1

رفح بين الصفقة والحرب

تسارعت وتيرة التطورات الدبلوماسية يوم امس في عدة محاور ، جميعها تصب في نهاية المطاف بمحور العدوان البري المحتمل على رفح ومحاولات تجميده بضغوطات مصرية كبيرة ، ويمر ذلك فقط بصفقة تبادل عاجلة وسريعة قد توافق عليها حماس لإنقاذ القطاع من حرب كارثية مدمرة ، ستزيد الأمور تعقيدا وتفرض على مدنيي غزة حرب ابادة وتجويع اخرى ، بفصول قاسية وظروف صعبة لا يحتملوها على الإطلاق ..

تعتمد صفقة التبادل على موافقة حماس التي أشارت إلى تفاصيلها الأسبوع الماضي واهمها انه لم يعد بمقدورها توفير ٤٠ محتجزا ممن تنطبق عليهم معايير المرحلة الاولى من مجندات وقاصرين ومرضى ، لان عددا منهم لم يعد على قيد الحياة ، وانها جاهزة في المرحلة الاولى للافراج عن ٢٠ رهينة ، وبعد نقل معلومات استخباراتية دقيقة للكابينيت السياسي والامني وكابينيت الحرب من قبل فريق التفاوض الاسرائيلي ، صرح مصدر مسؤول امس ان اسرائيل قد توافق على نقاش الموضوع مع منح فريق التفاوض الذي سيجتمع مع وفد مصري اليوم الجمعة في تل ابيب صلاحيات اوسع للوصول إلى الصفقة ، مع الإفراج عن عدد من اصحاب المحكوميات العالية من السجناء الفلسطينيين وعودة النازحين دون شروط إلى شمال القطاع بعد انسحاب وحدة ( الناحال) امس من محور نتساريم وهذا مؤشر قد يعطي انطباعاً جيدا ..

كثيرة التطورات التي حصلت يوم امس واهمها ان الولايات المتحدة وسبع عشرة دولة وجهت دعوة مشتركة لحماس ، لاول مرة منذ بداية الحرب بضرورة الإفراج عن المحتجزين الإسرائيليين ، في الوقت الذي رحب فيه خليل الحية القيادي في حماس بالتصريحات الاميركية لاول مرة حيث اعتبرها ايجابية الأمر الذي يرمز إلى وجود تقدم في هذا الملف ، مع التاكيد على ان التصريحات التي قدمها الحية لوكالة أسوشيتدبرس حول استعداد حماس لهدنة مدتها خمس سنوات أو أكثر مع إسرائيل، ويمكن أن تلقي أسلحتها وتتحول إلى حزب سياسي في حال تم إنشاء دولة فلسطينية مستقلة على أساس حدود 1967، ورغبة حماس الانضمام إلى منظمة التحرير الفلسطينية، لتشكيل حكومة موحدة لغزة والضفة الغربية، واستعدادها للقبول “بدولة فلسطينية ذات سيادة كاملة في الضفة الغربية (بما فيها القدس) وقطاع غزة وعودة اللاجئين الفلسطينيين وفقًا للقرارات الدولية”، فان هذه التصريحات وان كان مداها بعيدا أشاعت اجواء من التفاؤل في الأروقة الدبلوماسية ..

من وراء الكواليس تبدو النقاشات جادة لتجميد عملية رفح والتوجه نحو صفقة تبادل ، ولكن على المقلب الاخر فان التصريحات الاسرائيلية بان الجيش اعد خطة الهجوم على رفح ، وانه ينتظر فقط قرار المستوى السياسي للتنفيذ ، تجعل من المسألة جدية مع امكانية الاخد بعين الاعتبار انها قد تكون تصريحات ذكية لممارسة مزيد من الضغوطات على حماس ..

ايا كانت هذه التصريحات والمغازي والألغاز التي تحملها ، إلا اننا نعتقد ان حربا على رفح قد تفتح جبهة جنوب لبنان ايضا،وهو ما اشارت له وسائل اعلام اسرائيلية يوم امس، وبالتالي تدخل المنطقة في دوامة صراع كبير حتى نهاية الصيف القادم ، وهو امر لا تريده مصر والولايات المتحدة ومن هنا فان الثقل الكبير سيكون اليوم بالتركيز على امكانية انجاح المسار الدبلوماسي وإنجاب صفقة تبادل تنقذ المنطقة من حرب كارثية ..فهل تنجح الدبلوماسية اخيرا بإخماد نيران الحرب ولو مؤقتا ؟




تجديد السلطة والتنازلات المجانية لما بعد السابع من أكتوبر

لم أكن أرغب في الكتابة حول هذا الموضوع لولا التصريحات التي صدرت مؤخراً عن رئيس الوزراء د. محمد اشتية بشان خطة الإصلاح التي تنوي الحكومة القيام بها. فقد تولى الأخ د. محمد اشتية رئاسة الوزراء في العاشر من آذار 2019 أي قرابة الخمس سنوات، والمفروض أن تكون حكومته قد فرغت من تنفيذ برنامجها وأنها الآن في نهاية عهدها لإفساح المجال أمام حكومة جديدة ببرنامج جديد، على أساس الافتراض ولو نظرياً بأن كل الحكومات في العالم لا تعمر في الحد الأقصى أكثر من الفترة البرلمانية المحددة بأربع أو خمس سنوات، وأن الحكومة الفلسطينية بالرغم من أنها تعمل في غياب برلمان إلا أن هذا المبدأ ينطبق عليها.

ومع ذلك فإن علينا ألا نستغرب اعلان رئيس الوزراء عن خطته الإصلاحية لأن هذا الإعلان يأتي في أجواء كثر فيها اللغط عن ضرورة “تجديد” السلطة الفلسطينية، بمعنى اصلاح السلطة الفلسطينية التي تعرضت وتتعرض لحملة اغتيال معنوي وبناء شخصية نمطية لها كسلطة فاسدة إداريا ً وماليا. ورغم المبالغة في الحديث عن فساد السلطة، إلا أن اية حكومة، في أية دولة في العالم، تعمل في غياب مراقبة ومساءلة برلمانية لا بد وأن ينزلق بعض أو معظم وزرائها وكبار المسؤولين فيها نحو اغراءات القوة والسلطة الممنوحة لهم فيقعون عن قصد أو غير قصد في “شبهة” الفساد الإداري والمالي. 

العودة الى فيلم عرفات – عباس 2003

ولا بد هنا من الإقرار بأن الحديث من قبل أمريكا وغير أمريكا عن ضرورة “تجديد”، أي اصلاح، السلطة لا يعني تصويب أو اصلاح أداء الحكومة وإنما القصد من هذا الحديث هو اجراء تغييرات في رأس هرم السلطة وأعني الرئيس ومؤسسة الرئاسة. وقد ورد ذلك بشكل واضح من خلال الحديث الأمريكي عن ضرورة تنازل الرئيس عباس عن بعض صلاحياته لرئيس وزراء قوي يتولى رئاسة الوزراء غير رئيس الوزراء الحالي.

والطريف أن الحديث عن تنازل رئيس السلطة عن بعض صلاحياته ليس بالأمر الجديد فقد سبق في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات أن مارست أمريكا ضغطا عليه واتهمته بالاستحواذ على السلطة ورأت فيه عقبة أمام “جهود السلام” وطالبته بأن يتنازل عن حلمه بإقامة نظام رئاسي فلسطيني يجمع الرئيس بيده كلا من منصبي الرئيس ورئاسة الحكومة، وأن يعين رئيسا للوزراء ويتنازل له عن جزء من صلاحياته.

