1

تيليجرام يرفع راية الاستسلام: مشاركة بيانات المستخدمين مع الحكومات لصالح الأمان أم ضربة للخصوصية؟

صدقي أبو ضهير

عالم تطبيقات المراسلة الفورية يتطور بسرعة هائلة، وفي ظل هذا التقدم أصبحت مسألة الأمان والخصوصية محورًا أساسيًا لصناع القرار وللمستخدمين على حد سواء. تطبيق تيليجرام، الذي يشتهر بتوفير مساحة آمنة وخاصة للمستخدمين، أحدث ضجة في الفترة الأخيرة بعد قرار مفاجئ من الرئيس التنفيذي بافيل دوروف، بتعديل سياسة الخصوصية لمشاركة بيانات المستخدمين مع الحكومات بناءً على طلبات قانونية. فهل هذا التغيير إيجابي أم سلبي؟ وهل يُمثل خطوة نحو تعزيز الأمن أو انتهاكًا جديدًا للخصوصية؟

التيليجرام: بين الخصوصية والتشفير

تيليجرام، الذي تم إطلاقه عام 2013، نجح في ترسيخ مكانته كواحد من أكثر تطبيقات المراسلة أمانًا، حيث يوفر ميزة “الدردشة السرية” التي تُؤمن التشفير من طرف لطرف. ويُستخدم التطبيق من قبل ملايين الأشخاص حول العالم بفضل تركيزه على الحفاظ على خصوصيتهم وحمايتهم من التجسس أو الرقابة.

لكن في الأشهر الأخيرة، شهد التطبيق عدة اتهامات بالاستخدام السيئ من قبل بعض المجرمين، سواء كان الأمر متعلقًا بالإتجار بالمخدرات، أو بنشر مواد غير قانونية مثل الاعتداء الجنسي على الأطفال. وعلى إثر هذه التهم، أعلنت الشركة تغييرات جذرية في سياساتها، وهي خطوة يرى فيها البعض تراجعًا عن المبادئ التي تأسست عليها المنصة.

ما الذي دفع تيليجرام لهذه الخطوة؟

أعلن دوروف، مؤسس التطبيق، في منشور حديث على تيليجرام أن المنصة ستبدأ بتقديم عناوين الـIP وأرقام الهواتف للمستخدمين بناءً على طلبات قانونية صالحة. وحسب تصريحات دوروف، تهدف هذه الخطوة لمكافحة الاستخدامات غير القانونية للتطبيق، ومنع المجرمين من استغلال منصته للأنشطة الإجرامية. تأتي هذه التعديلات بعد أن واجه دوروف اتهامات في فرنسا بالتواطؤ، بسبب استخدام التطبيق في نشر مواد غير قانونية، وتم اعتقاله والتحقيق معه.

ويبدو أن هذا القرار يمثل محاولة لتقليل التهديدات والمخاطر التي تُواجه تيليجرام بسبب النشاطات الإجرامية التي تحدث عليه، خصوصًا بعد زيادة الضغوطات القانونية على الشركة في الآونة الأخيرة. ومن هنا، يتمثل القرار في موازنة دقيقة بين حماية المستخدمين من النشاطات غير القانونية، وضمان استمرار المنصة بشكل آمن.

تداعيات القرار على المستخدمين وخصوصيتهم

لطالما كان تيليجرام مثالًا يُحتذى به في تعزيز خصوصية المستخدمين، حيث امتنع لسنوات عن مشاركة بياناتهم مع أي جهة خارجية. لذلك، يرى البعض أن هذا القرار يُشكل تراجعًا عن مبادئ التيليجرام الأولى في حماية الخصوصية، ويمثل خطرًا على ثقة المستخدمين بالتطبيق. حيث إن تقديم بيانات المستخدمين للحكومات، حتى لو كانت بناءً على طلبات قانونية، قد يُشكل قلقًا بالنسبة للمستخدمين الذين يعتمدون على التطبيق للاتصال بأمان وسرية.

ومن ناحية أخرى، هناك من يرى أن هذه الخطوة قد تُسهم في تعزيز الأمان ومنع النشاطات الإجرامية، خاصةً في ظل وجود قوانين دولية صارمة تفرض على الشركات التعاون مع السلطات في قضايا الأمن والجرائم الإلكترونية. وبالتالي، قد يعتبر البعض أن هذه التعديلات ضرورية للحفاظ على بيئة آمنة ونظيفة على التطبيق.

الاتجاهات المستقبلية لصناعة التكنولوجيا

تأتي خطوة تيليجرام في وقت تتزايد فيه الدعوات لضبط المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة. وقد يُمثل هذا القرار نقطة تحول مهمة في سياسات التطبيقات الأخرى التي تعتمد على الخصوصية كميزة أساسية. ففي الوقت الذي تحاول فيه الشركات التوفيق بين الحفاظ على خصوصية المستخدمين والتعاون مع الحكومات لضمان الأمان، يبقى هناك تحدٍ كبير يتمثل في إيجاد هذا التوازن الصعب.

