1

بين التعليم المهني أو الأكاديمي!!

في الدول المتقدمة وصاحبة الاختراعات والتطور، وفي دول تقع ضمن المراتب العشر الأولى في أقوى الاقتصاديات في العالم، مثل ألمانيا واليابان على سبيل المثال، يتجه غالبية الطلاب الذين ينهون المدرسة، أو حتى خلال المدرسة إلى التعليم المهني والتقني بأنواعه المختلفة، التعليم ذي المخرجات التي يحتاجها بل ويبحث عنها المجتمع والبلد، وبالأخص القطاعات الإنتاجية المتنوعة مثل الزراعة والصناعة والخدمات، التي تلبي احتياجات الناس المستهلكين المحليين، وتشارك في عملية التصدير، وبالتالي تساهم في نمو الناتج المحلي الإجمالي، وبل تعتبر هذه الأيادي المهنية الشابة المدربة من العوامل الأساسيه التي تحافظ على استدامة النمو الاقتصادي، وعلى قوة الاقتصاد بمؤشراته المختلفه، التي هي من أهم مؤشرات قوة الدول والمجتمعات، وأهم مؤشر على استدامة التطور.
وفي بلادنا، ورغم أنه في الفترة الأخيرة كان هناك نوع من التركيز أو الزخم باتجاه التعليم المهني، وحتى كانت هناك مبادرة من الحكومة لإنشاء جامعة متخصصة في التعليم أو التدريب المهني، إلا أن ذلك يأتي في ظل عدم حدوث أي تغيير جذري في فلسفة ومفهوم ونوعية التعليم، وبالأخص التعليم العالي عندنا، وكذلك في ظل الأرقام المرعبة حول نسب البطالة عند خريجي التعليم العالي والتي تتصاعد عاماً بعد الآخر، وكذلك في ظل مواصلة ارتفاع تكاليف التعليم العالي، وبالأخص في الظروف الحالية، وألاهم كذلك تواصل وجود تخصصات مكرره كلاسيكية مملة، بات خريجوها في انفصام عن سوق العمل عندنا واحتياجاته، وباتت احتياجات المجتمع بعيدة كل البعد عن مخرجاتها.
ورغم الاعتراف أن هناك اهتماماً متزايداً في الفتره الأخيره في بلادنا، سواء من قبل الجهات الرسمية أو من قبل الرأي العام من أجل التوجه نحو التعليم المهني، أو التعليم التقني، أو على الأدق التعليم غير الأكاديمي التقليدي الكلاسيكي، أي ليس التعليم الذي اعتدنا علية في الجامعات والكليات المختلفة، إلا أننا ما زلنا نرى عدم وضوح وجود خطة استراتيجية بعيدة المدى تتعامل مع التعليم المهني بشكل مستدام، أي بشكل يصبح يشكل جزءاً أساسياً من نظام التعليم في بلادنا، أي ليس مرتبطاً بمشروع هنا أو برنامج هناك أو توفر أموال من هذه الجهة المانحة أو تلك.
ورغم ذلك، فأن الاهتمام بالتعليم المهني، وبالأخص في أوضاع أو في ظروف مثل ظروف بلادنا، هي ظاهرة إيجابية تتطلب الدعم والتشجيع، سواء من ناحية النوعية أو الكمية، ولكي تصبح جزءاً أساسياً من استراتيجية التعليم في بلادنا، لا تتغير بتغير الأشخاص أو بتغير أولويات وبرامج الدعم والمنح، أو بتغير الحكومة ووزرائها.
والتعليم المهني يرتبط بشكل مباشر بأفاق العمل والتشغيل، ونسب البطالة، وفي بلادنا تبلغ نسبة البطالة وحسب الاحصاءات الحديثة حوالي 27% من القوى العاملة، وتصل هذه النسبة معدلات أعلى بكثير عند الخريجيين الجامعيين، وقد تصل إلى حوالي 80% عند الخريجين الجدد في بعض التخصصات، وهذا الوضع هو وضع مأساوي بكل معنى الكلمة، مأساوي للخريجين ولعائلاتهم التي استثمرت فيهم، وللوزارات المعنية بالتعليم العالي والتخطيط والعمل والاقتصاد وما إلى ذلك، وكذلك وضع مأساوي للمجتمع الذي يعتمد من أجل النمو والتقدم والتنمية على استثمار هذه الأجيال المتعلمة والمتدربة الشابة، من أجل مواصلة النمو والإنتاج بشكل مستدام.

