1

الانتخابات الفلسطينية القادمة… بين إعادة بناء الشرعية ومخاطر إعادة إنتاج الانقسام

د. إبراهيم نعيرات

تأتي الانتخابات الفلسطينية القادمة في لحظة تاريخية شديدة التعقيد، ربما تكون من أكثر اللحظات حساسية منذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية. فهي لا تجري في سياق سياسي طبيعي يمكن فيه التعامل مع الانتخابات باعتبارها مجرد استحقاق دوري لتجديد المؤسسات، بل تأتي في ظل تحولات عميقة فرضتها حرب غزة، والتغيرات المتسارعة في الضفة الغربية، والتحديات الإقليمية والدولية، ومحاولات إسرائيل إعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي للقضية الفلسطينية.

ولهذا فإن الانتخابات القادمة لا يمكن قراءتها فقط من زاوية المنافسة بين القوى السياسية أو توزيع المقاعد، بل باعتبارها لحظة قد تعيد تشكيل النظام السياسي الفلسطيني بأكمله. فالسؤال الحقيقي ليس فقط: من سيفوز في الانتخابات؟ وإنما: ماذا ستنتج هذه الانتخابات؟ وهل ستكون مدخلاً لإعادة بناء القدرة الوطنية الفلسطينية، أم أنها قد تصبح بداية دورة جديدة من الصراعات والانقسامات؟

هناك اليوم حالة واضحة من التشوش وعدم اليقين تجاه الواقع الفلسطيني القادم. فالمشهد الذي ستجري فيه الانتخابات لم يتبلور بعد بصورة كاملة؛ إذ لا تزال مآلات حرب غزة مفتوحة، وطبيعة الترتيبات السياسية والأمنية المتعلقة بالقطاع غير واضحة، بينما تشهد الضفة الغربية تحولات متسارعة بفعل الاستيطان والضغوط الإسرائيلية والتغيرات الميدانية. وهذا يعني أن الانتخابات ستجري في بيئة مختلفة جذرياً عن كل الانتخابات السابقة.

في الظروف الطبيعية، تُجرى الانتخابات ضمن واقع سياسي واضح نسبياً، حيث تتنافس القوى على برامج ورؤى محددة. أما في الحالة الفلسطينية الحالية، فإن الانتخابات ستجري في مرحلة انتقالية تحمل أسئلة كبرى حول مستقبل القضية الفلسطينية، وشكل النظام السياسي، وطبيعة القيادة القادرة على إدارة المرحلة المقبلة.

لذلك فإن قراءة الانتخابات لا يجب أن تقتصر على يوم الاقتراع، بل يجب أن تشمل مرحلتين أساسيتين: مرحلة ما قبل الانتخابات ومرحلة ما بعد الانتخابات.

في مرحلة ما قبل الانتخابات، يبرز سؤال أساسي حول طبيعة المزاج الشعبي الفلسطيني بعد سنوات من الجمود السياسي، وبعد الحرب على غزة وما أحدثته من تحولات عميقة في الوعي العام. هل ستكون هناك رغبة واسعة في التغيير وإعادة تشكيل المشهد السياسي؟ هل ستظهر نخب جديدة تحمل رؤية مختلفة؟ أم أن حالة القلق وعدم اليقين ستدفع المجتمع نحو البحث عن قوى أكثر خبرة وقدرة على إدارة مرحلة صعبة؟

لكن الإشكالية أن معظم القوى والجهات السياسية اليوم تبدو مدفوعة باتجاه الانتخابات، وكأن إجراءها بحد ذاته يمثل الحل. فهناك إصرار واسع على اعتبار الانتخابات بوابة للخروج من حالة الجمود السياسي، وهذا مفهوم في ظل الحاجة إلى تجديد الشرعية، لكنه يحمل في الوقت ذاته مخاطر إذا تحول إلى اندفاع غير محسوب.

ففي لحظات التحول التاريخي، لا تكون القضية فقط في الرغبة بالتغيير، بل في طبيعة التغيير الذي يمكن أن ينتج، وفي القدرة على إدارة نتائجه. وقد يكون الخطر أن يصبح هدف التغيير بحد ذاته هو المحرك الأساسي، بينما تغيب الأسئلة الأكثر أهمية: ماذا بعد الانتخابات؟ كيف ستُدار المرحلة التالية؟ هل يمتلك النظام السياسي القدرة على استيعاب النتائج؟ وهل توجد ضمانات تمنع تحول المنافسة الديمقراطية إلى صراع جديد على القيادة والتمثيل؟

إن التغيير بأي ثمن قد يحمل نتائج لا تحمد عقباها. فالانتخابات ليست غاية مستقلة عن الواقع، وإنما أداة سياسية يجب أن تخدم هدفاً وطنياً أوسع. والتجارب السياسية تثبت أن الانتخابات لا تنتج دائماً الاستقرار، وأن الديمقراطية عندما تجري في بيئة منقسمة ودون توافق على قواعد إدارة المرحلة قد تتحول من أداة لتجديد النظام إلى أداة لتعميق أزماته.

