1

جنين منكوبة !!

لم يحصل ان تعرضت مدينة جنين ومخيمها لهذا الكم من الدمار الهائل والتخريب وكل ذلك بسبب اصرار الاحتلال على ممارسة سياسة الابادة الجماعية بحق الفلسطينيين بما في ذلك كل الاجراءات العقابية التي استهدفت كل مقومات الحياة ، في رسالة اسرائيلية تحمل في ثناياها العداء المتجذر الذي تمارسه الحركة الصهيونية بحق الفلسطينيين ، الامر الذي يؤكد ان لا تعايش ولا سلام مع هذا الكيان الذي يعتبر سرطانا يسمم المنطقة ويقضي على كل فرص العيش الكريم فيها ..

وضعت حكومة الاحتلال مدينة جنين ومخيمها في طليعة الاهداف التي تحاربها بادعاء وجود نشاطات عسكرية وذخيرة وسلاح ، ووصلت إلى حد التهويل من قبل الإعلام الإسرائيلي المتطرف الذي ينقل رسائله واخباره عن الشاباك والجيش ، حيث ادعى استخدام الفلسطينيين لقدائف وصواريخ من نوع جديد ، اضافة للعثور على قنابل وعبوات تزن ١٠٠ كغم ، في رواية زائفة وبعيدة عن اي منطق ، وهدفها فقط تبرير القتل والعدوان واستمرار سفك الدماء ..

الاجتياح الثاني عشر لجنين ومخيمها منذ السابع من اكتوبر هو الأشرس والأعنف حيث استباح الاحتلال كل شيئ في مخيم المدينة من شجر وبشر وحجر ، ولا زالت آثار الدمار وتجريف البنى التحتية وخصوصا في المنطقة الشرقية شاهدة على العدوان الاجرامي ، كما ان عدد الشهداء الذي ارتفع إلى ١٥ منذ خمسة ايام دليل على استهداف المواطنين المدنيين ، وكل ذلك لا يقل عن خطورة مشهد تهجير وطرد العائلات والاهالي من بيوتهم تحت تهديد السلاح ، وحصار المستشفيات والمراكز الصحية واقتحامها لمنعها من تأدية رسالتها الإنسانية ، حيث تم نقل ١٨٠ من مرضى غسيل الكلى من مستشفى جنين الحكومي إلى مستشفى آخر ، وتعمد قطع المياه والكهرباء عن المخيم ، لا سيما إطلاق النار على المحولات الرئيسية ..

لا يمكن تقدير حجم الخسائر الكارثية التي تسبب بها العدوان ، لكن بدون شك فان جنين تحتاج إلى ملايين الدولارات لاعمار ما تم تدميره من بيوت ومرافق ومنشآت ..

ان الهجمة على جنين وشمال الضفة الغربية وحصار جنوبها ومواصلة الانتهاكات بحق القدس ، ما هي إلا نتاج تحريض سافر وخطير جدا يقوم به وزير ما يسمى الامن القومي ايتمار بن غفير ووزير المالية بيتسلئيل سموتريتش اللذان يسعيان لتفجير الضفة الغربية امتدادا لحرب الابادة الجماعية على قطاع غزة ، والتي يندرج في إطارها تصريح بن غفير السابق الذي كرره امس وقال ان حق الحياة لليهود يفوق حق الحركة للفلسطينيين ومطالبته بإعدام الاسرى الفلسطينيين ، وحرصه على توزيع السلاح على المستوطنين باستمرار ، وما يضاف اليه من تصريحات سموتريتش المتطرف الذي يسعى لوأد فرصة تجسيد الدولة الفلسطينية من خلال الدعوات لبناء المزيد من المستوطنات .