من الممكن أن يتبع هذا القرار تغيرات في سياسات شركات أخرى مشابهة مثل واتساب وفيسبوك، خصوصًا مع زيادة الضغط القانوني والرقابي على هذه المنصات. وما بين تشجيع الأمان والخصوصية، يبقى المستهلك في النهاية هو الحكم في اختيار التطبيق الذي يلبي احتياجاته ويضمن له أعلى مستوى من الأمان والخصوصية.

الخلاصة: هل هو توازن صعب أم ضرورة أمنية؟

مع هذه التغييرات، يبدو أن تيليجرام يسعى لإعادة تعريف سياساته بما يتناسب مع الأوضاع الراهنة. ولكن يبقى السؤال الأهم: هل ستنجح تيليجرام في الحفاظ على خصوصية مستخدميها بالتوازي مع تقديم الدعم للسلطات في محاربة الجرائم؟ وهل سيكون لهذا القرار أثر إيجابي في تعزيز الأمان أم أنه قد يتسبب في تراجع الثقة بالتطبيق؟

من الواضح أن التحديات التي تواجهها منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة تتطلب إجراءات حاسمة ومتوازنة. وبين رغبة المستخدمين في الأمان وحرية التواصل، ورغبة الحكومات في السيطرة على النشاطات الإجرامية، تظل هذه المعضلة قائمة وبحاجة إلى حلول مبتكرة وموزونة.

بقلم : صدقي ابوضهير

باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي




مسؤولية المرشد النفسي: بين أخلاقيات المهنة، وتحديات الفكر المشوّه

في كل مجتمع، تُطرح تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين المسؤولية الفردية والعدوانية غير المبررة. كيف يمكن أن نفهم تصرفات البشر عندما تُتاح لهم فرصة ممارسة القوة أو التأثير على الآخرين؟ وكيف يمكن أن نبرر اعتداءً وقع على شخص لأنه “سمح” بذلك؟ أو لأنه تواجد في مكان الاعتداء؛ هل باتت مسؤوليتنا تجاه بعضنا البعض مرهونة فقط بالفرص التي يتيحها الضعفاء للأقوياء؟ في تجربة علمية فنية غير مألوفة، كشفت فنانة عن الجانب المظلم من طبيعة البشر حين منحتهم الحرية الكاملة للتصرف معها كيفما شاءوا. فهل كان المعتدون يعبرون عن دوافعهم أم كانوا ينفذون إرادة الضحية؟ وماذا أراد المتفاعلين المسالمين أن يوصلوا عن دوافعهم تجاه نفس الحدث؟ هذه الأسئلة ليست مجرد جدل فلسفي، بل نافذة لفهم أعمق للمسؤولية والعدوانية، وكيف يمكن للأفكار المشوهة أن تتحول إلى سرطان يتغلغل في نسيج المجتمع.

في عام 1974، قامت الفنانة الصربية “مارينا أبراموفيتش” بتقديم تجربة فنية جريئة بعنوان “إيقاع صفر”؛ حيث وضعت نفسها في موقف سلبي تماماً، معطية الإذن للناس بأن يتصرفوا تجاهها كيفما يشاؤون باستخدام مجموعة من الأدوات التي كانت تضعها على الطاولة أمامها، وكتبت لافتة تشير إلى تحملها كامل المسؤولية عما قد يحصل. كانت التجربة تهدف إلى استكشاف طبيعة العدوانية الكامنة في النفس البشرية، وكيف يمكن أن تتجلى في ظروف معينة. ومع ذلك، ومع مرور الوقت، تم تحريف الهدف الأساس من التجربة، وأصبح بعض الناس يرون في هذه التجربة دليلاً على أن الضحية تتحمل مسؤولية ما يحدث لها إذا ما “منحت الإذن” بذلك. هذا التأويل الخاطئ يبرر الأذى ويغفل عن حقيقة أن العدوانية ليست مسألة اختيار بل هي نتيجة لظروف اجتماعية ونفسية معقدة.

لقد تحدث العديد من المفكرين والفلاسفة عن خطورة لوم الضحية وتبرير العدوانية؛ “سيمون دي بوفوار”، في كتابها “الجنس الآخر”، شددت على كيفية تبرير المجتمع لاضطهاد النساء عبر لومهن على الظروف التي يعشنها. ومن جانب آخر، يشير عالم النفس الشهير كارل يونغ إلى أن الظل – الجوانب السلبية من النفس التي نحاول إخفاءها – قد ينعكس في سلوكاتنا العدوانية تجاه الآخرين، وأن التصالح مع هذا الظل يتطلب وعياً عميقاً وتقبلاً لذواتنا وليس إسقاط اللوم على الآخرين؛ “مشاعر الظل” هي جانب من الجوانب النفسية التي قد تُفسر تبني هذا الفكر المريض. هذه المشاعر تمثل الجزء المكبوت من النفس الإنسانية الذي يحوي الرغبات العدوانية والسلوكات غير المقبولة اجتماعياً. عندما تُبرر الأذى بناءً على سلوك الضحية، فإن ما يحدث هو عملية إسقاط لهذه المشاعر المكبوتة على الآخر؛ المعتدي قد يرى في الضحية تجسيداً لرغباته المكبوتة، ويستخدم ذلك كذريعة لتبرير سلوكه العدواني، وبهذه الطريقة، يُحافظ على صورة نقيّة لنفسه، بينما يلقي باللوم على الضحية.

