1

بين الانسحاب المشروط والحرب الأهلية… الرهان الإسرائيلي على لبنان

إسماعيل جمعة الريماوي

لم يكن مشهد الاحتفال في وسائل الإعلام الإسرائيلية عقب الإعلان عن الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية مشهدًا عابرًا، بل كشف الكثير عن طبيعة الرهانات الإسرائيلية الكامنة خلف هذا الاتفاق، فعندما تتفق معظم القنوات والمحللين العسكريين والسياسيين في إسرائيل على وصف الاتفاق بأنه “إنجاز تاريخي” و”اتفاق ممتاز”، يصبح من المشروع التساؤل: ما الذي حققته إسرائيل حتى تبدو بهذه السعادة؟
الجواب لا يتعلق فقط بالشق الأمني، بل بما تعتبره تل أبيب تحولًا استراتيجيًا في طبيعة الصراع، فالاتفاق، وفق القراءة الإسرائيلية، لا يربط الانسحاب من جنوب لبنان بوقف الاعتداءات أو بتطبيق قرارات الأمم المتحدة، وإنما يجعل الانسحاب مشروطًا بنزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية بواسطة الدولة اللبنانية نفسها، وبذلك تنتقل المواجهة، من المنظور الإسرائيلي، من صراع مباشر بين إسرائيل وحزب الله إلى صراع داخلي لبناني.
وهذا ما يفسر التصريحات اللافتة التي خرجت من الإعلام الإسرائيلي، والتي تحدث بعضها صراحة عن أن إسرائيل “تدفع لبنان إلى حرب أهلية”، وأن مواجهة بين الجيش اللبناني وحزب الله “قد لا تكون سيئة لإسرائيل”، بل إن بعض المحللين اعتبرها الهدف الحقيقي منذ البداية، وهذه التصريحات لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد تحليلات إعلامية، بل تعكس رؤية متداولة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ترى أن تفكيك حزب الله من الداخل أقل كلفة بكثير من خوض حرب جديدة معه.
ولذلك لم يكتفِ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالترحيب بالاتفاق، بل وضع شرطًا واضحًا: لا انسحاب إسرائيلي من الحزام الأمني قبل نزع سلاح حزب الله وانتهاء ما تعتبره إسرائيل تهديدًا لأمنها، وهذا يعني عمليًا أن إسرائيل تحتفظ بحق البقاء داخل الأراضي اللبنانية إلى أجل غير محدد، بينما تتحول عملية نزع السلاح إلى مسؤولية الحكومة اللبنانية.
الأخطر أن الاتفاق، وفق ما سربته وسائل الإعلام الإسرائيلية، يقوم على تنفيذ تجريبي في مناطق محددة، بحيث تمنح إسرائيل نفسها حق تقييم أداء الجيش اللبناني، ثم تقرر توسيع نطاق التنفيذ أو تجميده، وبذلك تصبح إسرائيل صاحبة القرار الفعلي في تحديد مدى التزام لبنان، وتتحول عملية الانسحاب إلى ورقة ضغط دائمة يمكن استخدامها سياسيًا وعسكريًا.
كما تكشف التصريحات الإسرائيلية أن الهدف النهائي لا يقف عند حدود الجنوب اللبناني، بل يمتد إلى إعادة رسم المشهد السياسي اللبناني بالكامل، فالإذاعة الإسرائيلية تحدثت صراحة عن أن الاتفاق يمهد لاتفاق سلام مستقبلي مع لبنان بعد إنهاء النفوذ الإيراني، فيما رأى عاموس يدلين أن الاتفاق يختلف عن أي تفاهم سابق لأنه يربط بين نزع سلاح حزب الله والوصول إلى سلام بين البلدين.
وفي المقابل، فإن التحفظات التي صدرت عن شخصيات إسرائيلية مثل أفيغدور ليبرمان أو بعض رؤساء المجالس الحدودية لا تعكس رفضًا للاتفاق بقدر ما تعكس اختلافًا حول آلية تنفيذه وسرعة الانسحاب، فجميع هذه المواقف تتفق على هدف واحد، وهو إنهاء القوة العسكرية لحزب الله، بينما يتركز الخلاف على الوسيلة والتوقيت.
إن قراءة المشهد الإسرائيلي تكشف أن تل أبيب ترى في الاتفاق فرصة تاريخية لتحقيق ما عجزت عن تحقيقه عبر سنوات طويلة من الحروب والاغتيالات والضغوط العسكرية، فإذا نجحت الدولة اللبنانية في نزع سلاح حزب الله تكون إسرائيل قد حققت هدفًا استراتيجيًا دون إطلاق رصاصة، وإذا رفض الحزب ودخل في مواجهة داخلية، فإن إسرائيل ستكون قد نجحت في نقل الحرب إلى الداخل اللبناني، مستنزفة خصومها بأيدي بعضهم البعض.
 وهنا تكمن خطورة هذا الاتفاق في أن إسرائيل لا تنظر إليه بوصفه نهاية لمواجهة، بل بداية لمرحلة جديدة من الصراع تُدار بأدوات سياسية وأمنية داخلية بدل الدبابات والطائرات، لذلك فإن النشوة التي اجتاحت الإعلام الإسرائيلي لم تكن احتفالًا بتوقيع وثيقة، وإنما احتفالًا بإمكانية تحقيق مشروع طال انتظاره: تفكيك البيئة المقاومة من الداخل، وتحويل لبنان من ساحة مواجهة مع الاحتلال إلى ساحة صراع بين أبنائه، أما ما إذا كان هذا الرهان سينجح أم سيفتح الباب أمام واقع أكثر تعقيدًا، فسيظل مرهونًا بقدرة اللبنانيين على منع تحويل خلافاتهم الداخلية إلى أداة تخدم الأهداف الإسرائيلية.