تصريحات بن غفير وسموتريتش التي تاتي في ظل موافقة نتانياهو والممارسات التي يقوم من خلالها الجيش الإسرائيلي باغلاق المعابر وفرض حصار شامل على شمال الضفة الغربية وجنوبها ، تستدعي وقفة دولية وأممية جادة لوقف هذه الحرب الأجرامية بحق شعبنا ، والتي يبدو ان إسرائيل قررت تحويلها إلى حرب دائمة وطويلة الامد




معاناة اللاجئين النفسية والاجتماعية: آلام الاقتلاع وتوصيات للتعافي

سماح جبر

في عالمنا اليوم، يعيش أكثر من 100 مليون شخص كلاجئين أو نازحين قسرياً، وفقاً لتقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR). يمثل اللاجئون الفلسطينيون نسبة كبيرة من هذا العدد، حيث يتجاوز عددهم 5.9 مليون لاجئ مسجل لدى وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). هؤلاء الفلسطينيون يعيشون في ظروف صعبة في مخيمات بالضفة الغربية وقطاع غزة، وكذلك في دول الجوار مثل الأردن ولبنان وسوريا.

تعود مأساة اللجوء الفلسطيني إلى عام 1948، عندما تم تهجير أكثر من 700,000 فلسطيني من أراضيهم خلال النكبة. وعلى مر العقود، تفاقمت معاناتهم بفعل النزاعات المستمرة والاحتلال الإسرائيلي، مما أدى إلى حالة من عدم الاستقرار النفسي والاجتماعي التي تمتد عبر الأجيال. أضف الى ذلك فاجعة النازحين بلا توقف في غزة ومن نجا من غزة هائماً في هذا العالم البارد الذي أشاح بوجهه عنا على مدار 10 شهور.

اللجوء هو أحد أشد التجارب الإنسانية قسوة، حيث يُجبر الإنسان على مغادرة بيته وأرضه تحت وطأة الحرب أو الاضطهاد أو الكوارث. تتجاوز معاناة اللاجئ مجرد فقدان الممتلكات، لتصل إلى فقدان الشعور بالأمان والانتماء والمكانة. يعيش اللاجئون في ظروف قاسية، غالباً ما تكون بعيدة عن الكرامة الإنسانية، حيث يضطرون إلى التكيف مع حياة جديدة في بيئة غير مألوفة، ويواجهون التحديات النفسية والاجتماعية الناجمة عن صدمة الفقدان والاقتلاع. هذه الظروف الصعبة تضعهم في حالة من القلق المستمر وعدم اليقين بشأن المستقبل.

تتعمق المعاناة النفسية للاجئين نتيجة للحرمان من الدعم الاجتماعي والشبكات الأسرية التي كانت تساهم في استقرارهم النفسي. يواجه اللاجئون مشاعر العزلة والاغتراب، ويتعرضون للتمييز والإقصاء في المجتمعات المستضيفة، مما يزيد من معاناتهم النفسية ويضعف قدرتهم على التأقلم مع واقعهم الجديد. يتغير مفهوم الهوية لدى اللاجئ، حيث يُنتزع منه الانتماء إلى وطنه ويتحول إلى مجرد “لاجئ” في أعين العالم. هذه الهوية الجديدة تضع اللاجئ في مواجهة تحديات نفسية كبيرة، حيث يشعر بالغربة عن ذاته وعن ماضيه، ويعاني من فقدان المكانة والشعور بالدونية. أذكر أنني تناولت يوما طعاماً العشاء في مطعم في اسطنبول وكنت أتجاذب الحديث في أمور طبيه مع مجموعه من الزملاء فجاء شاب وسيم ذو ملامح عربيه لينظف الطاولة وخاطبني بلقبي كطبيبة، وعندما ابتسمت له دمعت عيناه وقال لي انه أيضا طبيب ولكنه الآن لاجئ من سوريا.