الخطر الصامت: عندما تصطدم الشرعية الانتخابية بالشرعية التاريخية

لعل أحد أكبر المخاطر الاستراتيجية المحيطة بالانتخابات الفلسطينية القادمة لا يكمن في احتمال صعود قوى سياسية جديدة بحد ذاته، فذلك جزء طبيعي من أي عملية ديمقراطية حقيقية، بل ربما يكون من أهم أهداف الانتخابات إعادة تجديد النخب وضخ دماء جديدة في النظام السياسي الفلسطيني.

لكن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تعامل النظام السياسي والمجتمع والقوى القائمة مع احتمال انتقال مركز الثقل السياسي من قوى اعتادت قيادة المشهد إلى قوى جديدة لم تكن في موقع الصدارة سابقاً.

فالديمقراطية لا تُختبر عندما تأتي نتائج الانتخابات متوافقة مع التوقعات، أو عندما تحافظ القوى التقليدية على مواقعها، بل تُختبر عندما تنتج صناديق الاقتراع تحولات غير متوقعة، وتعيد ترتيب موازين القوى، وتفرض واقعاً سياسياً جديداً على الجميع.

في الحالة الفلسطينية، فإن هذا الاحتمال يحمل حساسية خاصة، لأن النظام السياسي لا يقوم فقط على الشرعية الانتخابية، بل يتداخل فيه تاريخ طويل من الشرعية الوطنية المرتبطة بدور قوى سياسية قادت الحركة الوطنية الفلسطينية لعقود، وبمراحل نضالية وتاريخية شكلت الوعي السياسي الفلسطيني. وفي المقابل، فإن الانتخابات تمنح الناخبين فرصة لإنتاج شرعية جديدة تستند إلى الإرادة الشعبية المباشرة.

وهنا قد تظهر المعضلة: ماذا يحدث إذا أنتجت الانتخابات صعود قوى جديدة أو شخصيات غير مألوفة في مركز المشهد؟ هل سيتم التعامل مع ذلك باعتباره تجديداً طبيعياً للنظام السياسي، أم باعتباره تراجعاً لدور قوى تاريخية ترى نفسها صاحبة دور مركزي في المشروع الوطني؟

الخطر لا يكمن في وجود شرعيتين؛ فالشرعية التاريخية والشرعية الانتخابية يمكن أن تتكاملا، بل إن الجمع بينهما قد يكون مصدر قوة للنظام السياسي. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه الشرعيات إلى مصادر تنافس وصراع.

فقد نجد أنفسنا أمام معادلة صعبة: قوى جديدة تقول “لدينا شرعية الصندوق”، وقوى تاريخية تقول “لدينا شرعية المشروع الوطني والتاريخ”. وإذا لم توجد رؤية وطنية قادرة على استيعاب الشرعيتين ضمن إطار واحد، فقد يتحول الاختلاف الطبيعي إلى أزمة سياسية جديدة.

وهنا تظهر المعضلة الأولى: احتمال رفض القوى التقليدية لنتائج لا تتوافق مع توقعاتها. فإذا شعرت قوى وطنية مركزية بأنها فقدت موقعها أو تراجعت مكانتها، فقد تظهر مقاومة للانتقال الجديد، انطلاقاً من شعور بأن المرحلة لا تسمح بتغييرات جذرية أو أن النتائج لا تعكس حجم دورها التاريخي.

أما المعضلة الثانية فهي قدرة القوى الجديدة على إدارة انتقال سياسي معقد. فالحصول على شرعية انتخابية لا يعني بالضرورة امتلاك الخبرة المؤسسية أو القدرة على إدارة نظام يواجه الاحتلال والتحديات الاقتصادية والسياسية والضغوط الخارجية. فالانتقال من موقع المنافسة إلى موقع القيادة يحتاج إلى أكثر من الفوز الانتخابي؛ يحتاج إلى رؤية وشراكات وقدرة على إدارة التوازنات الوطنية.

وهنا تكمن النقطة الأساسية: الخطر ليس في تجدد النخب، بل في أن يتحول تجدد النخب إلى صراع على الشرعية.