 وقد اضطر الرئيس عرفات آنذاك للرضوخ ولو جزئياً للضغوط الأمريكية وطلب من المجلس التشريعي تعديل القانون الأساسي واستحداث منصب رئيس وزراء، فكان له ذلك، وكلف الأخ محمود عباس بتشكيل حكومة جديدة بتاريخ 19/3/2003 حازت على ثقة المجلس التشريعي قي 29/4/2003. ولكن الرئيس عرفات لم يتعامل بموضوعية مع رئيس الحكومة محمود عباس ورفض اعطاءه أية صلاحية تتعلق بالسيطرة على الأجهزة الأمنية وظل ينتقده ويهاجمه في جلساته الخاصة لدرجة أن كان يقول عنه بأنه قرضاي فلسطين أسوة بالرئيس قرضاي الذي جاءت به أمريكا في ذلك الحين لرئاسة أفغانستان عام 2001. وعمل على وضع العراقيل أمام حكومته لإفشاله الى أن اضطر رئيس الوزراء محمود عباس للاستقالة في 6/9/2003 أي بعد 171 يوما.

وها نحن اليوم أمام نفس المشهد ولكن مع تغيير وجوه من هم على المسرح ليجد الرئيس عباس نفسه في نفس المكان الذي كان فيه الرئيس الراحل عرفات في 2003! كل ذلك تحت طائلة مطالبة أمريكا بضخ دماء جديدة في السلطة وتذرعها بأن الرئيس قد كبر في العمر وأن النظام ترهل وأن هناك حاجة لتجديد السلطة وخاصة رأس الهرم!

سلطة 2003 والسلطة اليوم!

وانصافا ً للحقيقة ففي عام 2003 كانت هناك هيكلية دولة ممثلة بوجود مجلس تشريعي فعال وقضاء مستقل وسلطة تنفيذية، وأما في الوقت الحالي فليس هناك مجلس تشريعي منذ انقلاب حماس في 2007، ولا توجد سلطة قضائية مستقلة، ويقف على رأس السلطة التنفيذية شخص واحد هو الرئيس عباس يجمع بيده كل صلاحيات السلطتين التنفيذية والتشريعية ولا تقف السلطة القضائية خارج نطاق سلطته وإمكانية تدخل أذرعه التنفيذية في الشأن القضائي.

صحيح أن هناك حاجة ماسة لتجديد أي اصلاح السلطة، ولكن ليس استجابة لطلب أمريكي أو دولي مهما كانت هويته وإنما استجابة للمصلحة الوطنية الفلسطينية التي تقتضي أن تكون هناك سلطة فلسطينية تستمد شرعيتها من إرادة الشعب الفلسطيني بكل مقوماته وألوان طيفه السياسي. ونقطة الانطلاق نحو تكوين مثل هذه السلطة يجب أن تكون من خلال ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني وجمع شمله وشتاته. ولا شك بأن فاقد الشيء لا يعطيه، وبالتالي فإن التعامل الجدي مع فكرة الإصلاح لا يكون من خلال حكومة تعمل في فراغ دستوري ومنأى مطلقا ً عن أية رقابة أو مساءلة، وإنما من خلال حكومة تحظى بالثقة والشرعية البرلمانية.

نحن نعيش اليوم في مرحلة هي الأخطر في تاريخ الصراع الفلسطيني مع الاحتلال بأشكاله المختلفة، ولا بد من الإقرار بأن مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر 2023 قد أعادت فرض القضية الفلسطينية على أجندة المجتمع الإقليمي والدولي وما الأصوات التي بدأنا نسمعها اليوم من دول مثل بريطانيا وأمريكا عن إمكانية الاعتراف بالدولة الفلسطينية وعن التعامل بجدية أكثر مع فكرة حل الدولتين، ما هي إلا احدى نتائج ما بعد السابع من أكتوبر وثمرة للصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني البطل في قطاع غزة الذي ما زال يواجه أعتى عمليات القتل والدمار العشوائي الوحشي دون أن يرفع راية الاستسلام رغم افتقاره لأبسط مقومات الحياة من ماء ودواء وغذاء ومأوى. وعلينا ألا نفرط بما تم تحقيقه بل البناء عليه لتكون الحرب الحالية هي آخر الحروب وخاتمة المعاناة.

ولا شك بأن انضواء كل القوى والفصائل الفلسطينية تحت لواء منظمة التحرير الفلسطينية هو الخطوة الأولى نحو ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني وإعادة الشرعية لمؤسساته، ولكن ذلك لا يمكن أن يتم دون ضوابط وحسابات.

مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر

 والتنازلات المجانية

لقد وضع الرئيس عباس رئيس منظمة التحرير الفلسطينية شروطا ً أربعة لانضمام حماس الى منظمة التحرير وهذه الشروط رغم ما فيها من موضوعية إلا أن من الممكن أن تتحول الى تنازلات مجانية من قبل المقاومة الفلسطينية ككل الى إسرائيل دون تحقيق أي انجاز للقضية الوطنية للشعب الفلسطيني ما لم توضع في السياق الصحيح.

ولمزيد من التوضيح أقول بأن مسلسل التنازلات الفلسطيني بدأ منذ انعقاد المجلس الوطني في تشرين ثاني نوفمبر 1988 بالجزائر واعترافه بالشرعية الدولية ممثلة بالقرارات 242 و 338 وقرار التقسيم 181 ونبذ العنف والإرهاب. وكان كل ذلك مقدمة للدخول الى نادي الشرعية الدولية وتوطئة لكي تقبل أمريكا بإجراء اتصالات مباشرة مع م ت ف. ومنذ ذلك الحين ومسلسل التنازلات الفلسطيني مستمر وهو أشبه برقصة التعري دون أن يحقق أية نتيجة.

والمطلوب اليوم من حركة حماس الإقرار بأن برنامجها هو دولة فلسطينية في الضفة والقطاع وعاصمتها القدس الشرقية على حدود 1967، والاقرار بأن المقاومة في هذه المرحلة تقتصر على المقاومة الشعبية السلمية، والالتزام بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني والالتزام بكافة الاتفاقيات الموقعة من قبل م ت ف بما في ذلك الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل، والالتزام بالشرعية الدولية وبالقانون الدولي كأساس لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي. 