اللجوء لا يؤثر فقط على الجوانب النفسية للفرد، بل يمتد تأثيره إلى العلاقات الاجتماعية والعائلية. تعاني الأسر من التفكك والتباعد بسبب ضغوط الحياة الجديدة والظروف الاقتصادية الصعبة، ويضطر الأطفال إلى النمو في بيئات غير مستقرة، مما يؤثر على تطورهم النفسي والعاطفي. إن معاناة اللاجئين ليست مجرد حالة مؤقتة تنتهي بمجرد وصولهم إلى بلد آمن، بل هي تجربة طويلة الأمد تترك بصمات عميقة في نفوسهم وحياتهم.

 تجربة اللاجئين تستحق الدعم والاهتمام، ويجب أن تُعامل معاناتهم بجدية وكرامة، وأن يُقدم لهم الدعم اللازم ليس فقط من الناحية المادية، بل أيضاً من الناحية النفسية والاجتماعية، ليتمكنوا من إعادة بناء حياتهم واستعادة مكانتهم وإنسانيتهم.

وللتخفيف من هذه المعاناة، يجب تقديم دعم شامل ومتكامل يلبي احتياجات اللاجئين المختلفة، وفيما يلي بعض التوصيات:

1. توفير خدمات الصحة النفسية المتخصصة داخل المخيمات وفي المجتمعات المستضيفة. تقدم خدمات الصحة النفسية بشكل مستمر ومتاح للجميع، مع مراعاة الخصوصية الثقافية والاجتماعية لكل مجموعة من اللاجئين.

2. تدريب العاملين في المجال الإنساني على تقديم الدعم النفسي الأولي للاجئين، وفهم الاحتياجات النفسية الخاصة بهم، والتعامل مع الصدمات النفسية بكفاءة وتعاطف.

3. إطلاق برامج الإرشاد النفسي الجماعي لبناء شبكات دعم اجتماعي بين اللاجئين، مما يساعدهم على التعبير عن مشاعرهم، ومشاركة تجاربهم، وتخفيف مشاعر العزلة والاغتراب.

4. التركيز على توفير الدعم النفسي للأطفال والمراهقين اللاجئين، من خلال برامج تعليمية وتعبيرية تُراعي احتياجاتهم النفسية، وتساعدهم على التعامل مع الصدمات وتطوير مهاراتهم الاجتماعية.

5. تعزيز الوعي بالصحة النفسية بين اللاجئين، وتقديم معلومات حول كيفية التعرف على أعراض الاضطرابات النفسية، وكيفية الحصول على المساعدة.6. تقديم برامج تدعم بناء هوية إيجابية للاجئين، من خلال تعزيز الشعور بالانتماء والكرامة، وتقديم فرص للمشاركة في الأنشطة المجتمعية والثقافية.

7. تقديم برامج دعم نفسي تستهدف العائلات ككل، لمساعدتها على التكيف مع الظروف الجديدة والحفاظ على تماسكها الأسري.

8. التعاون مع المجتمعات المستضيفة لتعزيز التفاهم والاندماج بين اللاجئين والمجتمعات المستضيفة. يجب تنفيذ برامج مشتركة تعزز التفاعل الإيجابي وتقلل من النبذ والإقصاء والتوترات الاجتماعية.

9. من الضروري إجراء تقييم دوري للخدمات النفسية المقدمة للاجئين لضمان فعاليتها واستجابتها لاحتياجاتهم المتغيرة، مع إجراء التعديلات اللازمة بناءً على التغذية الراجعة.

10. كما يجب مراعاة أن آثار اللجوء تستمر لفترة طويلة، لذا من المهم تقديم دعم نفسي طويل الأمد يواكب رحلة اللاجئين نحو التعافي والاستقرار النفسي والاجتماعي.

تقديم هذا النوع من الدعم الشامل يمكن أن يخفف من وطأة المأساة التي حدثت في حياة اللاجئين، ويساعدهم على استعادة قدرتهم على بناء مستقبل جديد يحمل أملاً وكرامة.