ولهذا فإن التحضير للانتخابات لا يجب أن يركز فقط على قانون الانتخابات والإجراءات الفنية، بل يجب أن يسبقه نقاش وطني حول “اليوم التالي للانتخابات”:

  • هل الجميع ملتزم مسبقاً باحترام النتائج أياً كانت؟
  • كيف ستشارك القوى التي تخسر؟
  • كيف ستُدمج القوى الجديدة داخل النظام السياسي؟
  • كيف نمنع نشوء مركزين للقرار؟
  • كيف تتحول الشرعية الانتخابية إلى إضافة للشرعية الوطنية وليس بديلاً عنها؟

ولعل التحدي الأكبر لا يكمن فقط في قبول النتائج، بل في وجود الثقة السياسية المتبادلة التي تسمح بانتقال القوة والتمثيل دون خوف من الإقصاء أو التهميش. فغياب الثقة قد يجعل حتى النتائج الديمقراطية الصحيحة مدخلاً إلى أزمة جديدة، بينما يمكن للثقة والشراكة أن تحولا الاختلاف السياسي إلى عنصر قوة.

إن الفلسطينيين لا يحتاجون فقط إلى تغيير سياسي، بل إلى انتقال سياسي منظم. فالانتقال غير المُدار في لحظة ضعف وانقسام قد ينتج أزمة أكبر من أزمة الجمود الحالية.

وفي المقابل، فإن الحاجة إلى إعادة إنتاج النخب الفلسطينية أصبحت ضرورة تاريخية. فالمجتمع الفلسطيني تغير، والتحديات تغيرت، ولم تعد الأدوات التقليدية وحدها كافية لإدارة المرحلة المقبلة. هناك حاجة إلى مشاركة أوسع للشباب والكفاءات والخبرات الوطنية، وإلى قيادة تمتلك رؤية تتجاوز إدارة الأزمة نحو بناء المستقبل.

لكن إعادة إنتاج النخب لا تعني إلغاء النخب التاريخية أو استبدال جيل بآخر. القضية ليست قضية أسماء أو أعمار فقط، بل قضية نموذج سياسي. المطلوب الانتقال من نموذج يعتمد على الشرعية التاريخية وحدها إلى نموذج يجمع بين الخبرة والشرعية الشعبية والكفاءة والقدرة على الإنجاز.

إن المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى قيادات متعددة تتصارع على من يمثل الفلسطينيين، بل إلى قيادة قادرة على استيعاب التنوع وتحويله إلى قوة وطنية. فالتعدد السياسي يمكن أن يكون مصدر قوة إذا تم تنظيمه ضمن رؤية مشتركة، لكنه يصبح مصدر ضعف إذا تحول إلى مراكز قرار متنافسة.

في النهاية، فإن الانتخابات الفلسطينية القادمة ليست مجرد استحقاق ديمقراطي، بل اختبار تاريخي لقدرة الفلسطينيين على إدارة مرحلة انتقالية بالغة الخطورة.

فالنجاح لن يقاس فقط بقدرة الفلسطينيين على الوصول إلى صندوق الاقتراع، بل بقدرتهم على الخروج منه بنظام سياسي أكثر وحدة وقدرة على مواجهة المرحلة القادمة. أما الفشل في إدارة هذا الانتقال فقد يجعل الانتخابات، التي يُراد لها أن تكون بداية تجديد، مدخلاً إلى أزمة جديدة.

الفلسطينيون بحاجة إلى التغيير، لكنهم بحاجة أكثر إلى تغيير مسؤول ومدروس. بحاجة إلى انتخابات تعيد بناء الثقة، لا انتخابات تعيد إنتاج الانقسام. وإلى قيادة منتخبة قادرة على تحويل الاختلاف إلى قوة، والتجديد إلى وحدة، والديمقراطية إلى أداة لحماية المشروع الوطني لا إلى مدخل لإضعافه.