النظريات النفسية الحديثة أيضًا تدين هذا النوع من التفكير. نظرية الإسناد، التي تُعنى بكيفية تفسير الناس لسلوكاتهم وسلوكات الآخرين، تشير إلى أن لوم الضحية ينشأ من محاولة الإنسان للحفاظ على وهم السيطرة. عندما نلوم الضحية، نشعر وكأننا نتحكم في الأحداث، ما يوفر لنا شعوراً زائفاً بالأمان.

العدوانية ليست مجرد فعل يتجلى في سلوكات عنيفة أو مسيئة، بل هي تعكس ديناميكية نفسية واجتماعية تحمل في طياتها العديد من التعقيدات. عندما يُبرر الأذى وتُلام الضحية، تتحول العدوانية من فعل مستنكر إلى سلوك مقبول وربما حتى مُمجد. تبرير العدوانية ليس فقط مشكلة أخلاقية، بل هو أيضاً مسألة تتعلق بتحديد المسؤولية، فالمجتمع الذي يسمح بتبرير الأذى هو مجتمع يتواطأ في تأصيل العدوانية وإدامتها. وهنا يأتي دور الوعي النقدي في تفكيك هذه الديناميكيات وتوجيه المسؤولية نحو الجاني بدلاً من تحميل الضحية تبعات ما تعرضت له. ولكن، من الذي يؤيد ذلك؟ إن الأشخاص الذين يتفاعلون بموافقة أو تأييد أو قبول للسلوك المعتدي أو الضعف الذي يعاني منه الضحايا، ما هو إلا إنعكاساً لقلة الوعي الكامل، وقد لا يكون لدى هؤلاء الأشخاص الوعي الكافي بتبعات لوم الضحية أو بمدى تأثير هذه الرسائل على الأشخاص المتضررين، ناهيك عن تطبيع السلوكات السلبية التي تؤدي إلى عدم القدرة على تمييز المشكلة حقاً، وبالتالي غياب التفكير النقدي، والتأثر بالمظهر القوي دون التفكير بعمق الرسالة الأخلاقية أو التفكير بمصداقية السلطة المعرفية، أو مدى صحة وأخلاقيات هذا الطرح، بالإضافة لإعاقة جهود تمكين الأفراد وحمايتهم من الإساءة، والتي يهدف لها أغلب سياقات الإرشاد النفسي وأي مواقف تتعلق بالعلاقات الإنسانية، مع التنويه إلى أن الاستمرار في تأييد مثل هذا النوع السلبي من الفكر غير الواعي، يمكن أن ينتهي به المآل إلى ارتكاب جرائم أخلاقية واعتداءات داخل الأسرة ، وتحويل الأفراد العاديين إلى معتدين داخل بيئاتهم الأسرية؛ حيث يشعرون بأنهم غير ملزمين بالمساءلة لأنهم يعتقدون بأن الضحية “طلبت” هذا السلوك؛ أو إكسابه لأفراد أسرهم وبشكل غير واعٍ. عندما يبدأ الناس في تبرير العنف ضد الضحية على أساس أنها “سمحت” به، فإنهم في الواقع يُسهمون في خلق بيئة تُشجع على المزيد من الانتهاكات. وبهذا، قد يجد البعض أنفسهم متورطين في أفعال شنيعة حتى ضد أقربائهم، مبررين ذلك بأنها كانت “الضحية” التي قدمت الفرصة.

ومن جانب آخر، فإن تبرير العدوانية عبر لوم الضحية وإسقاط المسؤولية من شأنه أن يخفف من مسؤولية المعتدي ويعطيه شعوراً بأنه غير مسؤول عن أفعاله، من خلال تحريف الأحداث وتقديمها بصورة توحي بأن الشخص الذي تعرض للأذى هو من جذب لنفسه هذا الشيء، ما يخدم أجندة المعتدي ويضعف مناقشة القضية بشكل نزيه ومسؤول، وهو تلاعب واضح بالفكر والمعاني وإفلات من المسائلة.

من المهم أن يُفهم أن العدوانية لا تُبرر بأي حال من الأحوال، وأن يُفهم أن تبرير العدوانية ليس مجرد مسألة شخصية، بل هو قضية مجتمعية يجب معالجتها بكل جدية وحزم وتوعية الفرد بالفروق بين المسؤولية والاعتداء، وإن كنا أقوياء بما فيه الكفاية، يجب علينا أن نعرف ما هو الصح والخطأ، وأن نعمق تركيزنا بالقوالب التي غُرست في تفكيرنا منذ زمن وعدم تجاهلها أو مسحها من جوهرنا الأساس. هذه القوالب تشكل الأساس الذي نبني عليه أحكامنا وتصرفاتنا، ويجب أن تكون مبنية على الأخلاق والعدالة، وليس على التبرير والتفسير المشوه للأفعال. 