فلسطين ومعيار الشرعية الإقليمية

لما عواد

ليست كل القضايا تحتفظ بموقعها بالطريقة نفسها. فبعضها يتراجع، وبعضها يختفي، بينما يعيد بعضها تعريف دوره. والقضية الفلسطينية تنتمي إلى الفئة الثالثة؛ إذ لم تفقد مكانتها في الشرق الأوسط، لكنها غيّرت وظيفتها. فلم تعد القضية التي تدور حولها التحالفات فحسب، بل أصبحت أحد أهم المعايير التي تُقاس بها شرعية النظام الإقليمي الجديد.
لعقود طويلة، وُصفت القضية الفلسطينية بأنها “القضية المركزية” في النظام العربي والإقليمي. لم يكن هذا الوصف مجرد شعار سياسي، بل كان يعكس حقيقة أن معظم الاصطفافات والتحالفات والمواقف الإقليمية كانت تُقاس بمدى قربها أو بعدها من فلسطين. أما اليوم، وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، يبدو أن السؤال لم يعد: هل ما تزال فلسطين القضية المركزية؟ بل أصبح: ما الدور الذي تؤديه فلسطين في نظام إقليمي يعاد تشكيله؟
الجواب، في تقديري، أن موقع فلسطين لم يتراجع بقدر ما تغيرت طبيعته.
لم تنتقل فلسطين من مركز النظام الإقليمي إلى هامشه، بل انتقلت من كونها محورا تُبنى حوله السياسات إلى أحد أهم المعايير التي تُقاس بها شرعية تلك السياسات، بل ربما أكثرها حساسية في الشرق الأوسط.
لقد دخل الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة مرحلة إعادة هندسة سياسية وأمنية غير مسبوقة. فملفات الأمن الجماعي، والطاقة، والممرات التجارية، والذكاء الاصطناعي، والاستثمارات العابرة للحدود، أصبحت تحتل مكانة متقدمة في حسابات الدول. ولم تعد القضية الفلسطينية وحدها تحدد اتجاهات العلاقات الإقليمية كما كان الحال في العقود السابقة.
ولفهم هذا التحول، لا بد من قراءة المكانة التي شغلتها فلسطين عبر المراحل المختلفة من تطور النظام الإقليمي العربي. ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ارتبطت فلسطين بمشروع القومية العربية، وأصبحت معيارا لالتزام الأنظمة بخطاب التحرر والوحدة. ومع التحولات التي شهدتها المنطقة منذ سبعينيات القرن العشرين، وانتقال عدد من الدول إلى مقاربات أكثر واقعية، غدت القضية الفلسطينية معيارا تُقاس به شرعية الأنظمة العربية في نظر شعوبها، حتى وإن اختلفت سياساتها تجاه الصراع. أما منذ انطلاق عملية السلام في تسعينيات القرن الماضي، فقد أصبحت فلسطين ميدانا لاختبار قدرة التسويات السياسية على إنتاج سلام مستدام، لا مجرد اتفاقات سياسية.
واليوم، وفي ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، لم تعد فلسطين تمثل معيارالشرعية نظام أو أيديولوجيا بعينها، بل أصبحت المعيار الذي يُختبر من خلاله مدى قدرة النظام الإقليمي الجديد على تحقيق الاستقرار والقبول والاستدامة. وهكذا، فإن ما تغيّر ليس أهمية القضية الفلسطينية، وإنما الوظيفة السياسية التي تؤديها داخل بنية النظام الإقليمي.
وهذا التحول الوظيفي هو ما يفسر استمرار حضور فلسطين في قلب النقاشات الإقليمية، رغم تغيّر أولويات الدول وأدواتها.