أهمية التعليم المهني والتقني

وفي ظل هذا الوضع، تتجلى أهمية التعليم المهني والتقني، أو التعليم غير الجامعي والذي هو ربما أهم وسوف يكون أهم من التعليم الجامعي التقليدي في بلادنا، والذي تستثمر فيه الدول المتقدمة الجزء الأكبر من الميزانية ومن الخطط الاستراتيجية، والذي يقبل عليه الكثير في هذه الدول، ورغم الاهتمام المتزايد في التعليم المهني عندنا، إلا أن القليل قد تم على الصعيد العملي المستدام، من أجل تشجيع الإقبال على هذا التعليم أو خلق الفرص والإمكانيات والحوافز من أجل توجه الطلبة نحوه، ومن ثم ربطة وبشكل استراتيجي، سواء من حيث الكم اوالنوع مع احتياجات المجتمع ومع خطط الحكومة السنوية بعيدة المدى.
ومن أجل مواصلة الزخم في هذا الاتجاه، فإن ذلك يتطلب سياسات وقوانين وأنظمة من أجل زيادة الإقبال على هذا التعليم، وهذه القوانين من المفترض أن تحدد الأسس ومن ثم الحوافز من أجل التوجة إلى هذا التعليم، وهذا يتطلب إيجاد تخصصات متقدمة ومحترمة، تساير التقدم المتواصل في هذا المجال وتساهم في تقدم المجتمع كما ساهمت في تقدم مجتمعات أخرى، وليس فقط تخصصات تقليدية مثل التي اعتاد الناس عليها خلال عشرات السنوات الماضية.
وهذا يتطلب كذلك توفير الإمكانيات من مختبرات ومشاغل وأجهزة ومعدات وكوادر بشرية، وهذا يتطلب زيادة الوعي عند الناس لتغيير نظرتهم إلى التعليم المهني والتفني، وكأنه درجة ثانية بعد التعليم الجامعي الكلاسيكي، وهذا يتطلب الشراكة الاستراتيجية مع القطاع الخاص الذي لا يتقدم كما يتم في المجتمعات الأخرى بدون دعم والاعتماد على مخرجات هذا النوع من التعليم، والذي بدونه لا يمكن التعامل وبشكل جدي مع قضية البطالة في بلادنا.

ألمانيا المتقدمة مثالاً

وفي العديد من الدول ومنها دول متقدمة تكنولوجياً واقتصادياً وصناعياً ولا تعاني من البطالة وتداعياتها، وعلى سبيل المثال ألمانيا، يقبل غالبية الطلبة على التعليم المهني والتقني، وبدون حساسية أو شعور بأنه تعليم من الدرجة الثانية أو الثالثة، وتستثمر هذه الدول والقطاع الخاص فيه، وتتسابق الصناعة والشركات على خريجيه، ويجد الخريجون فرص عمل، ولا تبلغ نسب البطالة عند الخريجيين تلك النسب التي تنطبق على خريجي التعليم العالي في بلادنا، التي وعلى ما يبدو سوف تستمر حتى ايجاد استراتيجية وطنية بعيدة المدى، يمكن تطبيقها عمليا، للإقبال أكثر وللاستثمار أكثر وبشكل مستدام في التعليم المهني والتقني في بلادنا، من أجل أن يصبح الإقبال على التعليم المهني بديلاً وخياراً استراتيجيا، بعيداً عن التعليم التقليدي الذي اعتدنا عليه، والذي أصبح بدون جدوى في مجالات عديدة، وفي تخصصات مكررة، بعيدة كثيرا عن احتياجات سوق العمل وعن مدخلات تطور وتقدم المجتمع.

……….

تتجلى أهمية التعليم المهني والتقني، أو التعليم غير الجامعي والذي هو ربما أهم وسوف يكون أهم من التعليم الجامعي التقليدي في بلادنا، والذي تستثمر فيه الدول المتقدمة الجزء الأكبر من الميزانية ومن الخطط الاستراتيجية.




