1

الحرب المفتوحة… الأهداف والميادين والأطراف والزمن

هاني المصري

تقترب الحرب من إتمام شهرها الأول، ولا أحد يعرف متى ستنتهي. فالحروب يُعرف من يشعلها، لكن لا يُعرف مَن وكيف ومتى يمكن إنهاؤها. ولعلّ أنسب تسمية لها هي “الحرب المفتوحة”؛ فهي بأهداف مفتوحة ومتغيّرة، تبدأ من تدمير قدرات إيران، وتمرّ بإسقاط النظام، ولا تستبعد إسقاط الدولة وتفتيتها.
أهداف هذه الحرب متغيّرة، أولاً نتيجة طبيعة دونالد ترامب الذي يكذب كما يتنفّس، ويناقض نفسه باستمرار حول أهداف الحرب وما أنجزته وما يمكن أن تنجزه، وهل سيوقفها أم لا. وثانياً لاختلاف الأولويات والحسابات وبعض الأهداف بين الولايات المتحدة ودولة الاحتلال؛ فما يهمّ واشنطن أكثر رضوخ النظام، عبر تغيير قيادته أو تغيير سياسته، باتفاق أو من دونه، بينما أولوية تل أبيب استمرار الحرب حتى إسقاط النظام ورفض التوصّل إلى اتفاق، ومن المفضّل تفتيت إيران إلى دويلات طائفية عرقية متحاربة، تعمّم نموذج إسرائيل دولةً عنصريةً دينية، وتساعدها في تحقيق طموحاتها بإقامة “إسرائيل الكُبرى” والهيمنة على الشرق الأوسط، مع أن قدرات إسرائيل، التي تبيّن أنها لا تستطيع أن تخوض حرباً وتنتصر فيها حتى لو كانت بالشراكة مع الولايات المتحدة، أصغر من أطماعها. ولأنّ تبنّي أهداف كُبرى يتطلّب موافقة الكونغرس، جرى التحايل عبر وصف الحرب بـ”عمليات عسكرية”، وتقديمها ضرباتٍ استباقية. وقد استند هذا التوصيف إلى روايتَين أميركيتَين رسميتَين متناقضتَين: الأولى لمنع مباغتة إيرانية ناجمة عن الزعم بأن طهران ستقوم بضربة استباقية، والثانية أن حكومة نتنياهو كانت ستبادر إلى الحرب في كلّ الأحوال، فرأت إدارة دونالد ترامب أن تحظى بميزة الضربة الأولى.
التراجع عن هدف إسقاط النظام لا يعني التخلّي عنه بل يعكس سقوط الرهان على انهياره السريع.
التراجع العلني عن هدف إسقاط النظام لا يعني التخلّي عنه كلّياً، بل يعكس سقوط الرهان على رضوخ النظام الإيراني أو انهياره السريع عبر انقلاب داخلي أو انتفاضة شعبية. ومع ذلك، لا يعني هذا التوقّف عن السعي إلى إضعافه تمهيداً لإسقاطه لاحقاً. لذلك وضعت إيران شروطاً لأيّ تسوية، في مقدّمتها وقف الحرب، لا مجرّد وقف إطلاق النار، فطهران تخشى استئناف الحرب لاحقاً إذا لم تتوافر ضمانات دولية تحول دون استئنافها، فالتجربة، كما في قطاع غزّة، وفي فلسطين عموماً، تُظهر أنّ وقف النار قد يوقف حرب الإبادة الشاملة والتهجير القسري الواسع، لكنّه لا ينهي أشكالاً أخرى من الحرب: القتل، والتدمير، والتهجير “الطوعي”، والضم التدريجي، والفصل العنصري، والحصار، والعقوبات الجماعية، وصولاً إلى فرض وصاية استعمارية بأسماء مضلِّلة.
