1

انتخابات البلديات: كفاءة أم استمرار الفشل؟

مع اقتراب الانتخابات البلدية في فلسطين، لم يعد السؤال: من سيفوز؟ بل السؤال الأخطر: هل سنعيد إنتاج الفشل نفسه؟
البلدية مؤسسة خدماتية أساسية تمس حياة المواطن اليومية، ومع ذلك جرى التعامل معها لسنوات وكأنها ساحة محاصصة، أو مكافأة اجتماعية، أو منصة لجمع الأصوات.
النتيجة معروفة: مجالس تتغيّر، وأداء ينهار، وخدمات تزداد سوءًا.
المشكلة تبدأ قبل صندوق الاقتراع. الخلل لا يبدأ عند المواطن، بل عند لجان اختيار القوائم. وألّا تحصر خيارات المواطن بين سيئ وأسوأ، بل بين كفاءة… والأكفأ.
تُقدَّم الأسماء بناءً على من “يجلب أصواتًا” لا من يملك قدرة على الإدارة، ومن يملك قاعدة شعبية لا من يملك شروعًا وبرنامجًا وخبرة.
وهكذا، يفوز من يحصد الأصوات… وتخسر المدينة سنوات جديدة من الفوضى وسوء التخطيط.
رئيس البلدية ليس وجيهًا اجتماعيًا، نريد رئيس بلدية بدرجة علمية رفيعة، خبرة حقيقية في الإدارة والتخطيط، خصية قيادية حازمة، ودبلوماسيًا قادرًا على تمثيل المدينة داخليًا وخارجيًا.
لا نريد رئيسًا يبرّر العجز، ولا مجلسًا يختبئ خلف الظروف.
المجلس البلدي فريق خبرة لا لائحة مجاملات. البلدية تحتاج مهندسين، محاسبين، قانونيين، مختصين في الإدارة والخدمات. لا تحتاج أسماء بلا اختصاص، ولا أعضاء دورهم التصفيق أو تسجيل المواقف.
مدينة تُدار بلا خبرة… مدينة تُدار نحو الفشل.
المعيار يجب أن يتغيّر، المعيار ليس: من يملك أصواتًا أكثر، بل: من يملك قدرة على التنفيذ؟
ليس من يرفع شعارًا، بل من يحوّل الخطة إلى عمل ميداني على الأرض.
في زمن الأزمات، إما بلدية تقود وتبني وتخلق حلولًا، أو بلدية تتحول إلى عبء إضافي على المواطن.
انتخابات البلديات ليست لعبة سياسية، بل اختبار وعي ومسؤولية.
نريد مجلسًا يقود لا يُقاد، يبني لا يبرّر، ويبحث عن الحلول لا عن الأعذار.
أما إعادة إنتاج المجالس نفسها بعقلياتها نفسها…
فهي وصفة مؤكدة لاستمرار الفشل، والمدينة لم تعد تحتمل.