إنزال الفلسطيني عن المنصة

د. أحمد رفيق عوض مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية

منذ حرب الأيام الستة عام 1967، ثم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1978، واتفاق أوسلو عام 1994، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وغزو العراق، والربيع العربي، واتساع موجة التطبيع، وصولا إلى أحداث السابع من أكتوبر، شهد الإقليم تحولات عميقة ومتراكمة. هذه الأحداث، على اختلاف طبيعتها، أسهمت في تقدم المشروع الصهيوني، الذي استطاع أن يفرض نفسه على المنطقة، تارة بالقوة العسكرية، وتارة بالإغراءات السياسية والاقتصادية، وتارة بالاثنين معا.
وترافق هذا التقدم مع محاولات حكومية، وشبه حكومية، وحتى شعبية، لإعادة تشكيل صورة الفلسطيني في الوعي العربي. فلم يعد الفلسطيني يقدم بوصفه صاحب قضية عادلة فحسب، بل جرت محاولات لشيطنته، وتجريده من المكانة الرمزية التي أحاطت به لعقود، وإنزال القضية الفلسطينية من موقعها المركزي، لتصبح مجرد قضية بين قضايا كثيرة، أو حتى عبئا على الدول العربية. في المقابل، جرى تقديم القضايا المحلية، الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، باعتبارها أولويات تتقدم على القضية الفلسطينية، في ظل تحولات عميقة أصابت النظام العربي نفسه.
برأيي، فإن هذه الظاهرة لها أسباب عديدة ومتداخلة.
أول هذه الأسباب هو أنها تمثل، إلى حد ما، ردة فعل جماهيرية على الخطاب الذي كانت بعض الأنظمة العربية تروج له لعقود. فقد استخدمت القضية الفلسطينية في كثير من الأحيان لتبرير القمع، وتأجيل التنمية، وتفسير الفشل السياسي والاقتصادي، حتى أصبح بعض الناس ينظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها جزءا من المشكلة، لا بسبب الفلسطينيين أنفسهم، وإنما بسبب الطريقة التي استغلت بها الأنظمة هذه القضية.
السبب الثاني يتمثل في توسع عمليات التطبيع. فالتطبيع ليس مجرد اتفاقيات سياسية، بل هو عملية لإعادة تشكيل الوعي العام، وإعادة ترتيب الأولويات، وإنتاج رواية جديدة ترى في إسرائيل شريكا محتملا، لا عدوا استراتيجيا. ومن الطبيعي أن تتطلب هذه العملية تقليص مكانة الفلسطيني في الوعي العربي، لأن بقاء القضية في مركز الاهتمام يعيق نجاح هذا التحول.
أما السبب الثالث، فلا يمكن إنكاره، وهو سوء الأداء الفلسطيني نفسه. فالانقسام الداخلي، وتراجع المؤسسات، والاتهامات المستمرة بالفساد، وضعف المشروع الوطني، كلها عوامل أضعفت التعاطف مع الفلسطيني، ومنحت خصومه مادة جاهزة للهجوم عليه وتشويه صورته.
وهناك أيضا رغبة لدى بعض الأنظمة العربية الجديدة، وهي أنظمة تعاني في كثير من الأحيان من هشاشة داخلية، في التخلص من أعباء القضية الفلسطينية، وتوجيه غضب المواطنين نحو طرف آخر، وليكن الفلسطيني. فبدلا من معالجة الأزمات الداخلية، يصبح الفلسطيني هدفا سهلا لتحميله مسؤولية الإخفاقات أو لتبرير سياسات جديدة.
كما أن انفجار الصراعات الداخلية في عدد من الدول العربية، سواء كانت إثنية أو طائفية أو سياسية، ساهم في تراجع القضية الفلسطينية عن مركز الاهتمام. فحين تصبح الدولة منشغلة بصراعاتها الداخلية، يصبح من السهل النظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها قضية خارجية يمكن تأجيلها أو التقليل من أهميتها.
ولا يمكن إغفال الضغوط الغربية الكبيرة التي مورست على عدد من الأنظمة العربية لتقليص علاقتها بالفلسطينيين، بالتوازي مع الاختراق الإسرائيلي المتزايد للنظام الإقليمي العربي، سواء عبر التهديدات الأمنية أو عبر الإغراءات الاقتصادية والسياسية، الأمر الذي منح إسرائيل حضورا غير مسبوق داخل المنطقة.
ومن الأسباب المهمة أيضا انهيار الأفكار الجامعة، كالعروبة والإسلام  بوصفهما إطارين جامعَين، إلى جانب تراجع فعالية المؤسسات العربية المشتركة، مثل جامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي، والاتحاد المغاربي، وغيرها. كما أن انتقال مراكز صنع القرار العربي إلى عواصم جديدة تمتلك المال والإعلام والنفوذ السياسي، أدى إلى إعادة صياغة الأولويات الإقليمية بطريقة مختلفة.
وزاد من ذلك اندلاع الحروب البينية بين الدول العربية، وظهور محاور متصارعة في المنطقة، بما فيها الصراع بين ما يعرف بالمحور الشيعي والمحور السني، رغم أنني لا أفضل استخدام هذه المصطلحات، لكنها أصبحت جزءا من الواقع السياسي.
كما ظهرت في السنوات الأخيرة مبادرات وخطط سياسية تتجاوز حتى فكرة حل الدولتين، وتتجه نحو ترتيبات اقتصادية وإدارية هدفها التعايش مع الاحتلال والتكيف معه، بدلا من إنهائه. وهذا كله يستدعي، بطبيعة الحال، إضعاف الرواية الفلسطينية وإبعادها عن مركز المشهد.
وأخيرا، لا بد من الاعتراف بأن طول أمد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مع العجز العربي والدولي عن الوصول إلى حل عادل، خلق لدى بعض الناس حالة من الإرهاق واليأس، استغلها كثيرون للدفع باتجاه شيطنة الفلسطيني، وكأن المشكلة تكمن في الضحية لا في الاحتلال.
ورغم كل هذه الأسباب، فإن السؤال يبقى: هل ستنجح هذه الحملات في إنزال الفلسطيني عن المنصة؟ وهل سينصرف العرب فعلا عن القضية الفلسطينية؟
أعتقد أن الإجابة هي لا. ليس لأن الفلسطينيين لم يرتكبوا أخطاء، ولا لأن الأنظمة العربية ستعود إلى خطابها القديم، وإنما لأن إسرائيل، في جوهر مشروعها، لا تستهدف الفلسطيني وحده، بل تسعى إلى فرض الهزيمة على الإقليم كله، وإعادة تشكيله بما يخدم مصالحها. وهذه حقيقة ستفرض نفسها عاجلا أم آجلا على الجميع.
لهذا السبب، أعتقد أن القضية الفلسطينية ستبقى القضية المركزية في المنطقة. قد تتراجع في الخطاب السياسي، وقد تتغير أولويات الحكومات، وقد تنجح حملات التشويه في التأثير على بعض الناس، لكنها لن تستطيع إخراج فلسطين من قلب الصراع. فالصراع لم يعد فلسطينيا إسرائيليا فقط، بل أصبح أيضا صراعا إقليميا على شكل المنطقة ومستقبلها، وعلى من يملك حق رسم خرائطها السياسية والأمنية.




