشكال الاستعمار الإدراكي الذي يعيد تعريف الواقع عبر تدفق مستمر من الإشارات.

في النهاية، نحن لا نواجه تكنولوجيا بحد ذاتها، بل نواجه منظومة تعيد تعريف الإنسان داخلها. إما أن يبقى الإنسان فاعلًا قادرًا على توجيه انتباهه وبناء وعيه، أو يتحول إلى عنصر داخل شبكة تُدار بخوارزميات لا تهتم إلا بإطالة بقائه داخلها. في الضفة الغربية، حيث التحديات مركبة، تصبح هذه المعركة أكثر حساسية، لأنها تمس بنية العائلة، وقدرة الشباب على الإنتاج، وبوصلة المعنى التي تحدد اتجاه المجتمع.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس كيف نستخدم هذه المنصات، بل كيف نستعيد السيطرة على وعينا داخلها، قبل أن يصبح هذا الوعي نفسه منتجًا مُعاد تشكيله وفق منطق لا يخدم الإنسان بقدر ما يخدم استهلاكه.

*باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي




المـرأة الفلسطينيـة تخـوض الانتخـابات!

أ. د. أفنان نظير دروزة

  بسم الله، وبعد الاتكال على الله، قررت المرأة الفلسطينية أن تخوض الانتخابات البلدية والمجالس المحلية بكل همة ونشاط وثقة واقتدار؛ لتكون مع الرجل جنبا إلى جنب في خدمة الوطن وصنع القرار، تؤازره ويؤازرها، وتشاوره ويشاورها، وتشاطره الرأي ويشاطرها، وتستمد منه القوة ويستمد منها. صحيح أن المرأة الفلسطينية سبق وأن خاضت الانتخابات سنة 1996م، إلا أنها في هذه المرة نراها تخوض التجربة بثقة أكبر، وعدد أكبر، وهمة أعلى، وتصميم أشد، وخبرة أنضج، وبصيرة أكثر نفاذا ورؤية للأمور، وهي بهذا القرار الانتخابي تحاول أن تعمل على تغيير مفاهيم المجتمع الخاطئة التي ظلت تسيطر عليه قرونا طويلة والمتعلقة بهيمنة الرجل على القرارات الإدارية حتى بتلك الأمور المتعلقة بالمرأة. وما ترشحها للانتخابات هذه إلا لتردّ المجتمع إلى وضعه الطبيعي الذي فطره الله عليه، الوضع الذي يتكامل فيه الذكر والأنثى ولا يتفاضلان، ويتعاونان ولا يتمايزان، ويكملان بعضهما البعض ولا يفترقان، ليكونا مجتمعا طبيعيا سويا متكاملا كما أراده الله منذ بدء الخليقة، ووفق ما جاء في كتاب الله:  ” وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ”.
      والمرأة الفلسطينية بهذا القرار الانتخابي نراها تحطم الأسطورة البالية التي ظلت تعشعش في عقول الجهلة والمتأخرين، بأن المرأة ما خلقت إلا للبيت والأولاد فقط؛ لتقول لهم بكل ثقة واطمئنان أن المرأة عقل قبل أن تكون جسما وروحا، وأنها إنسان قبل أن تكون مربية أولاد وأجيال، وهي كالرجل حباها الله من الذكاء والاستعدادات والقدرات والكفاءات ما يؤهلها لأن تكون إلى جانب الرجل في مكان صنع القرار، تدرس وتحلل، وتقرر وتشاور، وتدافع عن قضايا بلدها ووطنها كما يدافع، متسلحة بعلمها وشهاداتها ونضالها وإيمانها بنفسها وقضيتها.
