1

العالم الافتراضي أقل ألمًا من الواقعي

صدقي أبو ضهير: باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي

أصبح العالم الافتراضي جزءًا أساسيًا من حياتنا، لكن علاقتنا به لم تعد مرتبطة بالتكنولوجيا وحدها، فربما نذهب إليه أحيانًا لأن الواقع أصبح أثقل مما نحتمل، ولأن الإنسان بطبيعته يبحث عن المساحة الأقل ألمًا والأكثر قدرة على منحه شيئًا من الراحة. في الواقع هناك خسارات لا يمكن حذفها، وكلمات لا نستطيع استعادتها بعد أن تُقال، وأشخاص نفقدهم، وأماكن نشتاق إليها ولا نستطيع الوصول إليها، وأزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية لا يمكن تجاوزها بمجرد قرار، بينما يمنحنا العالم الافتراضي إحساسًا مختلفًا بالسيطرة؛ نستطيع أن نغادر نقاشًا لا يعجبنا، ونلغي متابعة شخص يزعجنا، ونتجاوز محتوى لا نريده بحركة إصبع واحدة، ونختار إلى حد كبير ما نريد أن نراه ومن نريد أن نسمعه وكيف نريد أن نظهر أمام الآخرين.

الحياة الواقعية لا تعمل بهذه الطريقة، فلا يوجد فيها زر للحذف ولا خاصية لتجاوز الأيام الصعبة، ولا نستطيع أن نعمل Block للقلق أو Skip للأزمات، ولهذا ربما أصبحت الشاشة بالنسبة لكثيرين أكثر من وسيلة اتصال، وتحولت إلى مساحة نفسية واجتماعية بديلة يجد فيها الإنسان ما يفتقده أحيانًا في حياته اليومية. قد يكون وحيدًا في الواقع ولديه آلاف المتابعين على الإنترنت، وقد يكون مهمومًا لكنه ينشر صورة مبتسمًا، وقد يعيش في مكان محدود الحركة والفرص بينما يستطيع هاتفه أن ينقله خلال دقائق إلى مدن وثقافات وتجارب بعيدة عنه آلاف الكيلومترات. لقد أصبحت المسافة بين ما نعيشه فعليًا وما نستطيع مشاهدته وتجربته رقميًا أكبر من أي وقت مضى.

الخوارزميات بدورها تفهم هذه الحاجة جيدًا، فهي تتعلم باستمرار ما يجذب انتباهنا وما يجعلنا نضحك أو نغضب أو نخاف أو نبقى وقتًا أطول أمام الشاشة، ثم تقدم لنا المزيد منه. ومع مرور الوقت لا نعود جميعًا نعيش الإنترنت نفسه، بل يبدأ كل واحد منا تقريبًا في العيش داخل عالم رقمي صُمم تدريجيًا حول اهتماماته ورغباته ومخاوفه. وهنا تكمن المفارقة، فالعالم الافتراضي الذي نلجأ إليه أحيانًا هربًا من ألم الواقع يستطيع هو نفسه أن يصنع ألمًا من نوع آخر، لأننا نبدأ بمقارنة حياتنا الكاملة بلحظات منتقاة من حياة الآخرين، ونقارن أيامنا العادية بأفضل صورهم، ومشكلاتنا بنجاحاتهم المنشورة، وبداياتنا بنتائجهم النهائية، وننسى أن ما يظهر أمامنا ليس الحياة كلها وإنما الجزء الذي قرر الآخر أن يعرضه منها.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى حياتنا، تصبح الحدود بين العالمين أكثر تعقيدًا. لم تعد المسألة صورة محسنة أو فلترًا يخفي بعض العيوب، بل أصبح بالإمكان إنتاج أشخاص وأصوات وأماكن ومشاهد تبدو حقيقية رغم أنها لم توجد أصلًا، وربما نحن في بداية مرحلة لن يكون فيها العالم الافتراضي مجرد انعكاس للواقع، وإنما عالمًا موازيًا يمكن للإنسان أن يصنع داخله النسخة التي يريدها من نفسه ومن حياته. وهنا يظهر سؤال يستحق التفكير: ماذا سيحدث عندما يصبح العالم الذي نستطيع تصميمه لأنفسنا أكثر راحة من العالم الذي نعيش فيه فعلًا؟

ربما لن تكون المشكلة مستقبلًا في عدد الساعات التي يقضيها الإنسان أمام الشاشة، بل في الأسباب التي تجعله يفضل البقاء فيها. فإذا وجد التقدير في إعجاب، والاهتمام في إشعار، والانتماء داخل مجموعة رقمية، والمتعة في فيديو قصير، والهروب داخل لعبة، والعمل عبر منصة، وحتى الحديث مع الذكاء الاصطناعي أكثر سهولة من الحديث مع بعض البشر، فمن الطبيعي أن يحتل العالم الافتراضي مساحة أكبر من حياته. فالإنسان لا يبحث دائمًا عن التكنولوجيا لذاتها، وإنما يبحث عما تمنحه له من شعور أو فرصة أو تعويض عن شيء يفتقده في الواقع.