وهذه الشروط الأربعة هي شروط منطقية وضرورية للدخول الى ساجة المجتمع الدولي، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل اعتراف حماس بل وكافة فصائل المقاومة الفلسطينية بهذه الشروط هو عمل أحادي من جانب المقاومة دون أن يكون هناك التزام مماثل من جانب إسرائيل؟ أليس الاعتراف بهذه الشروط الأربعة من جانب المقاومة دون أي التزام من جانب إسرائيل بنفس البنود هو تفريط وتنازل مجاني يضع حماس وغير حماس في خانة من تنازلوا على المقاومة وساروا على درب أوسلو ولم يحققوا إلا التنازل إثر التنازل مما بات يهدد بضياع وانهاء حلم الدولة والتحرر؟

نحن مع الشرعية الدولية ومع القانون الدولي كأساس لحل الصراع ومع السلام ولكن هذه الالتزام يحتاج الى أن يكون التزاما ثنائيا ً متبادلا. وعلى حماس والقيادة الفلسطينية أن يعملا معا من أجل البحث عن صيغة يمكن أن تقدمها للمجتمع الدولي لكي يقتنع بأن حماس أيضا ً مستعدة للسير على درب م ت ف وتحت مظلتها اذا التزمت إسرائيل بنفس المبادئ قولا وفعلا لإنهاء الصراع وتحقيق السلام والأمن والاستقرار للشعب الفلسطيني لأن ذلك هو وحده ما يمكن أن يحقق السلام والأمن والاستقرار للإسرائيليين، وإلا فإن اقتصار تلك الالتزامات على الجانب الفلسطيني وحده ليس إلا تفريط ما بعده تفريط.




صفقة الأسرى انتصار للمقاومة … ماذا بعد‎؟

هاني المصري

لا أضيف جديدًا بالقول إن صفقة تبادل الأسرى التي عقدت بين دولة الاحتلال وحركة حماس بوساطة مصرية قطرية، كانت نصرًا للمقاومة تضاف إلى نصر السابع من أكتوبر، ولكن هذا لا يحجب حجم الخسائر الفادحة الفلسطينية، ولا أنها جولات في حرب لم تنته.

مثلت صفقة التبادل نصرًا للمقاومة لأسباب عديدة، أهمها أنها كانت يمكن أن تعقد قبل بدء الحرب البرية، وبشروط أحسن للاحتلال؛ لأن أبو عبيدة، الناطق باسم كتائب القسام، قال في حينه إن المدنيين والأجانب الذين بحوزة المقاومة ضيوف، وسيتم إطلاق سراحهم فور توفر ظروف تسمح بذلك، ولكن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وأركان حربه الذين تلقوا ضربة قوية على رؤوسهم هزتهم من الأعماق في السابع من أكتوبر رفضوا العرض، وتعهدوا بأنهم سيفرضون على المقاومة إطلاق سراح الأسرى من دون شروط ولا تبادل، جراء الضغط العسكري وارتكاب المجازر والإبادة والعقاب الجماعي.

فالحكم على الصفقة لصالح من يمكن أن يستنبط من المقارنة مع موقف كل طرف في البداية وما موقفه في النهاية، وأي تقييم موضوعي يرى أن الصفقة لبت إلى حد لا بأس به مطالب المقاومة. وربما نقطة الضعف الكبيرة تتمثل في عدم النص على إمكانية انتقال أهل الجنوب، خصوصًا من المهجرين إلى الشمال لتفقد بيوتهم والعودة إلى البيوت التي لا تزال صالحة للسكن، ولكن هذا على ما يبدو أقصى ما أمكن تحقيقه.

وقائع تطبيق الصفقة ذات دلالة

حاول الاحتلال خلال أيام التهدئة الأربعة فرض وقائع تمثلت في إصرار قوات الاحتلال على منع إظهار الفرح على عائلات الأسرى وعموم الشعب الفلسطيني، لدرجة منع الاحتفالات بالقوة في القدس المحتلة، وانتشارها في بقية مدن الضفة، وقمع أهالي الأسرى المحررين بالقرب من سجن عوفر أكثر من مرة، وعدم الالتزام في الدفعة الأولى بإطلاق سراح الأسرى وفق الأقدمية، غير أن موقف المقاومة كان صارمًا ورافضًا لتنفيذ الصفقة عند كل إخلال بشروطها، مثلما حصل في اليوم الأول من تأخير التنفيذ لساعات بسبب وجود طائرات مسيرة خلافًا للاتفاق، وما حدث في اليوم الثاني من وقف الصفقة لعدم التزام حكومة الاحتلال بإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين وفق الأقدمية، وعدم السماح بتدفق المساعدات بما في ذلك الوقود، خصوصًا إلى شمال غزة وفق ما تم الاتفاق عليه.

والأهم من كل ما سبق أن عملية التسليم من طرف المقاومة كانت تتم بشكل نظامي وفي الوقت المحدد، وكانت نقطة التسليم في المرة الثالثة في شمال قطاع غزة، وفي قلب مدينة غزة، وسط استعراض قوة نفذه مقاتلو القسام في منطقة وصلت إليها قوات الاحتلال ثلاث مرات أثناء الحرب وقبل وقف إطلاق النار، ردًا على ادعاءات الاحتلال بأن تسليم الأسرى في خان يونس يرجع إلى أن المقاومة في الشمال تلقت ضربات قاصمة، وهذا يدل على أن المقاومة لا تزال تملك الإرادة والقدرة على التحكم والسيطرة، على الرغم من إلقاء أربعين ألف طن من المتفجرات على قطاع غزة.

صفقة التبادل نقطة تحوّل

لا يمكن الانتقال إلى آفاق ما بعد الصفقة إلا بعد التوقف أمام ما تمثله من نقطة تحول، وما كانت لتكون كذلك لولا مجموعة من العوامل، وهي:

أولًا: صمود الشعب وتماسكه على الرغم من الكارثة الإنسانية التي ألمت به، وما خلفته من أكثر من 50 ألف شهيد وجريح ومفقود تحت الأنقاض، وما تعرض له قطاع غزة، وخصوصًا شماله إلى تدمير شامل، وصل في مناطق عديدة إلى مسح مناطق وأحياء بشكل كامل عن الوجود، بما في ذلك تدمير معظم مجالات الحياة من تدمير كلي وجزئي لمصادر المياه والطاقة والمستشفيات والمدارس والجامعات والمؤسسات العامة على مختلف أنواعها، والكثير من المؤسسات الخاصة والأهلية، فكان الاحتلال يتوقع ثورة ضد “حماس” والمقاومة، وما حصل يختلف عن ذلك إلى حد كبير.

ثانيًا: صمود المقاومة وتماسكها وقدرتها على إيقاع خسائر فادحة في صفوف القوات المحتلة لمناطق في شمال قطاع غزة، وإثبات ذلك بالصوت والصورة؛ ما يسمح بالقول إن خسائر قوات الاحتلال كما أكد خبراء عسكريون أكثر مما يعلنه الناطق باسم جيش الاحتلال، كما أن حجم المساحة التي وصلت إليها وبقيت فيها يدل على أن وضع قوات الاحتلال صعب، وسيكون أصعب مع استئناف الحرب البرية بعد انتهاء الهدنة.

ثالثًا: إن الانتفاضة الشعبية العربية والعالمية، خصوصًا الأخيرة، تركت بصماتها على واشنطن ومختلف عواصم القرار في الغرب والعالم كله، وليس سرًا أن إدارة الرئيس جو بايدن ما كانت لتمارس الضغط على حكومة بنيامين نتنياهو لعقد الهدنة لولا ما تشهده الولايات المتحدة من عاصفة تأييد للقضية الفلسطينية، ورفض لحرب الإبادة التي تشن ضد الشعب الفلسطيني.

وفي هذا الصدد، لا نستطيع عدم إدراج خشية الإدارة الأميركية، كما نقل عن مسؤولين في واشنطن، من تدهور كبير في مكانتها في المنطقة والعالم الشيء الذي دفعها للضغط على الحكومة الإسرائيلية لقبول التهدئة، وكذلك تأثير الحرب على عدم استقرار دول الإقليم جراء الغضب العارم لدى مختلف الشعوب العربية، وإمكانية تأثيره، سواء في مواقف الأنظمة العربية أو استقرارها.