غير أن هذا التحول لا يعني أن فلسطين فقدت أهميتها. وقد كشفت الأزمات المتعاقبة في المنطقة أن أي مشروع إقليمي يتعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها ملفا يمكن تأجيله أو تجاوزه، يصطدم سريعا بحدود قدرته على إنتاج الاستقرار. فالحروب المتكررة، وتصاعد التوترات، واتساع دائرة عدم اليقين، تؤكد أن تجاهل جذور الصراع لا يؤدي إلى إنهائه، بل إلى إعادة إنتاجه بأشكال أكثر تعقيدا.
ومن هنا، تبرز فكرة الشرعية الإقليمية بوصفها الإطار الذي يمكن من خلاله فهم موقع فلسطين في الشرق الأوسط الجديد. فالشرعية الإقليمية، كما تقترحهنا، لا تعني مجرد قدرة أي نظام ناشئ على بناء توازنات القوة أو إبرام التحالفات، وإنما تعني قدرته على اكتساب القبول والاستقرار والاستدامة عبر معالجة القضايا المؤسسة للصراع، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
ويمكن قياس هذه الشرعية من خلال ثلاثة مؤشرات مترابطة: قدرة النظام الإقليمي على إنتاج الاستقرار دون الاكتفاء بإدارة الأزمات، واتساقه مع قواعد القانون الدولي وحقوق الشعوب، ومدى قبوله لدى الرأي العام الإقليمي، لا لدى النخب السياسية وحدها. ومن هذا المنظور، تصبح فلسطين ليست مجرد أحد ملفات المنطقة، بل الاختبار الأكثر حساسية لمدى شرعية أي نظام إقليمي جديد وقدرته على الاستمرار.
ولعل المفارقة أن محاولات تجاوز القضية الفلسطينية لم تؤد إلى تراجع حضورها، بل جعلتها تعود في كل أزمة باعتبارها العقدة التي تعيق اكتمال أي ترتيبات جديدة. وكأن المنطقة تستطيع إعادة رسم خرائطها الاقتصادية والأمنية، لكنها لا تستطيع تجاوز الحقيقة الأساسية: أن السلام المستدام لا يُبنى على إدارة الصراع، بل على معالجته.
ولا يقتصر هذا التحول على المستوى الإقليمي، بل يمتد إلى النظام الدولي ذاته. فقد أصبحت المواقف من فلسطين معيارا يُقاس به اتساق الدول مع المبادئ التي تعلن الدفاع عنها، مثل احترام القانون الدولي، وحماية المدنيين، ورفض الاحتلال، وحق الشعوب في تقرير مصيرها. وهنا لم تعد القضية الفلسطينية اختبارا للسياسات الإقليمية فقط، بل اختبارا لمصداقية النظام الدولي نفسه.
إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت فلسطين خرجت من مركز النظام الإقليمي، وإنما ما إذا كان أي نظام إقليمي جديد يستطيع اكتساب الشرعية والاستمرار من دون معالجة عادلة للقضية الفلسطينية. والتجربة التاريخية تشير إلى أن تجاهل فلسطين قد يؤجل الأزمات، لكنه لا يلغيها.
وقد تغيّر الشرق الأوسط مرات عديدة، وتبدلت تحالفاته، وسقطت أنظمة وصعدت أخرى، لكن فلسطين بقيت العامل الأكثر قدرة على كشف حدود أي نظام إقليمي جديد. فالنظام الذي يستطيع إنتاج القوة من دون عدالة قد يفرض نفسه مؤقتا، لكنه يعجز عن إنتاج الشرعية.
لقد تغيّر موقع فلسطين في الشرق الأوسط، لكنه لم يتراجع. فبعد أن كانت القضية التي تدور حولها التحالفات، أصبحت المعيار الذي يكشف حدودها ويمنحها شرعيتها أو يسلبها إياها. ولذلك، فإن السؤال لم يعد: أين تقع فلسطين في النظام الإقليمي؟ بل أصبح: أي نظام إقليمي يمكن أن يكتسب الشرعية وهو يعجز عن تقديم إجابة عادلة للقضية الفلسطينية – وفي الإجابة عن هذا السؤال، لا يتحدد مستقبل فلسطين وحدها، بل تتحدد أيضا ملامح الشرق الأوسط الذي يتشكل اليوم، وحدود شرعيته، وقدرته على إنتاج سلامٍ مستدام.




