1

حمادة فراعنة

تتواصل عمليات القتل والإجرام لفلسطينيي مناطق 48، بواسطة عصابات مأجورة، وتحريض مكشوف، واستهتار أمني رسمي متعمد من قبل أجهزة المستعمرة وأدواتها، وضيق أفق اجتماعي حصيلة التخلف، تتواصل مسجلة أرقاماً قياسية غير معهودة، غير مسبوقة بهذا الحجم والعدد الكلي والانتشار المتنوع لدى المدن والقرى العربية، إلى الحد الذي يمكن أن يشاهده ويسجله المراقب على أنه منظماً، لا يقتصر على ردات فعل ثأرية أو عائلية متشنجة.

جرائم تنال الشباب والنساء وكبار السن ودون السن القانونية، وكأنها حملة تطهير تستهدف الوجود البشري للفلسطينيين العرب المسلمين والمسيحيين في بلدهم، الذين صمدوا فيه رغم الحكم العسكري لغاية عام 1966، ومواصلة التمييز والعنصرية إلى وقتنا الحاضر وفي طليعتها صياغة قانون “يهودية الدولة” الصادر عن الكنيست الإسرائيلي يوم 19/7/2018.

ما الذي جعل جرائم القتل الجنائية تنتشر بهذا الشكل، بهذا الحجم، بهذا العدد القياسي بين الفلسطينيين في مناطق 48 ؟؟ خمسة مواطنين فلسطينيين يقتلون بيوم واحد، لدى نظام أمني مسيطر، يتملك تفوقا تقنيا تكنولوجيا متطورا، وأجهزة أمنية مستنفرة ضد الفلسطينيين سواء في مناطق 48 أو مناطق 67؟؟ ولماذا تقتصر الجرائم الجنائية على الفلسطينيين، ولا تتمكن أجهزة المستعمرة من كشفها، بل ولا تبذل جهداً ملموساً في متابعتها وكشفها وإنهائها كظاهرة شبة يومية، فرضت الخوف والقلق وتغيير الأولويات لدى فلسطينيي الكرمل والجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل الفلسطيني المختلطة ؟؟.

الأحزاب العربية الفلسطينية، ونواب الكنيست من الفلسطينيين العرب، والمجالس المحلية ورؤسائها، ولجنة المتابعة العنوان القيادي للمجتمع العربي الفلسطيني، بدت منغمسة في متابعة تداعيات هذه الجرائم ونتائجها، وانشغلت عن مهامها السياسية وطنياً وقومياً وبرنامجياً، فهل هذا صدفة؟؟ أم أن ذلك برمجة مخططة تستهدف تغيير الأولويات وإغراق المجتمع العربي الفلسطيني بمشاكل عينية وتفاصيل يومية تبتعد عن النضال ضد التمييز العنصري والاحتلال، وحرفه عن هدف تحقيق المساواة في مناطق 48 والاستقلال لمناطق 67.

ليست بريئة سياسات المستعمرة من إغراق المجتمع العربي الفلسطيني بمشاكل ومتاعب وأوجاع بينية، أداتها التحريض وتوظيف عصابات الإجرام بهدف خلخلة بنية المجتمع العربي الفلسطيني وإضعافه، خاصة بعد أن نجح في خلق أدوات كفاحية توحيدية وصولاً إلى البرلمان، ليشكل ذلك تأثيراً على تشكيل الحكومة وسياساتها، فقد أفشل النواب الفلسطينيون نتنياهو لتشكيل الحكومة عبر ثلاث دورات للكنيست، ولولا الانقسام الذي حصل بين القائمتين البرلمانيتين: 1- المشتركة القومية اليسارية، 2- الموحدة الإسلامية، لما تراجع التمثيل العربي الفلسطيني من 15 مقعداً للأحزاب العربية الأربعة إلى 10 مقاعد.

 لهذا يجب إدراك المنهج الأمني لأدوات المستعمرة ومؤسساتها وعملها لتمزيق بنية وتماسك الحركة السياسية الفلسطينية التي تملك قدرات ومقومات التأثير، ولهذا يسعى نتنياهو وتحالفاته عبر الانقلاب القضائي لإلغاء التمثيل الفلسطيني للمواطنين العرب في مناطق 48 .




المعلم الرقمي




زريف الطول.. البطولة بأجراسها!