رابعًا: اشتعال جبهات أخرى عدة في لبنان والعراق وسوريا واليمن، خصوصًا الجبهة الشمالية التي وصلت سخونتها في مرات عدة إلى حد الاقتراب من اندلاع حرب مفتوحة، وهذا عامل مهم جدًا؛ لأن ما تخشاه إدارة بايدن أكثر من أي شيء آخر هو امتداد الحرب إلى حرب إقليمية، لا سيما وهي تدرك أن نتنياهو وأركان حربه، خصوصًا يوآف غالانت، يريدونها في محاولة لخلط الأوراق، وعلى أمل إحراز انتصار يخفف من المساءلة القادمة لهم على خلفية الإخفاق الكبير والإستراتيجي في السابع من أكتوبر، والذي ستبقى آثاره تلاحق إسرائيل مهما كانت نتيجة الحرب الحالية.

خامسًا: تواصل وتصاعد الضغط الداخلي في إسرائيل، سواء من أهالي المحتجزين والأسرى وأنصارهم، أو من رجال الاقتصاد الذين يحذرون من استمرار الحرب لأشهر قادمة، وما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من انهيار اقتصادي.

آفاق التهدئة: تهدئة أخرى أم استئناف الحرب؟

مع صدور المقال، سيكون معروفًا هل سيتم تمديد الهدنة ليوم أو أيام عدة، وعلى الأرجح أنها ستمدد لأيام عدة على قاعدة يوم مقابل كل عشرة أسرى، وعلى أساس أسير إسرائيلي مقابل ثلاثة فلسطينيين، ويتوقف ذلك إلى حد كبير على مدى قدرة المقاومة على تجميع الأسرى لديها. لكن من الأرجح أن تستأنف الحرب بعد الهدنة، وهذا يمكن استنتاجه من أن أيًا من أهداف الحرب التي حددتها حكومة الحرب الإسرائيلية لم يتحقق، فلم يتم القضاء على حركة حماس، ولا منعها من مواصلة المقاومة واستمرار إطلاق الصواريخ، بما في ذلك إلى تل أبيب، حتى اللحظات الأخيرة، ولم يتم إطلاق سراح معظم المحتجزين والأسرى، وما تبرهن عليه الصفقة المبرمة أن طريق الإفراج عنهم، صفقة شاملة أو صفقات تبادل، ستختلف شروطها عندما تصل الأمور إلى الإفراج عن العسكريين؛ حيث قدمت المقاومة عرضها “الجميع مقابل الجميع”.

وكتحصيل حاصل لعدم تحقيق الهدفين السابقين، لم يتحقق الهدف الثالث، وهو إسقاط حكم “حماس”، وعدم تشكيل القطاع تهديدًا لدولة الاحتلال في المستقبل.

تأسيسًا على ما سبق، لا بد من بالأخذ في الحسبان تأكيدات نتنياهو وغالانت وبيني غانتس وهرتسي هاليفي، رئيس أركان جيش الاحتلال، بأنهم سيواصلون الحرب، وأنهم سيستهدفون الشمال والجنوب وكل القطاع حتى تحقيق أهدافهم كاملة؛ وهذا لأنهم يدركون أن الحرب إذا توقفت الآن، فهي هزيمة منكرة لدولة الاحتلال، وستهدد المكانة الإستراتيجية لإسرائيل ولمواطنيها، وفي الإستراتيجية الغربية بشكل عام، والأميركية بشكل خاص؛ ما سيضع علامة سؤال على وجود دولة الاحتلال ومستقبلها في المنطقة.

بايدن يدعم استمرار الحرب
يضاف إلى ما سبق أن إدارة بايدن لا تزال تدعم استمرار الحرب، كما يدل على ذلك من تصريحات الرئيس الأميركي نفسه وترديده لأقوال نتنياهو حول القضاء على “حماس”، ورفضه لوقف دائم لإطلاق النار، وكل ما يهمه حتى الآن تقليل الخسائر في صفوف المدنيين حتى لا يزيد الضغط الأميركي الداخلي والخارجي عليه. لذلك تحاول إدارة البيت الأبيض إقناع أركان الحرب في إسرائيل بإقامة مناطق آمنة في الجنوب، وتركيز عملياتها على أهداف عسكرية، وليس الضرب بصورة عشوائية تطال كل شيء.

إجماع إسرائيلي على الحرب

لا يزال الرأي العام الإسرائيلي في معظمه يؤيد استمرار الحرب، وكانت الخلافات ليست حول الحرب، بل حول كيفية خوضها والأولويات، بين فريق مؤيد للحكومة التي أعطت الأولوية لهدف القضاء على “حماس”، وفريق آخر أعطى الأولوية لإطلاق سراح المحتجزين والأسرى، وفريق يريد طرح أفق سياسي لضمان تأييد المعتدلين الفلسطينيين والعرب وأوروبا وغيرهم.

آفاق الحرب

إن استمرار مفعول العوامل التي أدت إلى صفقة التبادل والهدنة المؤقتة سيؤدي إلي هدن جديدة، وتصاعدها سيؤدي إلى وقف الحرب؛ أي إن استمرار صمود الشعب، وتواصل المقاومة، وتواصل الانتفاضة الشعبية العربية والعالمية، وتسخين الجبهة الشمالية والجبهات الأخرى، والضغط الداخلي الإسرائيلي؛ سيؤدي إلى وقف الحرب قبل أن تحقق حكومة الطوارئ أهدافها؛ لأن الخسائر الناجمة عن استمرارها لإسرائيل وحلفائها، خصوصًا الحليف الأميركي الشريك في الحرب وأصبح إلى حد كبير صاحب القرار، أكبر من الأرباح التي تعود عليهم من استمرارها. ولعل مواقف بلدان مثل بلجيكا وإسبانيا وإيرلندا والنرويج ودول عدة في أميركا اللاتينية التي سحبت السفراء أو قطعت العلاقات وكذلك جنوب أفريقيا وغيرهم، وتغير مواقف كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا وكندا وغيرها؛ مؤشرات إلى أين يمكن أن تذهب الأمور.

حرب بوتائر مختلفة

هنا، من الضروري الاستعداد لسيناريو استمرار الحرب بوتائر مختلفة أخف مما جرى، إذا ما فشلت الجولة القادمة في تحقيق ما فشلت الجولات الأولى في تحقيقه، وتشبه ما يجري إزاء مخيم جنين، وهذا يمكن أن يستمر لفترة طويلة؛ حيث تبقى قوات الاحتلال في مواقع، وتقوم باقتحامات وغارات واغتيالات واعتقالات من دون احتلال كامل ولا بقاء دائم في الكثير من المواقع، بل التحصن في مواقع وجعلها نقاط ارتكاز للهجوم.

يعزز هذا السيناريو أن أركان الحرب، وعلى رأسهم نتنياهو، يريدون حربًا طويلة حتى يحققوا نصرًا وتأخير ساعة محاسبتهم، وأن الحرب لا يمكن أن تقف نهائيًا من دون إطلاق سراح الأسرى الذين لن يطلق سراحهم إلا مقابل وقف دائم لإطلاق النار ومعادلة الجميع مقابل الجميع، وهي صفقة لن تتم بسرعة، بل ستستغرق وقتًا؛ لأنها إن تمت ستكون علامة أكيدة على هزيمة حكومة نتنياهو.

سيناريوهات ما بعد الحرب

يضاف إلى كل ما سبق عدم ضمان ما الذي سيحدث في اليوم التالي للحرب، وسط رفض إدارة بايدن لإعادة احتلال قطاع غزة، أو تهجيره، أو تقليصه من حيث المساحة والسكان، ومطالبتها بعودة السلطة المتجددة، وهذه نقاط تضع قيودًا على حكومة الاحتلال وتحد من استمرار الحرب بوتائر عالية، ولكنها تسمح باستمرارها بوتائر منخفضة، خصوصًا إذا لم تحقق نجاحات في الميدان. فالميدان يبقى هو العامل الأهم والحاسم، وهناك فرق بين انتصار واضح للمقاومة وبين انتصار واضح للاحتلال، وما بين الوصول إلى صيغة لا غالب ولا مغلوب وبما يسمح بادعاء كل طرف الانتصار، وفي كل الأحوال ما بعد السابع من أكتوبر يختلف عما قبله، ولن تبقى إسرائيل كما كانت، ولا السلطة الفلسطينية كما كانت، وكذلك “حماس” والمقاومة.




إسرائيل خمسة وسبعون عاماً من الفشل

نبيل عمرو

على مدى حروبنا مع إسرائيل، والتي لم تهدأ منذ بداية النكبة إلى أيامنا هذه، كنا نصف حالنا كمظلومين وضحايا. وكنا نبذل جهداً كبيراً في نشر صور مأساتنا، وقوائم بأسماء شهدائنا، وأغنيات من نمط أخي جاوز الظالمون المدى، ودواوين شعر سميت بدواوين النكبة، ومعظمها رثاء ليس فقط لأشخاص يستحقون الرثاء والتخليد، بل رثاء لحالة.. تستدر العطف والاشفاق.

تعمق شعور “الظلم والضحية”، جرّاء السادس من حزيران 1967، الذي ولّد في داخلنا دماراً اجتاح أرواحنا، حين استفقنا على نصر مزيف ألّفته لنا الإذاعات، نتيجته احتلالٌ لكل فلسطين، ولأجزاء مهمة من أراضي سوريا، ومصر، مع احتلال معنوي أوسع وأخطر غلّف الروح العربية من المحيط إلى الخليج، بشعور الهزيمة والإحباط.

ويقول التاريخ.. إن العرب والفلسطينيين تجاوزا هذه الهزيمة، وانتزعت الثورة الفلسطينية زمام المبادرة بعد أن كانت انطلقت قبل الهزيمة بسنتين.

تغير الخطاب من النكبة والظلم والشكوى.. لينشأ خطاب المقاومة، الذي اكتسب صدقية من خلال اقترانه بالفعل.

كبرت الثورة الفلسطينية وتعمقت مفاهيمها عند الفلسطينيين والعرب والمتعاطفين على مستوى الكون كله.

تغيرت المعادلات القديمة وظهرت معادلات جديدة وتكرست. وأهم ما في الأمر كله أن فلسطين “المظلومة والضحية”، أضحت رقماً في كل المعادلات الجديدة، وهذا وحده كان كافياً لأن يبدد وينهي فكرة التصفية التي كرست إسرائيل وحلفائها كل امكاناتهم لإنجازها عبر الاذابة أو التوطين أو النسيان. وحين تصبح التصفية مستحيلة، فهذه أول وأهم خسارة تلحق بإسرائيل ومن معها.

حرب حزيران التي انتظر فيها موشيه ديان إلى جوار الهاتف اتصالاً حلم به من جمال عبد الناصر، يقول فيه “إنني جاهز للاعتراف بإسرائيل من موقع المهزوم”، جاء ردٌ مزدوج، الأول من عبد الناصر حين رفع شعار ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، مع شعار وُضع موضع التنفيذ هو إزالة آثار العدوان، والثاني من الفلسطينيين الذين نفضوا غبار النكبة الأولى والثانية عن روحهم وارادتهم، وواصلوا صراعاً صعباً ومركبا زاوجوا فيه بين البندقية والسياسية، وفازوا بالدخول الدائم والمؤثر إلى المعادلات على نحو يستحيل اخراجهم منها.

حين كانت أمريكا في أوج قوتها ونفوذها، ذهبت إلى مسيرة سلمية، رُشحت مصر للعب دور البطولة فيها، ووفق معادلة السادات بأن تسعاً وتسعين بالمائة من أوراق الحل بيد أمريكا، حدث أهم وأعمق تحول في مجرى الصراع العربي الإسرائيلي، وهو إخراج الجيوش العربية التقليدية في دول الطوق، وما هو قريب منها من معادلة الحرب، لتواصل المسيرة الأصعب، وعنوانها كيف يحذو الإقليم كله حذو مصر، لترتسم في المخيلة صورة سلام شامل ودائم ثمنه أن تكون إسرائيل جزء لا يتجزأ من المنطقة، وأن ينعم الفلسطينيون بحكم ذاتي يتطور إلى دولة.

ومثلما أساءت إسرائيل “ديان” فهم انتصارها العسكري في حزيران.. أساءت التعامل مع ما رأته كنزاً وقع بين يديها وهو السلام مع الدولة العربية الأكبر، إذ تضخم في وعيها وهم القدرة على إلغاء الفلسطينيين وحقوقهم بعد أن هُيئ لها أن حرب أكتوبر 73 التي أنتجت اتفاقية السلام مع مصر ستكون آخر الحروب. وأول الخطوات الاستراتيجية ليس فقط نحو أن تكون جزءا من المنطقة بل ومتحكمة بها وبمصائر شعوبها.

إساءة قراءة فهم التطورات منذ حرب 67 مروراً بـ 73، فرض عليها حروباً من نوع جديد ومختلف.. ثورة فلسطينية مقاتلة في الضفة والقطاع والعمق، ومعارك لا تتوقف خارج النطاق الجغرافي للضفة وغزة المحتلتين، ذلك أظهر أن ما حصلت عليه من مصر لم يفض إلى ما فكرت فيه من سيطرة على المنطقة بأسرها، والمفارقة هي أن العقبة الأهم جسدتها مصر الدولة والشعب، التي عزلت الاتفاق السياسي عن التطبيع الشعبي وهذا ما فعله الأردن كذلك.

أجبر العالم الفلسطينيين على الإذعان لإجماعه الذي تجسد في زمن الحرب الباردة وما بعدها، والذي قوامه الحفاظ على دولة إسرائيل ضمن حدود آمنة ومعترف بها، ويتعين على الفلسطينيين أن يعترفوا بذلك، لقاء فتح الباب أمام حقهم في إقامة دولتهم، ذلك دون ضمانات كافية وفعالة يحصلون جرّاء اعترافهم الثمين.

تحايلت إسرائيل كثيراً.. وأنتج تحايلها حروباً لم تنجُ من دفع أثمانها. إن حروب الحالة الفلسطينية في داخلها ومن حولها وحروب الجوار اللبناني التي لم تتوقف بعد خروج القوة العسكرية الفلسطينية من الجنوب اللبناني، التي نقلت البندقية من كتف إلى كتف، ولتتطور الأمور على نحو أكثر خطورة من كل ما مضى.

كانت أمريكا وإسرائيل قد احتفلتا وهما تشيعان البواخر التي حملت المقاتلين الفلسطينيين الاشداء إلى منافٍ جديدة وبعيدة، وواصلت تضليل نفسها بأن كل شيء انتهى دون أن يخطر ببالها أن الأخطر والأصعب بدأ.

طوى الزمن أيامه وأحداثه بالشهور والسنين إلى أن وصلنا إلى أكتوبر 2023، الذي سمي فلسطينيا بطوفان الأقصى، وسمي الرد عليه بالسيوف الحديدية، وهنا يجدر تذكر الفرحة الأولى في الـ 48 والثانية في الـ 67، وسلسلة الأفراح جراء المعارك الصغيرة التي كانت تقع، وكانت إسرائيل تظن وبعد كل معركة أنها اقتلعت الشوكة واستراحت. فإذا بها وهي صانعة معركة حقل الأشواك، تقع في حقل ألغام لا قبل لها بتفكيك المتفجرات المزروعة فيه.

لو أحصت إسرائيل خسائرها منذ أول حرب حتى آخر حرب لوجدت التالي..

مئات مليارات الدولارات، وانهيارات اقتصادية.

آلاف مؤلفة من القتلى والجرحى.
والأهم من ذلك كله وهذا ما جسدته الحرب الراهنة التي تصر إسرائيل على أن لا تكون الأخيرة، خسارتها الفادحة في أمر اندماجها في المنطقة كعضو مسيطر، بعد أن اقنعتها حاملات الطائرات الأميركية، أنها بحاجة لمن يحميها من نفسها أولاً ومن الذين تواصل احتلالها لهم دائماً.

بميزان الربح والخسارة تبدو النتيجة أكثر من واضحة، يراها العالم كله إلا قادة إسرائيل، صناع قرارات الحروب فيها.

ما نتج عن كل الحروب والحرب الراهنة بالذات، هو حقيقة واحدة تقول …

دون أن يحصل الفلسطيني على حقوقه، فلا نفع لإسرائيل من كل ما بين يديها من وسائل قوة وتحالفات..

لقد جرّت الحروب السابقة، والحرب الراهنة العالم كله إلى رؤية الحقيقة التي تم تجاهلها أكثر من قرن، وهي أن فلسطين وأهلها وقومها، هم كلمة السر في السلم والحرب، وأن تجاهل إسرائيل لكلمة السر هذه، ستنقلها من فشل إلى فشل أكبر وأفدح.




طوفان الأقصى: ما بعده ليس كما قبله

هاني المصري

مبادرة حركة حماس والمقاومة بشن هجوم “طوفان الأقصى” أذهلت وأربكت الحكومة والجيش والأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وكان يوم 7 أكتوبر، كما يقول ناحوم برنياع، الصحافي الإسرائيلي الشهير، “أسوأ يوم في تاريخ الحروب العسكرية التي خاضتها إسرائيل”، وهدفت “حماس” منها، كما كتب بن كسبيت، إلى الحصول على صورة نصر وعادت بألبوم كامل.

وحتى ندرك أبعاد ما حدث وأسباب الهزيمة المخزية، علينا معرفة التأثير الكبير للأزمة الداخلية العميقة التي تعيشها إسرائيل في ظل الحكومة الإسرائيلية الأكثر تطرفًا، ومساعيها إلى تغيير إسرائيل لتصبح دولة ديكتاتورية حتى بالنسبة إلى اليهود، وعلينا معرفة ما كتبه قادة وخبراء وصحافيون إسرائيليون بأنه فشل سياسي واستخباري وعسكري هائل، يدل على هشاشة لم يكن يتصور وجودها في واحد من أقوى وأفضل الجيوش في العالم، ويدل على غطرسة القوة، ويعكس استهتارًا كاملًا وصل إلى درجة العمى الكامل، إلى حد عدم التوقف عند المناورات العسكرية التي أجرتها كتائب القسام وحاكت ما حصل لاحقًا قبل فترة وجيزة من طوفان الأقصى.

كما يدل على كفاءة المقاتل الفلسطيني وشجاعته وتقدمه، وعلى قدرة قيادية بيّنت قدرات على التخطيط والقيادة، والسيطرة والتحكم،  والتموية والتشويش، وكذلك على الخداع الإستراتيجي والاستخباري.

وحينما نقارن طوفان الأقصى بما حدث من معارك وجولات عسكرية وعمليات مقاومة منذ العام 2005 وحتى الآن، يظهر أن إسرائيل خسرت خلال 18 عامًا نحو 400 قتيل، بينما سقط في يوم 7 أكتوبر فقط باعتراف المصادر الإسرائيلية حتى كتابة هذه السطور أكثر من 700 قتيل، وسط تقديرات بأن العدد سيصل إلى 1500 قتيل، والحبل على الجرار؛ حيث يتم الاعتراف بالقتلى بالتقسيط لتجنب إحداث صدمة مروعة للإسرائيليين الذين يعيشون في ذهول وإحباط ومأتم جماعي، مع أكثر من 2000 جريح، المئات منهم حالتهم خطرة، ووقع في الأسر ما بين 100-150 أسيرًا وأسيرة من ضمنهم مجندات وجنود وضباط وقادة، ولا يزال المئات مفقودين.

ومن أجل المقارنة، يُشار إلى سقوط 650 قتيلًا إسرائيليًا في حرب حزيران 1967 التي خاضتها ثلاثة بلدان عربية، والعدد نفسه في الغزو الإسرائيلي للبنان في العام 1982، وأكثر من 1000 قتيل في عمليات تحرير الجنوب اللبناني خلال 18 عامًا. أما في انتفاضة الأقصى، فسقط خلال أربعة أعوام نحو 1100 قتيل إسرائيلي.

سقوطٌ مدوٍ لنظرية الردع الإسرائيلية

حجم الخسائر الهائل في يوم واحد ليس له مثيل، وأدى إلى سقوط نظرية الردع الإسرائيلية سقوطًا مدويًا، فهي قامت أولًا، على الاحتفاظ بزمام المبادرة بالحرب والعدوان، بينما من بادر هذه المرة كتائب المقاومة. وثانيًا، حصر المعركة في الجبهة الداخلية للعدو، بينما كان ميدان المعركة الرئيسي خلال انطلاق طوفان الأقصى في الجبهة الداخلية الإسرائيلية. وثالثًا، التحكم في نهاية الحرب، وهذا لم نصل إليه، فالحرب ما زالت في بداياتها. ورابعًا، حسم الحرب بأسرع وقت ممكن؛ لأن الحرب الطويلة تلحق أضرارًا جسيمة بإسرائيل واقتصادها وهيبتها. وخامسًا، تحقيق الأهداف المتوخاة من الحرب، وهذا لم ولن يتحقق بغض النظر عن مجريات الحرب ونتائجها؛ لأن ما حدث في يومها الأول، والخسائر الهائلة والإهانة التي لا توصف، سيبقى علامة شاخصة على هزيمة “الجيش الذي لا يقهر” مهما تكن نتائجها، وتجسيدًا ملهمًا لانتصار المقاومة.