الذكاء الاصطناعي من إدمان الإعلام الاجتماعي إلى غزة ومعبرها

د. صبري صيدم

كاتب رأي

لم يعد التوسع المتسارع للذكاء الاصطناعي ترفاً تقنياً ولا عنواناً مستقبلياً منشوداً، ولا توقعاً منتظراً، ولا حتى أُمنية يرجوها الجميع، بل بات حقيقة قائمة على مدار أيامنا وأسابيعنا، حتى أصبح يلامس وعينا وسلوكنا الآدمي بسرعة فلكية، وطاقة تنذر بالإيجاب، لكنها تحمل، كما كل تكنولوجيا أُخرى، مساحةً سلبيةً ملحوظةً أيضاً. وعليه، أصبح لهذه التكنولوجيا دورٌ كبيرٌ في إعادة تشكيل علاقتنا بالمعرفة والناس، وحتى بذواتنا. فبينما ينشغل العالم بأثر الإعلام الاجتماعي على الصحة النفسية للأفراد واستخدام الذكاء الاصطناعي لعلاجه، تتكشف في منطقتنا وجوه أكثر قسوة لاستخدام هذا النوع من الذكاء، لتصل حدود تطوير الأسلحة على تعددها وأجهزة الرصد والتجسس وغيرها المثير.
فقد أخذ القلق من إدمان الإعلام الاجتماعي والهواتف المحمولة في الغرب أبعاداً اجتماعية ونفسية وحتى أخلاقية كبيرة وغير مسبوقة، طالت الشباب والأطفال قبيل صفقة “تيك توك” الأخيرة، وما سبقها من ملاحقات عدلية بتهمة التسبب بذلك الإدمان، وصولاً اليوم إلى الإدراك المتنامي لأهمية توظيف الذكاء الاصطناعي وخوارزمياته لمعالجة هذا الإدمان، خصوصاً لدى اليافعين. هنا يوظف هذا الذكاء  بصورة محسومة رغم عدم نضوج الضوابط القانونية والعدلية بخصوصه. وهو ما يدلل على الاستخدام الإيجابي والماراثوني في نظر الكثيرين لهذا النوع من الذكاء لحماية المجتمعات وضبط مكوناتها الاجتماعية والأخلاقية.
هذا النوع من الإدراك إنما تُحوّل عملياً وخلال أسبوع إلى قرارات ملموسة اتخذتها دول كأستراليا، حين منعت استخدام الهواتف المحمولة في جميع مدارسها، في محاولة لحماية البيئة التعليمية حسب زعمها وتفادي تعرضها إلى التشويش وغياب البعد الإنساني كما تقول. هذا الأمر لم يتوقف عند أستراليا، بل امتد ليشمل بريطانيا، التي أوقفت استخدام الهواتف في المدارس أيضاً، معتبرة أن حماية العقل الناشئ أولوية لا تقل أهمية عن تحديث المناهج. المفارقة أن هذا الحال إنما يوظف الذكاء الاصطناعي نفسه في كلتا الدولتين لمحاربة إدمانٍ صنعه ذات الذكاء بصورة مختلفة، وكأن أستراليا وبريطانيا وربما غيرهما تداويان إدمان الهاتف المحمول والإعلام الاجتماعي بالتي كانت هي الداء.
لكنّ الصورة تنقلب رأساً على عقب حين ننتقل من بريطانيا وأستراليا ونقاش الإدمان الرقمي، إلى هذا الجزء من العالم، خاصة في خضم تمادي الاحتلال الإسرائيلي، وازدياد وتيرة قصفه وعدوانه ضاحداً أكذوبة: وقف إطلاق النار.
