1

ضم شمال قطاع غزة والمسؤولية الأمريكية

ما تقوم به قوات الاحتلال الإسرائيلي من حصار شامل لشمال قطاع غزة، وعزله عن باقي الأراضي الفلسطينية في القطاع والقيام بعمليات عسكرية بلا هوادة لإجبار مئات الآلاف على إخلاء منازلهم لترحيلهم عن أرضهم، وحرق النازحين في خيامهم، وتدمير ما تبقى من المنازل في مخيم جباليا، هي جرائم حرب يعاقب عليها القانون الدولي، وهي تمثل تحدياً واستفزازاً لدول العالم وللأمم المتحدة، وخرقاً للقانون الدولي والإنساني.

محاولات تدمير وكالة الغوث الدولية وإنهاء أعمالها جزء لا يتجزأ من مخطط ضم شمال قطاع غزة وإن تفكيك الأونروا أصبح هدفاً من أهداف الحرب، حيث يعمل كنسيت الاحتلال على تشريع وإصدار قوانين لتفكيك الأونروا ليتسنى لهم تشريد ما تبقى من السكان بفعل الضغط العسكري وتجويع من تبقى لإجبارهم على ترك أرضيهم وبيوتهم والرحيل ضمن تفاصيل نكبة جديدة، تجددها حكومة الاحتلال بكل غطرسة وعنجهية واستقواء بالموقف الأمريكي ليصبح أغلبية سكان قطاع غزة تكتظ بهم منطقة لا تتجاوز 10% من مساحة القطاع كاملاً، ونحو 400 ألف شخص عالقون في شمال قطاع غزة ويواجهون الاستهداف الإسرائيلي ضمن حرب الإبادة التي يرتكبها جيش الاحتلال.

تتحمل الإدارة الأميركية مسؤولية حرب الإبادة المتواصلة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على شعبنا في قطاع غزة، والضفة الغربية بما فيها القدس، وآخرها ما تقوم به قوات الاحتلال من حصار كامل لشمال قطاع غزة، وعزله، بالإضافة إلى العدوان المتواصل منذ أيام على جباليا وباقي المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية.

الدعم المتواصل من الإدارة الأميركية سياسياً ومالياً وعسكرياً للاحتلال، جعله يستمر في عدوانه ضد الشعب الفلسطيني، بل أصبحت شريكة للاحتلال في حربه وجرائم الإبادة التي ترتكبها دولة الاحتلال وإنها بذلك تتحدى جميع قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي، معتمدة على الدعم الأميركي المنحاز الذي يقف بوجه المجتمع الدولي ويمنع محاسبة الاحتلال على جرائمه.

وبات المطلوب من الإدارة الأميركية إجبار الاحتلال الإسرائيلي حليفها الاستراتيجي على وقف عدوانه، والامتثال لقرارات الشرعية الدولية وقرارات المحاكم الدولية، وعدم إعطائه الدعم للاستمرار في جرائمه الوحشية، الذي أشعل المنطقة ويقودها إلى الانفجار الشامل الذي لن يحتمل نتائجه أحد.

وتستمر حكومة الاحتلال بعدوانها ومخططها للقضاء على وكالة الأونروا من أجل تصفية قضية اللاجئين، في ظل تغيب حقيقي لمجلس الأمن الدولي جراء السياسة الأميركية الداعمة للاحتلال وسياساته، والتي تتحمل المسؤولية بإصرارها على تحدي الإرادة الدولية التي تجمع على ضرورة وقف العدوان، ومنع محاسبة الاحتلال على جرائمه وعدوانه، التي انتهكت جميع محرمات القانون الدولي، بل وتقدم لهذا الاحتلال الإجرامي جميع أنواع الدعم المالي والعسكري، ما شجعه على ارتكاب هذه الجرائم البشعة بحق شعبنا وشعوب المنطقة.