أربعون عاما في انتظار الحياة.. وأربع سنين لمصافحتها

بشار دراغمة- كان عمر ماهر يونس، في الحقيقة، أربع سنوات فقط، أما ما سبقها فلم يكن عمرا بالمعنى الذي نعرفه، بل انتظار طويل ارتدى هيئة حياة.

أربعون عاما قضاها خلف القضبان، حتى بدا وكأن الزمن قد نسيه أو تعمد أن يتركه في الصفحة نفسها بينما كان يقلب صفحات العالم من حوله.

وحين قهر القيد وأطلق سراحه، لم يكن يخرج ليبدأ حياة جديدة، بل ليعيش الحياة الأولى التي حرم منها، تعلم أن يستيقظ بلا عد للأقفال، وأن يمشي من دون أن يسبقه السجان، وأن ينظر إلى السماء كاملة لا من نافذة ضيقة، وأن يزرع أيامه كما يزرع الناس أعمارهم.

لكن الحياة، التي بخلت عليه بأربعين عاما، لم تمنحه سوى أربعة أعوام تقريبا.

أربعة أعوام فقط، كأنها مهلة أخيرة منحها القدر لرجل ظل يحلم بالحياة أكثر مما عاشها.

لذلك، حين رحل ماهر يونس، لم يمت رجل عاش خمسة وستين عاما، بل رحل رجل لم يعش من عمره إلا السنوات الأربع الأخيرة، أما بقية العمر، فكانت مؤجلة في زنزانة، محفوظة في ملفات السجان، ومعلقة على أبواب السجون التي تعرف أسماء الأسرى أكثر مما تعرف أسماء العابرين.

أسرى محررون استذكروا ماهر يونس، فأجمعوا أن الصبر تعب قبل أن يرحل ماهر.

الأسير المحرر وعضو المجلس الثوري لحركة فتح ياسر أبو بكر والذي رافق الراحل يونس في سنوات الأسر كتب على صفحته على “فيسبوك” إن “ماهر كان واحدا من أولئك الذين تتجرد أمامهم الأقنعة داخل الأسر، فلا يبقى إلا معدن الإنسان الحقيقي.

وهناك حيث تضيق الزنازين وتتسع الأخلاق، كان ماهر قريبا من الجميع، متواضعا، هادئا، كريم النفس، لا يتأخر عن خدمة أسير، ولا يبخل بكلمة طيبة، ولا يترك أسيرا يواجه ألمه وحده. كان حضوره، يمنح الأسرى شعورا نادرا بالألفة، حتى ليبدو الوطن نفسه وقد وجد مكانا صغيرا بين جدران الزنازين”.

ولم يكن اسم ماهر يذكر إلا وحضر معه اسم ابن عمه ورفيق دربه كريم يونس، فأربعون عاما جمعتهما الزنازين، حتى بدا اسماهما توأمين في ذاكرة الحركة الأسيرة.