وهي حرب مفتوحة جغرافياً، إذ امتدّ ميدانها ليشمل دولاً في الشرق الأوسط، مع قابلية اتساعها لتضمّ أطرافاً إضافيةً وممرّات مائية أخرى، ما قد يحوّلها من حرب إقليمية ذات أبعاد دولية إلى حربٍ عالمية ثالثة. كما أنّها حربٌ مفتوحة زمنياً؛ فقد تستمرّ أسابيع أو أشهراً، وربّما تمتدّ سنواتٍ في ظلّ سيولة غير مسبوقة في النظام الدولي، وانهيار النظام العالمي القديم، واحتدام الصراع على شكل العالم الجديد، وما إذا كان سيبقى نظاماً أحادياً أم يصبح تعدّدي القطبية، أم يأخذ شكلاً جديداً. وهي حرب تُسرّع هذا التحوّل، وتستمدّ وقودها منه في الوقت ذاته.
أمام هذه الحرب أربعة سيناريوهات رئيسة: استمرارها بالوتيرة الحالية، تصاعداً أو تراجعاً، ضمن نمط حرب استنزاف؛ تصعيد واسع مع دخول أطراف جديدة، واستهداف البنية التحتية ومصادر الطاقة والممرات البحرية، من مضيق هرمز إلى باب المندب، الذي قد يدخل الحرب إذا انخرط الحوثيون، وربّما يشمل تنفيذ عمليات برية للسيطرة على مواقع استراتيجية أو على مخزون اليورانيوم المخصّب؛ استخدام أسلحة الدمار الشامل، بما فيها النووية التكتيكية؛ وقف الحرب، باتفاق أو من دونه.
تحديد السيناريو الأرجح يتطلّب معطيات غير متوافرة بالكامل لدينا، لكنّ المؤشّرات الحالية تفيد بوجود سباق بين مساري التصعيد والاحتواء من دون حسم واضح قاطع لأيّ منهما.
في ضوء مستوى معيّن من توازن القوى القائم، يبدو أن السيناريو الأول الأقرب على المدى القصير، لأنّه يحقّق بعض أهداف الأطراف من دون الانزلاق إلى مخاطر كُبرى. لكنّه، في الوقت ذاته، لا يفضي إلى نصر حاسم، بل إلى معادلة “خاسر – خاسر”. ومع ذلك، يُنظر إلى بقاء النظام الإيراني من دون رضوخ لشروط أعدائه نوعاً من الانتصار النسبي، لأنّ نتائج الحروب تُقاس أساساً بمدى تحقق أهداف من بدأها. لذلك ستسعى إدارة البيت الأبيض إلى تحقيق نصر واضح ملموس يبرّر وقف الحرب، فترامب يخشى من الهزيمة كما يخشى من عدم النصر، لانعكاس هذا وذاك على فرصه في الفوز بالانتخابات النصفية المقبلة. لذا، سيسعى جاهداً إلى الحصول على صورة نصر، فإذا خسر الحزب الجمهوري الانتخابات في مجلسَي النواب والشيوخ، ستدخل إدارته مرحلة “البطّة العرجاء”، وقد تنجح محاولات عزله قبل نهاية مدّته الرئاسية، ويدخل التاريخ من أضيق أبوابه زعيماً نرجسياً كذّاباً فاشلاً ومهزوماً، رغم أن بلاده تملك أقوى جيش في العالم، ومتفوّقة تكنولوجياً واقتصادياً على عدوها. ولكن عقيدة تنتصر على التفوّق، والتفوّق العسكري، وما ينتج منه من دمار وموت، لا تقود إلى حسم سياسي، فإيران تدافع عن نفسها، والمدافع يحظى بمزايا لا يتمتّع بها المهاجم والمعتدي، وقدرة المدافع على التحمّل أكبر. فمن يدافع عن نفسه لديه دوافع أعمق وأكثر من مهاجم يريد زيادة نفوذه ومصالحه، والضحية لا تملك سوى الدفاع عن نفسها في حرب وجودية، ومستعدّة لدفع الأثمان الغالية برضى شعبي واسع، كما يظهر في المظاهرات المؤيّدة للنظام والرافضة للعدوان، والداعية إلى الانتقام، في ظلّ أن أهداف الحرب الخفية لا تقتصر على إسقاط النظام وتغيير سياسته، وإنما تصل إلى إسقاط إيران دولةً، بما في ذلك خطر تفتيتها.