الغطاء الأميركي والفجوة مع المستعمرة

تطوع وزير الخارجية الأميركي بلينكن وتبرع في التصريح عن رئيس حكومة المستعمرة، وأعلن أن نتنياهو أبلغه بموافقته على مبادرة الرئيس بايدن وخطته المعلنة يوم 31/5/2024 لوقف الحرب على قطاع غزة، مع أن نتنياهو لم يُعلن، ولم يُصرح عن موافقته على المبادرة الأميركية، ورد على قرار مجلس الأمن 2537 الذي بادرت إليه واشنطن وقدمته أن المستعمرة لن تتوقف عن مواصلة حربها الهمجية المتطرفة بدون أن تحقق أهدافها، في القتل والتدمير لأهالي قطاع غزة وممتلكاتهم.

حركة حماس التي رحبت بكل من المبادرة الأميركية، وبقرار مجلس الأمن، طالبها بلينكن بإعلان الموافقة والقبول والرضى بالخطوات الأميركية، وتحميلها مسؤولية أي فشل أو إعاقة لخطة وقف إطلاق النار، ويريد منهم مسبقاً شراء صفقة السمك قبل صيده.

الحديث عن عرقلة تطرف بن غفير وسموترتش، في الموافقة على مبادرة الرئيس بايدن، مجرد حجة يستعملها نتنياهو ويقوم بتوظيفها لتسويق سياساته، فهو المتطرف وهو صاحب القرار، وهو الذي يملك الكيفية في إدارة سياسات المستعمرة، ولذلك هو الذي يتحمل مسؤولية الجرائم المقترفة بحق الفلسطينيين، من قتل وتدمير، ولهذا استهدفته محكمة الجنايات الدولية وحملته مسؤولية جرائم جيش الاحتلال، وسيدفع الثمن ولو متأخراً.

انسحاب بيني غانتس وحزبه من الائتلاف الحكومي يعود أيضاً لفهمهم بدور نتنياهو وفشله في مسألتي: 1- عملية 7 أكتوبر و2- تداعيات مواجهة عملية 7 أكتوبر ونتائجها، وآثارها التي وضعت المستعمرة وجيشها في مواجهة المؤسسات الدولية: الأمم المتحدة، الأونروا، محكمة الجنايات ومحكمة العدل، وسببّت الحرج لكل حلفاء تل أبيب من الأوروبيين، لحجم الجرائم البشعة المعادية لكل حقوق الإنسان والقيم الإنسانية الدولية المعتبرة والمعترف بها والمقرة من قبل المؤسسات الدولية ذات الاختصاص.

ما زال نتنياهو مراوغاً، متمسكاً بقرار استمرار الحرب على قطاع غزة، ويعمل على تحويل فشله وإخفاقاته منذ 7 أكتوبر إلى حالة نجاح وانتصار، عبر القصف والقتل والاحتلال والتدمير. ورغم الغطاء السياسي والدعم العسكري والتمويل المالي، الذي توفره الولايات المتحدة له ولسياسته وجرائم جيشه، فهو لا يُلبي طلباتها، فالأولوية بالنسبة له استمرار إدارته لحكومة المستعمرة والحفاظ على صيغة الائتلاف، مهما نتج عن إدارته من خراب وقتل وتسلط على الفلسطينيين، وخلافاته مع الإسرائيليين الذين لا يجدون فيه القدرة والقيادة والنزاهة، إنه نتاج المرحلة الاستعمارية التي ما زالت بقاياها في فلسطين، بعد أن رحلت وانهزمت واندثرت مظاهرها، ولكنها ما زالت باقية في فلسطين، ولهذا استفاق وعي طلبة الجامعات الأميركية والأوروبية، ولو متأخراً، على حقيقة المستعمرة كمشروع استعماري توسعي أُقيم تعسفاً وظلماً على أرض شعب فلسطين العربي، ولا شك أنه سيحظى كما الشعوب التي سبقته على طريق الحرية والاستقلال، كالجزائر وجنوب إفريقيا والعشرات من الدول المماثلة التي نالت حريتها وهزيمة مستعمريها.

رغم الغطاء السياسي والدعم العسكري والتمويل المالي، الذي توفره الولايات المتحدة لنتنياهو ولسياسته وجرائم جيشه، فهو لا يُلبي طلباتها، فالأولوية بالنسبة له استمرار إدارته لحكومة المستعمرة.