اللجوء لا يؤثر فقط على الجوانب النفسية للفرد، بل يمتد تأثيره إلى العلاقات الاجتماعية والعائلية. تعاني الأسر من التفكك والتباعد بسبب ضغوط الحياة الجديدة والظروف الاقتصادية الصعبة.




من المفاوضات إلى الإملاءات: الوسيط النزيه

على مدى عقود، وبعد الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية بأنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، تبنت قيادة المنظمة عدة استراتيجيات للتعامل مع الاحتلال الإسرائيلي، وانتقلت من الكفاح المسلح إلى استراتيجية العمل السلمي والمفاوضات، والتي رحب بها المجتمع الدولي من خلال تبنيه لحل الدولتين؛ العرض الدولي والتنازل التاريخي الذي قبلت به المنظمة مقابل السلام والحرية. بعد مؤتمر مدريد الذي تم التخطيط له من الإدارة الأمريكية بشكل كامل، وتمت استضافته بطلب أمريكي في العاصمة الإسبانية، قامت قيادة منظمة التحرير والرئيس محمود عباس الذي قاد المفاوضات السرية بتوقيع اتفاقيات أوسلو، وأُبرمت في النهاية في واشنطن تحت رعاية الولايات المتحدة.

كانت الولايات المتحدة هي الراعي والوسيط لعملية السلام، لكن، أظهرت حقيقة هذه المفاوضات على مدار ثلاث عقود أن الولايات المتحدة، رغم اعتبارها أكثر اعتدالاً تحت رئاسة بوش وكلينتون وأوباما، إلا أنها لم تلعب دور الوسيط النزيه، كما تنص عليه مبادئ الوساطة في حقل حل الصراع باعتبار الوساطة أحد الأدوات الأساسية للحلول السلمية في فض النزاعات. ووفقاً لهذه المبادئ، يدرك المختصون أن هناك عدة صفات يتمتع بها الوسيط منها:
– محايد وغير طرف في النزاع.
– تقريب وجهات النظر بين الأطراف.
– بناء الثقة بين الأطراف.
– تسهيل عملية التفاوض دون فرض الحلول.

في عهد ترامب، انهار قناع الحياد تمامًا، حيث أصبحت السياسات الأمريكية منحازة بشكل صارخ لمصلحة إسرائيل. الصفقة التي اقترحتها إدارته كانت صفقة عملية من وجهة نظر أمريكية وإسرائيلية، تستثني القدس واللاجئين. هذا النهج أظهر بوضوح انحرافًا عن التعريف النظري للوساطة وانتقلت عملية الوساطة والمفاوضات لمرحلة من الإملاءات وفرض الحقائق على الأرض بما لا يتماشى مع أسس المفاوضات أو دور الوسيط.

حتى في عهد الرئيس بايدن ووزيره بلينكن، تستمر الولايات المتحدة في التصرف بطريقة تتماشى أكثر مع فرض الحلول بدلاً من تسهيل مفاوضات عادلة. على الرغم من التعاطف الأوروبي والدولي مع القضية الفلسطينية، إلا أن القوى العالمية تتردد في مواجهة السياسات الأمريكية خوفًا من تهديد مصالحها الخاصة في عالم أحادي القطبية.

هذا الوضع يبرز التحديات التي تواجه القيادة الفلسطينية، التي تبنت طويلاً استراتيجية التفاوض من منطلق الالتزام بالسلام والشرعية الدولية وسيادة القانون. ومع استمرار توسع الاستيطان وتصلب المواقف الإسرائيلية، يبدو من وجهة نظر واقعية سياسية أن إمكانية حل الدولتين تتلاشى تدريجياً وأن استمرار الحديث بهذا الحل يأتي على حساب الحقوق الفلسطينية، بينما “وسيط” عملية السلام، أي الولايات المتحدة هي التي توفر الغطاء القانوني والمادي والاستراتيجي والعسكري ما هو مدعاة لشراء الوقت لدولة الاحتلال لمزيد من السياسات العنصرية.