لكن العالم الافتراضي، مهما أصبح متطورًا، لا يستطيع أن يكون بديلًا كاملًا للحياة. يمكنه أن يمنحنا المعرفة والعمل والفرص والعلاقات ومساحة للتعبير، ويمكن أن يخفف عنا قسوة بعض الأيام، لكنه لا يستطيع أن يحل بصورة كاملة محل العلاقة الإنسانية الحقيقية والانتماء والمكان والتجربة والإنجاز الذي نعيشه ونلمسه. لذلك فإن المشكلة ليست في وجود عالم افتراضي جميل أو مريح، بل تبدأ عندما يصبح أقل ألمًا من الواقعي إلى درجة أن نفضله عليه.

وعندها ربما يكون من الخطأ أن نحصر النقاش في سؤال: لماذا يقضي الناس كل هذا الوقت على هواتفهم؟ فالسؤال الأعمق هو: ما الذي أصبح مؤلمًا إلى هذا الحد في واقعهم حتى وجدوا داخل شاشة صغيرة عالمًا أرحم منه؟ هذا السؤال لا يتعلق بشركات التكنولوجيا والخوارزميات وحدها، بل بالمجتمع والأسرة والتعليم والاقتصاد والسياسة وكل من يشارك بطريقة أو بأخرى في صناعة الواقع الذي يعيش فيه الإنسان.

فالناس لا تهرب دائمًا إلى العالم الافتراضي لأنها أدمنته، بل ربما لأنها وجدت فيه ما أصبح نادرًا في الواقع: مساحة تستطيع فيها أن تحلم. وربما تكون أخطر لحظة نصل إليها ليست عندما يصبح العالم الافتراضي أكثر واقعية، وإنما عندما يصبح الواقع نفسه أقل احتمالًا منه.




هذا الصيف، لنساهم في خفض حرارة العالم

السفير سون تشن مدير مكتب الصين لدى فلسطين

التقيتُ الأسبوع الماضي بأحد الزملاء من وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية، فسألني عن رأيي في طقس رام الله. وبصراحة، أرى أن الصيف في رام الله مريح للغاية، ٌفالشمس ساطعة، ودرجة الحرارة معتدلة، والرطوبة منخفضة. أما في بكين، فيوليو وأغسطس هما أشد شهور السنة حرارة، يسودهما طقس حار ورطب، ويبدو أن الأمطار هذا العام أغزر من المعتاد.
في ظل تغيّر المناخ، تتزايد الظواهر الجوية المتطرفة في جميع أنحاء العالم. هذا الصيف، لم تكن بكين وحدها تعاني من الحر، بل تجاوزت درجات الحرارة 40 درجة في مناطق عديدة من أوروبا، وتجاوزت درجات الحرارة 50 درجة في مناطق عديدة من الهند، وحتى كندا تشهد حرائق غابات متكررة. بغضّ النظر عن مكاننا على الأرض أو اللغة التي نتحدث بها، فإن إحساسنا بآثار تغيّر المناخ واحد.
إن كوكب الأرض كبير، فيه مختلف الدول والمناطق. ولكنه صغير في الوقت نفسه، إذ أن انبعاثات الكربون في نصف الكرة الشمالي يمكن أن تؤدي إلى ذوبان الجليد في القطب الجنوبي، وأن الأزمة المالية في دولة متقدمة يمكن أن تتسبب في صعوبات مالية في دولة نامية، وما إن يظهر وباء في مكان ما حتى يعبر الجبال والمحيطات، كما يصعب حل مشكلة تدفقات الهجرة الناجمة عن الحروب والمشاكل الاقتصادية الاجتماعية، فتأثير الفراشة موجود في كل مكان. في عصرنا هذا، لا تتسطيع الحدود أن تحول دون كثير من المشاكل. بما أننا نعيش في قرية أرضية واحدة، فنشارك نفس المصير والمستقبل، وينبغي أن نواجه هذه المشاكل جنبًّا إلى جنبّ.
في هذا الصدد، يتعين على جميع الدول أن تتحمل المسؤولية وتبذل قصارى جهدها. والدول الكبيرة منها تتحمل مسؤولية أكبر، يجب أن توفر مزيدا من المنافع العامة، بدلا من إيجاد مزيد من المشاكل والصعوبات. يجب أن تكون الدول الكبيرة رجال الإطفاء، لا مشعلي الحرائق، وأن تكون أبطال مارفل، لا “ثانوس”.
الصين دولة كبيرة، بل وهي دولة كبيرة مسؤولة، وهي لم تشنّ حربًا، ولم تقطع إمدادات الطاقة، ولم تصدّر التضخم، بل تسعى إلى بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، وتسهم في حماية كوكب الأرض بجهود دؤوبة.
على سبيل المثال، يعدّ الإفراط في استخدام الوقود الأحفوري من أحد أسباب تغير المناخ المذكور أعلاه. تعمل الصين منذ سنوات على تطوير مصادر الطاقة الجديدة على نطاق واسع، مما أسهم في حل مشكلة نقص الطاقة في العالم وتخفيف آثار تغيّر المناخ.
في عام 2025، تجاوزت نسبة استهلاك الصين للطاقة غير الأحفورية نسبة استهلاكها للنفط لأول مرة، فأصبحت الطاقة غير الأحفورية ثاني أكبر مصدر للطاقة؛ كما تجاوزت القدرة المركبة للرياح والطاقة الشمسية القدرةَ المركبة لتوليد الطاقة من الفحم. وفي العام نفسه، تجاوز استهلاك الصين للكهرباء 10 تريليونات كيلوواط ساعة لأول مرة، ومن كل 3 كيلوواط الساعة المولدة، تأتي 1 كيلوواط ساعة من “الكهرباء الخضراء” المولدة من مصادر الطاقة المتجددة.
قبل خمس سنوات، طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ مبادرة التنمية العالمية في كلمة عبر الفيديو خلال المناقشة العامة للدورة الـ76 من الجمعية العامة للأمم المتحدة. تدعو هذه المبادرة إلى إعطاء الأولية للتنمية، ودفع التنمية بالابتكار، وتحقيق التعايش المتناغم بين الإنسان والطبيعة، بغية إيجاد زخم جديد للتنمية العالمية، وبناء المجتمع المشترك للتنمية العالمية، وتعزيز التنمية العالمية الأقوى والأكثر مراعاة للبيئة والأكثر صحة.
قد أثبتت الصين للعالم خلال ممارساتها إمكانية لتحقيق التنمية المستدامة، وهي على استعداد لمشاركة فرص التنمية وثمارها مع العالم.
وكل ذلك يجسّد مسؤولية دولة كبيرة والتزامها، ويمثل لمسة من الانتعاش يمكن أن تجلبها دولة كبيرة للعالم في هذا الصيف الحار.