وقف الحرب هو الخيار الأقلّ كلفةً والأكثر عقلانية، لكن فرصه الفورية محدودة
أمّا سيناريو التصعيد، فيظلّ قائماً وجارياً تنفيذه، لكنّه محكوم بسقوف الكلفة العالية. فالتدخّل البرّي مثلاً قد يؤدّي إلى خسائر بشرية كبيرة، خصوصاً للقوات الأميركية، من دون ضمان تحقيق أهدافه، خصوصاً تدفّق النفط، مع خطر التورّط في “مستنقع” شبيه بتجارب فيتنام والعراق وأفغانستان. في المقابل، يُعدّ استخدام أسلحة الدمار الشامل السيناريو الأضعف احتمالاً، لما ينطوي عليه من مخاطر كارثية تتمثّل في تجاوز خطّ أحمر، وسابقة قابلة للتكرار في أوكرانيا وغيرها، ما قد يدفع نحو مواجهة دولية شاملة. ومع ذلك، لا يمكن استبعاده كلياً، في ظلّ تلاقي تيارات دينية – أيديولوجية متطرّفة حاكمة في الولايات المتحدة وإسرائيل، ترى في هذه الحرب معركةً مصيريةً تتجاوز الحسابات التقليدية والمصالح، وتعتمد على تصوّرات وأهداف عقائدية دينية.
أمّا وقف الحرب، فرغم أنه الخيار الأقلّ كلفةً والأكثر عقلانية، فإن فرصه الفورية محدودة في ظلّ التصعيد العسكري وحشود القوى، وعدم بدء تفاوض جدّي، وعدم نضج شروط تسوية يقبلها الطرفان. ولكنّه وارد، ولا يمكن أن يتحقّق إلا بضغط دولي حاسم، أو تغيّر نوعي في موازين القوّة، أو ضغوط داخلية أميركية أقوى، في ظلّ معارضة معظم الأميركيين للحرب، بمَن فيهم أشخاص في الإدارة وقادة ومؤثّرون في الحزب الجمهوري وتيار “أميركا أولاً”. ودائماً، يبقى سيناريو “البطّة السوداء” قائماً، أي حدث غير متوقّع يحصل ويغيّر مسار الصراع جذرياً، وهو أمر ليس نادراً في الشرق الأوسط.
تبقى مسألة موقف الدول العربية، وخاصة الخليجية، التي وجدت نفسها في قلب حرب ليست حربها. وقد أحسنت صنعاً بعدم الانخراط فيها رغم الضغوط الأميركية والإسرائيلية، ورغم تعرّضها لهجمات طاولت بنى تحتية وأهدافاً مدنية. هناك أزمة وتحدّيات غير مسبوقة، لكنّها تنطوي على فرصة تاريخية. فالمطلوب عربياً موقف واضح في مستوى اللحظة التاريخية يقوم على: إدانة العدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران، ورفض استهداف إيران البنية التحتية والنفطية والمدنية في دول الخليج، وتجنّب الانخراط في الحرب في كلّ الأحوال، ورفض استخدام القواعد العسكرية الأميركية تمهيداً لإزالتها في أقرب وقت ممكن، والدفع نحو علاقات إقليمية قائمة على الحوار وحسن الجوار، بعيداً عن الهيمنة والأطماع والأذرع. فالدرس الأهم أن الأمن لا يتحقّق بالاستقواء بالخارج أو بالقواعد العسكرية، التي لم توفّر الحماية، وأصبحت عبئاً ومصدراً للخطر وسبباً للاستهداف، بل ببناء منظومة أمنية خليجية وعربية، ثم إقليمية ودولية، تقوم على المبادئ والقيم الإنسانية وتوازن القوى والمصالح والشراكة. وفي النهاية، تبقى الحقيقة البسيطة أنّ الأمن الذاتي وحده يوفّر الأمن.