عاش الاول من أيار ..عيد العمال الأحرار

تحتفل معظم دول العالم في الأول من أيّار بيوم العمال العالمي، وقد شاءت الأقدار أن تكون الأعياد أو بعض الأيام السنوية لأكثر الأفراد أو الجماعات حاجةً للتقدير والاهتمام الدائم، وهم العمال ، وغزة تحت العدوان محرومة من كل حقوق الحياة والضفة تحت الحصار وعمالها تحت طائلة الابعاد الإسرائيلي القسري عن العمل للشهر السابع على التوالي ..

يأتي عيد العمال وعمال فلسطين بلا عمل وتحت ضغوطات الحرب الكارثية المدمرة التي تشنها إسرائيل وهي التي تتنكر لحقوق العمال لكونها جهة احتلال ولا تعترف بنضالاتهم لتحسين اوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية ،فعمال فلسطين تختلف ظروفهم عن ظروف باقي عمال العالم ، فهم يقاومون الاحتلال من جهة ويساهمون ببناء مؤسسات دولتهم المستقلة من الجهة الأخرى ، فاستحقوا بذلك ان يكونوا عماد وأساس المجتمع ، اضافة لمساهمتهم في كفاح شعبهم الوطني ، ومنهم الشهيد والأسير والكادر والمناضل والكادح ..

عيد العمال له نكهة فلسطينية خاصة ، وفيه دعوات لمحاربة الرأسمالية المتجذرة في القطاعات الخاصة والعامة والتي تستهدف العمال وطاقاتهم ،ولطالما نظم عمال فلسطين مظاهرات واعتصامات واحتجاجات وكانوا في طليعة المنظمات والهيئات والنقابات التي تصدرت الميدان منذ الانتداب البريطاني حتى يومنا هذا ، حيث الاحتلال الذي يجثم على صدور العمال الفلسطينيين ويحرمهم من ابسط الحقوق وفي مقدمتها لقمة العيش حيث أصبح العامل الفلسطيني رهينة للظروف السياسية والأمنية ، وبات في معظم الوقت بعيدا عن مناطق العمل بقرارات تعسفيه اسرائيلية ..

للعمال دور مهم وبارز في ترصيف الطرق التي نسير عليها فهم يقومون بالزراعة والصناعة، ويساهمون في توفير احتياجاتنا ويعتمد تطور المجتمعات على العمل البشري، فهو أساس بناء المجتمعات وتطويرها ، حيث إنهم يعملون ليعيشوا حياة مريحة ويقدمون لنا أفضل المنتجات والمهن المتعددة والمختلفة من حيث الطبيعة وغيرها، ولكن الهدف الأساسي هو خلق المجد للمجتمع والعمل على رسم مستقبل مشرق، فالمعلم والطبيب والمهندس والحداد والفلاح وغيرهم من العمال الذين يعملون بجد هم أساس حضارة المجتمع ومجده، وجميع المهن مهمة، وتكمل بعضها البعض، ولا يمكن الاستغناء عنها.

بالتالي فان للعمال دور كبير في خدمة المجتمع، لذا يجب على الحكومة الفلسطينية توفير الاحتياجات والمتطلبات التي تلزم العمال قدر الامكان وتعطيهم حقوقهم التي سلبها الاحتلال ، ومن المهم الاهتمام بالعمال، وتحقيق الأمن الوظيفي لهم، والحفاظ على حقوقهم، ولذلك تم إنشاء نقابات العمال، ليقوم العمال بانتخاب ممثليهم بشكل ديمقراطي، ومن المهم أن تحمي هذه النقابات حقوق العمال، ومن هنا نبرق مهنئين اتحاد نقابات عمال فلسطين ، الاطار الذي ينخرط فيه العمال المرابطين من سائر انحاء فلسطين متمنين ان يتم التغلب على ارتفاع معدلات البطالة وتعطل اكثر من ٣٠٠ الف عامل فلسطيني وانخفاض عدد العاملين في السوق المحلي وضرورة رفع معدلات اجور العمال الشهرية وغيرها من القضايا التي تهم هذا القطاع الحيوي .