ففي غزة ومع كتابة هذه الكلمات وفي رفح مع نشرها، لا يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتقنين الهواتف أو تهذيب السلوك الرقمي، بل لفرض رقابة إسرائيلية خانقة، تعتمد على أنظمة تتبع وتحليل للبيانات ومراقبة حركة الناس وتفقد المسافرين أمنياً والتحقق من هوياتهم، ليتحوّل الإنسان إلى رقم، والهوية إلى شبهة، والحركة إلى إشارة. كل ذلك في إطار تحويل الحياة اليومية إلى ملف أمني عسكري مفتوح يدعمه في التمحيص والتحليل الذكاء الاصطناعي، ولتصبح هذه التكنولوجيا أداة للضبط والسيطرة، لا عنواناً للتحرر والتقدم والرخاء.
بين هذين العالمين المتباعدين، يقف السؤال الأخلاقي الكبير: هل التكنولوجيا محايدة؟ أم أنها تميل حيثما شاء البشر دون حسيب أو رقيب؟ التجربة تقول، كما قلنا في عالم الإنترنت ذات يوم، إن التكنولوجيا في محاسنها وسلبياتها إنما ترتبط بالتوظيف والأهداف، لا بالأحلام والأمنيات فقط.
الذكاء الاصطناعي، إذاً، لم يعد تكنولوجيا نطبقها، بل مرآة للقيم التي تُغذّي المشهد الحياتي اليومي، الذي يمتد من التوظيف العلمي لهذا الذكاء في الجراحات الدقيقة التي تنقذ حياة البشر، والصناعات المفيدة التي تتفعنا، وانتشار الحلول الآدمية الحضارية من جهة، إلى عالم داكن يوظف مخزن الخوارزميات ومفاتيحه لمضرة البشر من جهة أُخرى، فنرى قصف غزة مع كتابة هذه الكلمات والقتل المتواصل للعشرات هناك، وصولاً إلى خدمة مشروع التهجير عبر مراقبة المسافرين العائدين إلى غزة رغم أنينها. مسافرون لا تريد إسرائيل لهم أن يعودوا أصلاً خدمةً لأهداف الاحتلال المفضوحة والقائمة على طرد الفلسطينين ووأد هويتهم وطمس أحلامهم بالحرية والخلاص.  
إن الذكاء الاصطناعي، وإن كان قادراً على المساهمة في وقف إدمان الإعلام الاجتماعي ومعالجة هموم البشر وتطوير حياتهم، قادر أيضاً–بل يُستخدم فعلاً– على تعميق الدحر المتواصل لقيم البشرية، خاصة مع غياب الرقيب الأخلاقي والضوابط القانونية.  
المسافة وبكل أسف إذاً بين بريطانيا وغزة، وأستراليا ورفح، ليست تقنية، بل هي أزمة أخلاقية أمام عالم اعتاد على الموت، واستسلم للعجز، فبات يوظف التكنولوجيا لخدمة البشر في شق من العالم، ومضرّتهم والقضاء عليهم في مكان آخر، في مشهد سيريالي يفرض عنصرية تقنية ورقمية من نوعٍ آخر.
وعليه، فإن الإجابة على مدارس القيم في مواجهة مدارس الشر والطغيان حول العالم ستتوسع مع تطور الذكاء الاصطناعي وتمدده وتصاعد مخرجاته وتقدمها، فيما تتراجع البشرية وتعود لتمحيص ممجوج في أخلاقيات العلم، ومقاصد الذكاء الاصطناعي ومراميه، لنجد أنفسنا من جديد أمام مدح تكنولوجيا ما أو لعنها. للحديث بقية!