باروميتر الشباب الفلسطيني ليس مجرد إحصاءات

د. دلال صائب عريقات

توقفت أمام نتائج باروميتر الشباب الفلسطيني– الموجة الأولى 2026 لأنها تقدم صورة مركبة لجيل يعيش واقعًا بالغ الصعوبة، يعاني أزمات نفسية واقتصادية وامنية واجتماعية، لكنه لم يفقد انتماءه ولا إيمانه بقدرته على التغيير. شملت الدراسة بيانات 1,281 شاًبا وشابة من 18 إلى 29 عاًما، موزعين على الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس. اقترب التوزيع الفعلي من حصص الجنس والعمر المستهدفة، وتجاوز العدد المنفذ الهدف الادنى البالغ 1,200 استجابة.
الرقم الأكثر إثارة للقلق هو أن 64.1% من الشباب المشاركين يفكرون في مغادرة فلسطين أحيانًا أو بجدية، لكن هذا الرقم لا يعني ضعف الانتماء، فالباروميتر يسجل مستوى انتماء وطنيًا يبلغ 64.3% على المقياس المعياري، ويرتفع في القدس إلى 79.5%، كما أن 90%  من الشباب يرون أن مشاركتهم يمكن أن تُحدث تغييرًا حقيقيًا؛ 59.1% يرون أن تأثيرها يمكن أن يكون كبيرًا، و30.9% يرونه محدودًا لكنه موجود.
وهنا تظهر واحدة من أهم مفارقات التقرير أن الشباب منتمون، ويؤمنون بقدرتهم على التغيير، لكن مساحة مشاركتهم الفعلية لا توازي هذا الإيمان. فأكثر من نصف المشاركين، 52.7%، لم يشاركوا خلال الأشهر الستة السابقة في أي نشاط تطوعي أو مبادرة شبابية أو مجتمعية أو نشاط ثقافي أو رياضي، وتنخفض المشاركة في نشاط واحد على الأقل إلى 30.7% في غزة. هذه فجوة ليست في إرادة الشباب، بل في الفرص والمساحات المتاحة أمامهم.
ويظهر الأمر أيضًا في المجال الانتخابي. فمن بين من قالوا إن الانتخابات المحلية كانت متاحة لهم وكانوا مؤهلين للتصويت، ٧٢.٤٪ لم يتابع الانتخابات أبداً في غزة و٢٦.٧٪ في الضفة! وهذا يعود لعدم الاهتمام بالشأن السياسي بنسبة 45.4%، ثم عدم الثقة بالعملية الانتخابية 15.4%، ثم غياب المرشح المناسب 13%..
الحديث عن الشباب يجب ألا يقتصر على دعوتهم للمشاركة السياسية. علينا أن نسأل أيضًا: هل النظام السياسي والمؤسسات والأحزاب تمنحهم أسبابًا حقيقية للمشاركة؟ وهل يرون أثرًا لصوتهم؟
ثم يأتي مؤشر لا يقل خطورة: الضغط النفسي، بلغ المستوى الوطني للضغط النفسي في العينة 70.3%. وفي غزة يرتفع المتوسط إلى 77.3%، وفي القدس إلى 71.8%، وفي الضفة إلى 64.8%.. وفي المقابل، لا يلجأ إلى مختص نفسي أو مرشد اجتماعي سوى 6.2%، بينما يقول 15.6% إنهم لا يجدون دعمًا أصلًا. هذه الأرقام تقول لنا إن الصحة النفسية للشباب الفلسطيني قضية مرتبطة مباشرة بالصمود، والتعليم، والعمل، والمشاركة والقدرة على بناء المستقبل.
أما المؤشر الذي يحتاج إلى انتباه استراتيجي فهو مصدر المعلومات.76.9% من الشباب يعتمدون على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدرهم الأول للأحداث والأخبار، مقابل 8.4% للأسرة والأصدقاء، و6.5% للمواقع الإخبارية الإلكترونية، و5.5%  فقط للإعلام التقليدي. وترتفع نسبة الاعتماد على وسائل التواصل إلى 84.5% في القدس.
وهنا يجب أن نكون دقيقين: الدراسة تخبرنا أين تتشكل البيئة المعلوماتية لجيل كامل، وتلفت صراحة إلى مخاطر المعلومات المضللة. وهذا بالنسبة لي مؤشر استراتيجي عندما يحصل أكثر من ثلاثة أرباع الشباب على أخبارهم أساسًا من منصات رقمية تتحرك فيها المعلومة بسرعة أكبر من التحقق، فإن التضليل، والمحتوى المجتزأ، والشائعات، وخطابات الكراهية والاستقطاب ليست قضية إعلامية فقط؛ بل يمكن أن تصبح قضية تتعلق بالتماسك المجتمعي والوعي السياسي. والحل ليس بمهاجمة وسائل التواصل الاجتماعي أو اتهام الشباب. هذه هي الساحة التي اختارها هذا الجيل، وعلى المؤسسات والإعلام وصناع القرار أن يكونوا موجودين فيها بمحتوى موثوق وسريع وشفاف ومقنع، وأن نستثمر بجدية في التربية الإعلامية والرقمية ومهارات التحقق من المعلومات.
نتائج الباروميتر توجه رسالة سياسية واجتماعية واضحة: لدينا جيل منتمٍ لكنه يفكر في الرحيل؛ يريد أن يغيّر لكنه لا يجد دائمًا المساحة؛ يعيش ضغطًا نفسيًا مرتفعًا؛ ويتشكل وعيه بصورة متزايدة داخل الفضاء الرقمي.
نحو ٦٠٪ من المجتمع الفلسطيني تحت سن ٣٠ عاماً، لذلك، لا يكفي أن نقول إن الشباب هم المستقبل, علينا أن نمنحهم مكانًا في الحاضر: في الانتخابات، والأحزاب، والمؤسسات، والمجالس، وصناعة السياسات والقرار، وأن نوفر لهم فرص العمل والتعليم والدعم النفسي، وأن نحمي فضاءهم المعلوماتي من التضليل من خلال المعرفة والشفافية، لا الوصاية ولا الولاءات. الصمود ليس أن نطلب من الشباب البقاء فقط؛ الصمود أن نصنع واقعًا يجعلهم يريدون البقاء، ويستطيعون المشاركة، ويشعرون أن لصوتهم أثرًا وأن لهم مستقبلًا في فلسطين، وهناك فرصة حقيقية من خلال الانتخابات القادمة بعد قرار تعديل عمر الترشح للمجلس التشريعي إلى ٢٣ عاماً، علينا ألا نتمنى، ولكن أن نعمل لضمان تمثيل حقيقي للشباب والكفاءة في كافة القوائم، على كل الفصائل والقوائم أخذ الشباب كأولوية على قوائمها، وألا ندعهم يشكلون قوائم مستقلة بهدف ضمان مشاركتهم.




شرطة بن غفير في الضفة!

د. ابراهيم ملحم

أقل الكلام

بعد فشل الجيش في التصدي لإرهاب المستوطنين في قصرة، أوعز “كاتس” بنقل صلاحيات إنفاذ القانون في الضفة إلى “شرطة بن غفير” التي “لن تتهاون مع إرهاب المستوطنين، وستضرب بيدٍ من حديدٍ كلَّ من يتجاوز القانون باعتداءاتٍ أو اقتحاماتٍ أو سرقاتٍ وغيرها من ارتكابات، من شأنها أن تولِّد ردود فعلٍ دولية منتقدة لإسرائيل!”.
لا نملك غير السخرية في توصيف ذلك التقاسم الوظيفي بين الجيش والمستوطنين والشرطة في التنكيل بالبلدات والقرى والتجمعات البدوية، التي باتت ورقةً في صناديق الاقتراع، إذ تتسارع الخطوات لفرض الوقائع الصلبة غير القابلة للتذويب، بعد أن تفشل تلك الطغمة الحاكمة في الخروج مرةً ثانيةً من صناديق الاقتراع التي ستُفتح بعد اثنين وسبعين يوماً، حسب ما تشير إليه استطلاعات الرأي.
فبن غفير صاحب براءة الاختراع لـ”برك التماسيح”، والحاصل على “شهادة الآيزو” في تفشي الجريمة في أراضي ٤٨، هو الأقدر من الجيش في تولي المهمة، فالرجل المنفلت من كل قيدٍ يعتمد على ذكائه الطبيعي، لا الاصطناعي، في توليد الأفكار، وتحمّل النقد الدولي تجاه ما يُعِدّ له من جرائم في الضفة، قد يستعيد فيها سيرة الآباء المؤسسين من قادة العصابات التي مارست التطهير العرقي عام ٤٨.




تل الزعتر.. حين صار المخيم وطنًا صغيرًا لفلسطين

لؤي صوالحة – كاتب وصحفي فلسطيني

هناك أماكن لا تنتهي حين تسقط جدرانها، وأسماء لا تصبح من الماضي مهما حاول الزمن أن يضع بينها وبيننا مسافة من السنوات، وتل الزعتر واحد من تلك الأماكن التي بقيت واقفة في الذاكرة الفلسطينية رغم أن المخيم نفسه لم يعد قائمًا كما كان، لأن المكان حين يسكنه شعب يحمل وطنًا في قلبه يتحول من جغرافيا عابرة إلى شاهد، ومن شاهد إلى ذاكرة، ومن ذاكرة إلى قضية لا تستطيع الحروب ولا المجازر ولا المنافي أن تطفئها.
في 12 آب/أغسطس 1976، لم يكن الفلسطينيون أمام نهاية مخيم فحسب، وإنما أمام واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخ اللجوء الفلسطيني، بعدما عاش سكان تل الزعتر حصارًا طويلًا وقصفًا ومعارك أنهكت المخيم وأثقلت أيامه بالخوف والجوع والموت، ثم جاء سقوطه والمجزرة التي ارتبطت به لتضيف صفحة دامية إلى سجل شعب لم تبدأ مأساته في لبنان، ولم تنتهِ عند حدود مخيماته، وإنما ظل يحمل جرح النكبة من مكان إلى آخر، وكأن الفلسطيني كتب عليه أن يهرب من الموت ليجده في محطة جديدة من محطات المنفى.
لكن تل الزعتر لم يكن مجرد مخيم.
كان فلسطين حين لم تكن فلسطين قريبة.
كان بيتًا صغيرًا للاجئين الكبار في أحلامهم، وكان في أزقته الضيقة متسع لحيفا وعكا ويافا وصفد والقرى التي تركها أهلها خلفهم عام 1948 وهم يحملون مفاتيح البيوت، وبعض الصور، وقليلًا من التراب، وكثيرًا من اليقين بأن العودة لن تتأخر، قبل أن تتحول الأيام إلى سنوات، والسنوات إلى عقود، ويصبح المفتاح الذي كان يفترض أن يفتح باب البيت يومًا ما شاهدًا على وطن غائب، ودليلًا على أن الفلسطيني يستطيع أن يعيش بعيدًا عن أرضه، لكنه لا يستطيع أن يقتلع الأرض من داخله.
كان في تل الزعتر جيل كامل من الفلسطينيين الذين ولدوا في المنفى وهم يعرفون أسماء أماكن لم تطأها أقدامهم، وكان الطفل يعرف القرية من صوت جدته، والمدينة من حديث أبيه، والبيت من صورة معلقة على جدار، وفلسطين من حكاية تتكرر كل ليلة حتى تصبح جزءًا من تكوينه، ولذلك لم يكن المخيم بالنسبة إلى سكانه مكانًا للنوم والطعام والعمل فقط، بل كان مساحة تحفظ ما تبقى من الوطن، ومكانًا يتوارث فيه الأبناء أسماء الذين سبقوهم، كما يتوارثون ملامح الوجه ولهجة القرية وذاكرة الطريق.
وحين اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية، لم يكن الفلسطيني قادرًا على الوقوف خارج العاصفة، فقد وجد نفسه داخل صراع شديد التعقيد تداخلت فيه القوى اللبنانية والفلسطينية والإقليمية، وتشابكت فيه المصالح والتحالفات والأسلحة، وتحولت المخيمات الفلسطينية إلى جزء من الجغرافيا الساخنة للحرب، وكان تل الزعتر، بحكم موقعه وظروفه، واحدًا من أكثر الأماكن تعرضًا للضغط والحصار، حتى أصبح سكانه يعيشون الأيام كما لو أن الموت يقف خلف الباب وينتظر لحظة الدخول.
في المخيم، لم تعد السياسة كما تُكتب في البيانات والخطب هي السياسة ذاتها التي يعيشها الناس، لأن الكلمات الكبيرة مثل التحالف والصراع والنفوذ والجبهة كانت تختصر داخل بيت صغير إلى أم تبحث عن الماء، وأب يحاول تأمين الطعام، وطفل يسأل عن موعد انتهاء القصف، ومريض ينتظر دواء قد لا يصل، وامرأة تحاول أن تخفي خوفها حتى لا يراه أطفالها في عينيها، ورجل يخرج في الصباح وهو لا يعرف إن كان سيعود في المساء، ولذلك فإن التاريخ الذي يريد أن يفهم تل الزعتر عليه أولًا أن ينظر إلى الإنسان الذي كان يعيش داخل الحصار، لا إلى الخريطة وحدها.
كان المخيم يتقلص تحت النار، وكانت الحياة تنسحب من تفاصيله شيئًا فشيئًا، بينما يتمسك الناس بما يستطيعون من يوم عادي، لأن الإنسان حتى في أقسى الظروف يحاول أن يصنع لنفسه شيئًا يشبه الحياة، فيغلي الماء، ويبحث عن رغيف، ويحاول تهدئة طفل، ويحتفظ بصورة عائلية، ويستعيد اسم قرية بعيدة، وكأن استحضار الوطن في لحظة الخوف كان شكلًا من أشكال المقاومة، وكأن الفلسطيني كان يقول للموت: يمكنك أن تحاصرني هنا، لكنك لن تستطيع أن تجعلني أنسى من أنا.
ثم جاء 12 آب/أغسطس 1976، اليوم الذي سقط فيه تل الزعتر بعد حصار ومعارك دامية، وارتبط سقوطه بمجزرة تركت جرحًا عميقًا في الذاكرة الفلسطينية، وبقيت تفاصيلها وأعداد ضحاياها موضوعًا لروايات ومصادر متعددة، لكن اختلاف الأرقام لا يغير جوهر المأساة، لأن الذين سقطوا لم يكونوا أرقامًا، وإنما كانوا بشرًا لهم أسماء ووجوه وعائلات وأحلام، وكان لكل واحد منهم مكان في قلب أم أو أب أو زوجة أو طفل، وكان لكل بيت قصة انتهت فجأة بينما بقيت أبواب كثيرة مفتوحة على انتظار لا يأتي منه أحد.
الرقم لا يستطيع أن يحكي قصة طفل خرج من بين الركام وهو يبحث عن وجه يعرفه، ولا يستطيع أن يصف أمًا احتفظت باسم ابنها بعد أن غاب، ولا يستطيع أن يشرح معنى أن يعود الناجي إلى المكان فلا يجد البيت الذي عاش فيه، وأن يبحث في الركام عن شيء صغير يثبت أن الحياة كانت هنا، صورة، قطعة قماش، لعبة طفل، باب مكسور، أو مفتاح لم يعد يفتح شيئًا، ولذلك تبقى المجازر أكبر من الأرقام، ويبقى الإنسان هو الحقيقة الأولى في أي رواية عن الموت.
ولأن الفلسطيني يعرف معنى أن يُقتلع الإنسان من المكان، فقد حمل تل الزعتر معه بعد سقوطه، ولم تنتهِ الحكاية عند الذين بقوا تحت الركام، بل خرج الناجون من المخيم إلى أماكن أخرى، وحملوا معهم أسماء الذين رحلوا، وصور البيوت، وتفاصيل الأيام الأخيرة، وحكايات الخوف والجوع، ثم نقلوا كل ذلك إلى أبنائهم، وهكذا أصبح تل الزعتر مكانًا لا يحتاج إلى جدران كي يبقى، لأن الذاكرة الفلسطينية قادرة على بناء مخيم كامل من كلمة واحدة، وعلى إعادة شارع كامل من اسم شهيد، وعلى فتح باب قديم بمجرد أن يقول أحدهم: كان لنا بيت هنا.
وربما لهذا السبب تحديدًا، فإن تل الزعتر لا يمكن قراءته بمعزل عن النكبة الفلسطينية، فالنكبة لم تكن يومًا واحدًا انتهى في عام 1948، وإنما كانت مسارًا طويلًا من الاقتلاع واللجوء والتشرد، ومن فقدان البيت والبحث عن مكان آمن، ومن محاولة تحويل الفلسطيني من صاحب أرض إلى لاجئ ينتظر المساعدة، ومن صاحب تاريخ إلى رقم في سجلات المؤسسات، لكن الفلسطيني قاوم هذا التحويل بالذاكرة، فحفظ أسماء القرى، وأبقى المفاتيح، وروى الحكايات، وعلّم أبناءه أن المكان الذي ولدوا فيه ليس بالضرورة المكان الذي ينتمون إليه، وأن الوطن قد يغيب عن العين لكنه لا يغيب عن القلب.
ومن هنا يصبح تل الزعتر أكثر من ذكرى لمجزرة، لأنه يكشف جانبًا من المأساة الفلسطينية ظل يتكرر في صور مختلفة، حيث يصبح المخيم شاهدًا على أن اللجوء لم يكن نهاية النكبة وإنما امتدادًا لها، وأن الفلسطيني الذي ظن أن المخيم محطة مؤقتة وجد نفسه أمام أجيال جديدة تولد في المنفى، بينما يبقى السؤال الأول معلقًا في الهواء: متى نعود؟
هذا السؤال لم يمت مع الذين رحلوا في تل الزعتر، ولم يمت مع الذين غادروا المخيم، ولم يختفِ عندما ابتعدت الأجيال عن لبنان، بل انتقل مع الأطفال إلى أبنائهم، ومع الأبناء إلى أحفادهم، حتى أصبحت العودة جزءًا من الوعي الفلسطيني، لا لأنها شعار يقال في المناسبات، وإنما لأنها الحقيقة التي أبقت للمنفى حدوده، ومنعت المخيم من أن يتحول إلى وطن بديل، وحالت دون أن تصبح السنوات الطويلة دليلًا على سقوط الحق.
وعندما نستعيد تل الزعتر اليوم، فإننا نستعيد معه زمنًا كاملًا من التاريخ الفلسطيني، زمنًا كانت فيه الثورة تبحث عن طريقها وسط عالم عربي ودولي شديد التعقيد، وكانت فيه فلسطين حاضرة في الفكر والسياسة والتنظيم والمقاومة، وكانت أجيال من الفلسطينيين ترى أن استعادة الوطن ليست حلمًا فرديًا، وإنما قضية شعب بأكمله، وأن الطريق إليها قد يختلف من مدرسة إلى أخرى، لكن جوهر القضية يبقى ثابتًا: شعب اقتُلع من أرضه يريد أن يستعيد حقه في الحرية والكرامة والعودة.
وفي ذلك الزمن، كانت الكلمة سلاحًا، والصورة سلاحًا، والذاكرة سلاحًا، وكانت الحكاية الفلسطينية نفسها فعل مقاومة، لأن من يستطيع أن يحكي حكايته يستطيع أن يقاوم الرواية التي تريد محوها، ومن يستطيع أن يقول اسم قريته يستطيع أن يثبت أن القرية لم تختفِ بمجرد أن هُجّر أهلها، ومن يستطيع أن يحفظ اسم شهيده يستطيع أن يمنع موته من أن يتحول إلى رقم مجهول في كتاب قديم.
ولهذا فإن مسؤولية الذاكرة اليوم ليست أن تجعلنا أسرى للحزن، وإنما أن تجعلنا أكثر قدرة على فهم الحاضر، لأن فلسطين التي فقدت تل الزعتر لم تفقد المخيم وحده، بل فقدت بشرًا عاشوا فيه وحملوا وطنهم، ومن حق هؤلاء أن تبقى قصتهم حاضرة، لا من أجل إنتاج الكراهية، وإنما من أجل إنتاج الحقيقة، فالحقيقة وحدها تستطيع أن تمنع التاريخ من أن يتحول إلى رواية يكتبها المنتصرون، والعدالة تبدأ من الاعتراف بالإنسان الذي سقط ومنحه اسمه ومكانه في الذاكرة.
واليوم، حين ينظر الفلسطيني إلى غزة، لا يستطيع أن يمنع الذاكرة من استعادة صور قديمة، لأن الحصار والدمار والنزوح ومشهد العائلة التي تبحث عن مكان يحمي أبناءها يعيد إلى الوعي الفلسطيني أسئلة يعرفها منذ زمن بعيد، وإن كانت لكل حرب ظروفها وسياقاتها وأطرافها، فإن الإنسان الذي يبحث عن مأوى في غزة اليوم يعرف، بطريقة موجعة، معنى أن يصبح البيت هدفًا، وأن يتحول المكان الذي يفترض أن يحميك إلى مساحة خوف، وأن تحمل أطفالك من شارع إلى شارع وأنت لا تعرف أين يمكن أن تجد صباحًا أكثر أمانًا.
من تل الزعتر إلى غزة، ومن مخيمات لبنان إلى مخيمات فلسطين، تبدو الذاكرة كأنها خيط طويل يصل بين أجيال متباعدة، ليس لأن التاريخ يعيد نفسه بالحرف، وإنما لأن قضية اللاجئ الفلسطيني لم تجد حلًا عادلًا، ولأن سؤال الوطن بقي مفتوحًا، ولأن الفلسطيني ما زال يواجه محاولات تحويل المأساة إلى أمر طبيعي، واللجوء إلى قدر دائم، والاحتلال إلى واقع لا يتغير.
لكن فلسطين ليست واقعًا يُفرض على الذاكرة.
فلسطين حكاية شعب.
وحكاية الشعب لا تنتهي لأن أحدًا حاول إغلاقها بالقوة.
لقد سقطت جدران تل الزعتر، لكن لم تسقط الحكاية، وتفرقت العائلات، لكن لم تتفرق الذاكرة، ورحل الشهود، لكن تركوا وراءهم أبناء يعرفون أسماء الذين رحلوا، وأحفادًا يعرفون أن وراء كل اسم قرية، ووراء كل قرية بيتًا، ووراء كل بيت وطنًا.
لهذا لا أكتب عن تل الزعتر باعتباره قبرًا للماضي، وإنما باعتباره شاهدًا على شعب رفض أن يموت في المنفى، وشاهدًا على أمهات حملن فلسطين في أصعب الظروف، وعلى أطفال كبروا وهم يحملون وطنًا لم يروه، وعلى ناجين لم يسمحوا للمجزرة أن تنتصر عليهم مرتين، مرة بالقتل ومرة بالنسيان.
وأنا أكتب اليوم، أرى في تل الزعتر أكثر من ركام، أرى وجه طفل يسأل عن أبيه، وأرى أمًا تخبئ مفتاحًا بين ثيابها، وأرى رجلًا يروي لأبنائه قصة البيت الذي تركه خلفه، وأرى فلسطين كاملة تختبئ في التفاصيل الصغيرة، في صورة قديمة، وفي اسم قرية، وفي مفتاح صدئ، وفي حكاية لا تزال تُروى رغم مرور نصف قرن.
أرى أيضًا ذلك المعنى الأعمق للثورة، حين تتحول الذاكرة إلى فعل مقاومة، وحين تصبح الكتابة دفاعًا عن الذين لم تعد أصواتهم قادرة على الكلام، وحين يصبح الصحفي شاهدًا لا يكتفي بتسجيل ما حدث، وإنما يبحث عن الإنسان الذي حاولت الحرب أن تمحوه من الصورة.
وهذا ما يجعل تل الزعتر حاضرًا فينا حتى اليوم، لأن الشهداء الذين رحلوا هناك لم يأخذوا فلسطين معهم، وإنما تركوا لنا ما هو أثمن من الكلمات: تركوا الذاكرة، وتركوا أسماءهم، وتركوا صورهم، وتركوا للأجيال القادمة سؤالًا لا يستطيع أحد إسكاتَه: إذا كان لنا وطن، فكيف يمكن أن نقبل بأن يصبح المنفى وطنًا أبديًا؟
في ذكرى تل الزعتر، لا أريد أن أستدعي الموت وحده، وإنما أريد أن أستعيد الحياة التي كانت هناك، الحياة التي حاولت أن تستمر وسط الحصار، والنساء اللواتي حافظن على بيوتهن، والأطفال الذين ظلوا أطفالًا رغم الحرب، والرجال الذين حاولوا حماية عائلاتهم، والناجين الذين حملوا ما تبقى من المخيم في قلوبهم، لأن قوة المأساة لا تكمن فقط في عدد الذين قتلوا، وإنما في حجم الحياة التي أُريد لها أن تختفي.
تل الزعتر لم يكن نهاية فلسطين، كما لم تكن النكبة نهايتها، ولم يكن اللجوء نهاية الحكاية، لأن فلسطين ظلت تنتقل من جيل إلى جيل، من الأم إلى الابن، ومن الابن إلى الحفيد، حتى أصبح الوطن جزءًا من الذاكرة اليومية، وصار حق العودة شيئًا لا يحتاج إلى شرح طويل، لأن الإنسان الذي يعرف من أين جاء لا يحتاج إلى أحد كي يخبره إلى أين يريد أن يعود.
بعد خمسين عامًا، يمكن للزمن أن يغير المدن، وأن يسقط الأبنية، وأن تتبدل الوجوه، وأن تفتح الطرق وتغلق أخرى، لكنه لا يستطيع أن يغير الحقيقة الأساسية التي بقيت في قلب كل لاجئ: أن هناك بيتًا لم يعد إليه بعد.
وتل الزعتر هو واحد من أبواب تلك الذاكرة.
باب لا يغلق.
لأن خلفه أناسًا عاشوا وماتوا، وأطفالًا كبروا، وأمهات انتظرن، وناجين شهدوا، وشعبًا كاملًا ما زال يقول للعالم إن الذاكرة ليست حنينًا إلى الماضي، وإن العودة ليست حلمًا مستحيلًا، وإن فلسطين ليست اسمًا على خريطة، وإنما وطن يسكن في الإنسان كما يسكن الإنسان في وطنه.
وفي 12 آب/أغسطس، حين نستعيد تل الزعتر، فإننا لا نستعيد يومًا من أيام الحرب فقط، وإنما نستعيد جزءًا من روح فلسطين، ونقول لمن رحلوا إن أسماءهم لم تضيع، ولمن نجوا إن شهاداتهم لم تذهب سدى، وللأجيال التي ولدت بعدهم إن المخيم الذي سقط بالحجر لم يسقط بالذاكرة، وإن الوطن الذي غاب عن العين بقي حاضرًا في القلب.
تل الزعتر لم يمت، لأن فلسطين لم تمت.
وما دام هناك فلسطيني يتذكر اسم بيته، فإن الطريق إلى البيت لم يُغلق.
لؤي صوالحة