هل تخدم الفوضى الإسرائيلية القضية الفلسطينية؟ (قراءة في حدود الفرصة ومخاطر الوهم السياسي)

شريف الهركلي

تشهد إسرائيل منذ سنوات حالة متصاعدة من الانقسام السياسي والاستقطاب المجتمعي، انعكست في أزمات حكومية متكررة وصراعات حادة بين الأحزاب والتيارات المختلفة. وقد دفعت هذه كثيرين إلى التساؤل عما إذا كانت الفوضى السياسية الإسرائيلية تمثل فرصة حقيقية للقضية الفلسطينية أم أنها مجرد متغير مؤقت في مشهد الصراع الممتد منذ عقود.
من الناحية السياسية، تؤدي الانقسامات الداخلية عادة إلى إضعاف قدرة الدول على اتخاذ قرارات مستقرة وصياغة استراتيجيات طويلة المدى. كما تكشف حجم التناقضات داخل مؤسسات الحكم وتؤثر في ثقة الجمهور بالنظام السياسي. وفي الحالة الإسرائيلية، تتجلى هذه الأزمة في التنافس الحاد بين الأحزاب الدينية والقومية والعلمانية، وفي الخلافات المتزايدة حول أولويات الدولة وهويتها ومستقبلها السياسي.
غير أن الاعتقاد بأن الأزمات الإسرائيلية ستتحول تلقائياً إلى مكاسب فلسطينية يبقى استنتاجاً يحتاج إلى قدر كبير من الحذر. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الحكومات التي تواجه أزمات داخلية قد تلجأ أحياناً إلى تشديد خطابها الأمني، أو تصعيد سياساتها الميدانية، بهدف توحيد الجبهة الداخلية وصرف الأنظار عن أزماتها السياسية. وعليه، فإن الانقسام الإسرائيلي قد يخلق فرصاً كما قد يفرض تحديات جديدة في الوقت ذاته.
في المقابل، تتيح هذه التحولات مساحة مهمة للتحرك الفلسطيني على المستويات السياسية والدبلوماسية والقانونية. فكل تصدع داخل البنية السياسية الإسرائيلية يفتح نافذة لإبراز الرواية الفلسطينية أمام الرأي العام الدولي، ويمنح الدبلوماسية الفلسطينية فرصة أوسع لحشد الدعم لقضاياها العادلة في المحافل الدولية.
لكن نجاح هذا المسار لا يرتبط بحجم الأزمة داخل إسرائيل بقدر ما يرتبط بقدرة الفلسطينيين على استثمارها. فالتاريخ يعلمنا أن ضعف الخصم لا يتحول تلقائياً إلى قوة للطرف الآخر، وأن الفرص السياسية قد تضيع إذا غابت الرؤية الواضحة ووحدة الموقف والقدرة على تحويل المتغيرات إلى إنجازات ملموسة.
إن جوهر المسألة لا يكمن في انتظار تعثر الخصم، بل في امتلاك مشروع وطني قادر على قراءة التحولات الإقليمية والدولية والتعامل معها بواقعية وفاعلية. فالأمم لا تحقق أهدافها بأخطاء الآخرين وحدها، وإنما بحسن إدارة الفرص التي تتيحها الظروف والمتغيرات.
وعليه، فإن الفوضى السياسية في إسرائيل ليست نصراً فلسطينياً بحد ذاتها، لكنها قد تشكل فرصة سياسية مهمة إذا أُحسن التعامل معها. وبين حدود الفرصة ومخاطر الوهم السياسي تبقى الحقيقة الأهم أن الإنجازات الوطنية لا تصنعها الأزمات وحدها، بل تصنعها الإرادة والرؤية والقدرة على تحويل اللحظة السياسية إلى مكسب استراتيجي مستدام.