إن التركيز على تعزيز الوعي الأخلاقي والإنساني هو المسلك لتجنب تبرير الأذى وتعزيز قيم الاحترام والرحمة. هل يمكن لطبيب أن يجهز على حياة مريض ضعيف لأنه ضعيف؟ هل المحارب يجب عليه أن يُجهز على الجريح؟  هذه الأسئلة تحمل في طياتها حقيقة أن القوة الحقيقية هي الحماية، وهي أولى الدلالات على وجود الحضارة الإنسانية، وهي الوقوف ضد الاستغلال، وليست في استغلال الضعف. عندما نفكر في المسؤولية الأخلاقية، علينا أن نتذكر أن المجتمعات تتقدم بالعدالة والرحمة، وليس باستغلال نقاط الضعف.

إن التماسيح الساكنة التي تدعي المثالية ولا تذهب للصيد كما تفعل الأسود، ثم تأتيها الفرائس أو ربما تجرها هي لمنطقتها؛ حيث تكون هي بأمان من المسائلة، هل كانت تفكر بما تريده الضحية أم أنها تفكر فقط بما ستحصل عليه؟ من هذا السؤال يبرز أن التفكير في سلوك المعتدي يجب أن يركز على دوافعه واحتياجاته الخاصة، وليس على توقع أو إفتراض ما تريده الضحية. التمساح، كما هو الحال مع المعتدي، لا يفكر في احتياجات الضحية، بل في تحقيق رغباته الخاصة. 

ولتصحيح الفكر المشوه نحو تجربة مارينا، وجب التنويه بأن التجربة أظهرت مدى التغير في سلوك البشر عندما يشعرون بعدم وجود عواقب على أفعالهم. مارينا أبراموفيتش قالت لاحقاً، إنها تعلمت من هذه التجربة أن البشر يمكن أن يكونوا وحشيين للغاية إذا أتيحت لهم الفرصة وفُقدت الضوابط الاجتماعية. التجربة تُعتبر واحدة من أكثر الأعمال الفنية استفزازاً وتأثيراً في تاريخ الفن المعاصر، وهي تُستخدم غالباً لدراسة سلوكات البشر في المواقف المختلفة، وتأثير السلطة والحرية المطلقة على الأخلاق والقرارات. 

وللوقوف على دور ومسؤوليات المرشد النفسي والتربوي في سياق ما سبق، فإن دور المرشد يتمحور حول تقديم الدعم والاحترام الكامل لحدود المسترشدين المستفيدين من خدماته، فالسلوك السوي في هذا المجال يتطلب إلتزاماَ أخلاقياً عالياً؛ حيث يكون المرشد ملاذاً آمناً، موفراً لهم بيئة إرشادية تحترم كرامتهم وتساعدهم على التعافي؛ إذ إن كل شخص له الحق في التوقع أن المرشد النفسي يفهم هذه السياقات جيداً. ومن الجدير بالذكر أن الكثير من الحالات التي تصل إلى المرشد، تعاني من مشكلات تتعلق بتجاوز الحدود أو استغلالها، ما يجعل من الضروري التعامل مع المسترشدين بحساسية ومسؤولية كاملة. على المرشد أن يكون على دراية بأن تفسير الأحداث والسلوكات قد ينبع من اضطرابات نفسية أو مشكلات عاطفية، ما يزيد من أهمية التزامه بأعلى معايير السلوك السوي في مهنته. 

في النهاية، قد لا نضع أي من الأدوات على الطاولة، والمقال ليس دعوة لتبني الضعف، لكن علينا إدراك أن أحد حقائق البشر هي أنه ليس كل البشر أقوياء، وأن أغلبهم من الضعفاء، وأن من لديه الدوافع الكافية لإيذائك سوف تحركه دوافعه حتى لو لم تمنحه الأدوات، لذلك، لا يوجد حدث أو تفاعل لا يخدمك، فالمؤذي يدفعك لإظهار القوة التي بداخلك، والمستغل يدفعك لإظهار حرصك، والقسوة تعلمك كيف ومتى تتعاطف، وفي نهاية المطاف، كل حدث يجعل منك شخصاً أفضل.




كل احتمالات الحرب مفتوحة

قبل التصعيد الإسرائيلي الخطير، الأسبوع الماضي، ضد أهداف في لبنان، كتبت أن التصعيد وارد، ولكن تحت سقف الحرب الإقليمية. وبعد هذا التصعيد نستطيع التأكيد أن كل احتمالات الحرب باتت واردة، بما فيها الحرب المفتوحة والشاملة والإقليمية واستمرار حرب الإسناد مع تصعيد محسوب، ما لم يحدث ما هو غير متوقع حدوثه ويغير السيناريوهات المرجحة ويقدم عليها سيناريوهات أخرى، ولكن مع حرص حزب الله ومعه محور المقاومة على عدم الوقوع في الفخ الإسرائيلي بالانجرار إلى حرب مفتوحة شاملة في وقت مناسب لدولة الاحتلال، فحرب الاستنزاف تناسب محور المقاومة ولا تناسب حكومة اليمين المتطرف لذلك تسعى إلى تغيير سيناريوهات الحرب.