مخططات الاحتلال لفصل شمال قطاع غزة عن باقي أرض دولة فلسطين المحتلة أمر مرفوض ومدان، وأن هذه السياسات المرفوضة لن تجلب الأمن والاستقرار، وأن الحل الوحيد لمشاكل المنطقة هو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وقيام الدولة الفلسطينية وفق الشرعية الفلسطينية والعربية والدولية، وفي هذه الظروف الصعبة يجب على الجميع الوقوف تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، وسياساتها الوطنية، حفاظاً على المشروع الوطني، وعلى القدس، والمقدسات والعمل على تجسيد استقلال دولة فلسطين على حدود عام 1967 بعاصمتها القدس الشرقية، ومن دون ذلك فإن المنطقة ستواجه حروباً مستمرة وحالة عدم استقرار ودمار لا يتوقف.




حصاد الأمل: الذكاء الإصطناعي وموسم قطف الزيتون

مع قدوم هذه الأيام المباركة، تترقب فلسطين بفارغ الصبر موسم قطف ثمار الزيتون، وهو الموسم الأكثر حضوراً في هويتنا الوطنية والثقافية، فالزيتونة ليست مجرد شجرة، بل هي رمز البركة والصمود والأمل، إذ تمتد زراعة الزيتون في أراضينا وجبالنا منذ مئات بل الاف الأعوام حتى بات يعرف الشجر الكبير منه بالزيتون الرومي، وفي هذاه الأيام سنويا، ينتشر الناس في الحقول والجبال والوديان، ويعملون لجني المحصول الذي يشكل مصدر دخل أساسي لبعض العائلات الفلسطينية.

اليوم، ومع تقدم التكنولوجيا، ظهر الذكاء الاصطناعي كتقنية جديدة يمكن أن تساعد المزارعين بشكل كبير، فالذكاء الاصطناعي يعني استخدام التكنولوجيا لمساعدة البشر في اتخاذ القرارات وتحليل المعلومات، وفي الزراعة، يمكن استخدامه لتحسين إنتاج المحاصيل، والكشف عن الأمراض التي قد تصيب الزيتون، وتوقع الأحوال الجوية، توقع جودة وكميات المحصول.

تخيلوا أن تصلكم رسالة على هواتفكم تقترح عليكم موعد مقترح لقطف الزيتون أو معادلة مبنية على بيانات مسبقة تحدد لكم عدد الموارد البشرية مثلا المطلوبة للانتهاء في وقت زمني أنتم تحددونه،  وذلك قبل موسم القطاف بشهرين، أو التنبؤ بأسعار الزيت والزيتون بناءً على تحليل دقيق ومعمق للسوق والظروف الإقتصادية والسياسية.

أيضًا، يعاني مزارعونا باستمرار من تحديات كبيرة مثل الأمراض والآفات التي قد تؤثر على المحصول، ولكن بفضل الذكاء الاصطناعي، يمكن استخدام تقنيات متطورة مثل كاميرات الدرون التي يمكنها التعرف على أي علامات تدل على المرض وبذلك، يتمكن المزارع من اتخاذ إجراءات سريعة لحماية محصوله قبل أن تتعرض للتلف أو أن تؤثر على جودة المحصول.

ما رأيكم لو كان هناك روبوتات تعمل في قطف الزيتون فستكون واحدة من الابتكارات الرائعة نظرا لنقص الأيدي العاملة في بعض المناطق وتحديداً في القرى الفلسطينية الصغيرة أو النائية. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يُستخدم لتطوير روبوتات قادرة على قطف الزيتون بفعالية، مما يقلل من الحاجة إلى الأيدي العاملة هذه الروبوتات يمكنها العمل بسرعة ودقة، وتساعد في جني المحصول في الوقت المناسب دون التأثير على جودة الثمار.

أيضًا، يمكن للذكاء الاصطناعي التنبؤ بجودة الزيت بحسب المعايير المحلية والعالمية واقتراح الطرق الأمثل للوصول وتطبيق هذه المعايير، مما يساهم في رفع كفاءة وجودة المنتج لينافس عالمياً منتجات الزيت والزيتون في الأسواق الخارجية وليظل مصدراً مهماً لدخل العائلات في قرانا وبلداتنا الفلسطينية.