منظمة التحرير الفلسطينية بين استعادة الدور واستنهاض المشروع الوطني

د. مروان إميل طوباسي

في الذكرى الثانية والستين لتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية التي صادفت يوم ٢٨ أيار، لا تبدو المناسبة مجرد استعادة لمحطة تاريخية في مسيرة شعبنا الفلسطيني، بل لحظة مراجعة نقدية وطنية عميقة تتعلق بمصير المشروع الوطني الفلسطيني التحرري نفسه، في ظل أخطر مرحلة يمر بها شعبنا منذ جريمة النكبة المستمرة حتى اليوم بأشكال متعددة.
ففي الوقت الذي ما زالت تتعرض فيه غزة لحرب إبادة مفتوحة وتقسيم فعلي، وتتصاعد عمليات الضم والاستيطان والتفكيك الممنهج في الضفة الغربية بما فيها القدس وإقرار تشريعات استعمارية مثل قانون تسوية الأراضي، وما يتعرض له الأسرى كما وشعبنا بالداخل من سياسات الفوقية اليهودية والتمييز العنصري، وتُستهدف فيه مخيمات اللجوء والوجود الفلسطيني في الشتات بأشكال مختلفة، يعود السؤال الجوهري أمامنا، أين تقف منظمة التحرير اليوم؟ وهل ما تزال قادرة على أداء وظيفتها التحررية والتمثيلية كبيت معنوي جامع للكل الفلسطيني منذ ان تأسست من أجل ذلك بمدينة القدس عام ١٩٦٤؟
لقد شكّلت المنظمة، منذ انطلاقتها، الإنجاز السياسي والمعنوي الأهم في تاريخ شعبنا الفلسطيني المعاصر، باعتبارها الإطار الجامع المعبر عن الهوية والكيان المعنوي الذي وحّد الفلسطينيين في الوطن والشتات تحت راية مشروع تحرري، وقاد معركة تثبيت الهوية الوطنية الفلسطينية على المستويين العربي والدولي. فلم يكن الإعتراف العربي والدولي بها ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني مجرد قرار سياسي، بل نتيجة تراكم كفاحي وتضحيات هائلة قدمها شعبنا وحركته الوطنية منذ بدايات ثورة عام ١٩٣٦.
غير أن التحولات السياسية التي أعقبت اتفاق أوسلو وملحقاته، وما نتج عنها من انتقال مركز الثقل من المنظمة إلى السلطة الفلسطينية، أدّت تدريجياً إلى تهميش مؤسسات المنظمة وإضعاف دورها السياسي والوطني، حتى باتت في كثير من الأحيان أقرب إلى إطار رمزي منه إلى قيادة فعلية للمشروع الوطني التحرري في وقت لم تتوقف فيه محاولات شطبها السياسي وخلق بدائل لها افشلها شعبنا بتضحياته.
والأخطر من حالة الجمود التي أصابت مؤسسات منظمة التحرير، هو الانتقال تدريجياً إلى التعامل معها وكأنها مجرد إطار تابع للسلطة الفلسطينية كمشروع حكم ذاتي مؤقت، لا مرجعية وطنية عليا لها. وقد تجلى ذلك في الجدل القانوني والسياسي الذي أثارته بعض القرارات المتعلقة بإخضاع مؤسسات المنظمة لولاية السلطة، بما اعتبرته مؤسسات وطنية وحقوقية وقانونية مساساً بمكانة المنظمة كشخصية قانونية دولية، وبطبيعة العلاقة الأصلية التي يفترض أن تكون فيها السلطة إحدى أدوات المنظمة لا بديلاً عنها أو مرجعية فوقها.
اليوم، وفي ظل مشاريع التصفية التي تعود بأشكال مختلفة للمنطقة بعد مسلسل المتغيرات والتحولات، لم يعد ممكناً التعامل مع أزمة منظمة التحرير بوصفها أزمة إدارية أو تنظيمية فقط، بل باعتبارها أزمة تتعلق بمستقبل التمثيل الوطني الفلسطيني ذاته. فالمشروع الإسرائيلي ـ الأمريكي لم يعد يكتفي بمحاصرة شعبنا ميدانياً، بل يسعى إلى تفكيك وحدة تمثيله السياسي، عبر الإبقاء على الانقسام والتقسيم والفصل الجغرافي والسياسي، وتحويل القضية الفلسطينية إلى ملفات إنسانية وإدارية منفصلة، والتعامل مع غزة باعتبارها مساراً خاصاً منفصلاً عن مرجعية المنظمة واستبدال ذلك بما يسمى “بلجنة أدارة غزة” بإشراف مجلس ترامب للسلام، ومع الضفة باعتبارها مناطق معازل جغرافية وحكم إداري وأمني منزوع السيادة، فيما يُراد للقدس واللاجئين أن يتحولا إلى قضايا مؤجلة ضمن ترتيبات إقليمية أوسع.