تغريب المكان وصناعة الدونية.. الوجه الآخر للحواجز العسكرية

تغريب المكان وصناعة الدونية.. الوجه الآخر للحواجز العسكرية

يختلف تعريف الحاجز عن تعريف الحصار، فالحصار علاقة عداء كاملة، ووضع قد يطول أو يقصر، يهدف إلى الاستسلام أو الاحتلال أو الاقتحام، والحصار علاقة باتجاه واحد، أي علاقة تتصف باستغلال قوة الإرادة والصمود والتحدي، أما الحاجز فهو لا يتضمن كل ذلك، وإنما هو وضع يهدف إلى التطويع والتطبيع والهندسة والضبط، الحاجز علاقة شَرطية تقوم على أُسس المدرسة الروسية البافلوفية أو المدرسة السلوكية الأمريكية التي ابتدعها واطسن وكريك، الحاجز يقيم أو يؤسس لعلاقة قد تكون أعقد من المدرستين السابقتين، وهو ما ندّعيه في هذا المقال، فالحاجز، وإن كان يَستخدم فكرة العقاب والثواب، إلا أن رجع الصدى لهذا الشرط يفوق التوقعات، فالبشر أعقد من الفيزياء والنفس البشرية لا تخضع لقوانين المختبر، وفي هذا المقال نطمح إلى أن نقدم مداخلة أولية لسوسيولوجيا الحاجز العسكري، وهي رؤية تم فحصها بالتأكيد في العلوم الأمنية وسيكولوجيا الجماهير وعلم الاتصال الجماهيري، ونحن هنا نقوم بتجميع أو ابتداع أوجه قد تكون جديدة لتتحول هذه الظاهرة إلى علم منفصل، بالإشارة إلى أن استخدام الحاجز العسكري أصبح شائعاً، خصوصاً في ظل العولمة التي تشهد انفجارات إثنية وعرقية ومذهبية، بحيث أصبح الحاجز العسكري ملمحاً أصيلاً في هذه الحروب، فللحاجز العسكري تعريفات متعددة، واستعمالات مختلفة، وأشكال متنوعة، وأهداف قريبة وبعيدة، وتأثيرات ذات مستويات مختلفة، وطرق التعامل معه تفوق الخيال، وفي أراضينا المحتلة مثلاً، فإن الحاجز العسكري أبعد وأعمق من مجرد كونه يمنع الحركة أو يُذل الناس أو يقطع الطرق أو يمنع ميلاد الدولة أو يؤخر الاقتصاد أو يشل الحياة الاجتماعية، الحاجز العسكري عادة ما يقوم بالوظائف التالية:
أولاً: الحاجز العسكري يقوم عادة بهندسة حياة الناس اليومية، فهو يحدد ميعاد الخروج والدخول، ويحدد الأوقات ونوعية الحالات والظروف المقبولة والمرفوضة، وهذا يقود – بمرور الوقت – إلى تطويع الجمهور تماماً، بحيث يتحول الحاجز إلى جزء أصيل من حياتهم، الأمر الذي يجعل من الحاجز نقطة الانطلاق ومرجعية الحياة ذاتها، إن ارتباط الحياة اليومية بالحاجز – بما فيه من حدة وصرامة ومزاجية وعنف وإذلال – يجعل من هذه الحياة ذات طموحات قليلة وانجازات ضئيلة تتصف عادة بالرغبة في عدم الاحتكاك بالحاجز قدر الإمكان.
ثانياً: الحاجز العسكري عادة ما يقوم بعملية تطبيع للواقع، فهو – اعتماداً على ما ذكر في النقطة السابقة – يحصل على ردود أفعال متوقعة من الجمهور الذي يتعامل معه، فالحاجز الذي يضع قوانين غير مفهومة ولا منطقية ولا إنسانية لمن يدخل ولمن يخرج، وماذا يَدخل وماذا يُدخل، يتحول في نظر الجمهور الضعيف إلى ما يشبه القدر، بما يتصف من قوة وغموض، وهذا يتحول بمرور الوقت إلى قبول فكرة الحاجز ورفض الثورة عليه، الحاجز الذي عادة ما يستخدم الآلات والقضبان والزجاج والوجوه المغطاة والأسلحة المتعددة يعزز هذا المفهوم.