ومع استمرار الولايات المتحدة في فقدان مصداقيتها كوسيط نزيه، يجب على القيادة الفلسطينية إعادة التفكير في استراتيجيتها، والبحث عن طرق للحفاظ على كرامتها وحماية حقوق الشعب الفلسطيني في مواجهة الضغوط الخارجية والداخلية المتزايدة.

يبدو ان الولايات المتحدة تستعمل الوسطاء العرب الجدد لإخفاء تورطها ودورها المنحاز. هنا دعوة لضرورة استعادة الوسطاء لدورهم الحقيقي، وإعادة التعريف الطبيعي للوسيط، بما يخدم عمليات التفاوض والحلول السلمية، خدمة لكل الأطراف، بدلاً من توظيف المفاوضات والوساطة لخدمة طرف، بانحياز كامل يعكس عدم مصداقية الوسيط وانعدام أهليته للقيام بدور الوسيط.

مع استمرار الولايات المتحدة في فقدان مصداقيتها كوسيط نزيه، يجب على القيادة الفلسطينية إعادة التفكير في استراتيجيتها، والبحث عن طرق للحفاظ على كرامتها وحماية حقوق الشعب الفلسطيني.




المفاوضات ما زالت متعثرة

ليست جديدة تصريحات واشنطن عن جولة مفاوضات الدوحة خلال يومي 15 و16 آب/ أغسطس 2024، حول موضوع حرب غزة، بأنها حققت خطوات إيجابية، وتقترب من الاتفاق لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، لأنه في كل جولات التفاوض السابقة، صدرت مثل هذه التصريحات من قبل الولايات المتحدة بالذات، على عكس الوسيطين القطري والمصري، كانا أكثر تحفظاً في التعبير ووصف ما تم إنجازه.

الوسطاء الثلاثة، لم تصدر عنهم كلمة فشل مفاوضات جولة الدوحة، التي تمددت إلى الأسبوع المقبل في القاهرة، فالقضايا الرئيسية الأربعة لم يتم التوصل إلى إتفاق بشأنها وهي:

1- وقف إطلاق النار 2- الانسحاب من قطاع غزة 3- عودة النازحين إلى شمال قطاع غزة 4- تبادل الأسرى، إضافة إلى توفير متطلبات الإغاثة من الغذاء والدواء للجوعانين.

الأميركيون الأكثر حماساً للتوصل إلى إتفاق، وهذا يعود إلى دوافع الانتخابات الأميركية الرئاسية والنصفية لمجلسي الكونغرس يوم 5-11-2024، النواب والشيوخ، حيث يتطلع الحزب الديمقراطي لتحقيق إنجاز يتباهى به أمام الناخبين في مواجهة الرئيس المهزوم ترامب، الذي يتهم إدارة بايدن بالعجز والفشل، في الوقوف إلى جانب المستعمرة.

كما تسعى الإدارة الأميركية لقطع الطريق على توسيع حجم الصدمات في المنطقة العربية، وعدم التصادم الإقليمي مع إيران، ما يفرض التدخل الأميركي الأوروبي لصالح المستعمرة، ويفرض التدخل الروسي الصيني لصالح إيران ودعمها، ويتحول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إلى صراع إقليمي وتدخلات دولية، لا مصلحة للأميركيين فيها.

المستعمرة الإسرائيلية، وحكومتها وفريق نتنياهو الائتلافي المتطرف من الحلفاء سموترتش وبن غفير ووزير الخارجية يسرائيل كاتس، لا مصلحة لهم في وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، لأن ذلك يعني انتقال حالة الفشل والاخفاق التي وقعوا فيها بسبب عملية 7 أكتوبر وتداعياتها، إلى حالة الهزيمة، وهم يعملون لتجنبها، وعدم الوقوع فيها، وتساعدهم على ذلك تدخلات الأميركيين والأوروبيين الذين استنفروا قواتهم لتتدفق إلى المنطقة بشكل غير مسبوق بهذا القدر والقيمة والعدد.