لكن أبو بكر يرى أن لكل منهما بصمته الخاصة، فإذا كان كريم يمثل القامة الفكرية الصلبة، فإن ماهر كان القلب الدافئ الذي يتسع للجميع، والرجل الذي يصنع من التفاصيل الصغيرة حياة يمكن احتمالها داخل أكثر الأماكن قسوة.

ولعل أكثر الكلمات اختصارا كانت أكثرها وجعا، لم يحتج كريم يونس، رفيق الزنزانة والعمر، إلى رثاء طويل، فالأربعون عاما التي جمعته بماهر كانت أبلغ من كل الخطب، اكتفى بأن يكتب: “ترجل الفارس، رفيق العمر، رفيق القيد والأربعين عاما من الصمود، رحلت جسدا، وتبقت سيرتك رمزا لن ينطفئ”.

هكذا يرثي الرجال الذين تقاسمت أرواحهم السجن قبل أن يتقاسموا الحرية، فالعلاقة بين ماهر وكريم لم تكن مجرد قرابة دم أو رفقة نضال، بل كانت عمرا كاملا عاشاه معا بين جدران الزنازين، حتى بدا رحيل أحدهما وكأنه اقتطاع لجزء من ذاكرة الآخر.

محمد نصر أسير محرر يقول إن ثمة رجال لا يتوقف قلبهم فجأة، بل يتوقف الزمن عن احتمالهم، رجال يخرجون من السجن فلا يخرج السجن منهم، ويستعيدون أسماءهم، لكن أعمارهم تبقى معلقة على الجدار الذي تركوا عليه أربعين تقويما، وأربعين شتاء، من دون أم، ومن دون أب، ومن دون رائحة خبز تتسلل من نافذة بيت.

يضيف نصر: “ماهر يونس لم يمت أمس (الأحد)، الذي مات، في الحقيقة، هو شاهد حي على قدرة الإنسان أن يهزم الوقت، ثم يخسره في اللحظة التي ظن الجميع أنه انتصر فيها”.

في عارة، لم يكن الخبر يشبه خبر وفاة، كان يشبه ارتباك قرية كاملة وهي تكتشف أن الرجل الذي اعتادت أن تدعو له كل صباح، صار يحتاج إلى دعائها الأخير.

لم يكن ابن البلدة فقط بل كان ابن الانتظار.