لكن، لا بد من الإشارة ولو في عجالة إلى أهم العقبات والتحديات التي قد تحول دون الاإستفادة من هذه التقنيات في الزراعة في فلسطين وتحديداً في موسم الزيتون، أهمها معيقات الإحتلال الذي يرقد جاثماً على تفاصيل حياتنا وأهمها الأرض والزراعة فهذه الاجراءات لن تسمح بادخال أي تقنيات تكنولوجية إلى الحقول لادعاءات أمنية باطلة، وأيضا ولا يوجد بنية تحية كاستدامة خطوط الإتصالات والانترنت في بعض القرى والبلدات الفلسطينية والحقول عدا عن خبرة مزارعينا المتواضعة في استخدام التكنولوجيا والتقنيات في قطاع الزراعة.

الأهم، هو أن إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا في الزراعة ليس فقط تحسيناً للإنتاجية، بل هو أيضاً وسيلةً لمساعدة الفلاحين على الصمود أمام التحديات التي تواجههم، فمع استمرار الاحتلال والظروف الصعبة، يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي أن تمنحهم الأمل والقدرة على التكيف.

نهايةً، موسم قطف الزيتون هو أكثر من مجرد عمل زراعي ؛ إنه مرتبط ببركة هذه الأرض وتاريخ لكل مزارع،  فهو مرتبط بالعائلة وبالمجتمع فكل منا يتذكر حدث وقع تحت هذه الشجرة أو بسمة طفله الذي كبر على أغصان شجرة أخرى وهو فرصة للاحتفاء بتراثنا وهويتنا التي نعتز، وهذه التقنيات، يمكن أن تُحدث تطوراً كبيرة في حياة مزارعينا، مما يعزز من قدرتنا على مواجهة التحديات وبناء مستقبل أفضل لفلسطين، فعمل كل منا في تخصصه خدمة لفلسطين وأهلها واسقاط هذه التخصصات والعلوم في تعزيز الصمود ورفع الروح المعنوية والتحدي سيمكننا من الاستمرار في زراعة  الأمل في الأرض التي نحب.

عبد الرحمن الخطيب 

باحث ومختص بتقنيات الذكاء الإصطناعي




المياه حق للجميع ….معاً وسوياً حتى نحصل على حقنا في المياه

انطلاقاً من مسؤوليتنا الوطنية اتجاه أبناء شعبنا وانسجاماً مع توجهاتنا بوضع مواطنينا في صورة ” أزمة المياه ” التي عشناها سوياً الصيف الماضي ولازالت تداعياتُها مستمرة ليومنا هذا، فإننا نؤكد على التزام المصلحة باطلاعكم على كافة التفاصيل المتعلقة بأزمات المياه المتكررة والعمل بشفافية وتوازن.

تبذلُ إدارة مصلحة مياه محافظة القدس جهوداً كبيرة وحثيثة للحصول على كمياتٍ إضافية من المياه ، وتطالب الجهات المختصة لتوفير تلك الكميات لسد حاجات بعض المناطق التي تم تحديدها سابقاً وحسب خطة المياه الشاملة، حيث ان تلك المناطق تعاني من عدم وجود أية مصادر مياه قريبة منها، وتضررت تلك المناطق أكثر من غيرها بعد تخفيض كميات المياه الموردة للمصلحة من شركة ” ميكوروت ” الإسرائيلية بشكل كبير خلال فصل الصيف المنصرم. 

وتعمل المصلحة منذ سنوات بعد تشخيص هذه المشكلة بكل جهد ممكن بطلب مصادر مياه اضافية، وان ما حصل هذا العام من تخفيض للكميات فاقم بشكل غير مقبول من حدة الازمة، لذا فإن المصلحة تكرّس كل الجهود والوسائل وتطرق كل الأبواب ساعية لتحقيق إنجازٍ ملموس للحد من معاناة المواطنين.