ثالثاً: الحاجز يقوم عادة بتغريب المكان عن أصحابه، فالحاجز لا يقوم فقط على فكرة الاقصاء والمنع والحجز، بل يقوم أيضاً على فكرة تحويل المكان إلى مكان مخيف ومُحرّم، وأن من يدخله يجب أن يحصل على تصريح خاص، ومع مرور الوقت، فإن الأماكن كلها تتحول إلى أمكنة غريبة ومحرمة، وهذا ما يفصل بين المواطنين ومكانهم، بحيث يفقدوا الرغبة في التعرف إليه، ويبدأون باحتقاره واحتقار ثرواته، فهي ليست لهم ولا يتمتعون بها، إن فكرة التغريب والتحريم هي فكرة عميقة ومؤثرة إلى درجة التفكير بالهجرة أو ترك المكان كله، إن تغريب المكان وتحريمه فكرة استعمارية قديمة، وهي تستعمل لمسألة أخطر وأعمق، فالمحتل أو المستعمر عادة ما يقدم رواية جديدة للمكان المحرم، وهي رواية تقوم على مبدأ الأهلية والاستخدام، أي أن المستعمر أحق من أهل البلاد بأرضهم لكونه أكثر تقدماً ويمكنه استخدامها واستغلالها بشكل متفوق، وبالنسبة للاحتلال الإسرائيلي، فإنه يضيف إلى ذلك فكرة الملكية الإلهية، التي يعَتقد هذا المحتل أنها لا تتكرر أو أنها من أقوى الوثائق التي يمكن أن تُقدَّم أو تُعرض لامتلاك المكان.
رابعاً: الحاجز، وخصوصاً الدائم منها، يطور مصالح جديدة للجمهور، إذ إن الحاجز يقسّم الجغرافيا إلى ما قبل الحاجز وما بعده، أو ما وراءه وما خلفه، ولأن الحاجز يقوم بعمليات انتقاء وتقصد وتصفيه، فإن الجمهور خلف الحاجز – بسبب من عدم القدرة على التواصل والتفاعل مع الآخرين – فإنهم وبمرور الوقت يطورون لأنفسهم مصالح مختلفة، ويضطرون إلى ابتكار أنماط جديدة للعيش والارتزاق والتعليم والزواج، وبهذا تنحصر مصالحهم وتضيق وتُحدد من داخل مناطقهم، إن تطوير مصالح محلية يعني تحديات وأسئلة جديدة وردود جديدة، وهذا يقود إلى النقطة التالية.
خامساً: الحاجز يقوم عادة بتطوير هويات جديدة أو يؤسس لظهور هويات جديدة، بسبب نشوء مصالح واهتمامات وتحديات مختلفة، وعادة ما لا يتم الحديث عن الهويات بوضوح بادئ الأمر، ولكن، ومع مرور الزمن، وبمساعدة من الحاجز وازدياد ضغط المصالح، فإن الهوية الجديدة يتم التعبير عنها أولاً بالأوصاف ثم بالجغرافيا، وأخيراً بإطلاق اسم جديد آخر، وهناك عندنا وفي العالم من حولنا أمثلة ناصعة على ذلك.
سادساً: الحاجز عادة ما يدفع إلى الغرائزية، أي يدفع الجمهور إلى التصرف بغرائزية عفوية أو غير عفوية، فلأن الحاجز عنيف وظالم وخطر وقد يسبب الموت، فإن الجمهور في معظمه سيتصرف حسب قاعدة الهروب من الأذى والاقتراب من الأمن، ولهذا فإن سلوك الجمهور على الحواجز عادة ما يتسم بكثير من الغرائزية التي تتمظهر في الانتهازية والتذلل والتزلف والتنافس والفظاظة والعنف والتدافع، وعادة ما تغيب فكرة الجماعية أو التنظيم أو التنسيق أو التصرف الموحد، وهذا يقود إلى النقطة التالية.
سابعاً: عادة ما يدفع الحاجز الجمهور إلى الشعور بالبهائمية، فعمليات التفتيش المذلة وابقائه تحت الشمس أو المطر أو الازدحام، والنظر إليه من بُعد واستخدام الأسلحة لإرهابه واستخدام القفازات حتى لا تتم الملامسة الشخصية، وإجباره على مسارات محددة من الإسمنت أو الحديد، كل ذلك يدفع إلى فكرة القطيع الذي يجب أن يتم التخلص منه أو حصره أو تجميعيه أو إطلاقه، وعادة ما تفتقر الحواجز إلى الحمّامات أو أية خدمات بشرية تخص الجمهور، الأمر الذي يعزز هذه الفكرة، هذا فضلاً عن الكلام المبتذل والنابي والبذيء الذي قد يستخدم مِن قبل مَن يدير الحاجز.
ثامناً: الحاجز عادة ما يقوم بعمليات ضبط اجتماعي خارق، فهو أولاً يميل إلى إدخال أو إخراج المريض والضعيف والعاجز، ويمنع الأقوياء، وهو يسمح بمرور بعض الفئات من الذين يحملون تراخيص خاصة ويمنع البقية، بحيث يقوم الحاجز فعلياً بتصنيف الجمهور إلى فئات متعددة، متعاونة، أقل تعاوناً، أكثر تعاوناً، مطلوبة، وهكذا، الأمر الذي يجعل من الحاجز مكاناً للتفريق والتمييز، وبالتالي يصنف الجمهور الذي يرى في ذلك تمزيقاً لوحدته أو تهميشاً لفكرة الوحدة والهدف الواحد.