رؤية سياسية ما بين الحوار الوطني والانتخابات

د. دلال صائب عريقات

في اللحظات المفصلية من تاريخ الشعوب، لا تُقاس القرارات بحجم الجدل الذي تثيره، وإنما بقدرتها على حماية المشروع الوطني وشرعيته. واليوم، وفي ظل النقاش الذي أثارته دعوة الرئيس محمود عباس إلى إجراء انتخابات المجلس الوطني والتشريعي الفلسطيني، وما تبعها من رفض عدد من الفصائل الوطنية والإسلامية ومطالبتها بحوار وطني شامل واجتماع للأمناء العامين، يصبح من الضروري إعادة توجيه النقاش من مربع الخلاف السياسي إلى مربع المصلحة الوطنية العليا.
الحقيقة الأولى التي ينبغي الاتفاق عليها هي أن الشعب الفلسطيني يمر بأخطر مرحلة منذ النكبة أكبر من الخلافات التنظيمية. فالحرب على غزة وما خلفته من إبادة، والتوسع الاستيطاني والضم في الضفة الغربية، وتهويد للقدس، إلى جانب المشاريع المطروحة لإدارة قطاع غزة بعيداً عن النظام السياسي الفلسطيني، جميعها تؤكد أن القضية الفلسطينية تواجه تحديات وجودية تتطلب مؤسسات وطنية قوية وشرعية قادرة على اتخاذ القرار وتمثيل الشعب الفلسطيني.
في هذا السياق، فإن الدعوة إلى انتخابات المجلس الوطني لا ينبغي قراءتها باعتبارها خطوة موجهة ضد أي فصيل، وإنما باعتبارها استحقاقاً وطنياً وديمقراطياً يهدف إلى تجديد الشرعية الفلسطينية وإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. فلا يمكن أن نطالب المجتمع الدولي باحترام الإرادة السياسية للشعب الفلسطيني بينما نتردد في العودة إلى هذا الشعب لتجديد مؤسساته الوطنية.
فالشرعية في الفكر السياسي تُستمد من الإرادة الحرة للمواطنين. وتجديد هذه الشرعية عبر الانتخابات ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة دستورية ووطنية، خصوصاً في ظل التحولات الإقليمية والدولية التي تشهد محاولات متزايدة لإعادة رسم مستقبل القضية الفلسطينية دون مشاركة الفلسطينيين أنفسهم.
وفي المقابل، فإن مطالبة عدد من الفصائل بإطلاق حوار وطني شامل تستحق التعامل معها بروح المسؤولية الوطنية، لا بمنطق الاصطفاف السياسي. فالحوار الوطني ضرورة للحفاظ على الوحدة الوطنية، غير أن الحوار يجب ألا يتحول إلى بديل دائم عن الديمقراطية. فالعلاقة بين الحوار والانتخابات ليست علاقة تناقض، وإنما علاقة تكامل. الحوار ينبغي أن يهيئ البيئة السياسية والقانونية اللازمة لإنجاح الانتخابات، وأن يعالج القضايا الخلافية المتعلقة بآلياتها وضماناتها، بينما تبقى الانتخابات الأداة الديمقراطية التي تمنح الشرعية للمؤسسات الوطنية وتجدد العقد الاجتماعي بين الشعب وقيادته.
ومن الناحية القانونية، فإن منظمة التحرير الفلسطينية ليست ملكاً لأي فصيل، بما في ذلك حركة فتح، وإنما هي البيت السياسي الجامع لكل الفلسطينيين. وتجديد مؤسساتها مسؤولية وطنية جماعية تتجاوز الاعتبارات التنظيمية والفصائلية. وكلما تأخرنا في تجديد هذه المؤسسات، ازدادت قدرة الأطراف الخارجية على فرض ترتيبات سياسية وإدارية لا تعكس الإرادة الفلسطينية.
ويزداد هذا الأمر أهمية في ظل ما نشهده اليوم من نقاشات دولية حول “اليوم التالي” في غزة، وظهور مشاريع تتحدث عن مجالس لإدارة القطاع، وترتيبات أمنية، وصيغ للحكم وإعادة الإعمار تُناقش أحياناً بمعزل عن المؤسسات الفلسطينية الشرعية. إن أفضل رد على هذه المشاريع ليس فقط برفضها، وإنما بإثبات قدرة الفلسطينيين على إدارة شؤونهم بأنفسهم، وتجديد شرعية مؤسساتهم، وإدارة خلافاتهم عبر الوسائل الديمقراطية.
تبقى أسئلة مشروعة ممكن الرد عليها من خلال الحوار، ومنها عقد الانتخابات في القدس أو غزة أو نتائج الانتخابات الفلسطينية، هل ستكون مقبولة من قبل المجتمع الدولي والاحتلال؟ في 2005/ 2006 بعد الانتخابات تعرضت الحكومة لحصار مالي خانق واعتقالات وضغوطات خارجية عطلت الديمقراطية ومنعت استمرار العمل، مَن يضمن عدم تكرار ذات المشهد اليوم؟
إن الوحدة الوطنية لا تُبنى بالبيانات السياسية وحدها، ولا بالمحاصصة الفصائلية، وإنما بعقد اجتماعي جديد يحتكم فيه الجميع إلى الشعب الفلسطيني باعتباره مصدر السلطات وصاحب القرار النهائي. فالانتخابات ليست هدفاً بحد ذاتها، وإنما وسيلة لإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته، وتعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ مبدأ التداول السلمي للسلطة والمساءلة. إن مسؤوليتنا الوطنية تفرض علينا الجمع بين الحوار المسؤول والانتخابات الديمقراطية، باعتبارهما مسارين متكاملين لا متعارضين، وكلاهما يشكل المدخل الحقيقي لاستعادة الثقة وبناء نظام سياسي أكثر قدرة على مواجهة تحديات المرحلة. والمضي في مسيرة التحرر من الاحتلال وتجسيد حق تقرير المصير.