      إن المرأة الفلسطينية اليوم بخوضها انتخابات البلديات والمجالس المحلية تقول للمجتمع العربي بخاصة، والعالم بعامة، إن الذي يحكم تطور المجتمع وبقاءه هو العلم والكفاءات، والقوة العقلية والذكاء لا الجندر والقوة العضلية؛ وأن الذي يعمل على مساواة الذكر والأنثى في الحقوق والواجبات هو النظام الديمقراطي واحترام الإنسان لا النظام الديكتاتوري والهيمنة.  وبعد أن نجحت المرأة عبر التاريخ أن تكون محامية وطبيبة وباحثة وعالمة وشاعرة وأديبة وفيزيائية وكيمائية وغيرها من مجالات العلم وخاصة في فلسطين، فهي بلا شك ستنجح في أن تكون رئيسة بلدية وعضو مجلس بلدي، وصاحبة قرار سياسي، إذ أن التجربة بينت أن المرأة في كل مكان قادرة على تحسّس قضايا مجتمعها، وقادرة على دراستها وتحليلها، وقادرة على إفرازها والمدافعة عنها كإخوانها من الرجال؛ ولهذا فقد رأيناها تصل إلى أعلى المراكز والمرتبات من وزيرة ومديرة وباحثة وعالمة وطبيبة ومحامية وبروفيسورة، إلى آخره من التسميات، وهي دون أدنى شك قادرة أن تكون عضوا فاعلا ومؤثرا في أي موقع تكون فيه تضيف إلى الرجل ولا تنقص منه، وتدعمه ولا تقلل من شأنه، وتكمله ولا تضعفه، و تدافع عن بلدها ومجتمعها وقضيتها ووطنها ولا تقف منه موقف المتفرج أو المتألم فقط عندما تفقد الأخ، أو الابن، أو الزوج، أو الأب، أو القريب، أو الصديق، وكما يقول علماء الاجتماع أن اشتراك رأيين أفضل من رأي واحد، وهذا ما يكون عندما تأخذ المرأة الفلسطينية مكانها في المراكز الإدارية إلى جانب أخيها الرجل.
    إن نظرة الأمل والتفاؤل التي رأيناها في صور المرشحات في قائمة الانتخابات تقول لنا بأن المرأة الفلسطينية مصممة على العمل، ومصممة على النجاح، ومصممة على احتلال دورها الريادي في المجتمع بدرجة لا تقل عن تصميم الرجل؛ وذلك بما تملكه من علم وكفاءة، وذكاء وفطنة، وخبرة وثقة بالله وبالنفس عالية.
     فهنيئا للمرأة الفلسطينية خوضها الانتخابات، وهنيئا فوز البعض لرئيسة البلديات، وهنيئا لك ثقتك بنفسك، وهنيئا لك إيمانك بقدراتك، وهنيئا لك إصرارك على إثبات نفسك وخدمة مجتمعك، ومباركا لك سعيك في الوصول إلى جسم الهرم الإداري وصنع القرار مساندة للرجل في كل موقع ومكان، وهنيئا للمجتمع الفلسطيني بك أمّا وأختا وزوجة ومناضلة ورئيسة بلدية وقائدة…الخ من المراكز التي حكرا على الرجال، وذلك لتكوني مثلا أعلى لكل الفتيات العربيات منهم والأجنبيات.  فسيري وعين الله ترعاك، وإلى الأمام، مع تمنياتنا لك ولجميع الفائزين كل التوفيق والنجاح، ومزيدا من التقدم والازدهار في خدمة بلدك وشعبك ومجتمعك وقضيتك على طريق النصر والتحرير والاستقلال.





د. دلال صائب عريقات

الدستور الفلسطيني: بين الشرعية والدولة!