الفلسطينيون صمدوا لهذا الوقت رغم الخسائر الفادحة في البشر والممتلكات، ولكنهم لم ينتصروا بعد، وإذا تم وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، فإن ذلك مؤشر على صمودهم ونجاحهم وانتصارهم، وهذا لا تريده الولايات المتحدة وأوروبا، إضافة بالتأكيد إلى المستعمرة.

الصراع على الأرض، وفي الميدان متواصل، والشراسة الإسرائيلية وجرائمها لم تتوقف، مقرونة بالصراع السياسي على طاولة المفاوضات، فالمفاوضات ونتائجها ستعكس ما تم تحقيقه في الميدان، في المواجهة على أرض غزة الباسلة الشجاعة التي تخوض معركتها، معركة الكرامة والحرية والاستقلال، ومعها، التضامن العربي، من قبل حزب الله اللبناني، وأنصار الله اليمني، وبعض الفصائل العراقية، ولا مصلحة لها في تدخل إيران بشكل أو بآخر، لأن نتنياهو هو الذي يسعى لتوسيع حجم الصدام، ليكون عنوانه صراع إسرائيلي إيراني، قافزاً عن جوهر الصراع على أرض فلسطين بين المشروعين المتصادمين المتناقضين: 1- المشروع الوطني الديمقراطي الفلسطيني في مواجهة 2- المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي، وغير ذلك مجرد تداعيات سواء بالتضامن مع معاناة الشعب الفلسطيني وتطلعاته، أو مع المستعمرة وأطماعها التوسعية الاحتلالية.

لن يُحل الصراع إلا على الأرض، داخل فلسطين وليس خارجها، مهما تأزمت التداعيات، فالأساس هو فلسطين لأن الصراع فيها وعليها، وتأثيرها على ما هو حولها.
……….

الصراع على الأرض، وفي الميدان متواصل، والشراسة والجرائم الإسرائيلية لم تتوقف، مقرونة بالصراع السياسي على طاولة المفاوضات، فالمفاوضات ونتائجها ستعكس ما تم تحقيقه في الميدان، على أرض غزة الباسلة الشجاعة التي تخوض معركة الكرامة والحرية والاستقلال.




فانتازيا التفاوض مع الإسرائيلي

إسرائيل تريد أن تفاوض دون أن تدفع استحقاقات هذا التفاوض، فهي تعلن أنها تريد القضاء على المقاومة وتفاوضها في ذات الوقت، وأنها لن توقف إطلاق النار ولكنها تستمر في التفاوض، وأنها لن تفرج عن أسرى معينين، وأن تبقي قواتها في القطاع بما يسمح لها السيطرة والتحكم، وهي تريد أن تجعل من تدفق المساعدات سلاحاً آخر للعقاب وإحكام السيطرة على الشعب الفلسطيني، وبهذا يصبح التفاوض وكأن إسرائيل تتحدث مع ذاتها .

إسرائيل تريد أن تتفاوض دون أن تعترف أو تشارك أو تتقاسم مع الشعب الفلسطيني فكرة بقائه أو وجوده أو قدرته على الحياة، وكأن إسرائيل تفاوض شعباً شفافاً أو غير مرئي، وهكذا تبدو إسرائيل وكأنها تفاوض بالقدر الذي فيه مصلحتها فقط، أو بقاء حكومتها، أو إرضاء جهات ضاغطة، أو لتلميع الصورة أو اتقاء من شر المحكمة الدولية، أو لتسوية حزبية داخلية .