بين الانسحاب المشروط والحرب الأهلية… الرهان الإسرائيلي على لبنان

إسماعيل جمعة الريماوي

لم يكن مشهد الاحتفال في وسائل الإعلام الإسرائيلية عقب الإعلان عن الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية مشهدًا عابرًا، بل كشف الكثير عن طبيعة الرهانات الإسرائيلية الكامنة خلف هذا الاتفاق، فعندما تتفق معظم القنوات والمحللين العسكريين والسياسيين في إسرائيل على وصف الاتفاق بأنه “إنجاز تاريخي” و”اتفاق ممتاز”، يصبح من المشروع التساؤل: ما الذي حققته إسرائيل حتى تبدو بهذه السعادة؟
الجواب لا يتعلق فقط بالشق الأمني، بل بما تعتبره تل أبيب تحولًا استراتيجيًا في طبيعة الصراع، فالاتفاق، وفق القراءة الإسرائيلية، لا يربط الانسحاب من جنوب لبنان بوقف الاعتداءات أو بتطبيق قرارات الأمم المتحدة، وإنما يجعل الانسحاب مشروطًا بنزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية بواسطة الدولة اللبنانية نفسها، وبذلك تنتقل المواجهة، من المنظور الإسرائيلي، من صراع مباشر بين إسرائيل وحزب الله إلى صراع داخلي لبناني.
وهذا ما يفسر التصريحات اللافتة التي خرجت من الإعلام الإسرائيلي، والتي تحدث بعضها صراحة عن أن إسرائيل “تدفع لبنان إلى حرب أهلية”، وأن مواجهة بين الجيش اللبناني وحزب الله “قد لا تكون سيئة لإسرائيل”، بل إن بعض المحللين اعتبرها الهدف الحقيقي منذ البداية، وهذه التصريحات لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد تحليلات إعلامية، بل تعكس رؤية متداولة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ترى أن تفكيك حزب الله من الداخل أقل كلفة بكثير من خوض حرب جديدة معه.
ولذلك لم يكتفِ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالترحيب بالاتفاق، بل وضع شرطًا واضحًا: لا انسحاب إسرائيلي من الحزام الأمني قبل نزع سلاح حزب الله وانتهاء ما تعتبره إسرائيل تهديدًا لأمنها، وهذا يعني عمليًا أن إسرائيل تحتفظ بحق البقاء داخل الأراضي اللبنانية إلى أجل غير محدد، بينما تتحول عملية نزع السلاح إلى مسؤولية الحكومة اللبنانية.
الأخطر أن الاتفاق، وفق ما سربته وسائل الإعلام الإسرائيلية، يقوم على تنفيذ تجريبي في مناطق محددة، بحيث تمنح إسرائيل نفسها حق تقييم أداء الجيش اللبناني، ثم تقرر توسيع نطاق التنفيذ أو تجميده، وبذلك تصبح إسرائيل صاحبة القرار الفعلي في تحديد مدى التزام لبنان، وتتحول عملية الانسحاب إلى ورقة ضغط دائمة يمكن استخدامها سياسيًا وعسكريًا.
كما تكشف التصريحات الإسرائيلية أن الهدف النهائي لا يقف عند حدود الجنوب اللبناني، بل يمتد إلى إعادة رسم المشهد السياسي اللبناني بالكامل، فالإذاعة الإسرائيلية تحدثت صراحة عن أن الاتفاق يمهد لاتفاق سلام مستقبلي مع لبنان بعد إنهاء النفوذ الإيراني، فيما رأى عاموس يدلين أن الاتفاق يختلف عن أي تفاهم سابق لأنه يربط بين نزع سلاح حزب الله والوصول إلى سلام بين البلدين.
وفي المقابل، فإن التحفظات التي صدرت عن شخصيات إسرائيلية مثل أفيغدور ليبرمان أو بعض رؤساء المجالس الحدودية لا تعكس رفضًا للاتفاق بقدر ما تعكس اختلافًا حول آلية تنفيذه وسرعة الانسحاب، فجميع هذه المواقف تتفق على هدف واحد، وهو إنهاء القوة العسكرية لحزب الله، بينما يتركز الخلاف على الوسيلة والتوقيت.
إن قراءة المشهد الإسرائيلي تكشف أن تل أبيب ترى في الاتفاق فرصة تاريخية لتحقيق ما عجزت عن تحقيقه عبر سنوات طويلة من الحروب والاغتيالات والضغوط العسكرية، فإذا نجحت الدولة اللبنانية في نزع سلاح حزب الله تكون إسرائيل قد حققت هدفًا استراتيجيًا دون إطلاق رصاصة، وإذا رفض الحزب ودخل في مواجهة داخلية، فإن إسرائيل ستكون قد نجحت في نقل الحرب إلى الداخل اللبناني، مستنزفة خصومها بأيدي بعضهم البعض.
 وهنا تكمن خطورة هذا الاتفاق في أن إسرائيل لا تنظر إليه بوصفه نهاية لمواجهة، بل بداية لمرحلة جديدة من الصراع تُدار بأدوات سياسية وأمنية داخلية بدل الدبابات والطائرات، لذلك فإن النشوة التي اجتاحت الإعلام الإسرائيلي لم تكن احتفالًا بتوقيع وثيقة، وإنما احتفالًا بإمكانية تحقيق مشروع طال انتظاره: تفكيك البيئة المقاومة من الداخل، وتحويل لبنان من ساحة مواجهة مع الاحتلال إلى ساحة صراع بين أبنائه، أما ما إذا كان هذا الرهان سينجح أم سيفتح الباب أمام واقع أكثر تعقيدًا، فسيظل مرهونًا بقدرة اللبنانيين على منع تحويل خلافاتهم الداخلية إلى أداة تخدم الأهداف الإسرائيلية.