تاسعاً: الحاجز يقوم على أساس من الاستعلاء بين من يملك القوة ومن لا يملكها، وهو يمارس هذه القوة بشكل لا منطقي ولا عقلاني، ولأنه قادر على القتل، فإن الحاجز يقدم عملياً القوة العمياء بأجلى صورها، ومع مرور الوقت، فإن هذا الاستعلاء يتحول في وجدان الجمهور إلى عقدة دونية حقيقية، إذ يرى الجمهور نفسه يستحق هذه المعاملة ويعتبرها جزءاً من عقابه الذي يعتقد أنه يستحقه، إذا أُضيفت هذه النقطة إلى ما ذكر سابقاً، فإن الجمهور عادةً ما يعبر عن ذلك بقوله “إننا نستحق ما نحن عليه”، الحاجز لهذا السبب يعزز فكرة الدونية لدى الجمهور.
عاشراً: الحاجز العسكري لا يهدف إلى فرض الأمن إطلاقاً، إذ ليس من المنطق أن يقوم فرد أو عدة أفراد بتجاوز الحاجز أو التفكير بتجاوزه وهم يحملون ما هو غير شرعي أو قانوني بنظر من يدير الحاجز، ولأن الحاجز ليس من وظيفته فرض الأمن، فإن الحاجز يهدف إلى فرض واقع جديد، من ملامحه: تجريد الجمهور من الإحساس بالأمان أو الحياة الطبيعية أو امتلاك المكان أو التحكم بالوقت أو التمتع بالأرض أو الإحساس بأية لحظة بأنه يمتلك شارعه أو مدينته أو جبله أو سهله أو حتى بيته، هذا الواقع الجديد يدفع الجمهور، بمرور الوقت، إلى الاستسلام والتهاون والتراخي والبحث عن التأقلم مع واقع جديد، ضيق ومتواضع وبائس، ولهذا تقل الخيارات وتنطفئ المبادرات، الحاجز يهدف أولاً إلى فرض واقع جديد، مفاجئ واستثنائي ويحفل بالمتغيرات، وهذا يقود إلى النقطة التالية.
الحادي عشر: الحاجز إذن في نهاية الأمر هو سياسة عدوانية مئة بالمئة، لأنه يقوم بعمليات تمييز بين من يدير الحاجز والجمهور الذي وُضِع الحاجز من أجله أولاً، ويقوم بتفتيت هذا الجمهور ثانياً، ويقوم بتفكيك الجغرافيا ثالثاً، ويقوم بتفكيك المستقبل رابعاً، والحاجز ببساطة يستطيع تجويع الجمهور ومنعه من التواصل والتناسل والتكامل والتفاعل، ولهذا كله، فالحاجز عملياً يحجز الجمهور عن مستقبله، أي يستطيع الحاجز أن يمنع قيام دولة، ويستطيع أن يقف حائلاً أمام ميلاد هوية موحدة لشعب كامل، ويستطيع أن يُحوِّل كل جغرافيا إلى عديد من الجغرافيات.
الثاني عشر: الحاجز سياسة عنصرية أيضاً، لأنه يقوم على فكرة الإقصاء، إقصاء الجمهور عن بعضه البعض، وإقصائه عن مكانه، وإقصائه عن الآخرين، كما يقوم الحاجز أيضاً بإقصاء أفراده عن التواصل مع المكان أو مع أصحابه، إذ إن الحاجز ومن يديره يعتقد أن امتلاك المكان يعني انتهاكه وليس التشارك معه وفيه، كما يعتقد أنه هو الأحق بالحركة من الجمهور الذي يحكمه، أي إن تحديد حركة الجمهور وضبطها ومراقبتها وتحويلها إلى مصيدة وفخ ومكان للثواب والعقاب وطريقة للعيش، إنما يعني أن هناك شعباً أفضل من شعب وثقافة أفضل من ثقافة ودماً أفضل من دم، وهذا هو الحاجز بأبشع الصور.
وبتطبيق هذا على ما نحن فيه، فإنني أدعو ذوي العلاقة – سياسيين وحقوقيين وجمهور – إلى تحويل الحواجز إلى أولوية تضاف إلى أولويات كثيرة، على الفلسطينيين أن يتحملوها ويحملوها.
إن سوسيولوجيا الحواجز – وكما مورست في العالم وعندنا كذلك – تقتضي منا أن نعرف وأن نؤصّل وأن ندرس، لأن المعرفة هي الحرية.