كما أن إعادة طرح مشاريع توسيع اتفاقات التطبيع الإقليمي والتي يتحدث عنها ترامب اليوم في سياق المفاوضات الايرانية الأمريكية، تعكس استمرار الرؤية ذاتها التي قامت عليها “صفقة القرن” الأولى، والقائمة على دمج إسرائيل في المنطقة على حساب تجاوز جوهر القضية الفلسطينية ومحاولة إعادة تعريفها كأزمة أدارة سكانية معيشية أو أمنية قابلة للإدارة، لا كقضية تحرر وطني لشعب واقع تحت الاحتلال، من خلال محاولات فرض الرؤية الصهيونية التوراتية المزعومة حول أرض إسرائيل الكبرى.
في مواجهة ذلك، لا يكفي التمسك الرمزي بمنظمة التحرير، بل المطلوب استعادة دورها ووظيفتها التاريخية السياسية عبر عملية تجديد واستنهاض، وخطة إنقاذ وطني شاملة، تعيد بناء مؤسساتها على أسس ديمقراطية وتمثيلية حقيقية، تبدأ بعقد مجلس وطني فلسطيني جديد مُنتخب يضم الكل الفلسطيني في الوطن والشتات بعيدا عن التعيين والمحاصصة التي فقدت جزء من معانيها وادواتها، بما يضمن مشاركة القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والمستقلين، وتمثيل الشباب والمرأة والطاقات الوطنية الحية التي تقود اليوم أشكال الصمود والمواجهة المختلفة وذلك وفق النتائج التي ستفرزها الإنتخابات الديمقراطية المقررة لهذا المجلس في شهر نوفمبر القادم.
كما يتطلب الأمر إعادة صياغة العلاقة بين المنظمة والسلطة الفلسطينية، بحيث تعود المنظمة إلى موقعها الطبيعي كمرجعية عليا فاعلة ومنتخبة الهيئات للمشروع الوطني التحرري، لا أن تبقى خاضعة لوظائف السلطة والتزاماتها السياسية والأمنية والاقتصادية. فالسلطة، مهما كانت أهميتها الإدارية في شان أدارة الخدمات المعيشية، لا يمكن أن تكون بديلاً عن المشروع التحرري الوطني ولا عن الإطار الجامع للشعب الفلسطيني المتمثل بالمنظمة، بل مكملاً له وإداة في خدمته.
إن استعادة منظمة التحرير فعليا وعمليا لا تعني العودة إلى الماضي أو إعادة إنتاج الأشكال والادوات القديمة، بل إعادة بنائها كإطار وطني جبهوي عصري تتجدد به الحركة الوطنية الفلسطينية وتخرج به من أزمتها البنيوية، يكون قادر على الجمع بين المقاومة الشعبية والسياسية والدبلوماسية والقانونية والتعامل مع التحولات الجارية بالنظام الإقليمي والدولي على أساس وحدة الأرض والشعب والقضية الوطنية، واستنهاض الطاقات الفلسطينية في كل أماكن وجود الشعب الفلسطيني ضمن استراتيجية وإرادة سياسية وطنية موحدة تستند إلى حق شعبنا في الحرية وتقرير المصير وإنهاء الاحتلال أولاً، وحل قضية اللاجئين في اطار الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف سنداً للقرارات الأممية.
فمنظمة التحرير لم تكن يوماً مجرد مؤسسة إدارية، بل كانت فكرة وطنية كفاحية جامعة، وتجسيداً لإرادة شعب قرر أن يقاوم ويبقى حياً، وأن يواصل نضاله من أجل الحرية والاستقلال الوطني مهما أشتدت التحديات في مواجهة تداعيات المشروع الاستعماري الصهيوني المستمر على حساب حقوقنا التاريخية والسياسية والقانونية.