ما يبهج القلب ويفرحه، أن الذاكرة الفلسطينية تتوقد وتتوهج أكثر، كلما مرت عليها، وبها، الأيام، فهي الخزين الوطني الذي لا ينضب، والكتاب الثقيل الوافي القار في كل بيت، والمعنى الذي يجول مثل سؤال لغوب كيما يصل إلى الطمأنينة المشتهاة، ولا طمأنينة ضافية صافية محلومة إلا بعودة البلاد الفلسطينية إلى أهلها، والحواكير إلى بيوتها، والمفاتيح إلى أبوابها، والحقول إلى مواسمها، والينابيع إلى صباياها، والدروب إلى أنسها، والقرى إلى صباحتها البكر، والشرفات إلى روائح قهوتها وموسيقاها، والقلوب إلى دقاتها الملأى بالفرح والغبطة.

أقول هذا، وأنا في دهشة أو أكاد، بعد قراءتي لرواية الأديب الفلسطيني وليد عبد الرحيم الصادرة حديثا عن دار دلمون الجديدة في دمشق تحت عنوان (زريف الطول)، لأنها رواية يتعانق فيها البطل الشعبي، والمكان المأنوس، مثلما يتعانق التاريخ ومعاني الوفاء لتصير حكايات تجري بها الألسن، وتسمر بها الليالي، ويتعالى بها نشيد الناس، والأمكنة، والأزمنة في هتاف يهز الوجدان: بلادي، بلادي!

ببراعة مدهشة حقا، يبتكر وليد عبد الرحيم رواية مستلة من أسطورة بطل شعبي اسمه (زريف الطول) أسطورة وطدها وحفظها الغناء الشعبي في الأفراح والأتراح معا، حتى قرت في التقاليد الفلسطينية التي من فطرتها عشق الأرض، والجمال، والخير، والمعاني المفضيات إلى تدوين الحياة الفلسطينية التي زهت بالعمران، والكتب، والقراءات التامة!

قرن كامل من الشدة، عرفتها البلاد الفلسطينية، هو القرن العشرين! قرن كامل طفح بظلموت لم تعرفه الأرض والتواريخ والبشر من قبل، قرن اكتوت به القرى والمدن الفلسطينية التي عرفت المجازر والمذابح والسجون والمعتقلات والمطاردة لكل شيء، للأطفال، والدروب، والبيوت، والأفكار، والحقول، ودور العبادة، وهدأة الناس، والعافية، والنشور، والفرح، والضحك، مطاردة للحق، بطيوفه كلها. قرن من الشدة استوجب ميلاد البطل الشعبي (زريف الطول)  مثلما استولدت الشدة الأبطال الشعبيين الذين عرفتهم البشرية، من عنترة بن شداد إلى روبن هود!

مكنة سردية بهارة، وجولان تاريخي حاشد بالأخبار والصور والوثائق، وروح وطنية محلقة في فضاء من سرد شفيف خفيف طيع مثل الغيوم، يجوز بها وليد عبد الرحيم متقفيا خطا (زريف الطول) وأحلامه الباحثة عن الفرح المسروق من قبل الانكليز قبل عام 1948، ومن قبل المستوطنين الإسرائيليين الذين أرادوا وقف حياة الفلسطينيين وشلها وتعليقها على حبال أعدت كمشانق يومية طالت  جميع الأرجاء والأنحاء، وبالقوة الباطشة الراعية؟ (زريف الطول) صورة للفدائي الجسور الذي آخى حياة الخشونة من أجل استعادة الكرامة، وصورة المزارع الثابت في حقله من أجل المواسم الواعدة، وصورة المعلم في مدرسته من أجلأحلام جديدة، وصورة العاشق الذي يذهب إلى موعده في المساء من دون أن يتفقد عقله ان كان معه، وصورة، أشجار الزيتون وقد عادت إلى طمأنينتها، فلا خوف من اقتلاع أو تحطيب!

وليد عبد الرحيم الذي درس الإخراج السينمائي في القاهرة، يكتب تاريخ البلاد الفلسطينية عبر مشاهد تقطرها ذاكرة وقادة مشعة لا سهو فيها ولا لجلجة؛ مشاهد تقص، وتخبر، وتصوغ، وتصور، وتستبطن ما في التواريخ كي تصير مرجعية العقل الفلسطيني، ووليد عبد الرحيم الذي أصدر دواوين شعر عدة، يكتب بحبره المضيء، ولغته المكثفة، وجملته الرهيفة المعاني التي جسدها الفلسطيني صبرا على الأذى، وعشقا للبلاد! وما أكثر صور الصبر، وما أكثر صور العشق.