جنين.. صناديق أمل من تحت الركام

عبد الباسط خلف- يجلس الفتى علي أبو الرب، تحت شمس كانون الثاني الخجولة، وسط سوق جنين، ويتابع عبر هاتفه موقع لجنة الانتخابات المركزية؛ للتسجيل فيها لأول مرة.

ويقول لـ”الحياة الجديدة” إنه كان في الانتخابات الماضية في الثالثة عشرة من عمره، إلا أنه لم يكن بوسعه التوجه إلى صناديق الاقتراع لاختيار أعضاء بلدية جنين.

ويؤكد أن المجلس البلدي، كما علم من مناقشاته مع والده الخمسيني، مهم جدا لتقديم الخدمات العامة للمواطنين، ومتابعة احتياجاتهم اليومية، والإشراف على تنظيم الطرقات والأسواق.

ويشير بابتسامة لطيفة إلى أنه يفكر في الترشح للانتخابات بعد 6 سنوات، وضمان الوصول إلى 23 عاما، وهو السن القانوني الذي حدده قانون الانتخابات المعدل والجديد.

ويرى مواطنون من المدينة أن الانتخابات القادمة لن تكون سهلة، بسبب ظروف العدوان المتواصل على جنين ومخيمها وريفها، وقرارات الاحتلال إعادة المستوطنات إلى أطراف المدينة ومحيطها.

ويشير الشاب أحمد السعدي، إلى أنه رغم العدوان فلا بد من إجراء الانتخابات؛ لتطوير وإصلاح وإعادة بناء مرافق المدينة التي دمر الاحتلال كل شيء فيها، خلال عدة جولات.

وليس ببعيد عن موقع جلوس علي، كان مدير مكتب لجنة الانتخابات المركزية في جنين، خالد سليمان، يستعرض لصحفيين من المدينة التزامات الصحفيين ووسائل الإعلام وحقوقهم وقواعد سلوكهم خلال الاستحقاق الانتخابي المحلي.

ويلخص تعميم للجنة التزامات الإعلاميين بحمل البطاقة الانتخابية الصادرة عن اللجنة، وإبرازها داخل مراكز التسجيل والاقتراع والفرز، وتفادي ارتداء أو حمل أي شعار يماثل أو يشبه الهيئات الحزبية أو المرشحين أو القوائم، داخل محطات الاقتراع.

وتشدد التعليمات على عدم إحداث أية فوضى أو تشويشات داخل محطة الاقتراع، والامتناع عن إجراء أية مقابلات داخل مراكز التسجيل، وتجنب تصوير كبائن الاقتراع، أو التقاط صور من الممكن أن تكشف سرية الناخبين، وعدم التدخل في مجريات العملية الانتخابية، والامتناع عن تدوين أي معلومات شخصية تتعلق بالمسجلين أو المقترعين، والاستجابة التامة لتعليمات مسئول مركز التسجيل.

ويؤكد سليمان لـ”الحياة الجديدة” أن اللجنة هي الجهة الوحيدة المخولة بنشر أية معلومات تخص التسجيل أو الاقتراع أو الفرز أو إعلان النتائج.

ويقول إن “الانتخابات المركزية” تحتاج إلى إسناد من الإعلاميين للتعريف بالقانون الجديد، ولحثهم على التسجيل الإلكتروني المتاح الآن، عدا عن التسجيل الورقي بين 20 و24 من كانون الثاني الجاري.

وحسب سليمان، فإن فترة الترشح ستمتد بين 23 شباط و1 آذار المقبلين، وستشمل 70 هيئة محلية في جنين.

ويبين أن 54 مجلسا قرويا سيجري اختيار الأعضاء فيها بشكل مباشر، عدا عن 16 مجلسا بلديا، واحد في جنين يضم 15 مقعدا، و4 بـ 13، و11 مجلسا بأحد عشر مقعدا، ستخضع لقوائم مفتوحة مختلفة عن الانتخابات السابقة.

والمختلف، والكلام لسليمان، أن القانون الجديد خفض نسبة الحسم إلى 5% من الأصوات الصحيحة، بدلا من 8% في الانتخابات السابقة، عدا عن عدم السماح لرئيس الهيئة المحلية الذي ينتخب من بقية الأعضاء بالجمع بين وظيفتين، وضرورة استقالته من عمله.

وفتحت لجنة الانتخابات النقاش مع الإعلاميين، خلال لقاء توعوي عقدته بالتنسيق مع محافظة جنين حول دور وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في انتخابات الهيئات المحلية، التي ستعقد في 25 نيسان القادم، وستعلن نتائجها النهائية في التاسع والعشرين منه.

وطرح الإعلاميون تساؤلات حول القانون والترشح وحقوقهم وواجباتهم خلال الانتخابات المحلية.

فيما أكد مدير اللجنة في جنين، أهمية دور الإعلام والمؤثرين في مواقع التواصل في المنافسات التي ستشهدها محافظة جنين والمحافظات الأخرى.

وكانت اللجنة أعلنت أمس أن نسبة المسجلين حتى نهاية العام الماضي في جنين، وصلت إلى 88,7% من أصحاب حق الاقتراع.