* عضو المجلس الاستشاري لحركة “فتح”.




نظام الطيبات.. صراع بين ‘حكمة المطبخ’ وهيمنة الصيدلية

تحول نظام غذائي بسيط يعتمد على مكونات أساسية كالأرز والبطاطا إلى واحدة من أكثر القضايا الصحية إثارة للجدل في المجتمعات العربية المعاصرة. هذا الجدل يضعنا أمام تساؤل جوهري حول الفجوة المتسعة بين الطب الحديث القائم على المختبرات وبين الممارسات الغذائية التقليدية التي رافقت البشرية لآلاف السنين.

نحن نعيش اليوم في عصر يوصف بالذهبي من الناحية الطبية، حيث تتجاوز الاستثمارات في قطاع الصحة حاجز العشرة تريليونات دولار سنوياً. ومع ذلك، يواجه العالم انفجاراً غير مسبوق في الأمراض المزمنة التي يعجز الطب عن تحديد أسبابها الجذرية، مكتفياً بإدارة أعراضها عبر عقاقير دائمة.

تبرز هنا مفارقة صادمة؛ فبينما تضخ مئات المليارات في التكنولوجيا الحيوية، تزداد معدلات السكري والسمنة والسرطان بشكل مطرد. هذا الواقع دفع الكثيرين للتساؤل عما إذا كان النظام الطبي الحالي يهدف للشفاء الحقيقي أم لتحويل المريض إلى مستهلك دائم لمنتجات شركات الأدوية العابرة للقارات.

في هذا السياق المشتعل، برز اسم الدكتور الراحل ضياء العوضي ونظامه المعروف بـ ‘الطيبات’، والذي لم يطرح عقاراً جديداً بل أعاد الاعتبار للمطبخ. لقد طرح العوضي تساؤلاً مزعجاً للمنظومة التقليدية: ماذا لو كان الحل لغالبية أمراضنا يكمن في نوعية ما نأكله قبل أن نصل إلى عتبة الصيدلية؟

انقسم الجمهور تجاه هذا الطرح إلى فريقين متطرفين، أحدهما يراه ثورة صحية تعيد للجسم قدرته الفطرية على التعافي الذاتي. في المقابل، يرى الفريق الآخر أن هذا النظام يمثل تبسيطاً مخلاً لمشكلات طبية معقدة، واصفين إياه بـ ‘الهرطقة العلمية’ التي قد تضر بصحة المتبعين لها.