وليد عبد الرحيم، يحاول في روايته (زريف الطول) التي تري القارئ الباد الفلسطينية، وهي في صورتين، صورة الجمالين السماوي والأرضي الذي عاشته رغدا قبل الاحتلالين الإنكليزي والإسرائيلي، وصورة ظلموت الاحتلالين وقباحاتهما الولود في كل لحظة وآن، حتى صار هذا الظلموت فضاءات للشدة والعذاب والكراهية والعنصرية وانتفاء الحرية والجمال والحق والخير، وأقول أيضا: وليد عبد الرحيم يفتح بوابات التراسل الإبداعي ما بين أجناس الأدب والفنون الإنسانية عامة، ففي مشاهد الرواية، يقع القارئ على مساحات من شعر كتبته روح ملتاعة، ويقع على رسوم ومنحوتات وتشكيلات للألم والعذاب بادية حين يتفقد الفلسطيني روحه وهي تزفر زفرتها الأخيرة، ويقع القارئ على مسرح يتقابل فيه اثنان جندي مدجج بالسلاح والإخافة، وامرأة تلبس ثوبا أسود زينته الألوان، ولا حوار بينهما سوى حوار الرصاص، ولا صورة سوى صورة الجندي الذي يستدير بأسلحته مثل وحش الغابة، وصورة المرأة التي تنظر إليه بعينين أصبحتا، بعد الموت، نافذتين وأكثر.

رواية (زريف الطول) لـ وليد عبد الرحيم، كتابة جديدة لسرد جديد، وثاب، كثيف، يفرض على القارئ أن يركض وراء الأسطر ليعب من جماليات الأدب، وليتجرع غصص التاريخ الفلسطيني مثل عداء ليس في باله سوى خط النهاية، كي يرفع ذراعيه عاليا.. معلنا الانتصار




أوسلو: ٣٠ عاما!

د. دلال صائب عريقات

تصادف هذا الأسبوع ذكرى مرور ٣٠ عام على توقيع اتفاقية أوسلو في البيت الأبيض في 1993/9/13 . أرى من الواجب اليوم توضيح وإجمال بعض النقاط للشباب حول هذا الاتفاق: اتفاقية أوسلو هي اتفاق تعاقدي دولي له سقف زمني ينص على أن هدف عملية السلام، أولاً: تنفيذ القرارين 242 و 338 ، أي عدم جواز احتلال أراضي الغير بالقوة وحفظ حق اللاجئين حسب قرار 194 وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي حسب حدود حزيران 1967. ثانياً: خص قضايا الوضع النهائي وهي القدس والحدود واللاجئين والمياه والأسرى والاستيطان. 

هذه الاتفاقية جاءت على مراحل، تحت مسمى عملية السلام في أوائل التسعينيات، التي بدأت بمؤتمر مدريد 1991 وتبعها اتفاق اعلان المبادئ والذي يسميه الغالبية “أوسلو 1” وبروتوكول باريس الاقتصادي 1994, “ثم اتفاقية غزة- أريحا واتفاقية المرحلة الانتقالية 1995 . واي ريفر 1998, وشرم الشيخ 1999 ما هي الا مراحل انتقالية كان من المتوقع ان تفضي لمفاوضات الوضع النهائي بالعام 2000-1999 مثل ما شهدنا في كامب دايفيد 2 وطابا.

الاتفاقيات جاءت فيها مراحل تدريجية وتفصيلية حول انسحاب قوات الاحتلال، وما كان يسمى الإدارة المدنية وتفاصيل تحويل ملفات إدارة الشأن العام للسلطة الفلسطينية بشكل متفق عليه ومراحلي.

في الواقع, هذه الاتفاقيات ارتكزت على الجوانب الأمنية مع نقل جزئي ومحدود للصلاحيات، بحيث ضمن تبعية الفلسطينيين لدولة الاحتلال في الشأن الاقتصادي والسياسي والحدودي، والأهم الهيمنة في الشؤون المدنية الفلسطينية، حيث باتت إدارة شؤون البلاد والمواطنين تحت رحمة الاحتلال.  

فيما يخص ملفات الوضع النهائي على مدار ٣٠ عاما:
ملف الاستيطان لم يبق مكانا لحلم الدولة في الجغرافيا السياسية, ملف الاستيطان هو هفوة اتفاق أوسلو الذي تفاجأ به أعضاء الوفد المفاوض من الأرض المحتلة وضم كلا من الدكتورة حنان عشراوي وشهداء الوطن الدكتور حيدر عبد الشافي وأمير القدس فيصل الحسيني والدكتور صائب عريقات، اللذين غضبوا واستاءوا وعبروا عن إحباطهم مما توصلت له القنوات الخلفية السرية لعدم تطرق الاتفاق للاستيطان، إلا أن وفد الداخل ومن حرصهم على المصلحة الوطنية وتقديمها على المصلحة الشخصية آثروا دعم الرئيس محمود عباس مهندس الاتفاق والراحل ياسر عرفات كممثلي منظمة التحرير الفلسطينية -الجهة الشرعية الممثلة للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده.