جرائم المستوطنين

بهاء رحال

اعتداءات المستوطنين لا تتوقف في الضفة الفلسطينية من شمالها وحتى الجنوب، كما أن ارتفاع وتيرة تلك الجرائم يعود إلى الدعم المباشر من قبل بن غفير وسموتيرتش وآخرين في حكومة الاحتلال، الذين يوفرون الدعم المالي والعسكري، ويصدرون القرارات العسكرية. وما كان لهذه الجرائم أن تحدث لولا الحماية المباشرة من قبل جنود الاحتلال الذين يحرسون قطعان المستوطنين ويوفرون لهم الحماية، حيث إن كل اعتداء يقومون به، وكل جريمة يرتكبونها، تحدث تحت أعين الجنود وبتعليمات من وزراء حكومة الاحتلال الذين يتزعمون الحركات الاستيطانية.
إن الدعم والحماية لأولئك الأشرار هو الدافع الحقيقي لكل الجرائم التي تُرتكب، فلم يسلم حقل زراعي، ولم تسلم المواشي ومزارع الدواجن، ولا الأشجار الحرجية والمثمرة، ولا المركبات والبيوت التي تتعرض للنهب والحرق والسرقة، والشواهد على ذلك كثيرة، وليس آخرها ما حدث ليلة أمس الأول في بيت امرين وبرقا وحوارة، وكيف قاموا بحرق عيادة صحية وبيت لعائلة نجا أفرادها بأعجوبة، ولولا لطف الله بهم لماتوا جميعًا.
إن ما يعيشه المواطن الفلسطيني في مدن وقرى الضفة صعب الوصف، أمام وحشية المستوطنين الذين يواصلون عربدتهم، والناس لا يجدون من يحميهم ويرفع عنهم هذا التوحش. فعلى الأرض مستوطنون مسلحون بالرشاشات تحت حماية جنود الاحتلال، والمواطن الفلسطيني أعزل، وغير مسموح له أن يدافع عن نفسه وعن رزقه وحقله وقوت أطفاله وممتلكاته التي تتعرض للسرقة والنهب على يد المستوطنين الأغراب.
وأمام هذا الواقع الصعب، وبينما تستعر الحرب الإقليمية على عدة جبهات، ومع استمرار المعاناة في غزة والتي لم تتوقف حتى بعد تشكيل اللجنة الإدارية ومجلس السلام المزعوم، وحيث تتواصل معاناة الناس في الضفة الفلسطينية والقدس، مع ارتفاع الاعتداءات ومنسوب الجرائم التي ترتكبها عصابات المستوطنين، في ظل غياب الحماية المطلوبة، وتصاعد مشاعر الخوف وانعدام الأمان لدى المواطنين الذين يتعرضون في كل يوم للاعتداء. وهنا يكون البحث عن وسائل وأساليب حماية لتوفير الأمن والأمان ضرورة حتمية، وعلى الأحزاب والفصائل والسلطة بمكوناتها أن تعمل معًا في إطار خلق حالة موحدة لمواجهة  ودرء هذه الجرائم التي تهدد الإنسان الفلسطيني.
إن ما يعانيه الناس في القرى والبلدات الفلسطينية جراء تلك الجرائم، يفوق الوصف والكلام، حيث أن دائرة الخوف تتسع ويغيب الشعور بالأمان في ظل تكرار الاعتداءات واستمرارها دون رادع، الأمر الذي يفاقم معاناة الأهالي ويثقل كاهلهم نفسيًا ومعيشيًا، ولا أحد يوفر لهم الحماية، وهم يواصلون ثباتهم فوق أرضهم وفي بيوتهم. وأمام هذه المشاهد يبقى السؤال عمن يؤمن لهم الحماية؟ وكيف يمكن لهم أن يصمدوا في وجه العصابات المسلحة التي تعتدي عليهم بالحرق والضرب والسرقة.