المثير للاهتمام أن فكرة العلاج بالغذاء ليست وليدة اليوم، بل لها جذور في أعرق الجامعات العالمية منذ عقود طويلة. ففي عام 1939، حقق الطبيب والتر كيمبنر في جامعة ديوك نتائج مذهلة في علاج الفشل الكلوي وضغط الدم باستخدام نظام يعتمد كلياً على الأرز والفواكه.

كذلك سار الطبيب الأمريكي جون ماكدوغال على ذات النهج، متسائلاً كيف تحولت الأطعمة التي شكلت قوام حياة البشر لقرون إلى ‘متهمين’ في عصرنا الحالي. وأكد ماكدوغال أن ظهور الأمراض الحديثة تزامن بدقة مع دخول الأطعمة فائقة التصنيع والزيوت المهدرجة إلى موائدنا.

كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الإيمان بحبة دواء أكثر عقلانية من الإيمان بطبق طعام، وكيف أصبحنا نثق بأن الشفاء في الصيدلية وليس في المطبخ؟

إن الإنسان المعاصر يخضع، دون وعي منه، لأكبر تجربة غذائية في التاريخ البشري من خلال استهلاك آلاف المواد المضافة والمنكهات الصناعية. هذه المواد الغريبة عن التكوين البيولوجي للإنسان قد تكون المحرك الأساسي للاعتلالات الصحية التي نعجز عن تفسيرها بالوسائل التقليدية.

لقد اعتدنا على رؤية المرض كجزء طبيعي من التقدم في السن، وأصبح من المألوف أن يحمل الفرد ‘صرة’ من الأدوية اليومية. هذا القبول المجتمعي للمرض الدائم يعكس خللاً في مفهومنا للصحة، حيث استبدلنا الوقاية بالاعتماد الكلي على التدخلات الكيميائية الخارجية.

لا يمكن إنكار فضل الطب الحديث في إنقاذ الملايين عبر الجراحات الدقيقة والمضادات الحيوية واللقاحات المتطورة. لكن المشكلة تكمن في الخلط بين ‘إنقاذ الحياة’ في الحالات الطارئة وبين ‘صناعة الصحة’ المستدامة التي تتطلب نمط حياة متكاملاً.

العلم الحديث نفسه بدأ يعود لتقدير آليات الجسم الذاتية، كما حدث عند منح جائزة نوبل للعالم يوشينوري أوسومي عام 2016. أبحاث أوسومي حول ‘الالتهام الذاتي’ أثبتت أن الصيام والجوع يمنحان الخلايا فرصة لتنظيف نفسها من التالف، وهو ما يتقاطع مع جوهر أنظمة غذائية كثيرة.

بين تقديس نظام الطيبات كعقيدة وبين السخرية منه كخرافة، تضيع مساحات واسعة من الحقيقة العلمية التي تحتاج للبحث الرصين. فليس هناك نظام غذائي يمثل ‘علاجاً سحرياً’ لكل داء، كما أنه لا يمكن تهميش دور الغذاء في تحسين جودة الحياة والتعافي من الأمراض.

إن الجدل حول العوضي ونظامه هو في جوهره صراع حول ‘فلسفة الصحة’ وكيفية استعادة الإنسان لثقته في قدرات جسده الحيوية. السؤال الحقيقي ليس عن البطاطا أو الأرز، بل عن مدى استعدادنا لمراجعة عاداتنا الاستهلاكية التي تدر المليارات على قطاعات التصنيع الغذائي والدوائي.

ختاماً، يحتاج نظام الطيبات وغيره من الأطروحات الغذائية إلى إخضاعها لتجارب سريرية علمية محكمة بعيداً عن الانحيازات. فإذا ثبتت فعاليتها، ستكون مخلصاً للكثيرين من عبودية الدواء، وإن ثبت عكس ذلك، سيكون العلم هو الفيصل النهائي في حماية الصحة العامة.