ملف الأسرى: حتى اللحظة معطيات نادي الأسير الفلسطيني تشير إلـى -(5200) أسير/ة يقبعون في (23) سجنا ومركز توقيف وتحقيق، منهم -(33 أسيرة-(170) طفلاً وقاصراً، موزعين على سجون (عوفر، ومجدو، والدامون).

-(1264) مُعتقلا إداريا في سجون الاحتلال -(22) أسيراً من الأسرى القدامى المعتقلون قبل توقيع اتفاقية أوسلو.

-(237) شهيداً أسيراً، من شهداء الحركة الأسيرة. وهذا يذكرنا بالاتفاق الفلسطيني– الاسرائيلي في واشنطن في 13 ايلول/ سبتمبر عام 1993 واتفاقية القاهرة الموقعة في 4 ايار/ مايو عام 1994 التي تلزم الجانب الاسرائيلي بإطلاق سراح جميع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال. الاعتقال الإداري غير القانوني لا يوجد الا في دولة الاحتلال التي تمدد الاعتقال كل ٦ شهور من غير محاكمة, إطلاق سراح الأسرى من قبل اتفاقية اوسلو هو التزام على اسرائيل، انطلاقاً من روح ونص الاتفاق الموقع بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل، ما تقوم به اسرائيل من مماطلة هو خرق للاتفاق.  

منذ بداية ٢٠٢٣ استشهد اكثر من ٢٤٠ وفي 2015، تبنت دولة الاحتلال سياسة احتجاز جثامين الشهداء التي تعدت ال ١٤٠ جثمانا. خلال ٣٠ عاما خالفت دولة الاحتلال الاتفاق في إجراءاتها أحادية الجانب المتمثلة في بناء جدار الفصل، والانسحاب الأحادي من قطاع غزة، وهو ما كرس الانقسام الداخلي وتشتت المشروع الوطني الفلسطيني والسيطرة الكاملة لاحتلال منخفض التكلفة ترافقه الاعدامات الميدانية والاعتقالات وسياسات الابارتهايد والاضطهاد والتهجير القسري ومصادرة وضم الأرض, كل ذلك على شكل أوامر عسكرية تعيد تثبيت حقيقة اننا شعب يقبع تحت الاحتلال.  

فيما يتعلق بالقدس واللاجئين: تتنكر دولة الاحتلال لأي مسؤولية وهذا مخالف لروح الاتفاق, خرقت اسرائيل كل مبادئ الاتفاقيات وعملية السلام لدرجة اننا نستطيع المحاججة قانونيا اننا في حلٍ من هذه الاتفاقيات، وكرست التبعية وشبه استحالة الانفكاك عنها. أي دعوة من المجتمع الدولي للمفاوضات هي محاولات عبثية ميكافيلية لمماطلة الوضع الراهن، حيث أصبحت المفاوضات والمحادثات السلمية هي الغاية بدلا من ان تكون الوسيلة لتحقيق السلام، وكرامة الشعوب وحقها في تقرير المصير. بعد ٣ عقود لا بد من تقديم الأدوات القانونية والتي يجب ان تبدأ من تحديد حدود دولة إسرائيل قبل الحديث عن أي أفق لأي سلام او اتفاق. 




بريكس: فلسطين وعملة عالمية جديدة

د. دلال صائب عريقات

على مدار ١٥ عاما، تشكل تحالف الـ “بريكس” من كل من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب افريقيا. تم عقد المؤتمر السنوي هذا العام ما بين ٢٢-٢٤ آب الفائت في جنوب افريقيا، وتم الاتفاق على ضم ٦ دول جديدة، لتشمل كلا من مصر والامارات والسعودية واثيوبيا والارجنتين وإيران، لتصبح ١١ دولة في هذا التحالف مع بداية ٢٠٢٤, الذي قد نشهد معه تحول النظام العالمي في القرن الواحد والعشرين:

 – من نظام أحادي الى متعدد القطبية.

– من هيمنة الدولار الى عملة اخرى (هناك منافسة بين الدول الكبرى وهذا ما قد يدفع هذه الدول لتبني العملة الرقمية لتجاوز المنافسة).