في عيدهم نقول : هنيئا لمن بنوا الوطن بتضحياتهم الجسيمة وجهودهم الكبيرة وساهموا في الرفعة والمجد ، ليبقى الوطن قويا وصامدا ومحفورا في ذاكرة الاجيال ..

تحية فخر واعتزاز إلى عمالنا الصامدين الصابرين المرابطين على أرض غزة ينتظرون الفرج …وعلى ارض الضفة بانتظار عودتهم إلى أعمالهم لقضاء احتياجاتهم ..

تحية إلى عاملات فلسطين الصابرات الماجدات العاملات بكل الميادين…..

تحية لكل العمال في كافة مواقع العمل والبناء والنضال في مواجهة مخططات الاحتلال.. إلى من ضحوا بأغلى ما يملكون وكانوا النبراس في التضحية والعطاء ..لكل من تكبدوا العناء والمعاناة من أجل توفير كسرة خبز لأطفالهم ومن أجل قهر الظلم والاستبداد والعيش بحياة كريمة .

تحية عرفان وتقدير وحب فى يوم عيد العمال ..عيد الانتماء والوفاء والكبرياء والعطاء والنماء ،عيد لكل الفلسطينيين الشرفاء ،الذين يكدون من اجل الوطن وإعماره وتطويره ورفعته ..

عاش الاول من ايار عيدا لكل الاحرار ويا عمال العالم اتحدوا خلف عمال فلسطين فلهم قضية على العالم ان يسمعها 




تحديات أمام الأحزاب

حمادة فراعنة

لدينا أحزاب يمكن أن أصفها أنها تقليدية، بالمعنى التدريجي والتراكمي وهي الأحزاب: 1- الإسلامية: الإخوان المسلمين حزب جبهة العمل وأمينه العام مراد العضايلة، 2- اليسارية: الشيوعي وأمينه العام سعود قبيلات، الشعب الديمقراطي حشد عبلة أبو علبة، الوحدة الشعبية سعيد ذياب، 3- القومية: البعث الاشتراكي زهير الرواشدة، البعث التقدمي فؤاد دبور، الحركة القومية عبدالرحمن كساب.

هذه الأحزاب لها حضورها التاريخي، قبل إستعادة حقوق شعبنا الدستورية الديمقراطية عام 1989، وإلغاء العمل بقانون الأحكام العرفية، وإعادة ترخيص الأحزاب وحقها في العمل والنشاط والتنظيم.

ولدينا أحزاب حديثة التكوين والتشكيل، وهي بعكس الأحزاب التقليدية الإسلامية واليسارية والقومية، التي سبق وأن تعرضت للاختبار وصمدت، وتراجعها وضعفها يعود لإسباب موضوعية لها علاقة بهزيمة وتراجع خلفياتها ومراجعها الفكرية والسياسية، فالأحزاب اليسارية دفعت ثمن هزيمة الشيوعية والاشتراكية والاتحاد السوفيتي عام 1990، والأحزاب القومية دفعت ثمن هزيمة العراق وسوريا وإحتلالهما 2003 و2011، والإخوان المسلمون دفعوا ثمن إخفاق إمتداداتهم وأنظمتهم في مصر وتونس والمغرب بعد الربيع العربي، وإخفاق ثوراتهم في ليبيا وسوريا، والانقلاب الذي قادته حماس في قطاع غزة عام 2007 وسلطتها الانفرادية الأحادية طوال 17 سنة، مثلما سيستفيدون من مبادرة حماس وعمليتها الشجاعة غير المسبوقة يوم 7 تشرين أول أكتوبر 2023، وصمودها إلى الآن في مواجهة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

الأحزاب غير التقليدية حديثة التكوين، مازالت تعيش حالة مخاض، غير مختبرة، وأستثني منها: 1- الحزب الوطني الإسلامي وأمينه العام مصطفى العماوي، 2- الحزب الديمقراطي الاجتماعي والأمين العام سمر دودين، وكلاهما يقعان بين الظاهرتين: ظاهرة الأحزاب التقليدية وظاهرة الأحزاب المستجدة حديثة التكوين.

الأحزاب المستجدة وما أكثرها، ويصعب على المراقب رصدها وإطلاق أحكامه عليها: الميثاق، إرادة، تقدم، عزم، حصاد، المدني الديمقراطي وغيرها وما أكثرها الأحزاب المستجدة، والتي لم تختبر بعد في صناديق الاقتراع، وستواجه تحديات معيقة: أولها وضع الأولويات للأشخاص المرشحين وفق الجدول، من هو الأول والثاني والثالث وهكذا، وثانيها توفر المال وتغطية إحتياجات الحملة الانتخابية المكلفة، وثالثها حشد الجمهور وجذبه نحو صناديق الاقتراع.

لدينا ثلاث محطات انتخابية عامة: أولها انتخابات المجالس البلدية، وثانيها انتخابات مجالس المحافظات، وثالثها انتخابات مجلس النواب.

تحتاج هذه الأحزاب إلى البدء بولادة قيادات محلية لها حضورها بين مسامات الأردنيين بدءاً من انتخابات المجالس المحلية، مروراً بانتخابات مجالس المحافظات، وانتهاء بمجلس النواب، حيث يتعرض هؤلاء الحزبيون لتجارب وعليهم أن يكتسبوا مهارات قيادية ويفرضوا حضورهم عبر الالتصاق بشعبهم عبر الخدمات المقدمة من البلديات ومجالس المحافظات.

لهذا يجب على هذه الأحزاب وقياداتها أن تخضع البرامج العملية البرامجية الملتصقة بهموم الناس واحتياجاتهم وخدماتهم المطلوبة، لا أن يقفزوا إلى المواقع القيادية بدون خلفية وخبرات وتجارب، وهو ما تفتقده قيادات هذه الأحزاب وتحتاج لأن تقع في خضم التفاعلات مع شعبهم، الذي سيمنحهم الثقة والدور القيادي الذي يسعون إليه.




الحكومة, الانتخابات والوحدة: ما هي استراتيجية الخروج؟

مقال اليوم يتناول البيت الفلسطيني الداخلي, تحديات الاحتلال يومية وتعمق بيئة عدم اليقين, وهذا يجب ان يدفعنا للتفكير والتخطيط الاستراتيجي, ان نفكر بما يمكن تحقيقه فلسطينيا لمواجهة التحديات. الاختصاص مهم وخلط الأوراق مربك ومشتت للمصلحة الوطنية: يظن البعض ان تشكيل حكومة جديدة من شانه ان يقلب الأحوال, التغيير صحي بلا شك في أي مكان او مؤسسة, وهنا ضروري تذكير المهتمين في الشأن العام ان الحكومة مهامها تنفيذية وخدماتية لتوفير حاجات المواطن, ووجود وزراء اكفاء من التكنوقراط حسب الاختصاص قد يفي بغرض تقديم الخدمات للمواطنين وإيجاد حلول للتحديات الداخلية, ضروري ان يركز الوزراء علئ اختصاصهم الخدماتي والتنفيذي في اقتراح الحلول لمواجهة التحديات وخدمة الجماهير بعيدا عن العمل السياسي والدبلوماسي , ليس من اختصاص الوزراء مناداة المجتمع الدولي لحل الازمات او اقتراح الخطط والحلول بل عليهم مسؤولية المبادرة والتفكير وطرح الحلول!

الحكومة اختصاصها خدماتي للمواطنين اما الاختصاص السياسي فياتي من الانتخابات لإعادة الحياة للسلطة التشريعية وتفعيل المسائلة والمحاسبة حتى نضمن نجاح الحكومة التي عادة تكتسب شرعيتها من صناديق الاقتراع! مع نهاية ٢٠١٨، ظهرت الأزمات الداخلية خاصة بعد طرح مشاريع قوانين الضمان الاجتماعي والأخطاء الطبية ولاحقاً قرار المحكمة الدستورية بحل المجلس التشريعي حتى اصبحت معضلة النظام السياسي تكمن في الانقسام من جهة وفي الخلط بين مهام السلطات التنفيذية والتشريعية وارباك السلطة القضائية من جهة اخرى؛ فأصبحت السلطة التنفيذية تقوم مقام السلطة التشريعية، وحسب القانون الأساسي الفلسطيني تقدم السلطة التنفيذية ممثلة بالحكومة مشاريع قوانين وحسب المادة ٤٣ تصدر المراسيم الرئاسية التي تأخذ صفة القانون طالما المجلس التشريعي متعطل في حال عدم انعقاد. المادة ٢ من القانون الأساسي تؤكد على الفصل بين السلطات وان الشعب هو مصدرها. تعدد صلاحيات السلطة التنفيذية وتحولها من التنفيذ والرقابة وانشغالها بالتشريع هو أهم وأكبر التحديات بالتوازي مع الانقسام, هذه الحجة التي باتت تستخدم ضدنا من قبل الكثيرين! 

بعد تعيين رئيس جديد للجنة الانتخابات المركزية, هذه إشارة ايجابية في اتجاه تفعيل هذا الملف الأساس في الخروج من الوضع الراهن. لا نريد الاكتفاء بانتخابات محلية على مستوى البلديات والمجالس ولا حزبية وفصائلية بل نريد إعادة تفعيل المجلس التشريعي, لمَ لا تكون هذه الخطوة مدخلا جديدا للمصالحة والاتفاق على إجراء الانتخابات التشريعية في قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس، ضروري اليوم تهيئة الأجواء لإجراء هذه الانتخابات بدلا من التعامل مع فرضية استحالة اجرائها عمليا.

الانتخابات ليست مهمة من مهام الحكومة! الرئيس هو صاحب الشأن فيما يتعلق في الانتخابات بالتعاون مع لجنة الانتخابات المركزية ومن هنا نرى أن الانتخابات هي الوسيلة الأمثل لإتاحة الفرصة للمواطنين للمشاركة في إدارة الشؤون العامة وانتخاب ممثليهم وتعزيز أدوات الرقابة. المهم الْيَوْم اتخاذ قرار فلسطيني رسمي للتمهيد للانتخابات فهي مسؤولية وطنية ومجتمعية، ولا بد من تكاثف الجهود من كل الأطراف رسمية او شعبية لدعم وتأكيد اجراء الانتخابات. منذ تعطل المجلس التشريعي، حصل ارباك وخلط بين السلطات ادى إلى تراجع الأداء العام وتركزت السلطات بيد السلطة التنفيذية وتضائل دور المحاسبة والمراقبة لانشغال المنفذين والمراقبين في مهام المشرعين. صناديق الاقتراع وأصوات الشعب هي الكلمة الفصل عملاً بالقانون الأساسي والمشاركة السياسية، فمن حق ومسؤولية الشعب أن يشارك في الحياة العامة عبر الانتخابات وتعطيل هذا الجانب لا يخدم مشروعنا الوطني كما شهدنا ويبعد الأجيال الشابة ويقصيها عن المشاركة في الحياة السياسية والعامة. ندرك تماما عدم رغبة العديد من الجهات في اجراء انتخابات فلسطينية لأسباب شتى قد تتعلق بعدم قبولهم لنتائج الديمقراطية الفلسطينية سابقا, فهذه الأطراف تريد ان تصمم الديمقراطية الفلسطينية حسب مزاجها. 

لا ندعي هنا ان الانتخابات ستحقق التغيير ١٨٠ درجة كاثر العصا السحرية مثلا ولكن الانتخابات هي وسيلة مهمة في حال تم تبنيها بشكل منتظم ومستدام تضمن تداول ديمقراطي للسلطة يقوم على أساس رغبة الشعب, الفلسطينيون في امس الحاجة للخروج من هذا الفراغ السياسي, مهمة الفصائل انهاء الانقسام وهذا يبدا بالاتفاق على عقد الانتخابات, تشكيل حكومة جديدة ليس الحل للشأن السياسي, فلنتذكر جميعا ان الحكومة السابقة كانت مهام تشكيلها انهاء الانقسام وعقد الانتخابات ولم يتحقق أي منها. 

هذا الطرح غير منفصل عن الواقع, ما يحدث في غزة يجب ان يكون اكبر محفز لإعادة التوازن للنظام السياسي وانهاء الانقسام خاصة في ظل حكومة إسرائيلية متطرفة عنصرية لا تلتفت للفلسطينيين كبشر بالدرجة الأولى, استراتيجية الخروج تبدا بالتحرك لإنقاذ بيتنا الداخلي بدلا من انتظار التغيير من الخارج.

د. دلال عريقات، استاذة الدبلوماسية والتخطيط الاستراتيجي، كلية الدراسات العليا، الجامعة العربية الأمريكية.