الحرب على إيران جزء من صراع عالمي على التجارة والطاقة والنفوذ

د. دلال صائب عريقات

 نحن أمام لحظة مفصلية تعكس تحولاً عميقاً في طبيعة النظام الدولي نفسه. فالقواعد التي حكمت العلاقات الدولية لعقود، والقائمة على الدبلوماسية والقانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف، تبدو اليوم في حالة تراجع أمام منطق القوة العسكرية وإدارة الصراعات عبر الحروب والصواريخ.
منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة قبل أكثر من عامين ونصف، والمنطقة تعيش حالة من الحروب المتداخلة غير المنتهية التي لا تتوقف عند حدود جغرافية معينة. هذه الحروب بدأت تتوسع تدريجياً لتشمل ساحات متعددة في الإقليم، وصولاً إلى التصعيد الحالي مع إيران. هذا التصعيد لا يمكن فهمه فقط من خلال الخطاب السياسي الذي يركز على منع انتشار السلاح النووي أو مكافحة ما يسمى “الإرهاب”، لأن هذه العناوين تمثل جزءاً من الرواية السياسية أكثر مما تعكس جوهر الصراع الحقيقي.
في العمق، يدور الصراع حول إعادة تشكيل الشرق الأوسط سياسياً وأمنياً بما يخدم توازنات القوة الجديدة في المنطقة. هناك مشروع واضح يسعى إلى تثبيت التفوق العسكري الإسرائيلي كركيزة للنظام الإقليمي الجديد، بدعم مباشر من الولايات المتحدة، مع العمل على منع بروز أي قوة إقليمية قادرة على موازنة هذا التفوق. في هذا السياق، لم تعد إسرائيل مجرد فاعل إقليمي يتحرك ضمن منظومة توازنات تقليدية، بل أصبحت جزءاً من تحالف استراتيجي أوسع يسعى إلى إعادة هندسة النظام الأمني في الشرق الأوسط.
لكن فهم هذه التحولات يتطلب أيضاً النظر إلى البعد الدولي للصراع. فالحرب على إيران لا يمكن فصلها عن التنافس العالمي المتصاعد على طرق التجارة والطاقة والنفوذ الاقتصادي. العالم اليوم يشهد صراعاً استراتيجياً بين القوى الكبرى، خصوصاً بين الولايات المتحدة والصين، حول السيطرة على الممرات التجارية التي ستحدد شكل الاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.
مبادرة “الحزام والطريق” التي أطلقتها الصين تهدف إلى إنشاء شبكة عالمية من الطرق البرية والبحرية تربط آسيا بأوروبا وافريقيا وهو ما يمثل تحولاً كبيراً في خريطة التجارة الدولية. في المقابل، تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى طرح مشاريع بديلة، مثل الممر الاقتصادي الذي يربط الهند بالخليج العربي وصولاً إلى إسرائيل وأوروبا عبر البحر المتوسط. هذه المشاريع ليست اقتصادية فقط، بل هي أيضاً أدوات نفوذ جيوسياسي، ولهذا فإن السيطرة على المنطقة جزءاً من معادلة التنافس العالمي.
في خضم هذه التحولات، تبقى حقيقة تاريخية ثابتة: الحروب مهما طال أمدها تنتهي على طاولة المفاوضات. التجارب التاريخية، من الحروب العالمية إلى النزاعات الإقليمية، تؤكد أن الحلول العسكرية لا تنتج سلاماً دائماً، بل تفتح الطريق في النهاية أمام تسويات سياسية, السؤال متى تتفعل الدبلوماسية ؟ العوامل الاقتصادية قد تلعب دوراً حاسماً في تسريع هذا المسار. فأسعار النفط، واحتمالات تعطّل طرق التجارة العالمية، وإغلاق مضيق هرمز، كلها عوامل تضغط على الاقتصاد العالمي وقد تدفع الأطراف الدولية إلى البحث عن تسوية سياسية قبل أن تتحول الحرب إلى أزمة اقتصادية عالمية أوسع.
في الوقت ذاته، تغيرت طبيعة الحروب المعاصرة بشكل كبير. لم تعد المواجهة العسكرية التقليدية هي الأداة الوحيدة للصراع، بل أصبحت أدوات النفوذ تشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والمعلومات إلى جانب القوة العسكرية. لذلك فإن أدوار قوى مثل روسيا والصين قد تظهر في المجال السياسي والاقتصادي والدبلوماسي أكثر من التدخل العسكري المباشر.
فلسطينيا, أخطر ما في هذه اللحظة التاريخية هو انعكاسها على القضية الفلسطينية. فحالة الاضطراب وعدم الاستقرار الإقليمية المتصاعدة تساهم في تراجع الاهتمام الدولي بما يجري في الأراضي الفلسطينية، سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية. هذا التراجع يوفر لدولة الاحتلال فرصة لتسريع سياسات الضم والاستيطان وفرض وقائع جديدة على الأرض. من الضروري أن يبلور الفلسطينيون خطاباً سياسياً موحداً يعيد القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة الدولية. كما أن تفعيل أدوات القانون الدولي يشكل مساراً أساسياً في مواجهة هذه التحولات، خاصة في ضوء الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية عام 2024 والذي أكد عدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي وطالب بإنهائه وتفكيك منظومة الاستيطان.
إلى جانب ذلك، يمكن البناء على الاعترافات الدولية المتزايدة بدولة فلسطين، خصوصاً من قبل عدد من الدول الأوروبية، وتحويل هذه الاعترافات من مواقف سياسية رمزية إلى أدوات ضغط عملية تدفع نحو إنهاء الاحتلال.
ما يجري هو جزء من عملية إعادة تشكيل أوسع للنظام الإقليمي والدولي. ومع أن موازين القوة تبدو حاسمة في لحظات الحرب، فإن التاريخ يذكرنا دائماً بحقيقة بسيطة: الحروب تبدأ في ساحات القتال، لكنها تنتهي دائماً على طاولة المفاوضات. السؤال الحقيقي هو أي شرق أوسط سيخرج من هذه المفاوضات، وما إذا كان سيقوم على منطق القوة الدائمة أم على نظام يعيد الاعتبار للقانون الدولي ومبادئ العدالة.