– من النيوليبرالية الى اشتراكية جديدة متوسطة تجمع دولا متقدمة في القارة الآسيوية والافريقية وامريكا اللاتينية.
تحالف مثير، ومن المهم جداً لنا كفلسطينيين هو الوجود وإيجابية وقوة العلاقات الدبلوماسية مع هذه الدول المتحالفة. تقدم فلسطين بطلب الانضمام هو تخطيط استراتيجي دبلوماسي على أساس قاعدة الربح في رسم خارطة السياسة الخارجية والعلاقات الدولية, ان تعزز فلسطين مكانتها بين (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب افريقيا، مصر والامارات والسعودية واثيوبيا والارجنتين وايران)، هو نقطة مهمة تصب في مصلحة القضية الفلسطينية. موقف “بريكس” من القضية عادل وإيجابي، حيث طالب الإعلان الختامي للقمة بدعم قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، وكذلك مبادرة السلام العربية الهادفة إلى تنفيذ حل الدولتين، وإنشاء دولة فلسطين، وعبروا عن رفضهم للاستيطان وعنف المستوطنين المتصاعد, وأكدوا دعمهم لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين، “الأونروا”، وتعهدوا بتقديم المزيد من المساعدات الدولية لتحسين الوضع الإنساني للشعب الفلسطيني.

يقلقني ان زعماء دول “بريكس” دعوا إلى دعم المفاوضات المباشرة التي تؤدي إلى إنشاء دولة فلسطينية ذات سيادة, فهي هنا تتعامل مع “المفاوضات” كغاية وليس كوسيلة، وهذا موضوع حساس علينا ان نتعلم من تجربة ٣٠ عاما من تبني “المفاوضات”، وان نذكر من منطلق علمي ان المفاوضات هي احدى الأدوات السلمية المتبعة في حل الصراعات, وهنا يتوجب التفكير بأدوات أخرى, من غير المنطقي ان نستمر بتكرار نفس العبارات وتبني نفس الاستراتيجيات متوقعين نتائج مختلفة. فيما اذا انضمت فلسطين، فهذا سيعزز مكانتها سياسيا واقتصاديا، حيث سيفتح أفق التعامل مع عملة جديدة في ظل الحرمان من عملة مستقلة والتبعية العميقة للشيكل الاسرائيلي من جهة وللدولار الامريكي من جهة اخرى.

من المثير ان أكثر من 22 دولة صغيرة وكبيرة قدمت طلبات للانضمام إلى المجموعة, مما يدعو للمقارنة او المنافسة لحد ما مع مجموعة السبع ومجموعة العشرين. والموضوع الأكثر حساسية لهذه المجموعة هو كيفية الحد من أهمية الدولار كعملة احتياطية عالمية. إن اقتصادات مجموعة الـ “بريكس” أكبر من اقتصادات مجموعة السبع مجتمعة. ولكن عملة جديدة جذابة تنافس الدولار لا يمكن تحقيقها بوقت قريب. ومع ذلك، فإن الاتفاقيات الثنائية لمزيد من التجارة التي تشمل العملات الوطنية بدلا من الدولار تنمو بسرعة. إن استغلال هيمنة الدولار لفرض عقوبات تقودها الولايات المتحدة سيعجل بزوال الدولار، ولهذا نتخيل ظهور عملة جديدة قد تكون الكترونية لتجنب خلاف السباق بين هذه الدول، فهناك منافسة صريحة بين الصين والهند عند الحديث عن عملة، أي البلدين هي الأجدر مثلا للتبني في “بريكس”، ولتجنب انهيار هذا التحالف المتجه نحو تعديل ميزان القوى الدولية ممكن ان تتوحد المجموعة بإصدار عملة رقمية جديدة.

يرى بعص المحللين ان وجود مجموعة بريكس مهدد فيما اذا تحولت لكتلة واحدة بقيادة الصين! هناك اتهامات عديدة لوسمها بـ”الكتلة غير الليبرالية” التي تنافس الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وضد الديمقراطيات في العالم. ولكن هناك العديد من القوى التي تعارض ولا ترغب الهند أو الأرجنتين أو البرازيل في احتضان الشعبوية الديكتاتورية في الصين. ويسعى كل من  المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وتركيا، ومصر إلى تحديد موقع بين الكتلتين الكبيرتين. بالنسبة لهذه البلدان، فإن فائدة الانتماء إلى المجموعة الصاعدة هي حماية نفسها من الضغوط غير المبررة للانضمام إلى معسكرات الولايات المتحدة أو الصين، من خلال إضفاء الطابع الرسمي على عدم الانحياز وهذا ما شهدناه عندما رفضت أغلب هذه البلدان بالفعل الانحياز إلى أحد الجانبين في حرب روسيا وأوكرانيا. 

– دلال عريقات: أستاذة الدبلوماسية والتخطيط الاستراتيجي, كلية الدراسات العليا, الجامعة العربية الأمريكية.