ما الذي يدفع إلى هذا الاستنتاج هو أن حكومة بنيامين نتنياهو تريد الحرب الشاملة مع استمرار حرب الإبادة ضد الفلسطينيين، خصوصًا إذا لم تنفع حرب الترويع والصدمة والتقويض من الداخل، التي تعبر عن نفسها من خلال العمليات النوعية التي نفذتها من اغتيال صالح العاروري، مرورًا باغتيال فؤاد شكر، وعمليتي البيجر وأجهزة اللاسلكي، واغتيال إبراهيم عقيل ورفاقه، وانتهاء باستهداف مرابض الصواريخ بصورة مركزة، بهدف شل المقاومة وتأليب البيئة الداخلية اللبنانية بدءًا من أوساط الحزب والطائفة الشيعية وانتهاء بكل لبنان؛ للضغط على حزب الله لوقف حرب الإسناد لتجنيب لبنان دمارًا شبيهًا بما حصل في قطاع غزة.

من قام بعمليتي التفخيخ الجماعي اللتين استهدفتا الآلاف، واستهداف قائد الرضوان وصحبه بعد يوم واحد، التي ارتقى فيها عشرات الشهداء معظمهم من المدنيين، متجاوزًا الخط الأحمر باستهداف الضاحية الجنوبية مرة أخرى، يريد أو يضع في حسابه إمكانية عالية لتحويل حرب الإسناد إلى حرب مفتوحة. ولو كان الأمر بيد نتنياهو وجنرالاته وحدهم لشنوا حربًا شاملة مباشرة بعد عمليتي البيجر وأجهزة الاتصال اللاسلكية، وأخذوا حزب الله على حين غرة وهو في حالة ارتباك كامل، ولكن هذا يشكل خروجًا عن المدى المسموح أميركيًا؛ إذ أعطت- كما يظهر من التحذير المستمر من الحرب الإقليمية- إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن الضوء الأخضر لإسرائيل لحرب تحت مستوى الحرب الإقليمية، على أمل أن يعود مهجرو جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة إلى منازلهم كما صرح بايدن.

على الأرجح أن حكومة نتنياهو كانت تهدف ولا تزال إلى استدراج حزب الله للرد القوي المتناسب في وقت غير مناسب له، حتى تقوم بشن الحرب الشاملة ضده مع ضمان وقوف الإدارة الأميركية إلى جانب حليفتها المميزة جدًا، ولا سيما وهي مقيدة عشية الانتخابات الأميركية، جراء تأثير الحرب الشاملة على رفع الأسعار والتضخم، وتمكين بكين وموسكو من الاستفادة عبر التدخل ولو غير المباشر؛ ما يؤثر بشدة على فرص كامالا هاريس في الانتخابات، حتى تقوم بشن حرب شاملة ضده بحجة الدفاع عن النفس وهي مطمئنة أن واشنطن ستكون معها، وإن على مضض.

فإدارة بايدن كانت تفضل التوصل إلى صفقة تبادل وتهدئة على جبهة غزة تساعد على التوصل إلى تسوية على الجبهة اللبنانية.

إن ما حصل من تصعيد إسرائيلي إجرامي خطير يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، ومن ثم يوم الجمعة الماضية، يدل إما على اختراق كبير لدى حزب الله، أو تفوق تكنولوجي أكبر مما كان يعتقد، أو كلا الأمرين. لذا، قبل الاندفاع نحو الرد المتناسب، يجب معالجة الخلل وترتيب الصفوف مجددًا، وليس التعامل برد فعل عاطفي، والخضوع لمطالب الجمهور المؤيد للمقاومة بعيدًا عن الحسابات الإستراتيجية الباردة. فحزب الله تلقى ضربات قوية ودولة الاحتلال حققت مكاسب تكتيكية مهمة، ولكنها على أهميتها لم تغيّر البيئة الإستراتيجية، بدليل أن حرب الإسناد استمرت وتصاعدت وتغيرت قواعد الاشتباك، وبدأت مرحلة الحساب المفتوح، وأن مستوطني مستعمرات الشمال لم يعودوا إلى بيوتهم، ولن يعودوا وفق التزام حسن نصرالله إلا بوقف حرب الإبادة.

علينا أن نسجل أن إيران مثلها مثل الصين تتحلى بحكم الاختلال في موازين القوى وكون الكيان الإسرائيلي جزءًا من المعسكر الاستعماري بمميزات صانع “السجاد العجمي”، الذي يمضي سنوات وسنوات في حياكة السجادة بفن وإتقان وخطوة خطوة بلا كلل، وفي ظل مهارة وذكاء بلد وشعب “مخترع لعبة الشطرنج” الذي يتحلى بالصبر الإستراتيجي، ودأب ومثابرة النملة التي تحاول وتحاول وتحاول حتى تحقق ما تريد. كما تعطي طهران الأولوية للحفاظ على برنامجها النووي، ووصوله إلى محطته الأخيرة بعد أن وصلت إلى عتبة التحول إلى دولة نووية، وتؤمّن بعد ذلك استمرارها .