انفقت المصلحة مبالغ طائلة في تنفيذ حلول بديلة ساعية الى تدارك كارثة بيئية ، والتي كان لها الدور في استقرار الوضع في السنوات السابقة والحد من معاناة المواطنين بشكلٍ كبير ،  ولما نفذت الحلول أصبح لا بد من استنهاض كافة الهمم والطاقات وبذل كافة الجهود للحصول على حقنا وحق ابناءنا في المياه.

وبذات الشفافية نصارحكم بان الأزمة أيضا لم تخلُ من العبث بمحابس توزيع المياه في عدة مناطق، مما اربك طواقم التوزيع وفاقم من معاناة المواطنين وبشكل مجحف ومتكرر، خاصة وأن الطواقم مثقلة أصلا بالعمل على اكثر من ” 1000 ” محبس في مناطق الامتياز.

نكبر بكم ونعمل من اجلكم لتوفير المياه لكل بيتٍ فلسطيني في مناطق الامتياز.

لنضع حد للمعاناة ، لنمنع الكارثة

اخوانكم وابناءكم في مصلحة مياه محافظة القدس




زيتون فلسطين يعانق أرز لبنان ‬

مع استمرار الحرب الإسرائيلية الشرسة على قطاع غزة ولبنان، على الشعبين الفلسطيني واللبناني، ومع تواصل مجازر الإبادة في غزة وضاحية لبنان الجنوبية، تتحد المشاعر والأفكار، وتنسج من الشعر قصيدة معبرة ، ومن الألحان أغنية وطنية، ومن الحزن هما مشتركا، فالعدو واحد، وأهدافه في الشمال وفي الجنوب على حد سواء متشابهة، وفي رصيدها الاول بنك أهداف مدنية من أطفال ونساء ورجال يقتلهم الطيران وكل أشكال العدوان، لا لذنب اقترفوه، وانما لأنهم شعب فلسطين الذي يسلبه الاحتلال وطنه، وشعب لبنان الذي يسعى الاحتلال للنيل منه، لأنه بلد قومي عربي، لطالما وقف بالسراء والضراء مع الشقيقة فلسطين.‬

مواقع التواصل الاجتماعي والمحركات الإلكترونية، وهي ترصد وتراقب العدوان، أصبحت شاهدة على العديد من القواسم المشتركة، التي تعبر عن الوحدة ومشاعر الاخوة والتضامن والتعاضد والترابط بين البلدين الشقيقين، وفي مقدمتها مدونة تخص زيتون فلسطين الذي يعانق أرز لبنان، في إشارة إلى ثبات الفلسطينيين كجذور الزيتون صامدين في ارضهم وشموخ اللبنانيين كشموخ  شجرة الأرز.‬

تنطلق كافة الدعوات، عبر كل المنصات، من أجل حماية فلسطين ولبنان، من العدوان، وتتجلى روعتها في حكاياتها الجميلة، باستذكار الجدران والحيطان، والمساجد والكنائس، والمرافئ والصيادين، والشواطئ والبحار، والمدن الجميلة وصورها البهية، والإطلالة الخلابة على بيروت ست العواصم التي لن تموت، وغزة مهد العزة، وشعر درويش وقباني والقاسم، وأغنيات وديع وفيروز وجوليا، وجميعها تؤكد أن الشعبين ماردان سينهضان من تحت الركام كطائري فينيق ليحلقا في السماء بكل كبرياء ..‬

رغم الدمار والحصار والشهداء والجرحى والمكلومين والمظلومين والنازحين واللاجئين، تبعث هذه القصص على الفخر والاعتزاز وهي تؤكد أن لبنان سيرجع، وغزة لن يرهبها صوت المدفع، ومهما اشتدت العواصف، ومهما تكسرت أغصان الأرز إلا أنه سيبقى  أخضر على مدار السنة، تماما كمشهد الزيتون في فلسطين الذي يروي حكاية المرابطين المتجذرين.‬

ويعتز الفلسطينيون ببحر غزة، والرمال والكثبان والآثار التاريخية، والبيوت، وحب الارض والتضحية والصمود، تماما كما يعشق اللبنانيون الطبيعة والتضاريس المذهلة للجبال، فيتذوقوا السعادة وجمال اللحظات، ويحافظ أهل غزة على تقاليد الحياة التي تربطهم ببعض.‬

يحب الفلسطينيون قطاع غزة بشماله ووسطه وجنوبه، ويحب اللبنانيون وطنهم من شماله إلى جنوبه مروراً بالبقاع والساحل، ومع قرب الشتاء يناجي أهل لبنان رب العرش أن يتأخر هطول الأمطار على بيروت لأن هناك أُناساً بلا بيوت، كما هو حال غزة التي لطالما غرقت في الفيضان جراء العدوان الذي فرض على أهلها العيش في الخيام دون مقومات السلام والأمان.‬

تشرق شمس غزة وبيروت هذه الأيام على خجل، لكنها تمنح بدفئها المؤمنين ذرة أمل، متحدة  مع ضوء القمر سعياً لإنهاء  حالات الضجر، ليعيش شعب فلسطين وشعب لبنان بحرية، فهذا حق مكتسب وشرعي للشعبين، وعلى العالم أن يسمع صرخات المستنجدين ويضع حداً لجرائم الإسرائيليين التي لم تمنح حتى النائمين فرصة لرصد أحلامهم، وذلك من أجل حل معاناتهم،، لكن للأسف فإن هذا العالم ما زال صامتاً ولا يحرك ساكناً تجاه ما يُرتكب من جرائم، رغم إقراره بوجود حرب إبادة في غزة ولبنان.‬

أوقفوا العدوان على غزة وبيروت، وأبعدوا شبح الموت.‬




السنة الأصعب: ما الذي تغير فينا وفيهم ؟

د. أحمد رفيق عوض

خسارات إسرائيل منذ سنة مضت حتى يوم الناس هذا تتمثل في انكشافها من الداخل؛ فهي لا تتميز بالديموقراطية التي “سطلونا” بها، ولا بقدرتها، ولا قوتها، فقد اتضح أنها مستعدة لفضح كل أصدقائها إذا تأخروا في إرسال الذخائر المتطورة، وسقطت كل الادعاءات بالمظلومية والتفرد والاستثنائية وقوة الابتكار والفردانية المبدعة. كل ذلك سقط عندما وقف نتنياهو أمام الكونغرس “إياه” ليقول لهم أنه يحارب من أجلهم، فقد كان هذا الرجل يعرف أن الولايات المتحدة أسقطت كل الشكليات المعروفة من الحفاظ على الحقوق والقانون الدولي وما إلى ذلك، فقد ظهرت الولايات المتحدة خلال هذه السنة أمام كل العالم كما هي حقاً، مجرد كيان استعماري يستخدم كل شيء من أجل تحقيق مصالحه، ولا يهمه شيء سوى الربح والسيطرة.

خسارات إسرائيل من خسارات الولايات المتحدة أيضاً، فقد ظهرا في الأمم المتحدة أنهما كيانان مستعدان لسحق القانون الدولي وتهديد ممثليه ومحاصرة هيئاته والوقوف عراة أمام حقوق الشعوب والشرائع كلها. 

كانت سنة من الفضائح طفحت بالأكاذيب والنفاق وتغذية الموت والتجويع والترويع والتهجير في بث حي ومباشر.

 كانت سنة رأى فيها العالم كيف استطاعت أمريكا  وإسرائيل أن يلجما كل الأصوات العاقلة  والمظاهرات الرافضة والقرارات الدولية وكل الجهود التي حاولت أن تتقدم بالحد الأدنى من شروط وقف المذبحة على الاقل.

خسارات إسرائيل لم تكن محصورة بتدمير القيم وتهشيم الصورة التي أرادت إسرائيل دائماً أن تقدمها للعالم، بل تمثلت هذه الخسارات في كسر إرادة المنطقة أيضاً، فقد نجحت اسرائيل ـ برأيي ـ بتخريب كل الجهود والإغراءات الكثيرة لتثبيت حالة قبولها واندماجها في المنطقة، فلا أعتقد أن كياناً مثل هذا الكيان القادر على تدمير كل شيء سيكون مقبولاً على أحد.

إن الصورة الجديدة التي تريد إسرائيل تصديرها للمنطقة باعتبارها كياناً غاضباً ومجنوناً يفرض الخوف على الجميع وليس الحب، إنما هي صورة جوفاء وهشة جداً، إذ أن هذه السنة بالذات شهدت كثيراً من الهجمات التي شنت على إسرائيل من جبهات متعددة، ولم تكن هناك منطقة في الكيان لم تنل نصيبها من صفارات الإنذار على الأقل.

هذه السنة شهدت إغلاقات لمطار اللد وسكك الحديد والموانىء والمدارس والمعاهد، وشهدت ما لم تشهده إسرائيل منذ عقود طويلة من التآكل الاجتماعي والمؤسساتي والهجرة المعاكسة وتراجع الاقتصاد ونزع الشرعية عن احتلالها.

وبدلاً من انحصار الاشتباك الدامي مع الشعب الفلسطيني، فقد توسعت الحرب لتشمل أطرافاً وجبهات متعددة، وهو  أمر يشكل فضيحة أخرى لسياسة الولايات المتحدة التي لم تستطع أن تقدم شيئاً على هذا الصعيد، إما عجزاً أو خضوعاً للحكومة الأكثر تطرفاً في تاريخ إسرائيل أو لأنها شريكة في كل ما يجري  بشكل أو بآخر، أو لكل ذلك مجتمعاً .

إذن، خسارات إسرائيل شملت أيضاً فقدان التأثير السياسي والنفوذ وسخونة العلاقات، وقد يعود ذلك إلى ما لا نعرف أو نتوقع. فالمذبحة عادة ما تقود إلى ما لا نعرف ولا نتوقع، وأعتقد جازماً أن ما تفعله إسرائيل بنا من هذه الاستباحة لدمنا وثرواتنا وفضائنا لن تقود على الإطلاق إلى استقرار أو تسوية بحدها الأدنى.

أعتقد جازماً أن إسرائيل قطعت آخر الخيوط وأحرقت آخر السفن لعودة العقل أو استرجاعه.

وبالقدر الذي خسرت فيه إسرائيل خلال هذه السنة، فقد خسرنا نحن أيضاً، خسرنا خيرة الناس  وخسرنا كثيراً مما أنجزنا على الأرض، وما نزال نخسر وحدتنا ونخسر القدرة على تحويل كل هذا الدم إلى أساس حقيقي للنهوض والتقدم. ما نزال نراوح في ذات المكان وذات اللغة وذات المصالح وذات الأجندة.

كانت سنة مؤلمة بكل المقاييس، فقد تم الاستفراد بنا، ووقف إقليمناعاجزاً ومتفرجاً ومستسلماً لم يستطع رغم كل إمكانياته من فرض الوقائع أو تغييرها، في موقف أقل ما يقال فيه أنه تكرر في الماضي أيضاً.

وبرأيي إن إقليمنا يخطىء جداً إذا اعتقد أن حياده أو نأيه بنفسه عما يجري سيؤدي إلى نجاته من ألسنة النار، على العكس من ذلك، فالحروب تمنع بالحروب وليس بتجنبها، سكوت الإقليم أو خضوعه ترك الساحة فارغة جداً ليملأها ويختطفها من هو قادر على الرد والمناورة.

وللمرة الألف نقول إن الاعتدال موقف أخلاقي صحيح ولكنه في السياسة يحتاج إلى القوة ليصبح موقفاً حقيقياً، إذ لا يسمى الخضوع اعتدالاً إلا لرفع الحرج فقط.