لماذا طوفان الأقصى، وفي هذا التوقيت بالذات؟

السبب الأول: تولي حكومة في إسرائيل هي الأكثر تطرفًا في تاريخ إسرائيل، التي ادّعت أنها قادرة على الحسم وتحقيق ما لم تحققه الحكومات السابقة بحسم الصراع مع الفلسطينيين نهائيًا، ورفضت حتى مجرد التفاوض مع الفلسطينيين، وأبقت العلاقة مع السلطة على الرغم من تعاونها مع الاحتلال، ضمن سقف أمني اقتصادي، وتبنت برنامج الضم والتهجير والتهويد والعدوان العسكري بكل أشكاله والعنصرية بكل أشكالها، ومضت في غيها بالقتل وتدمير المنازل والاعتقالات والاغتيالات، وتغيير مكانة الأقصى عبر فرض التقسيم الزماني، والاقتراب من تحقيق التقسيم المكاني تمهيدًا لهدمه وإقامة الهيكل المزعوم بدلًا منه.

السبب الثاني: استمرار إحكام الحصار على قطاع غزة وإبقاؤه بين الموت والحياة وأكبر وأطول سجن في التاريخ، وفرض معادلة هدوء مقابل تسهيلات اقتصادية، وخرق التفاهمات الرامية إلى تخفيف الحصار باستمرار، وعدم الاعتراف بحركة حماس والتلاعب بها من خلال تخفيف الحصار بالقطّارة، وسحبها متى تشاء حكومة الاحتلال؛ ما أدى إلى تدهور وضع قطاع غزة إلى حد أنه كان على حافة الانهيار، أو التمرد ضد سلطة الأمر الواقع، أو الانفجار في وجه الكيان الاستعماري الاحتلالي العنصري، والانفجار ما حصل في النهاية.

السبب الثالث: زيادة عدد المعتقلين والأسرى بمعدلات كبيرة، وسن القوانين العنصرية وتشديد القمع والعقوبات ضدهم على يد الوزير الفاشي إيتمار بن غفير، حتى وصل عدد المعتقلين إداريًا إلى أكثر من 1200 معتقل، ويمضي الكثير منهم فترات طويلة وطويلة جدًا، في ظل مراوغة الحكومات الإسرائيلية طوال تسع سنوات (منذ العام 2014) من دون إتمام صفقة تبادل أسرى جديدة.

وحتى نعرف أهمية هذا السبب، لا بد من تذكر أن عددًا كبيرًا من القيادات الحمساوية الحالية المؤثّرة في القرار هم من الذين أفرِج عنهم في صفقة تبادل الأسرى الأخيرة، وهم تعهدوا والتزموا بتحرير الأسرى، وهذا وضعهم في وضع محرج للغاية. وكلنا استمعنا لكلمة الهيئة القيادية للأسرى التي ألقيت في ذكرى انطلاقة حركة حماس في كانون الأول 2022، التي تضمنت انتقادات كبيرة وحادة ومباشرة لقيادة “حماس” لعدم وفائها بتعهدها بإطلاق سراح الأسرى.

السبب الرابع: الأخبار حول تقدم المباحثات السعودية الإسرائيلية، برعاية أميركية، للتوصل إلى صفقة تطبيع تتجاهل القضية الفلسطينية، من خلال التعامل معها بوصفها قضية إنسانية، ولإدراك أبعاد ودلالات هذه الخطوة وما ستقود إليه من تشجيع الحكومة  الكهانية من شن هجوم أكبر وشامل من أجل إنجاح مخطط تصفية القضية الفلسطينية من كل أبعادها، وبالتأكيد سيكون من أهم أهداف هذا المخطط بعد التطبيع السعودي استهداف المقاومة في قطاع غزة وفي أي مكان؛ حيث أثبتت التجربة الماضية أن كل تطبيع عربي يؤدي إلى عدوان عسكري إسرائيلي ضد الفلسطينيين، لذا فإن ما قالته المقاومة عن معلومات لديها بوجود مخطط إسرائيلي لشن عدوان عسكري كبير على قطاع غزة فور انتهاء الاحتفالات بالأعياد لا يمكن استبعاده من ضمن الأسباب.

وحتى نفهم تأثير هذا السبب، علينا أن نضعه في سياق التنافس والصراع على قيادة العالم الجديد، الذي تزداد حدته في ظل الهجوم المعاكس الذي شنته إدارة بايدن لوقف تراجعها ولإبقاء السيطرة الأحادية الأميركية على العالم، ولعل الإعلان عن الممر الاقتصادي الهندي أمر ذو دلالة على خطورة التطبيع الجاري العمل من أجل تحقيقه، فهو يضر مشروع الحزام والطريق الصيني، ويسهّل الطريق لتصفية القضية الفلسطينية، والإضرار بروسيا وإيران وسوريا ولبنان ومصر.

السيناريوهات الممكنة

لا شك في أن طوفان الأقصى سيغيّر قواعد الصراع التي حكمت العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية طوال السنوات العشرين القادمة كليًا أو إلى حد كبير على الأقل، وسيكون له تداعيات إقليمية ودولية كبيرة، فقد استثمرت الحكومات الإسرائيلية في الانقسام الفلسطيني الذي ما زال بمنزلة الدجاجة التي تبيض ذهبًا للاحتلال، وهذا تضمن الاعتراف الواقعي باستمرار حكم “حماس” في القطاع، ضمن معادلة هدوء مقابل تسهيلات، مع الحرص على شن عدوان عسكري وراء عدوان لضرب المقاومة وبنيتها التحتية، وعدم تمكينها من تشكيل تهديد جدي للاحتلال.

إن ما جرى في طوفان الأقصى يدل دلالة قاطعة على فشل هذه السياسة، فالمقاومة راكمت قوتها، واستطاعت أن تقدم نموذجًا ملهمًا من حيث التخطيط والتدريب والتمويه وتضليل أجهزة المراقبة والرصد وتعطيلها، وهذا سيدفع الحكومة الإسرائيلية إلى انتقام رهيب بحجم الصدمة والترويع التي عاشتها إسرائيل، وأكرر النصيحة التي قدمها الدكتور وليد عبد الحي بألا تفصح المقاومة عن أعداد الأسرى، بل عن جزء منهم، وهو كفيل بتبييض السجون، وذلك لتحقيق الأهداف الأخرى، وتحسبًا لإعادة اعتقال المفرج عنهم بعد إطلاق سراحهم، كما فعلت الحكومات الإسرائيلية أكثر من مرة.

السيناريو الأول: رد إسرائيلي مدمر يقضي على المقاومة

يقوم هذا السيناريو على تنفيذ حكومة بنيامين نتنياهو تهديداتها بالقضاء على المقاومة وحكم “حماس”، والاستجابة للنصائح والدعوات والمطالبات المقدمة من جمهورها المتطرف جدًا، ومن منظري اليمين مثل دان شفتان، الذي نصح بتدمير غزة، وعدم تقييد يد الجيش الإسرائيلي جراء وجود عدد كبير من الأسرى في يد كتائب القسام وسرايا القدس، وإلا سيتكرر ما حدث فلسطينيًا وعربيًا. ويمكن أن يصل هذا السيناريو إلى حد إعادة احتلال قطاع غزة.

هذا السيناريو ممكن، ولكن هناك أسباب عدة تحدّ من إمكانية حصوله، وهي:

أولًا: إن تحقيق الأهداف الموضوعة يستدعي معركة برية طويلة، وإعادة احتلال القطاع، حتى لو حدث ذلك لن يقضي على المقاومة، والدليل أن قوات الاحتلال لم تنجح في القضاء على المقاومة في مخيم جنين على الرغم من الاعتداءات المتكررة، فكيف ستقضي عليها في قطاع غزة الذي يشهد شبكة هائلة من الأنفاق وعشرات الآلاف من الصواريخ، ومثلها من المقاتلين المدربين والمستعدين، إضافة إلى أن الهجوم البري سيلحق خسائر كبيرة بالقوات الإسرائيلية وفي إسرائيل، بشرية ومعنوية، وفي اقتصادها تحديدًا، الذي لا يحتمل حربًا طويلة، ففي اليوم الواحد تخسر إسرائيل مليارات الدولارات، ولعل انخفاض سعر الشيكل، وخسائر البورصة، ووقف الرحلات من وإلى مطار اللد، مجرد عينات ودلائل على ذلك.

ثانيًا: إن وصول الحرب إلى حد يلامس تدمير القطاع وإسقاط حكم “حماس” يفتح أبواب دخول حزب الله إلى الحرب، فلا يعقل أن تقوم المقاومة الفلسطينية بطوفان الأقصى من دون أن تكون متفقة مع حزب الله على الأقل على فتح الجبهة الشمالية، والرسالة التحذيرية المبكرة المتمثلة في إطلاق قذائف من حزب الله في اليوم الثاني على أهداف إسرائيلية في مزارع شبعا تدل على احتمال جدي باشتراك حزب الله إذا مضت إسرائيل بعيدًا في حربها على قطاع غزة.

ثالثًا: إن الإدارة الأميركية ومعها دول الغرب وحلف الناتو لا تريد اشتعال حرب إقليمية في الوقت الذي لا تزال الحرب الأوكرانية مشتعلة، فأي حرب جديدة ستصب في صالح روسيا وزعيمها فلاديمير بوتين، ولعل تحذيرات بايدن والحشود العسكرية وإرسال السفن الحربية وحاملة الطائرات محاولة لمنع اندلاع حرب إقليمية أكثر ما هو استدعاء لها.

رابعًا: إن تدمير قطاع غزة والسعي إلى القضاء على المقاومة وإسقاط حكم حماس سيؤدي إلى حرب طويلة، وإلى تصاعد المقاومة في الضفة، وتزايد احتمالات انهيار السلطة، وانحياز حركة فتح إلى جانب المقاومة، بما يفتح خيار الوحدة الفلسطينية وطي صفحة الانقسام السوداء على أساس وطني وتشاركي. وهذا إن حدث يُفشل كل المخطط الموضوع لبناء الشرق الأوسط الكبير.

خامسًا: إنّ احتلال قطاع غزة إن حدث لا يقضي على المقاومة بعد أن حصلت على شعبية كبيرة في طوفان الأقصى، في ظل عدم وجود طرف فلسطيني قوي وله شرعية يقبل بأن يحل محل سلطة “حماس”.

السيناريو الثاني: رد إسرائيلي لا يغير قواعد الصراع

يقوم هذا السيناريو على قيام الحكومة الإسرائيلية برد وانتقام قوي من دون الوصول إلى تغيير قواعد الصراع كلية ومرة واحدة، والسعي إلى تحقيق الأهداف الإسرائيلية على مراحل ودفعات. ويمكن أن نشهد في هذا السيناريو أكثر من غيره عمليات خاصة داخل قطاع غزة، وعمليات اغتيال داخل قطاع غزة وخارجه للحصول على صورة نصر.

ويعزز هذا السيناريو وقوع أعداد كبيرة من الأسرى في يد المقاومة، والمضي في حرب التدمير يؤدي إلى قتل الكثير منهم، وحاجة إسرائيل إلى دراسة أسباب القصور ومعالجتها، التي أظهرتها بأنها أوهن من خيوط العنكبوت.

السيناريو الثالث: الوقوف ما بين السيناريوهين الأول والثاني

يقوم هذا السيناريو على قيام قوات الاحتلال بردٍ قوي، والوقوف على حافة تغيير قواعد الصراع كليًا من دون الإقدام الفعلي على ذلك، وهذه لعبة خطرة، ولكن لا يمكن استبعادها كليًا.

هدف إنهاء الاحتلال قابل للتحقيق

من المبكر الحسم وترجيح سيناريو معين، فالحرب في بدايتها ولم يتم فك طلاسمها وأسرارها، فالمقاومة أعلنت أنها نفذت طوفان الأقصى؛ لأن لديها معلومات أن جيش الاحتلال كان يستعد لتنفيذ عدوان ضدها بعيد انتهاء الأعياد اليهودية، والمقاومة لم تحدد أهدافها من الحرب، وهل هي مجرد خطوة دفاعية استباقية، أم تستهدف تحرير الأسرى ورفع الحصار ومنع تهديد الأقصى والمقدسات، أم يقف وراءها هدف كبير مثل إنهاء الاحتلال عن الأراضي المحتلة العام 1967، وبالتالي سيستمر طوفان الأقصى على أمل أن تثور الضفة والداخل الفلسطيني، وتنطلق حركات التضامن العربية والدولية مع القضية الفلسطينية.

وأنا أطالب بوضع هذا الهدف (إنهاء الاحتلال) الذي يمكن أن يتحقق خلال سنوات عدة، مرة واحدة، أو على دفعات، هذا إن لم يكن موضوعًا أصلًا؛ لأن طوفان الأقصى أثبت بشكل قوي إمكانية تحقيقه، وبلا هدف كبير مثل إنهاء الاحتلال يصبح طوفان الأقصى – على أهميته التاريخية – مجرد صفحة مجد جديدة في السفر الفلسطيني، وهذا مهم جدًا، ولكنه لا يكفي.

هل يفتح ما يجري أفقًا سياسيًا؟

السؤال الذي يطرح نفسه من قبل بعض كبار المهتمين بما يجري: هل يمكن أن تتكرر تجربة حرب أكتوبر التي قادت إلى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية؟

الرد الأولي أن الظروف مختلفة، وأهداف اللاعبين مختلفة، فالسادات خاض الحرب وفي ذهنه التوصل إلى تسوية، لذلك أطُلق عليها حرب تحريك وليست حرب تحرير.

فلا يمكن أن تتحقق التسوية، حتى وإن كانت مختلة، بسبب عدم وجود شريك إسرائيلي لأي تسوية، حتى إذا تشكلت حكومة وحدة في إسرائيل، ولكن يمكن أن تتحقق التصفية إذا هُزِمت المقاومة وتحققت الأهداف الإسرائيلية؛ حيث عندها يكون هناك حل استسلامي، وهذا بات أصعب الآن إن لم يصبح مستحيلًا، وحينها سيستأنف قطار التطبيع سيره، وكذلك مخطط إقامة الشرق الأوسط الجديد، وستكون السلطة ممثلة للطرف الفلسطيني.

لكن، هذه أضغاث أحلام، فما حدث في طوفان الأقصى ودلالاته يثبت مجددًا الشعبية الطاغية لخيار المقاومة، واستحالة القفز على الشعب الفلسطيني وحقوقه، فهو الرقم الصعب شاء من شاء وأبى من أبى.