لو، ولو تفتح عمل الشيطان، كما يقال، لم يقع جمال عبد الناصر في الفخ الإسرائيلي الهادف إلى جره للحرب في العام 1967 قبل أن يستكمل استعداده، كما دلت محاضر اجتماعات هيئة أركان جيش الاحتلال المنشورة لاحقًا، التي أصرّت وضغطت على حكومة ليفي أشكول لشن الحرب متذرعة بالإجراءات التي اتخذها عبد الناصر، ولما وقعت هزيمة حزيران المخزية، ولكان مصير المنطقة برمته مختلفًا؛ لأن هزيمة حزيران هي الحدث المؤسس للانهيار العربي، الذي وصل بالعرب مرحلة وراء مرحلة إلى وضعهم الحالي من دون مشروع عربي واحد ولا قيادة عربية واحدة ولا دولة قائدة ولا قائد واحد .

هل ما سبق لا يحمل حزب الله أي مسؤولية؟ لا، طبعًا، فهو يتحمل مسؤولية عدم التحسب لتداعيات التفوق الإسرائيلي الذي كان يعرفه، وكان يجب أن يكون أكثر حذرًا بشأن رفع سقف التوقعات، ويحد بذلك من مستوى التهديدات والوعود.

يكفي حزب الله أنه استمرّ في حرب الإسناد حتى الآن، على الرغم من الثمن الغالي الذي قدمه ولا يزال مستعدًا لتقديمه، لمدة تكاد تصل إلى عام كامل حتى الآن، ومنع جيش الاحتلال من حسم الحرب وإعادة المهجرين إلى منازلهم. صحيح أن هذا لم يوقف حرب الإبادة على قطاع غزة حتى الآن، ولكنه رفع الثمن الإسرائيلي من هذه الحرب، وحدّ من قدرات دولة الاحتلال على تحقيق أهدافها، ووضع المزيد من علامات السؤال بشأن قوة الردع الإسرائيلية.

لو كان حزب الله على علم بطوفان الأقصى وتعهد لحركة حماس بخوض حرب شاملة، وأنه قادر عليها، لكان التقييم مختلفًا، ولكنه خاض حرب الاستنزاف المناسبة لدرجة استعداده على الرغم من عدم علمه مسبقًا، وعلى هذا يستحق التقدير وليس اللوم، ويحسب له وليس عليه.

ولمن يدفع أو يلح على تقييم ليس أوانه للسابع من أكتوبر، أو للدور الذي يقوم به محور المقاومة وحزب الله تحديدًا ووحدة الساحات، نقول له انظر بمعيار واحد، في الوقت الذي لا ينبس ببنت شفة عن الأطراف العربية التي لم تكتف بعدم إطلاق رصاصة واحدة نصرة لغزة، بل لم تقطع الدول التي طبعت علاقاتها مع دولة الاحتلال، ولم تهدد حتى لفظيًا بفعل ذلك.

وهناك ما يمكن أن يقال عن مدى حكمة تنفيذ طوفان الأقصى وعن دور محور المقاومة، ولكن في الوقت والمكان المناسبين، وحوار بين حلفاء وأصدقاء في معسكر واحد.

ولكن، لو تخيلنا لوهلة أن هذا المحور ليس موجودًا وكانت إيران سائرة في ركب أميركا أسوة بالدول العربية لكانت إسرائيل ستسرح وتمرح في عموم المنطقة، وحققت هدف نتنياهو الذي أعلن عنه بتغيير الشرق الأوسط من دون ثمن أو بأبخس الأثمان .

لقد تبنت حكومة دولة الاحتلال برنامج الضم والتهويد والتهجير، وخطة حسم الصراع التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية من كل أبعادها قبل طوفان الأقصى، وكان من المفترض والطبيعي المبادرة بردٍّ وطني موحد متناسب معها مستند إلى رؤيا شاملة وإستراتيجية وقيادة واحدة، وإلا ستنجح في حسم الصراع، وهذا أسوأ ما يمكن أن يحدث للفلسطينيين وقضيتهم، ولكن هذا لم يحدث، وفتح المجال لحدوث ما حدث، ولا يمكن إعادة عقارب التاريخ إلى الوراء، والقيام بدلًا من ذلك بتقليل الخسائر والأضرار وتعظيم المكاسب وتوظيف الفرص المتاحة.




ما العمل مع الدول التي لم تصوت علئ قرار الجمعية العامة حول إنهاء وجود اسرائيل غير القانوني؟

دلال صائب عريقات ‏

لمتابعة رأي محكمة العدل الدولية الاستشاري الصادر في 19 يوليو ٢٠٢٤ الماضي المتعلق بقانونية الاحتلال وتداعياته, تقدمت دولة فلسطين بمشروع قرار يتماشى مع استنتاجات المحكمة الواردة في رأيها الاستشاري, حيث قدم الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة راي واضح مفصل وموثوق بعدم قانونية الاحتلال والان يعود للجمعية العامة، التي طلبت هذا الرأي الاستشاري، ولمجلس الأمن أن يقررا ما هي الإجراءات الإضافية اللازمة لإنهاء الوجود غير القانوني لإسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مراعاة لتنفيذ الرأي الاستشاري.