من المستفيد من منع الحكومة الحصول على قرض لدفع رواتب الموظفين؟

المحامي صلاح الدين موسى

يبدو ان الحكومة تبحث عن أي وسيلة لتوفير جزء من الراتب قبل العيد، وهذا ما دفعها للبحث عن مسارات عديدة منها ما يتعلق بامكانية حصولها بضمانة سلطة النقد وصندوق الاستثمار وصندوق التقاعد على قرض أو من خلال الحصول على قرض من البنوك لحساب شركة النقل الوطنية للكهرباء والتي تجبي شهريا حوالي (90) مليون شيكل، وقيمة القرض المقترح هو (600) مليون شيكل على ان تسدده الحكومة بقيمة 50 مليون شهرياً، ولكن لماذا البعض يحاول الفرار من منح الحكومة هذه القروض على الرغم من أن:
1. البنوك تحصل على فوائد عالية من الحكومة وصلت الى حوالي 6.5 %على اصل القرض وهذه نسبة مرتفعة ونستغرب كيف للحكومات المتعاقبة ان توافق على مثل هذه النسب العالية.
2. البنوك تمنح الحكومة هذه القروض بفوائد عالية وبفترة سداد قصيرة، والاصل ان تكون فترة السداد لا تقل عن (7) سنوات وفقا لقاعدة الاقتراض التي تقوم بها الحكومات وبالتالي فان البنوك تقوم عمليا بالحصول على افضل الفوائد وتستعيد اموالها باقصر فترة ممكنة بحيث لا يتجاوز احيانا السنة كما هو مطروح بالقرض المطلوب الحصول عليه من البنوك وقيمته (600) مليون شيكل على ان يتم سداده خلال عام بواقع (50) مليون شيكل شهريا.
3. البنوك ليست جمعيات خيرية فهي تحقق اعلى الارباح في فلسطين، احد البنوك الوافدة اعلنت قبل عامين ان فروع فلسطين حققت اكبر ارباح للبنك حول العالم.
وعليه نوصي بالآتي:
1. أن يكون هناك رقم واضح وصريح من وزارة المالية عن نسبة الفوائد التي تدفعها الحكومة للبنوك وليس فقط الحديث عن حجم المديونية فقط لانه من حق الجمهور ان يعرف ان الفوائد هي من تثقل كاهل الخزينة وجيوب الموظفين وليس فقط الدين العام، خاصة وان هناك مصادر تقول ان نسبة الفوائد التي تدفعها الحكومة على القروض تصل إلى (800) مليون شيكل سنويا،وهذا رقم مخيف.
2. أن تعلن الحكومة وبشكل واضح عن جهودها لتامين الرواتب للموظفين ، وان توضح للجمهور معنى موازنة الطوارئ التي اعلن عنها مجلس الوزراء.
3. أن تعلن الحكومة “القوة القاهرة” بخصوص تعاقداتها مع البنوك والجهات الاخرى، وبمجرد الاعلان عن ذلك فان كل ما ورد من التزامات مجحفة تجعل من نفاذ الالتزامات متوقف لحين العودة الى الظروف الطبيعية.
4. أن تقوم الحكومة بخطوات اخرى تعكس ازمة الوجود وتقلص بشكل واضح ومحدد في طريقة عمل الوزرات من خلال الدمج والإلغاء ووقف عقود الايجارات وتقليص في عدد من السفارات وان تعلن بذات الوقت الاجراءات الجديدة التي اتخذتها اسرائيل لتجفيف الموارد الثابته للخزينة من وقف لكوتة التبغ والمعسل مثلا.
5. أن تشارك سلطة النقد الجمهور الحقائق المالية حول المتانة المالية وامكانية حصول اي جهات سيادية على قروض جديدة ومدى اثرها على النظام المصرفي، وهل ما يشاع صحيحا ام به مبالغة!؟؟
6. وقف الحملات الاعلامية التي يبدو انها مدفوعة للتحريض على السلطة والحكومة بخصوص توفير موارد مالية للموظفين بحده الادنى من خلال اي وسائل متاحة لضمان استمرار الناس من البقاء فوق أرضهم.




في الثامن من آذار.. لا عدالة بلا إنهاء الاحتلال ولا دولة بلا نسائها

منى الخليلي

في كل عام، يرفع شعار “العدالة” في الثامن من آذار، اليوم الذي أقرته الأمم المتحدة منصة عالمية لتجديد الالتزام بحقوق النساء. لكن في فلسطين، لا يمكن للعدالة أن تكون مفهوما تجريديا أو مطلبا إصلاحيا معزولا عن سياقه السياسي. العدالة هنا تبدأ من إنهاء الاحتلال، ومن تمكين شعب كامل من حقه في تقرير المصير، وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران1967وعاصمتها القدس.

تحل هذه المناسبة هذا العام فيما تتواصل الحرب على قطاع غزة، والضفة الغربية والقدس، وتناقش في أروقة مجلس الأمن الدولي صيغ لوقف إطلاق النار وترتيبات تهدئة. غير أن أي مسار سياسي لا ينطلق من الاعتراف الصريح بالحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، سيبقى مسارا منقوصا. فالسلام العادل ليس منحة سياسية، بل استحقاق قانوني وأخلاقي.

غير أن الحديث عن الدولة لا يكتمل دون الحديث عن طبيعتها: أي دولة نريد؟ وهل ستكون دولة تعيد إنتاج التمييز، أم دولة تجسد المواطنة المتساوية؟

المرأة الفلسطينية ليست طارئة على الفعل الوطني، ولم تكن يوما هامشا في مسيرة التحرر. من الحركة النسوية المبكرة إلى أطر العمل النقابي والمجتمعي، ومن الدفاع عن الحقوق الاجتماعية إلى المطالبة بالمشاركة السياسية، راكمت النساء إنجازات ملموسة. إقرار الكوتا النسوية في المجالس المنتخبة لم يكن هبة، بل نتيجة نضال حقوقي طويل، ترافقت مع إرادة سياسية بالانضمام إلى الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وهذة خطوة مهمة ولم يكن إجراء شكليا، بل محطة مفصلية فتحت أفقا قانونيا لمساءلة السياسات والتشريعات المعمول بها في فلسطين.

لكن التحدي اليوم مضاعف: كيف نحمي ما تحقق، ونمنع تآكله تحت ضغط الحرب والانهيار الاقتصادي؟

الأرقام الصادمة لعدد الأرامل الشابات، وللأطفال الذين فقدوا أحد الوالدين أو كليهما، ليست مجرد معطيات إنسانية؛ إنها مؤشرات لتحولات اجتماعية عميقة ستعيد تشكيل البنية الأسرية والاقتصادية. آلاف النساء انتقلن قسرا إلى موقع المعيل الأساسي، في ظل اقتصاد مدمر، واحتجاز أموال، وتآكل منظومة الحماية الاجتماعية. هنا يتقاطع الوطني بالحقوقي: فلا يمكن الحديث عن صمود دون سياسات تمكين اقتصادي حقيقية، ولا عن تعاف دون إدماج النساء في التخطيط وإعادة الإعمار.