تأتي مسودة الدستور الفلسطيني في مرحلة تاريخية استثنائية للقضية الفلسطينية، حيث يتقاطع مشروع بناء الدولة مع واقع الاحتلال والاستيطان والضم والابادة والتهجير والإملاءات وفرض الحقائق، ويتداخل مسار الإصلاح المؤسسي مع نقاشات إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، بما في ذلك انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني ومستقبل منظمة التحرير الفلسطينية. وهذا ما يجعل من النقاش الدستوري نقاشًا سياسيًا وطنيًا بامتياز، لا مجرد تمرين قانوني أو ضغط خارجي. الدستور ليس مجرد نص قانوني ينظّم السلطات ويوزّع الاختصاصات، بل وثيقة سياسية تؤسس لفكرة الدولة. الدستور الحديث ليس فقط عقدًا سياسيًا، بل عقد اجتماعي جامع، يعكس صورة المجتمع الذي نريد. ما يحتاجه الفلسطينيون اليوم ليس دستورًا يُنتج غموضًا جديدًا، بل يحتاجون دستورًا يحسم دون التباس العلاقة بين الدولة والشرعية الوطنية، بين المؤسسات والسيادة، بين المشروع التحرري والبناء الدستوري. قراءة مشروع الدستور الفلسطيني لا ينبغي أن تنحصر في تفاصيل الصياغة القانونية، بل يجب أن تنطلق من سؤال أعمق: أي شرعية سياسية يؤسس لها هذا الدستور؟
المسودة، في كثير من جوانبها تتضمن عناصر متقدمة تستحق التقدير، لا بد من تسجيل التقدير الصريح للجهد الوطني الكبير الذي بذلته لجنة الصياغة، فهي تؤكد مبادئ سيادة القانون، وتطرح رؤى حديثة وحضارية في الحقوق والحريات وخاصة المرأة، والشباب، والعدالة الاجتماعية، وسيادة القانون، حتى قوننة زراعة الأعضاء بروح تواكب تطور الفكر الدستوري المعاصر. كما يُحسب للمسودة أنها تعاملت مع فلسطين بوصفها وحدة سياسية وجغرافية كلية، ولم تنزلق إلى تفصيلات جغرافية جزئية قد تُقحم النص الدستوري في تفاصيل متغيرة بطبيعتها، وهذا من حيث المبدأ توجه دستوري مفهوم، لأن الدساتير تؤسس للمبادئ الكلية لا للتقسيمات الإدارية. غير أن هذا المنطق نفسه يطرح استثناءً لا يمكن تجاوزه: الحالة الغزية.
الإشكالية المركزية لا تكمن فيما ورد، بل فيما لم يُحسم بصورة صريحة، خاصة ما يتعلق بمركز الشرعية السياسية الفلسطينية. تشير الديباجة إلى منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، غير أن هذا الاعتراف يبقى رمزيًا ما لم يترجم إلى نصوص دستورية ملزمة داخل المتن. فالدساتير لا تُبنى على الرمزية وحدها، بل على قواعد واضحة تحدد السلطات والمرجعيات وتمنع التأويل المتناقض.
وهنا تبرز نقطة جوهرية: المسودة تنشئ مجلس نواب للدولة باعتباره السلطة التشريعية، دون تحديد واضح لعلاقته بالمجلس الوطني الفلسطيني، الذي يمثل الإطار التشريعي الأعلى للمشروع التحرري الفلسطيني. وهذا ليس تفصيلًا مؤسسيًا عابرًا، بل سؤال يتعلق بمصدر الشرعية ذاته؛ هل نحن أمام تكامل بين مؤسستين، أم انتقال تدريجي غير معلن من مرجعية تحررية يمثلها المجلس الوطني ومنظمة التحرير، إلى مرجعية دولة قيد التكوين؟
وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية إذا استحضرنا حقيقة أن الدولة الفلسطينية، رغم الاعتراف الدولي المتنامي، ما زالت غير مكتملة السيادة؛ فهي  محتلة ولا تمارس سيطرة كاملة على الحدود، أو الموارد، أو المجال الجوي، أو وحدة الإقليم، ولا تزال القدس تحت الاحتلال والتهويد. في مثل هذا الواقع، فإن نقل مركز الشرعية من إطار تحرري جامع إلى كيان سيادي غير مكتمل قد يحمل مخاطر استراتيجية عميقة: أولها تقليص تمثيل الفلسطينيين في الشتات، وثانيها اختزال المشروع الوطني من مشروع تحرر إلى إطار إداري، وثالثها تعريض الشرعية الوطنية لهشاشة أكبر أمام الوقائع المفروضة من الاحتلال.
إن بناء الدولة لا ينبغي أن يكون على حساب المشروع الوطني، كما أن الحفاظ على المشروع التحرري لا يتناقض مع بناء مؤسسات الدولة. التحدي الحقيقي هو في المواءمة بين الاثنين، وهذه المواءمة لا تُترك للاجتهاد السياسي اللاحق، بل يجب أن تُحسم دستوريًا.
ومن هنا، فإن الحاجة ملحّة لتضمين نصوص صريحة تؤكد أن منظمة التحرير الفلسطينية تبقى المرجعية السياسية العليا للشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وأن المجلس الوطني يحتفظ بوظيفته التمثيلية والتشريعية ضمن الإطار التحرري، مع تنظيم العلاقة بينه وبين مجلس النواب على أساس تكاملي لا استبدالي.
وفي هذا السياق، لا تقتصر الملاحظات على بنية الشرعية وحدها، بل تشمل قضايا حقوقية ومجتمعية يجب أن يواكبها النص الدستوري، مثل الحق في الحصول على المعلومة، وتعزيز حقوق ذوي الإعاقة، والاعتراف بقضايا الصحة النفسية والتوحد ضمن منظومة الحقوق، وضمان انتظام الانتخابات التشريعية والرئاسية بالتوازي، والتفكير بوضوح في مسألة الدفاع الوطني وتوفير الحماية للمواطنين في ظل واقع الاحتلال.
فاللحظات التأسيسية لا تحتمل الغموض، لأن الغموض في هذه اللحظات ليس حياديًا؛ إنه يفتح الباب لتحولات صامتة قد تعيد تشكيل المشروع الوطني دون إعلان مباشر.
ولا ينتقص ذلك من القيمة العامة للمسودة، بل يندرج ضمن منطق تطويرها وتحسينها، تمامًا كما تنطبق الملاحظات المتعلقة بمركز الشرعية السياسية، والعلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسسات الدولة مما يستدعي حوار وطني جاد يصب في مسودة الدستور وليس العكس. ومن هذا المنطلق، فإن الحسم في القضايا المؤسسة- سواء ما يتعلق بالشرعية، أو وحدة الجغرافيا، أو بنية النظام السياسي -لا ينبغي أن يبقى حكرًا على التوافق النخبوي، بل يجب أن يعود للاستفتاء الشعبي، فالدساتير في اللحظات المؤسسة تستمد قوتها من الإرادة الشعبية المباشرة، والاستفتاء هنا ليس مجرد آلية تمرير وإقرار، بل ضمانة وطنية لحماية التوافق العام حول القضايا المصيرية.
التقدير لجهود لجنة الصياغة والجهد الوطني المبذول يجب أن يقترن باستمرار الحوار حول ما يحتاج إلى تبديل او تحصين أو إيضاح، لأن الهدف ليس إنتاج دستور فقط، بل إنتاج عقد سياسي وطني جامع. وإذا كان هذا الدستور يراد له أن يكون وثيقة الدولة الفلسطينية القادمة، فإن قوته لن تُقاس فقط بجودة نصوصه، بل بقدرته على ضمان وحدة التمثيل، واستمرارية المشروع التحرري، وحماية المرجعية السياسية العليا للشعب الفلسطيني، وصون وحدة الجغرافيا، وترسيخ حق تقرير المصير، واستناده إلى تفويض شعبي واضح.
وهذا هو جوهر الشرعية الدستورية الحقيقية.