تقدم دولة فلسطين بمشروع قرار صياغته شاملة كاملة تحفظ الحق التاريخي للشعب الفلسطيني في تقرير المصير ورفض الاستيطان وانهاء الاحتلال وحق العودة للاجئين وأعاد التأكيد علئ كل القرارات الأممية السابقة التي تحفظ كافة الحقوق الفلسطينية في القدس والضفة العربية وقطاع غزة. كما, يعكس مشروع القرار إيمان دولة فلسطين بالنظام متعدد الأطراف؛ وبالقانون الدولي؛ وإيمانها باتفاقيات جنيف؛ وإيمانها بميثاق الأمم المتحدة. لذلك، صوتت ١٢٤ من الدول لصالح هذا القرار وقد شاركت أيضًا في رعايته مجموعة كبيرة من الدول. كل الاحترام والتقدير للدول التي صوتت مع القرا, هذه  دول مهمة تحترم التزاماتها القانونية والأخلاقية في المنظومة الدولية خاصة ان مشروع القرار الفلسطيني في الجمعية العامة جاء استكمالاً للرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية١٩-٧-٢٠٢٤ بخصوص عدم قانونية الاحتلال وبما ان المحكمة احد اهم أدوات الامم المتحدة نفسها يعتبر تنفيذ قراراتها مُلزم بالدرجة الاولى على الدول الأعضاء .  مشروع قرار الجمعية العامة طالب إسرائيل بإنهاء وجودها غير القانوني في الأرض الفلسطينية المحتلة خلال 12 شهراً: 

الدول التي امتنعت عن التصويت ٤٣ دولة : المملكة المتحدة، كندا، استراليا، السويد، سويسرا، ألبانيا، النمسا، بلغاريا، كرواتيا، الدنمارك، جورجيا، ألمانيا، إيطاليا، ليتوانيا، هولندا، بولندا، رومانيا، صربيا، سلوفاكيا، أوكرانيا، مالدوڤا، اوروغواي، الدومينيكان ، كوستا ريكا، إكوادور ، هايتي، غواتيمالا، بنما، كاميرون، أثيوبيا، كينيا، كيريباتي، ليبيريا، ليشتنشتاين، شمال ماكرونيزيا، رواندا، جنوب السودان، نيبال، كوريا الجنوبية، الهند، ساموا، ڤانواتو.

الدول التي صوتت ضد القرار ١٤ دول :ةالولايات المتحدة، تونغا، توفالو، بالاو،بابوا غينيا الجديدة، التشيك، فيجي، هنغاريا، إسرائيل، ناورو، ميكرونيسيا، مالاوي، الأرجنتين، باراغواي. 

من البديهي حسب أسس العمل الدبلوماسي ان تقوم وزارة الخارجية الفلسطينية باستدعاء سفراء او ممثلي كافة الدول التي امتنعت او صوتت ضد لتوبيخها وطلب استفسار ….من الجدير ذكره أن هذا الرأي الاستشاري طلبته الجمعية العامة بطلب من شعبة فلسطين في الأمم المتحدة قبل فترة طويلة (عام كامل) من بدء جريمة الابادة في غزة. نقترب من ان نشهد اثني عشر شهرًا من الرعب المتواصل في غزة، مما أدى إلى أكثر من 41,000 شهيد واقتراب عدد الجرحى من 100,000، وكارثة إنسانية لا يمكن تخيل حجمها. وها هي دول العالم تضع تحتت الاختبار مرة اخرئ لتأكيد مواقفها من حل الدولتين ومن وقف إطلاق النار الفوري، وتحرير الرهائن، وزيادة المساعدات الإنسانية بشكل فوري ودراماتيكي.

نقاش القرار هذا لا يتعلق بالمواقف السياسية للدول تجاه الحقوق الفلسطينية فحسب بل يتعلق بمواقفها واحترامها للقانون الدولي. الدول التي امتنعت او رفضت عبرت عن مدئ التزامها وتطبيقها للقانون والنظام الدولي وقرارات الأمم المتحدة واستنتاجات المحكمة في رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو وهي الأداة القضائية الدولية للأمم المتحدة وبالتالي من الطبيعي ان تكون قراراتها ملومة لكافة أعضاء المنظومة الدولية. ، لقد أشار الراي الاستشاري أن الوجود المستمر لإسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني ومن الواجب على الجمعية العامة أن تتخذ إجراءات بناءً على هذه النتائج. عدم التزام بعض الدول ما هو الا دلالة علئ عدم احترامها للقانون الدولي وعدم جديتها بما يتعلق بالحل السلمي ومشروع حل الدولتين الذي تنادي به هذه الدول دون أي فعل جدي لإثبات نواياها عملا بالمادة ٢٥ من الميثاق . 