ولهذا فإن التفاوض الذي تجريه إسرائيل هو تفاوض مضحك، وفيه جانب ساخر تماماً، فهي تقترح ثم تضيف وتحذف من الاقتراح ما تشاء، لتجعله خيالياً أو تعجيزياً أو يحتاج إلى قرن من الزمن لتفسيره، وهي تقنع الإدارة الأمريكية بأفكار للتفاوض ثم تنكرها، ثم تفضح هذه الإدارة بالقول إنها غيرتها، أو عدلتها، أو لم تفهمها أصلاً، ولا تتورع إسرائيل عن اتهام الوسطاء بالتزوير، أو التحريف، أو الضعف، أو عدم القدرة على الضغط، أو الابتزاز، وإسرائيل لا مشكلة لديها في أن ترسل وفداً مفاوضاً يسمع فقط ولا يتكلم، أو يتكلم بحدود، أو وفداً لا يقرر، أو وفداً يراقب وفداً أو يبلغ عنه أو وفداً على خلاف بين أعضائه ومرجعياته .

إسرائيل تفرّق في مفاوضاتها بين الجوهري والاجرائي، وبين الإنساني والأمني، وبين الثابت والمتغير، وهكذا تضيع الطاسة أكثر مما هي ضائعة أصلاً .

وإسرائيل في مفاوضاتها تغرق في التفاصيل، حتى تضيع الأطر الكبيرة، ويمكن لإسرائيل أن تفجر كل اتفاق من خلال التركيز على جزيئات يمكن تجاوزها لو توفرت الإرادة .

يمكن القول أن قواعد إسرائيل في التفاوض تتمثل فيما يلي، وذلك قياساً على عمليات التفاوض منذ أن أقيمت أسرائيل حتى الآن :

أولاً، تجزئة الموضوع إلى مربعات صغيرة توكل إلى لجان فنية متخصصة، بحيث يتم تسجيل إنجازات صغيرة هنا وهناك، وهكذا يتحول الواقع الباطب أصلا إلى واقع يتم التفاوض حوله.

ثانياً، استخدام أسلوب الثواب والعقاب أو العصا والجزرة، فاسرائيل ليست بارعة في التفاوض إلا لأنها قوية ولو لم تكن كذلك لما استطاعت أن تفرض الأجندات أو الجداول أو الخيارات أو البدائل، أو لما استطاعت التحكم في الزمن وآلية التفاوض وشكلها ومضامينها والمشاركين فيها وسقوفها وتكتيكها ومواعيدها.. إلخ.

ثالثاً، استخدام آلية رجل القش وحرف الأنظار وتغيير الاتجاهات والاهتمامات، بحيث يكون هناك ربط منطقي بين أمور لا رابط بينها، وخلط الأوراق بطريقة مفاجئة ومربكة .

رابعاً، التفاوض الذي تفرضه إسرائيل هو التفاوض حول ترسيخ الواقع المفروض بالقوة، لا واقع القانون والحق، ولهذا عادة ما تعمد إسرائيل إلى سرعة تغيير واقع حتى تتغير الأولويات والاهتمامات، وخير دليل على ذلك تعميق الاستيطان وتكرار الحروب وتكرار الخطط وتغييرها .

باختصار، التفاوض مع إسرائيل صعب ومرير، وغير مضمون أبداً ، فليس هناك من مرجعيات حاكمة، ولا التزام ثابت، ولا معاهدة مقدسة. كل شيء قابل للتفجير والتغيير في كل لحظة، والذريعة جاهزة دائماً وإذا لم تعجبك ذريعة ما، فهناك ذرائع بلا حدود .

ما النصيحة اذن؟ كيف يمكن التفاوض مع إسرائيل لإلزامها وإجبارها على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه؟!
الجواب على ذلك بسيط..

إسرائيل تقنع الإدارة الأمريكية بأفكار للتفاوض ثم تنكرها، ثم تفضح هذه الإدارة بالقول إنها غيرتها، أو عدلتها، أو لم تفهمها أصلاً، ولا تتورع إسرائيل عن اتهام الوسطاء بالتزوير، أو التحريف، أو الضعف..