الانتخابات المحلية بين الواقع والمأمول

بهاء رحال

في ظرف استثنائي شديد التعقيد سياسيًا واقتصاديًا، ووسط تحديات الواقع الراهن في غزة والضفة والقدس، تجري عملية الاستعداد لانتخابات المجالس البلدية والمحلية كخطوة متقدمة نحو عملية ديمقراطية واعدة تقوم بها السلطة الوطنية الفلسطينية، رغم أن الواقع الصعب قد لا يكون الأنسب لمثل هذه الانتخابات، إلا أنها تعتبر خطوة لإعادة الحياة الديمقراطية بدءًا من المجالس المحلية مرورًا بالمجلس التشريعي والرئاسة والمجلس الوطني، الذي هو البيت المعنوي الجامع للكل الفلسطيني.
نقترب كثيرًا من موعد الانتخابات المقررة في ٢٥ نيسان الجاري، ونسمع الوعود من الكتل المترشحة، كما نشهد حماسًا في أوساط عديدة، وهو أمر لافت في ظل الواقع المعاش والظروف الاستثنائية التي تعصف بالقضية الفلسطينية برمتها، والحياة القاهرة التي يعيشها الفلسطيني، إلا أن مشاهد الديمقراطية والتنافس بين المترشحين له مدلولات غاية في الأهمية، مفادها حيوية شعبنا وديمومة حضوره، ودفاعه المستميت عن أرضه ووطنه، إلى جانب دفاعه عن حقه في الانتخاب والترشح والتنافس الحر، وهذا من أهم سمات الشعوب التي تستحق الحياة.
ما تشهده الساحة من حراك تنافسي بين الكتل في مختلف المدن والقرى، دليل على أن شعبنا يتعطش للديمقراطية وممارسة حقه في الانتخاب، كما أن قانون الانتخابات الأخير رفع من مشاركة الشباب حين أتاح المجال لشريحة أكبر من الترشح عبر تخفيض السن القانوني للمرشح، وهذا دفع بالشباب للمشاركة الفاعلة التي نلمسها خلال عملية الدعاية الانتخابية، في داخل القوائم والكتل، وعبر المحيط الاجتماعي الواسع.
إن الرسالة التي يقدمها المترشحون هامة وواعدة، وفيها الكثير مما يلامس آمال الناس وأمنياتهم، وهذا ينسجم تمام الانسجام، إذا ترافقت الوعود بالفعل والعمل الدؤوب لنرتقي بمدننا وقرانا، ويحظى المواطن بعيش كريم، وهو يساهم في عملية البناء والتطوير جنبًا إلى جنب في صيرورة الفعل والعمل الذي ينهض بالخدمات العامة، ويعزز من كفاءة الأداء المؤسسي، ويكرّس مبادئ النزاهة والشفافية، وصولًا إلى تحقيق تنمية مستدامة تلبي تطلعات المواطنين وتستجيب لاحتياجاتهم المتجددة.
نقترب من يوم الاقتراع، وخلال الفترة الماضية استمع المواطن للكثير من الآمال والوعود والخطط، عبر برامج الكتل التي وعدت الناس بتحقيقها في حال نجاحها، وما نطلع له وما نتمناه أن تكون هذه الوعود وعد الحر للحر، وأن لا تكون فقط دعاية في منازلة انتخابية سرعان ما تختفي فور خروج النتائج.
واقع صعب ومدن تحتاج الكثير لتسهيل حياة الناس بدءًا بالطريق والأسفلت مرورًا بالمدارس والأرصفة، ويا حبذا لو أصبح لدينا حدائق عامة، ومناطق سكنية وأخرى تجارية وأن لا تبقى الأحياء مختلطة بين التجاري والسكني والصناعي، وأن تتوفر للمواطن حاجته من المياه ونحن على أبواب الصيف مترافقة مع عدالة في التوزيع لكافة المناطق والأحياء، وأن يحترم الرصيف كحق من حقوق المشاة التي تنتهك بشكل دائم، وكثيرة هي الأمنيات ولكن نقول لمن سينجح في الانتخابات، أوفوا بعهودكم لناخبيكم.