إعادة الإعمار، في جوهرها، معركة عدالة توزيع. من يحصل على الموارد؟ من يحدد الأولويات؟ من يراقب التنفيذ؟ إذا لم تكن النساء جزءا من هذه المعادلة، فإننا نعيد إنتاج الصور النمطية لدور النساء بصورة أكثر هشاشة.

في المقابل، يتسع خطر آخر بصمت: تصاعد العنف الاجتماعي تحت وطأة الفقر والنزوح والصدمة. زواج القاصرات، تعدد الزوجات، نزاعات الإرث، وتزايد أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي. هنا يتجلى وجه آخر للاحتلال؛ إذ لا يقتصر أثره على الدمار المادي، بل يخلق بيئة ضغط تتسلل إلى داخل المجتمع ذاته. لكن الاعتراف بهذا الواقع لا يعني تبريره. بل يفرض علينا مواجهته بسياسات واضحة للحماية والمساءلة.

استمرار العمل بقوانين أحوال شخصية تعود جذورها إلى خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي، رغم التحولات الاجتماعية والسياسية الجذرية، لم يعد مقبولا. في ظل الاستشهاد، والإعاقات الدائمة، والمفقودين، وتعقيدات الإرث والحضانة والنفقة، يصبح إقرار قانون أحوال شخصية فلسطيني عصري أولوية وطنية لا تقل أهمية عن إعادة بناء البنية التحتية. فالدولة التي لا تنصف نساءها في قانونالأحوال الشخصية، لن تنصفهن في الفضاء العام.

النضال الحقوقي للمرأة الفلسطينية يجب أن ينتقل اليوم من الدفاع إلى المبادرة: من المطالبة بالتمثيل إلى التأثير الفعلي في صياغة السياسات المالية والاقتصادية والاجتماعية. فالمشاركة السياسية لا تختزل بنسبة مقاعد، بل تقاس بمدى القدرة على إعادة تعريف الأولويات الوطنية من منظور العدالة الاجتماعية والمساواة.

إن تراكم الإنجازات يتطلب رؤية واضحة:

– ربط الإغاثة العاجلة بخطط تمكين اقتصادي مستدام للنساء.

– إدماج النوع الاجتماعي في كل مشاريع التعافي وإعادة الإعمار.

– مواءمة التشريعات الوطنية مع الالتزامات الدولية التي انضمت إليها دولة فلسطين.

– إنشاء منظومة حماية فعالة لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، تتضمن مراكز إيواء وخدمات قانونية ونفسية متخصصة.

في الثامن من آذار، لا نطلب تضامنا رمزيا، بل نطالب بمسار وطني يعترف بأن حقوق النساء ليست ملفا فرعيا يمكن تأجيله إلى ما بعد “التحرر”، بل هي جزء أصيل من معناه. فلا تحرر وطنيا دون تحرر اجتماعي، ودولة ذات سيادة عمادها مواطنة متساوية.

رسالتي اليوم للمرأة الفلسطينية: لقد راكمت إنجازات في أصعب الظروف، وانتزعت مكاسب لم تكن سهلة. المرحلة القادمة ليست مرحلة انتظار، بل مرحلة تثبيت الحقوق وتوسيعها، عبر التشريعات الوطنية التي تعزز المساواة والمواطنة. طالبي بمكانك في لجان التخطيط والإعمار، في صياغة القوانين، في رسم السياسات الاقتصادية. فالدولة التي نحلم بها لن تمنح لنا كاملة؛ بل تبنى بتوازن قواها المجتمعية، وبإصرار نسائها على أن يكن شريكات كاملات لا شاهدات على الهامش.

في يوم المرأة العالمي، يتجدد العهد: أن يكون النضال النسوي الفلسطيني رافعة للتحرر الوطني، وأن يكون التحرر الوطني ضمانة راسخة لحقوق النساء. هكذا فقط يتراكم الإنجاز… وهكذا فقط تصان العدالة.