وتصبغ “الانتخابات المركزية” حملاتها الترويجية ومنشوراتها بشعار (باقون) للدلالة على الصمود أمام الهجمة الشرسة التي تشهدها محافظات الوطن منذ أكثر من عامين.

وتقول صفاء الشيخ إنها تفكر في خوض غمار الانتخابات في بلدتها، بخاصة بعد رفع “الكوتا” النسوية في القانون الجديد إلى 3 في الهيئات ذات المقاعد الأحد عشر.

وتشير إلى أن فكرة تشكيل قائمة نسوية كاملة لم تعد صعبة، خاصة بعد أن ترشحت قائمتان في السابق لها، واحدة في مدنية الخليل، والثانية في بلدة برقين، غرب جنين.




علي سمودي.. “شمس” مؤجلة مرة أخرى

عبد الباسط خلف- أجل الاحتلال مجددّا حرية الصحافي على صادق سمودي، 59 عامًا، وحرمت أسرته وأحفاده من فرحة اللقاء المنتظر.

وتشعر العائلة بقلق كبير على حياة والدها، القابع رهن الاعتقال الإداري والرهينة لعدة أمراض في سجون الاحتلال، منذ 8 أيار الماضي.

ويؤكد نجله محمد لـ”الحياة الجديدة” أن الاحتلال حوّل والده لـ”الإداري”، بعد عشرة أيام من اعتقاله، لستة أشهر، وعاد وجدد الحكم أربعة أشهر أخرى، ومدد اعتقاله للمرة الثالثة لمدة أربعة جديدة، أمس الأحد.

وتقول العائلة إن الأب خضع لقسطرة قلب قبل اعتقاله بوقت قصير، وحرمه الاحتلال من نظارته الطبية التي لا يستطيع المشي دونها، كما يمنع عنه الدواء من نحو 10 أمراض صارت تلازمه.

واعتقل جيش الاحتلال الصحافي سمودي من منزله فجر 29 نيسان الماضي، وكانت آخر تغطياته اقتحام الحي الشرقي في المدينة، التي تتعرض منذ 21 كانون الثاني 2025 لعدوان متواصل.

وتشير أخته الوحيدة تغريد إلى أنه تعرض لإصابات عديدة برصاص الاحتلال، وآخرها يوم ارتقاء شيرين أبو عاقلة في أطراف مخيم جنين، وحالات اعتقاله المتكررة.

وتبعًا لمحامي العائلة، فقد نقله الاحتلال من معتقل النقب الصحراوي إلى “مجدو” في ظروف سيئة، وتعرض للضرب والقمع والإهانات.

وعلي أب لولدين: مجد، ومحمد ولابنتين: فرات وفرح، وولدت أصغر حفيداته سهير، بعد اعتقاله، فيما حرمته القيود من حفيداته: حور، ورفيف، ومليكا، وتوفيت زوجته قبل عدة سنوات.

وتوضح ابنته الصغرى فرات لـ”الحياة الجديدة” في مناسبة سابقة، أن والدها كان يرهن نفسه للعمل الإعلامي والتطوعي، ولم تكن تلتقي العائلة به خلال الاقتحامات المتكررة للمدينة.

وتستعيد لحظة اعتقاله، حينما اقتحم جنود الاحتلال منزله، واحتجزوا العائلة في غرفة، وصادروا هواتفها، وتعرض الأب للضرب، وأجبره الجنود على خلع ملابسه، ومنعوه من ارتداء نظارته، واحتجزوه 3 أيام في مخيم جنين.

ويعتبر سمودي أحد أقدم الصحافيين في جنين، فقد التحق بالعديد من وسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية، ونشط في العمل الخيري خلال السنوات الماضية.

بدوره، نشر نادي الأسير قائمة بأكثر من (100) معتقل صدرت بحقهم أوامر اعتقال إداري، بينهم سمودي.

وتبعًا للنادي، يواصل الاحتلال التصعيد من جريمة الاعتقال الإداري، تحت ذريعة وجود “ملف سري”، والتي شهدت تصاعدًا غير مسبوق عقب 7 تشرين الأول 2023، إذ يصل عدد الإداريين اليوم (3350).