الذكاء الاصطناعي في الحرب السيبرانية عبر الهواتف المحمولة: ساحة معركة المستقبل

مع تقدم التكنولوجيا بوتيرة غير مسبوقة، باتت الحروب التقليدية شيئًا من الماضي. اليوم، الفضاء السيبراني هو الجبهة الجديدة للصراعات الدولية، حيث تتحول الهواتف المحمولة إلى سلاح خفي في يد الدول والمخترقين. ومع دخول الذكاء الاصطناعي في هذه المعادلة، تتغير قواعد اللعبة بالكامل، حيث يمتلك القدرة على تنفيذ هجمات سيبرانية متقدمة والدفاع ضدها بطريقة لم يكن بالإمكان تخيلها قبل سنوات.

الهاتف المحمول: نقطة الضعف في عالم متصل

الهواتف الذكية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، حيث تحتوي على معلوماتنا الشخصية، بياناتنا المالية، وحتى اتصالاتنا المهنية. هذا الاعتماد الكبير جعلها هدفًا ثمينًا في الحروب السيبرانية. هنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي الذي يستطيع استغلال هذه الثغرة بشكل غير مسبوق.

الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة في يد المخترقين؛ إنه “مقاتل ذكي” يستطيع التفكير والتعلم. يستخدم تقنيات مثل التعلم الآلي (Machine Learning) وتحليل البيانات الضخمة (Big Data) لفهم أنماط سلوك المستخدمين، واكتشاف ثغرات الأنظمة الأمنية، وتنفيذ هجمات معقدة بدقة مذهلة. مثلًا، يمكنه تطوير برمجيات خبيثة تتسلل إلى الهاتف دون أن يشعر المستخدم، وتجمع بيانات حساسة مثل المواقع الجغرافية، الرسائل النصية، وكلمات المرور، وكل ذلك في الخفاء.

الذكاء الاصطناعي كمدافع قوي

على الجانب الآخر، لا يُعتبر الذكاء الاصطناعي مجرد تهديد، بل يمكن أن يكون الحصن الذي نلجأ إليه للدفاع عن أنفسنا في هذا العالم السيبراني المعقد. تستخدم الشركات والحكومات الآن الذكاء الاصطناعي لبناء أنظمة أمان ذكية تستطيع تحليل الملايين من العمليات التي تحدث على الهواتف المحمولة في الوقت الحقيقي، واكتشاف أي نشاط غير عادي يشير إلى هجوم سيبراني.

هذه الأنظمة قادرة على التعلم من الهجمات السابقة وتطوير دفاعات أقوى بشكل مستمر. على سبيل المثال، إذا تم رصد محاولة لاختراق تطبيق مالي على الهاتف، يمكن للنظام تعطيل الاتصال بشكل فوري، وتطبيق إجراءات إضافية للتحقق من هوية المستخدم قبل السماح له بالدخول مرة أخرى.

تحديات الحروب السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي

بالرغم من أن الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقًا جديدة للدفاع والهجوم في العالم السيبراني، إلا أنه يأتي مع تحديات كبيرة. أولاً، هناك خطر سباق التسلح السيبراني. مع تزايد التوترات بين الدول الكبرى، تسعى كل دولة لتطوير أنظمة هجومية ودفاعية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، مما قد يؤدي إلى سباق غير مسبوق في هذا المجال. هذا السباق قد يُحدث خللاً في توازن القوى ويزيد من خطر اندلاع صراعات سيبرانية مدمرة.

ثانيًا، مع تزايد اعتماد الذكاء الاصطناعي على تحليل البيانات، تثار أسئلة حول الخصوصية. الأنظمة الدفاعية تحتاج إلى الوصول إلى بيانات حساسة لمراقبة النشاطات غير الطبيعية، مما يثير مخاوف بشأن كيفية استخدام هذه البيانات وحمايتها.

مستقبل الحروب السيبرانية عبر الهواتف المحمولة

في السنوات القادمة، من المتوقع أن يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا محوريًا في تشكيل مستقبل الحروب السيبرانية. الهواتف المحمولة ستكون في قلب هذه المعركة، حيث ستصبح الوسيلة الرئيسية لجمع المعلومات وتنفيذ الهجمات. كما ستشهد أنظمة الأمان المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدمًا كبيرًا، مما سيمكنها من التعرف على التهديدات في الوقت الحقيقي وتقديم حلول دفاعية قبل حدوث الضرر.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح الحارس الأمين لأمننا الرقمي، لكنه في نفس الوقت قد يصبح السلاح الأقوى في أيدي المخترقين. مع تزايد التهديدات السيبرانية، سيصبح من الضروري أن تستثمر الدول والشركات في تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر تطورًا لحماية الهواتف المحمولة من أي اختراق محتمل.

خاتمة: المعركة مستمرة

العالم الرقمي لا يعرف حدودًا، والذكاء الاصطناعي هو العقل المدبر الجديد في ساحة المعركة. في الحرب السيبرانية عبر الهواتف المحمولة، تتشابك الأدوار بين مهاجم ومدافع. ومع تزايد تطور الذكاء الاصطناعي، ستتغير طبيعة الحروب بشكل جذري، مما يستدعي يقظة دائمة واستعدادًا مستمرًا لمواجهة التحديات القادمة في هذا المجال المعقد.

بقلم : صدقي ابوضهير

باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي