1

سيكولوجيا البوابات.. هندسة القهر في الجغرافيا الفلسطينية

أمين الحاج

في محاولة تبدو توعوية، شاهدت مقطعاً قصيراً على صفحات إعلاميين رسميين، وعشرات المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، جميعها تشرح دلالات ألوان البوابات المنتشرة على مداخل المدن والقرى الفلسطنية، كان الهدف المعلن هو رفع “الوعي” حول دلالة اللون المستخدم، بما يساعد الناس على التصرف وفقا له، لكن ما غاب عن هذا الخطاب أو غيره، هو أن شرح أدوات القهر لا يؤدي إلى تفكيكها، بل يسهم – عن غير قصد – في ترسيخها في الوعي الجمعي، بوصفها مكوناً من مكونات نظام يبدو كما لو أنه “طبيعي” في الحياة اليومية تحت الاحتلال، فيقدم اللون كما لو كان رمزاً محايداً، وتشرح القواعد كما لو كانت تعليمات مرورية بسيطة، وكأن هذه البوابات لا تنتمي إلى منظومة استعمارية شاملة، تعيد تشكيل الحيز العام والخاص للفلسطيني، و”تهندس” حركة الأفراد والوعي في آن واحد، وهكذا يتحول الإعلام الرسمي والمجتمعي– عن غير قصد – إلى وسيط غير مباشر يعيد “إنتاج” منطق السيطرة.

في قلب الجغرافيا الفلسطينية، وعلى محدوديتها، لم تعد البوابة مجرد قطعة حديدة ملونه تفصل بين مكانين، بل غدت رمزاً مركزياً لمنظومة السيطرة الممنهجة التي تمارس على الفلسطيني يومياً، تشهد الضفة الغربية منذ سنوات، وقد تكثفت كثيراً في الأشهر الأخيرة، نشراً واسعاً وغير مسبوق للبوابات، لا يوجد رقم دقيق لذلك، ربما هي ألف او أكثر أو اقل، ولكنها – باختلاف ألوانها – تخفي منطقاً واحداً، تكريس التفوق الاستيطاني على حساب الفلسطيني، نفسياً ومكانياً وزمانياً.

فالبوابة ليست مجرد حاجز مادي، بل أداة لإنتاج العجز والانكسار النفسي، يراد لها أن ترسخ في وعي الفلسطيني شعوراً دائماً بالانعزال عن محيطه، وبالضعف والتبعية، تغلق وتفتح وفق “منطق أمني” غامض يحدده الاحتلال، وتُخضع الفلسطيني لحالة دائمة من الانتظار والارتياب، في ظل ما يمكن وصفه بـ”يقين اللايقين”، فهو متأكد من أن شيئاً غير مؤكد سيحدث، هل سيتمكن من الوصول إلى عمله؟ هل سيسمح له بالعبور لحضور مناسبة عائلية او حفل افتتاح مركز تجاري؟ هل سيصل إلى المستشفى في الوقت المناسب؟ هذا القلق المزمن يولد حالة من التوتر الجمعي والإنهاك النفسي، تغذي “سيكولوجيا القهر” التي تسهم في تفتيت الإرادة الجمعية.

تقوم فلسفة هذه البوابات على فرضية يمينية تعتبر أن للمستوطن “الأولوية الحصرية” أو أنه صاحب “الحق الأول” في التنقل، دون أن “يتلوث” سمعه وبصرة بمشاهدة جموع “الأغيار”، وبناء على ذلك، تدار البوابات لتخدم هذا المنطق، ولو كان “الثمن” عزل مدن وقرى فلسطينية بأكملها، وإعادة ترسيم “الحيز العام”، وبهذا يتحول الفضاء “المشترك” إلى مستعمرة زمنية وجغرافية، يعاد تشكيلها بما يخدم تفوق الأقلية الاستيطانية على حساب الأغلبية الأصلانية.

حين تغلق البوابة، لا تغلق طريقا فحسب، بل يغلق معها نسيج اجتماعي بأكمله، تقطع صلات الرحم، يمنع الطلاب من الوصول إلى جامعاتهم، ويعزل المزارعون عن أراضيهم، وتفصل العائلات عن بعضها البعض، وهكذا، لا تستخدم البوابة لعزل الإنسان عن المكان فقط، بل لعزله عن ذاته، ولتفكيك الرابط بين الجغرافيا والهوية.

رغم أن البعض قد يظن أن اختلاف ألوان البوابات أمر عشوائي، إلا أن هذا التعدد البصري هو جزء من منظومة الرموز الاستعمارية، ووسيلة إضافية للسيطرة النفسية، فلكل لون دلالة “أمنية” غير معلنة، هذا الغموض يضيف طبقة إضافية من الإرباك واللايقين، في محاولة لإرغام الفلسطيني على التعامل مع واقع القيد كجزء من يومه، فتطبع في الوعي مع الزمن، ويعاد إنتاج القهر بوصفه “عادياً”.

إن “سيكولوجيا البوابات” تكشف وجها “متجدداً” للاحتلال، لا يكتفي بالسيطرة العسكرية، بل يسعى إلى برمجة وعي الفلسطيني على تقبل القيد والتعايش معه، وفي هذا السياق لا يكون الاحتلال مجرد قوة غاشمة، بل يصبح “مهندساً” للجغرافيا والنفس، يعيد “تشكيل” الزمان والمكان والذات.

وأمام هذا الواقع، لا بد من محاكمة هذه الممارسات التي قد تبدو بسيطة أو “تقنية”، لكنها في جوهرها تجسد أعمق أشكال الهيمنة وأكثرها خطورة، الهيمنة على الكينونة، وبالتالي يتوجب علينا ألا نكتفي بفهم دلالة الألوان، بل نذهب بعيداً، لنسأل، من ولماذا؟ وما الرسائل التي يريد إيصالها إلى عقل الإنسان الفلسطيني قبل ان يقيد جسده؟




الغُبّس”.. درب جنيني تاريخي مُستهدف

عبد الباسط خلف- قفز اسم طلعة الغبس إلى واجهة الأخبار والألسن منذ الاجتياح الإسرائيلي المستمر، وخلال عدوان الاحتلال على المدينة ومخيمها قبل نحو 4 سنوات.

وتفصل التلة المنحدرة والحادة بين جنين وأحياء المخيم الجنوبية، وكانت أول الطرقات التي يطالها التخريب والتجريف، خلال السنوات الأخيرة.

وجلس الستيني محمد أسعد، على شرفة منزله التي تواجه الطريق الصعبة، وقال إنها كانت تتعرض في كل اقتحام للتخريب، وكأنها اعتبرت من الشوارع المفضلة للتدمير.

وأكد أن الدرب الذي يجاوره منذ 4 عقود انقلب حاله 180 درجة، خلال العدوان الذي يقترب من إكمال شهره الثالث، واليوم يمكن من حوافه مشاهدة التدمير الواسع في جانبي الشارع.

سيرة مكان

وردد الشاعر والفنان التشكيلي حسام السبع سيرة المكان التي يحفظها عن ظهر قلب، وأكد لـ”الحياة الجديدة” وجود خطأ شائع في اسمها، فهي طلعة ( الغُبّس) وليست (الغبز).

وقال بحنين جارف إلى الماضي، إن الشارع مرتبط بصهر عائلته، الحاج سليم سعيد الغبس، الذي شيّد أول بيت في باطن الجبل، واعتاد الوصول إلى بيته عبر ممر صخري، وعندما اتسعت حركة البنيان في المنطقة، وصار الناس يشاهدون الحاج سليم، أطلقوا اسمه على الشارع المنحدر، منذ تأسيس البيت مطلع عام 1950.

واختار الغبس تصميم منزله على شكل “فيلا” صغيرة، قبل النكبة، وفي محيطه حديقة تنافست لتجميل البيت أشجار كثيرة.

وأفاد السبع بأن الحاج الغبس اشترى أرضًا وأقام بيته في أعلى الجبل، الذي كان وقتها منطقة نائية جداً ومنحدرة، وخالية من البيوت، واستغرب أهل جنين منه، خاصة أن المدينة كانت صغيرة جداً لم تكن تتعدى دوار السينما والمخيم وبستان شريم في شارع نابلس، وبيارة فؤاد قاسم عبد الهادي على دوار الزايد حالياً.

مزارع ونكسة

وبيّن أن صاحب المكان، عمل في الزراعة واشتهر بتقليم أشجار النخيل، التي كانت تزين بها المدينة.

ووفق السبع، فإن عمته نجية ارتبطت بمحمود الغبس، واعتاد خلال طفولته وصباه زيارة منزلها واللهو رفقة أولادها في المساحات الفارغة العديدة، التي كانت منتشرة حول بيتها، وكانوا يصعدون إلى الجابريات الخالية وقتها من أي بيت، ويشاهدون دبابة أردنية دمرت عشية النكسة، وظلت صامدة وقتًا طويلًا.

وقال إن المزارع الغبس، أنجب أربعة أبناء انتقلوا جميعًا إلى الكويت قبل النكسة، ثم عاش شقيقهم الأكبر خالد في الأردن، بينما تزوج محمد من عائلة الطرزي، وبقي الابن فتحي بعد النكسة، غير أنه تعرض لمطاردة الاحتلال بعد النكسة، وفر إلى الأردن مطلع السبعينيات، ولم يعد من يومها إلى جنين.

وأكد أنه لم يبق في جنين من عائلة الغبس غير ابنة عمته عزيزة (60 عامًا) التي كانت مقيمة في الكويت، بينما توفيت عمتها خالدية قبل سنتين.

“ثكنة عسكرية”

وأوضح السبع أن الحاج سليم الغبس من رجالات جنين الأصليين، والطلعة تعتبر من أحد معالم المدينة التي تعرضت لعدوان، وجرى تحريف اسمها إلى الغبز.

وأشار إلى أن الاحتلال حرث الشارع عدة مرات، ويواصل منذ 84 يومًا تخريبها، وتعرض محيط منزل الحاج سليم إلى التدمير، مثلما عاث المحتلون فسادًا ببوابة البيت القديمة.

فيما ذكر الإعلامي تامر أبو الهيجاء، الذي كان يقيم في منطقة قريبة من الشارع، بأن طلعة الغبس تحولت إلى ثكنة عسكرية لجنود الاحتلال، عبر الاستيلاء على عدة منازل مشرفة على المخيم والمدينة.

وأوضح أن البيوت على جانبي الطريق تعرضت لعمليات حرق وتدمير وتخريب، وقد غير العدوان معالمها، كما حول غالبيتها إلى ركام.

من جهته، أفاد السائق محمد أبو الفريد أن الطلعة واحدة من أقسى طرق جنين وعورة، لكنها مشهورة كثيرًا، وهي بلا مبالغة أحد أبرز الشوارع في المدينة كلها.

وتأثر من جراء التدمير المتكرر لبيوت المخيم والمدينة، وللتجريف المتكرر لطلعة الغبس، التي كان يتكرر ذكرها كثيرًا في نداءات مكاتب التكسي، خلال توصيف البيوت للوصول إلى الركاب.

وأنهى أبو الفريد: لا تنطق غالبيتنا اسم الشارع بصورة صحيحة، ولم أعلم شخصيًا إلا قبل أسبوعين بأنها منسوبة إلى عائلة الغبس، وكنا نظنها مثل أي اسم أو دون معنى.




نظرية الأمن الإسرائيلي المتوهم

د. أحمد رفيق عوض

كثير من الخبراء والعسكريين والأكاديميين الإسرائيليين الذين يدعون أنهم الأقدر في فهم ما يسمونه الشرق الأوسط، وأنهم الأنجع في التعامل معه ومع ظواهره، يعتقدون أن هذه المنطقة بكل ما فيها من فسيفساء عرقية وطائفية منطقة هشّة دائمة التغير وكثيرة الصراعات، تخلو من الشرعيات والثوابت، وتعبد القوة بكل صورها وتجلياتها، ويعتقدون أن شعوب هذه المنطقة وطوائفها طارئون ولم يطوروا يوماً دولاً راسخة أو أنظمة مستقرة، حتى الدول التي نشأت هنا كانت دولاً إقطاعية عشائرية تقوم على العصبية أكثر مما تقوم على القومية أو الوطنية.

المشكلة في هذا أن المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية تتعامل معنا بهذه العقلية الاستعمارية والاستشراقية. بمعنى أنها تتعامل معنا ومع شعوب دول المنطقة من منطلق أننا لسنا شعوباً ناضجة ولسنا دولاً حقيقة أيضاً. 

فالمؤسسة الأمنية العسكرية الإسرائيلية الحاكمة في إسرائيل وصاحبة القرار حتى الآن على الأقل تعتقد أن من الممكن التوصل إلى أمن دائم ولا أقول سلاماً دائماً من خلال اجراءات القوة بكل أشكالها، بدءاً من احتلال الأرض وطرد أهلها أو التنكيل بهم أو حرمانهم من ثرواتهم وسلبهم حقوقهم، والتحكم في حياتهم، والسيطرة على نشاطهم والحد من قدرتهم على المواجهة، ومنعهم من ممارسة الحقوق الأساسية، ودفعهم إلى الإحساس بأنهم داخل سجن كبير غير مسموح لهم بالكثير من الامتيازات التي يمتلكها كل مواطن يعيش على أرضه بكامل حريته، ولهذا عمدت المؤسسة الأمنية العسكرية وعلى مدار 56 سنة إلى تقييد الحريات والحركة والعمل والسفر والبناء والتعليم والتطور الحضري والسكاني، وذلك من خلال منظومة قانونية تمييزية وتمدد الاستيطان وتغيير شبكة الطرق ومصادرة الأرض لاعتبارات شتى وطرد المواطنين، ومنعهم من البناء ودفعهم إلى مربعات سكانية تضيق وتضيق كلما تقدم فيها الزمن. 

ولكن المؤسسة الأمنية العسكرية الإسرائيلية لم تكتف بإجراءات القوة والإخضاع هذه رغم أنها باهظة وقاسية، ونجحت في بعض أهدافها المتمثلة في إفقار المواطنين وإلحاقهم بالاقتصاد الإسرائيلي وتفكيك البنى الاجتماعية بمدى معين، وكذلك دفعهم إلى الهجرة أو ترك مقاعد الدراسة أو الانغماس في عالم الجريمة. المؤسسة الأمنية العسكرية لم تكتف كما قلت بإجراءات القوة هذه، بل عمدت إلى استخدام أداة أخرى للسيطرة والإخضاع وذلك من خلال المقترحات السياسية ومشاريع التسوية ووضع البدائل وطرح الخيارات السياسية المتعددة، وعلى مدى 56 سنة، فقد عمد المحتل الى تجاوز خيارات الشعب الفلسطيني ورموزه وممثله السياسي، حاول المحتل طيلة الوقت أن يصنع قيادات بديلة وخططاً أخرى وأجساماً وهمية، وحاول أن يخلق حلولاً لا رجلين لها ولا يدين وأن يصطنع قبضايات من مختلف المناطق والألوان والأهواء . 

ويبدو  أن ذلك لم ينجح لأسباب يطول شرحها ولا يحتملها مقال صحفي مثل هذا، لهذا عمدت المؤسسة الأمنية العسكرية إلى حلول أخرى جديدة مثل التفكيك والتشكيك والتفريق وعمليات الإغراء والإغواء وخطط التمويل والإيهام بالتمثيل. عمدت المؤسسة العسكرية الأمنية الإسرائيلية إلى استخدام القوة وفائضها من جهة وإلى استخدام الوسائل الناعمة وخداعها، من منطلق أن شعوب المنطقة واهمة  ومتوهمة وطائشة وعاطفية وتصدق كل شيء بقليل من الإغراء والإغواء. 

إسرائيل لم تتخل يوماً عن محاولة ترسيخ أمنها ولا أقول سلامها عن طريق العصا الغليظة التي تعمل دون التفات إلى التسويات، وعن طريق سياسات ناعمة تعمل دون التفات إلى العصا الغليظة. تبدو إسرائيل في ذلك غير مفهومة أو كأنها مجنونة أو أنها بدون كوابح قانونية أو ضوابط إنسانية  على الإطلاق. ما المشكلة في هذا كله؟! المشكلة أن إسرائيل لم تحصل على الأمن حتى هذه اللحظة، ولم تحصل على السلام أيضاً، فقد ظلت في حروب دائمة تكلفها الكثير مادياً وبشرياً وظلت في اضطراب دائم وجدل هائل، وبالقدر الذي تغيرنا فيه نحن، فإن المجتمع الإسرائيلي تغير هو الآخر بوتيرة أكبر، فإسرائيل تفقد حيويتها ومؤسساتها الضامنة وعواملها الذاتية القوية وتنحدر إلى هوة التطرف والعنصرية ونذر الحرب الأهلية، وتفقد الألق والسمعة والاحترام، في الوقت الذي تزداد فيه المخاطر والتحديات القريبة والبعيدة.

المشكلة في نظرية الأمن الإسرائيلي المتوهم أن إسرائيل لا تريد أن ترى أنها تحتل وتصادر شعباً آخر ورغم ذلك تطالب المنطقة ليس بالاعتراف بذلك فقط وإنما المشاركة في تحمل تبعاته، هذا احتلال لم يكن من قبل، وهذا صحيح أيضاً فالإسرائيلي المحتل لا يعتقد أنه يمارس احتلالاً بشعاً بل يرى أنه يعود إلى بيته الذي هجره من آلاف السنين، وبالتالي فإنه يقوم بترميمه من جديد. وعمليات الترميم فيها بعض الخسائر. هذه هي مشكلة الأمن الإسرائيلي: أوهام كثيرة وجهود خارقة لإثبات صحتها وهو ما لا يستقيم أبداً.

………….

المشكلة في نظرية الأمن الإسرائيلي المتوهم أن إسرائيل لا تريد أن ترى أنها تحتل وتصادر شعباً آخر ورغم ذلك تطالب المنطقة ليس بالاعتراف بذلك فقط وإنما المشاركة في تحمل تبعاته.




حرب المستوطنين في الضفة

بهاء رحال

منذ بدأت حرب الإبادة في غزة استعر الاستيطان في المدن والبلدات الفلسطينية، وعلى نحو خاص في القدس التي تتعرض لأكبر عملية تهويد وعزل عن محيطها العربي الفلسطيني، حيث ترافق ذلك بدعم غير مسبوق من حكومة الحرب والاحتلال ومن وزرائها المتطرفين في مقدمتهم سموتيرتش وبنغفير، فبين تشريعات وقوانين تم إقرارها في كنيست الاحتلال وبين الإجراءات المتسارعة على الأرض هيمن الاستيطان على الضفة وقضم مئات آلاف الدونماتمن الأرض، وفق خطط معلنة الهدف منها بات واضحًا ومعلنًا وهو يتمثل بالسيطرة الكاملة، وطرد وتهجير الفلسطينيين من الضفة والقدس، تمامًا كما هي المحاولات لتهجير الناس من غزة.

ومع اتساع رقعة العدوان وتواطؤ المجتمع الدوليوالصمت الإقليمي والعربي، تصاعدت عمليات الهدم والمصادرة، في مشهدٍ يعكس حجم التواطؤ والتغطية على سياسات الاحتلال التوسعية التي لم تتوقف، بل هي آخذه بالتصاعد يومًا وراء يوم.  

والمتابع لكل ما يجري على الأرض يعلم أنه لم تَعُد المسألة مجرد قرارات عسكرية أو أمنية، بل باتت خطة ممنهجةتتشارك فيها الأذرع السياسية والعسكرية والقضائية للاحتلال، لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا بما يخدم المشروع الصهيوني الاحلالي، وهم يجاهرون بتصريحاتهم. وفي القدس، تتكثف الإجراءات من تضييق على السكان، وهدم للمنازل، وتغيير ملامح المدينة، إلى منع أي مظهر من مظاهر الحياة العربية الفلسطينية، في محاولة لطمس الهوية وسلب المكان من معناه الفلسطيني العميق. 

إن ما يجري ليس سوى فصلٍ من فصول النكبة المستمرة، والتطهير العرقي والإبادة التي يحاول فيها الاحتلال إعادة إنتاج المشروع الاستعماري بثوبٍ جديد، هو ثوب القتل والقهر والقمع، وسياسات مرعبة وغير مسبوقة من قبل، وقوانين جائرة وظالمة، ضاربًا كل النداءات والقرارات الدولية، ومحاولًا الاستفادة من التواطؤ الدولي الذي يقف على رأسه ترامب الداعم لاستمرار حرب التطهير العرقي في غزة والضفة والقدس.

إن ما يتعرض له الناس من اعتداءات دائمة يقوم بهاقطعان المستوطنين، تتمثل في مصادرة الأراضي وحرق الممتلكات والعربدة بكل أشكالها تحت حراسة مشددة من جيش الاحتلال وبدعم مستمر من حكومة نتنياهو التي توزع السلاح بشكل علني، وتمنحهم الغطاء القانوني والسياسي لممارسة إرهابهم ضد الفلسطينيين العُزّل. هذا الواقع المأساوي خلق بيئة من الرعب اليومي في القرى والبلدات، حيث باتت حياة الأهالي مهددة في كل لحظة، بين اجتياحات المستوطنين للبيوت والمنازل، ومهاجمة المحاصيل الزراعية التي تُعد مصدر رزقهم الوحيد.

ومع ذلك، يبقى الشعب الفلسطيني على الأرض، صامدًا، ثابتًا، متمسكًا ببيته رغم الهدم والخراب، مؤمنًا بفلسطين الأرض والهوية، و على يقين تام أن الاحتلال مهما طال، زائل لا محالة.




اقتحام بن غفير للمسجد الأقصى

سري القدوة

الاحتلال يواصل حرب الإبادة الجماعية بلا هوادة في قطاع غزة في ظل أقدام وزير أمن الاحتلال الإسرائيلي المتطرف بن غفير على اقتحام  المسجد الأقصى المبارك بحراسة مشددة من قوات الاحتلال. ويأتي هذا التصرف الاستفزازي والتحريضي تجاه مشاعر الملايين من المسلمين حول العالم، واستخفاف واضح بالمجتمع الدولي وبالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية .

 اقتحام المتطرف إيتمار بن غفير للمسجد الأقصى وتدنيسه للمقدسات الإسلامية التي أصبحت عرضة للانتهاكات اليومية من قبل عصابات المستعمرين الذين يعملون بغطاء حكومة يمينية تعمل بشكل حثيث من أجل السيطرة على مقدساتنا الإسلامية والمسيحية من خلال خطة ممهنجة ومحددة بشكل واضح، وان ما يقوم به المتطرف بن غفير من اقتحامات تؤكد الغطاء السياسي الإسرائيلي له وتورط حكومة بنيامين نتنياهو في هذه الممارسات. وكان بن غفير قد اقتحم الأقصى مدعوماً من حكومته اليمينية المتطرفة لـ (8) مرات منذ توليه منصبه و(5) مرات منذ بدء الحرب على غزة، وكان أصدر سابقاً عدة تصريحات يمينية متطرفة هدد فيها بتأسيس كنيس يهودي في المسجد الأقصى .

 محاولات حكومة الاحتلال مساسها بالوضع التاريخي والقانوني للأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس مرفوضة وباطلة، وتمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وتسهم في زيادة التصعيد والتوتر وعدم الاستقرار في المنطقة، حيث جاءت بعد قصف جيش الاحتلال العيادة التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين “الأونروا” في مخيم جباليا في قطاع غزة، ما أدى إلى استشهاد وإصابة العشرات من النازحين معظمهم من الأطفال والنساء وتوسيع الاحتلال لعملياته العسكرية في جميع أنحاء القطاع وسياسة التجويع الممنهج بحق المدنيين، وهو ما يمثل جريمة وكارثة ضد الإنسانية وخرقاً صارخًا لكل المواثيق الدولية التي تكفل حقوق الإنسان وحق الشعوب في العيش بكرامة .

هذا السلوك من شأنه ان يشعل فتيل أزمة جدية في القدس لأن هذه الاقتحامات تمس مشاعر المسلمين وانتهاك لقدسية المسجد الذي هو ملك خالص للمسلمين وحدهم ولا ينازعهم فيه أحد بقرار رباني، وأن بن غفير وغلاة المستعمرين الذين اقتحموا المسجد الأقصى المبارك على الهواء مباشرة يدركون جدياً أن هذه الخطوة استفزازية لمشاعر المقدسيين الذي يفدون الأقصى بالمهج والأرواح، وأن هذا الاقتحام يعد استخفافاً بمشاعر الأمة الإسلامية قاطبة .

 لا بد من تحرك عربي وإسلامي ودولي عاجل وجاد لمنع تكرار هذه الاقتحامات التي تنذر بانفجار صراع ديني في المنطقة تكون عواقبه وخيمة على كل الشعوب العربية والإسلامية وعلى المجتمع الإسرائيلي أيضا، ويجب على منظمة التعاون الإسلامي والعرب والمسلمين أن يتخذوا موقفا صارماً بهذا الصدد، احتجاجاً على هذا التحدي لمشاعر أكثر من 2 مليار مسلم في العالم .

 الصمت الدولي هو الذي شجع الاحتلال على التمادي في تحدي القانون الدولي، ومواصلة ارتكاب الجرائم ضد شعبنا وأرضنا، ويجب إجبار دولة الاحتلال على الخضوع للشرعية الدولية ووقف عدوانها وجرائمها، ولا بد المجتمع الدولي ومجلس الأمن والبرلمانات الدولية والإقليمية وشعوب العالم الحر اتخاذ إجراءات صارمة وفورية تجاه الاحتلال لوقف هذه الممارسات الاستفزازية بحق المقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس ووقف الإبادة الجماعية والتطهير العرقي الذي يرتكبه بحق أهلنا في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، وأن تقاعس المجتمع الدولي يشجع حكومة الاحتلال على تعميق استفرادها العنيف بالشعب الفلسطيني، ويدفعها لمواصلة حرب الإبادة والتهجير والضم .

…….

محاولات حكومة الاحتلال مساسها بالوضع التاريخي والقانوني للأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس مرفوضة وباطلة، وتمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي.