1

من الدولة المدللة.. إلى المنبوذة

أمين الحاج

لم تكن هذه العبارة يوماً توجه لدولة الاحتلال، لكن يبدو أن الزمن يتغير، والأقنعة تسقط، وها هي اليوم تزاحم أنظمة القمع والإبادة على المقاعد الخلفية للنظام الدولي، فمع اتساع رقعة الإدانات، وتعليق الاتفاقيات، والتهديد بفرض العقوبات، لم يعد وصف المنبوذة مبالغة، بل هو توصيف سياسي وأخلاقي لحقيقة باتت تفرض نفسها بقوة، فهي لم تعد شريكاً، بل عبئاً على ما بقي من ضمير العالم.
عندما تتوالى بيانات الإدانة من قادة دول غربية، وتُصدر منظمات أممية تحذيرات من مجاعة جماعية، وتمتلئ شوارع أوروبا بلافتات تصف دولة الاحتلال بمرتكبة الإبادة، فإننا لسنا أمام أزمة دبلوماسية عابرة، بل أمام تحول تاريخي في موقعها على خريطة “الشرعية الدولية”، وهي التي طالما تمتعت بحصانة سياسية وإعلامية، كما “تمتعت” بقتل الأطفال الفلسطينيين، تجد نفسها اليوم على مشارف العزلة، الأخلاقية والقانونية، ولا نبالغ إذا قلنا أنها دخلت فعلياً مرحلة “الدولة المنبوذة”.
منذ السابع من أكتوبر شنت دولة الاحتلال حرب إبادة جماعية على قطاع غزة، خلفت حتى الآن عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، أغلبهم من الأطفال والنساء، وفق تقارير محلية ودولية، واستهدفت مدارس ومستشفيات وملاجئ، وهجرت مئات الآلاف، ومنعت دخول الغذاء والماء والدواء لفترات طويلة سابقاً، ومؤخراً لمدة تزيد على الشهرين، متسببة بكارثة إنسانية لم يشهدها القرن الحادي والعشرون، وفي كل مرة تعلن “إدخال مساعدات”، لا تكون إلا قطرات، لا تطفئ حرائق الجوع، ولا تسعف المحتضرين.
لكن الجديد هذه المرة ليس فقط حجم الجريمة، ولا اتساع رقعتها، ولا همجيتها، بل في حجم الرفض الدولي، فقادة دول غربية كبريطانيا وفرنسا وكندا حذروا من اتخاذ “إجراءات ملموسة” إذا لم توقف عملياتها في غزة، وفي موقف غير مسبوق من حلفاء تاريخيين ومؤسسين، بريطانيا أعلنت تعليق محادثات التجارة الحرة، والاتحاد الأوروبي بدأ بمراجعة اتفاقية الشراكة، فيما طالبت دول أعضاء أخرى بفرض عقوبات على وزراء حكومة نتنياهو اليمينية، وفي بيان مشترك لاثنتين وعشرين دولة غربية، طالبتها بالسماح بدخول فوري وكامل للمساعدات إلى غزة، ولم تعد البيانات ترفق بمواقف رمادية، بل توصف هذه الأفعال بغير المبررة أخلاقياً وذات نتائج عكسية، وأنها تنطوي على انتهاكات صارخة للقانون الدولي.
وحتى الإدارة الأميركية، ورغم تمسكها بالدعم السياسي والعسكري، بدأت تشهد تصدعات في خطابها الداخلي، وتزايدت الأصوات المحذرة من تبعات دعم غير مشروط لدولة تنتهك القانون الإنساني جهاراً نهاراً، او على مسمع العالم وبصره، وبدأت مواقف حكومة الاحتلال تقابل بالرفض والسخرية، كما حدث حين اتهمت الخارجية الإسرائيلية الأوروبيين بـ”سوء الفهم الكامل”، بل واعتبرت مطالباتهم بوقف الحرب دعماً لحماس.
ما يحدث اليوم ليس مجرد “ضغط دولي”، بل إعلان عالمي بأن دولة الاحتلال لم تعد كياناً فوق القانون، فقد أصبح القتل الممنهج، والتجويع المتعمد، والاستيطان الوقح، والتطهير العرقي، والتهجير الجماعي، عاراً عالمياً لا يمكن التستر عليه، ومع كل طفل ينتشل أشلاء من تحت الأنقاض، وكل أم تفقد أبناءها دفعة واحدة، يتآكل “رصيدها الأخلاقي” في عين داعميها، ذلك الرصيد الذي تأسس على وهم أنها “الديمقراطية الوحيدة” في الشرق الأوسط.
وبهذا فإن العالم لا يعبر فقط عن الغضب، بل عن الرغبة في فك الارتباط مع دولة لم تعد تحترم أي مبدأ من مبادئ القانون الدولي، وتصر على مواصلة جرائمها باسم “حق الدفاع عن النفس”، هذا التحول لا يحدث من فراغ، بل نتيجة تراكمات لعقود من التواطؤ والصمت، تلك التي كسرت اليوم بفعل عدسات الحقيقة وجثث الأطفال والنساء، وهي اليوم – بجرائمها – لم تسلب الفلسطينيين حياتهم فقط، بل سلبت نفسها موقعها في نظام دولي وفر لها الغطاء دائماً، أي أنها الآن باتت دولة منبوذة، أخلاقياً وسياسياً، والخطوة القادمة ليست الشجب، بل المحاسبة.

………….

إسرائيل اليوم – بجرائمها – لم تسلب الفلسطينيين حياتهم فقط، بل سلبت نفسها موقعها في نظام دولي وفر لها الغطاء دائماً، أي أنها الآن باتت دولة منبوذة، أخلاقياً وسياسياً، والخطوة القادمة ليست الشجب، بل المحاسبة.




نتائج الحروب العالمية الثلاث – الحلقة الثانية

حمادة فراعنة
لم تكن نتائج الحرب الباردة، للصهيونية ومشروعها الاستعماري التوسعي أقل أهمية من نتائج الحربين العالميتين الأولى والثانية، فإذا كانت نتائج الحرب الأولى قد حققت وعد بلفور عام 1917 وتسهيل قيام مستعمرتها، فقد حققت لها نتائج الحرب الثانية قيام المستعمرة ونيل شرعيتها الدولية واحتلال 78 بالمائة من خارطة فلسطين، كما توسعت عام 1967 لتحتل كامل خارطة فلسطين.
نتائج الحرب الباردة حققت لها الحضور والاختراق السياسي والتطبيع، وهي نتائج شكلت تتويجاً للنتائج الميدانية التي حققتها بفعل العمل العسكري التوسعي، بينما كانت نتائج الحرب الباردة قد تحققت بفعل العمل  السياسي، والضغط الأميركي، والابتزاز، واستثمار العوامل الإقليمية المستجدة بفعل تدمير العراق وليبيا وسوريا واليمن، وهكذا حققت تطلعاتها الاستعمارية التوسعية الاحتلالية،  باحتلالها لكامل خارطة فلسطين، وبذلك نجحت في تحقيق العنوان الأول للصراع الفلسطيني الإسرائيلي لصالحها المتمثل باحتلال كامل خارطة فلسطين، ولكنها فشلت في تحقيق الهدف الثاني المتمثل بطرد وتشريد كامل أعداد الشعب الفلسطيني، فقد بقي وصمد، رغم كل المجازر والقمع والتجويع والتضييق على حياة الفلسطينيين، فقد بقي نصف الشعب الفلسطيني متشبثاً، صامداً على أرض وطنه فلسطين.
في إحصاءات عام 2022، بلغ عدد الفلسطينيين على كامل خارطة فلسطين أكثر من سبعة ملايين، وهم بذلك بالمعايير الإحصائية يشكلون شعباً وليسوا جالية صغيرة محدودة، بل يوازون عدد القادمين الأجانب من اليهود الذين استوطنوا واستعمروا فلسطين.
ولذلك يمكن الاستخلاص أن الوضع البشري والصراع الديمغرافي على أرض فلسطين لصالح الشعب الفلسطيني، رغم مواصلة استقدام الأجانب إلى فلسطين ومنع عمليات “جمع الشمل” باستثناء من سمح لهم بالعودة، بفعل اتفاق أوسلو مع الرئيس الراحل ياسر عرفات خلال خمس سنوات بالأعوام 1994 لغاية 1999، حيث عاد حوالي 400 ألف نسمة من الفلسطينيين عادوا لبلدهم لأول مرة منذ عام 1948.
الوجود البشري الفلسطيني شكل عامل إحباط للإسرائيليين، جعل الهدف اليوم من حرب غزة هو قتل أكبر عدد من المدنيين الفلسطينيين سواء كانوا أطفالاً أو أولادا، نساء أو رجالا، المهم التخلص منهم بالقتل المتعمد وفق كافة المراقبين الإسرائيليين، وتصريحات العسكريين، بلا تردد، ومن هنا يمكن القول أن الصراع في فلسطين وعلى أرضها، ومن أجل مستقبلها بين المشروعين: 1- المشروع الوطني الديمقراطي الفلسطيني في مواجهة: 2- المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي، هو بالأساس: الصراع على الأرض وفي الميدان بين الطرفين، وأن الأطراف الخارجية مهما كانت قوية أو داعمة لهذا الطرف أو ذاك، هي عوامل ثانوية مساعدة، وليست هي صاحبة القرار في حسم الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
العوامل الخارجية على الأغلب لصالح المستعمرة، ولكن العامل الذاتي، والصراع على الأرض وفي الميدان، والاشتباكات هي التي ستحسم الصراع، حتى ولو كانت موازين القوى لصالح المستعمرة، وإمكانات الشعب الفلسطيني متواضعة.
الشعب الفلسطيني يملك الاستعداد للتضحية وقضيته عادلة، والعالم بدأ ينحاز تدريجياً لصالح فلسطين وضد المستعمرة، وهو عامل إضافي ستكون له نتائج إيجابية على مسار الصراع وتداعياته.




المخيم الفلسطيني عصي على المحو والانكسار

محمد علوش

ويبقى المخيم الفلسطيني عصياً على المحو والانكسار، ويبقى شاهداً وشهيداً على جريمة النكبة المستمرة من سبعة وسبعين عاماً، تاه خلالها الشعب الفلسطيني في خيام اللجوء وفي المنافي القريبة والبعيدة، بعيداً عن أرض وطنهم، فقد صمدوا ورسخوا هويتهم الوطنية والإنسانية وناضلوا وما زالوا من أجل حقهم المقدس بالعودة الى الديار التي شردوا منها منذ تلك الجريمة الإرهابية التي ارتكبتها العصابات الصهيونية بدعم مباشر من سلطة الانتداب البريطاني، القوة القائمة بالاستعمار والاحتلال الغاشم آنذاك.

لقد شكلت مخيمات اللاجئين عناوين للصمود بصفتها محطات مؤقتة على طريق العودة، ورغم كل هذا الانتماء العميق من أهل المخيم للمخيم، فما هو إلا دليل على إرادة هؤلاء الناس الذين عاهدوا من سبقوهم من الشهداء والمقهورين والمعذبين أن لا يرحلوا من هذه المخيمات رغم كل ما فيها من بؤس وقساوة الحياة وظروف القهر والحرمان إلا إلى ديارهم التي اقتلعوا منها، يربون الأجيال على ثقافة العودة وحق العودة، فإما العودة وإما العودة.

ولقد شكل تعبير “مخيمات اللاجئين” واحداً من أكثر التعبيرات شيوعاً واستخداماً كونها شاهداً على النكبة واللجوء والثورة وغير ذلك من أشكال المعاناة والمقاومة، وقد أثارت مخيمات اللجوء العديد من الأسئلة حول مصير هذا المكان المؤقت والتحولات التي طرأت على حياة سكانه في التنظيم والخدمات والاهتمامات، وفيما إذا لم يزل المخيم يجسّد حقّ العودة في ظل هذه التحولات الكبرى داخله وخارجه. 

تحاول إسرائيل دائماً محو هذا الشاهد على جريمتهم التي أرادوا أن يكون ضحاياها شتاتاً ممزقاً وليس حضوراً مكثفاً،  ومن هنا يأتي إصرار الاحتلال على التدمير الممنهج للمخيمات الفلسطينية في إطار رؤيته للقضاء على رمزية وهوية المخيم وصورته الماثلة أمام شعبنا وأمام العالم، بما في ذلك إنهاء عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” في داخل المخيمات وفي خدمتها تجاه عموم اللاجئين وفقاً للقرار الأممي الذي حدد مهما في خدمة اللاجئين إلى أن يتحقق حقهم بالعودة وفق القرار 194 وهذا الحق الثابت، الفردي والجماعي الذي لا يسقط بالتقادم.

من الواضح أن تفاوت رغبة تدمير المخيمات من حيث شدّتها وأسبابها قاد لاحقاً إلى تفاوت في الوسائل والأساليب التي اتبعها حكومات الاحتلال المتعاقبة لتحقيق هذه الرغبة، وقد انقلبت هذه الرغبة بسبب طول فترة الصراع إلى نقيضها، أي رغبة جميع الأطراف في وقت لاحق في بقاء المخيم، فبينما فشل الاحتلال في الدفع نحو التوطين، وخشية الضغط عليهم من أجل إعادة هؤلاء اللاجئين، فضلوا بقاء المخيم على نحو لا يشكل خطراً أمنياً عليهم من خلال إستراتيجية استهداف متعددة الوسائل والأساليب وطويلة المدى، إلى أن وصل بالاحتلال ذروة هذا الجنون وما يقوم به من تدمير وتجريف وتفجير للمباني وبيوت اللاجئين في مخيمات الضفة الغربية تزامناً مع الحرب العدوانية الشاملة المتواصلة في قطاع غزة والابادة الجماعية التي ينفذها الاحتلال الإسرائيلي بدعم متواصل وبلا حدود من قبل الإدارات الأمريكية – الديمقراطية والجمهورية – اللتين وقفتا مع إسرائيل كشريك مكتمل الأركان وهو ما يؤكد ما ذهبنا إليه من قبل أن كيان الاحتلال ما هو إلا قاعدة استعمارية متقدمة في خدمة المصالح الأمريكية الإمبريالية.

الاحتلال يريد تحويل واقع المخيمات إلى جحيم وإلى أماكن غير قابلة للحياة، حيث يتعمد قصف وحرق منازل المواطنين وتدمير كافة البنى التحية وبشكل ممنهج، إلى جانب إجبار الآلاف من اللاجئين إلى النزوح من جديد، وهو ما يقوم به جيش الفاشية الإرهابي في هذه المرحلة في مخيم جنين منذ أكثر من مائة يوم، وما يقوم به في مخيم طولكرم وفي مخيم نور شمس، والتي نعتبرها بداية مفتوحة على كل الاحتمالات نحو استمرار هذه السياسية العدوانية والتي ربما ستتسع لتشمل كافة المخيمات الأخرى في الضفة الغربية.

إن الذاكرة الفلسطينية ما زالت تستعيد فصول النكبة والتي قامت فيها الحركة الصهيونية وعصاباتها الفاشية بارتكاب المجازر الجماعية، واقتلعت وطردت وشردت شعباً بأكمله من أرضه ووطنه، في أبشع جريمة تطهير عرقي عرفها التاريخ الحديث، والتي ما زال شعبنا يعيش آثارها ويتجرع مرارتها حتى يومنا هذا داخل الوطن وفي مخيمات اللجوء والشتات بعيداً عن أرض وطننا فلسطين، وتأتي ذكرى النكبة هذا العام في ظل تواصل جرائم الاحتلال الإسرائيلي واستمرار مخططاته الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية، ومحاولاته تقويض قيام الدولة الفلسطينية المستقلة بدعم مباشر من الإدارة الأمريكية التي انتقلت من دور الوسيط المنحاز إلى دور الشريك مع الاحتلال، عبر مسلسل من الإجراءات والممارسات العدوانية والحصار المالي والخنق الاقتصادي، ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية عبر ما يسمى بحسم الصراع وإعلان الاحتلال عن البدء بسياسة الضم لأجزاء واسعة من الضفة وأسرلة الأغوار وشمال البحر الميت والتنكر لقرارات الشرعية الدولية والتي تأتي في إطار الحرب الشاملة التي يشنها الاحتلال على شعبنا من قتل وحصار واعتقال ونهب للأرض والاستيطان، واستمرار سياسة الطرد والتهجير في ظل نوايا ومنطلقات حكومة المستوطنين الفاشيين العنصريين بزعامة نتنياهو التي تتكشف في ظل قوانينهم العنصرية وإجراءاتهم المتطرفة والعدوانية، وتواصل النهج الاحتلالي العنصري فيما يسمى بقانون المواطنة والولاء للدولة اليهودية وقانون “النكبة” الذي يستهدف أبناء شعبنا في الداخل وثقافتهم الوطنية وانتمائهم الفلسطيني الأصيل، إلى جانب التصعيد الإسرائيلي الهمجي على شعبنا ومواصلة انتهاج النوايا الحقيقية للاحتلال الذي يسعى لتفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها الأصليين وتوسيع المستوطنات استكمالاً لفصول النكبة، ومحاولة قطع الطريق أمام قيام الدولة الفلسطينية بعد الانجازات السياسية والدبلوماسية المهمة التي حققتها منظمة التحرير الفلسطينية والقيادة الفلسطينية واعترافات دول العالم المتتالية بالدولة الفلسطينية المستقلة.




فلسطين وسيادة القانون

د. دلال صائب عريقات

في معركة الحرية، لا يكفي أن نرفع الشعارات في المحافل الدولية، ولا أن نحمل قضيتنا من مؤتمر إلى آخر، نناشد العالم بضمير قد نام. فلسطين اليوم، كما كانت أمس، لا تحتاج فقط إلى تأييد الخارج، بل إلى يقظة الداخل. التغيير الحقيقي يبداً وينتهي بالداخل. الخارج مكملات وليس العكس.

 أكد لي والدي مراراً أنه “من غير المجدي ان يكون وزن المسؤول ١٠٠ كيلو في عواصم العالم بينما وزنه لا يتجاوز ٢٠ كيلو في فلسطين”. القيادة تُقاس بالثقة الشعبية، وليس بالألقاب أو الأوسمة. هذه هي أبجديات القيادة السياسية. 

الرأي العام هو الأساس وحق الشعب لا يسقط بالتقادم، بينما كانت قضيتنا العادلة تجوب العالم، كانت أروقة الداخل تمتلئ بشروخ خطيرة. مؤسسات تنهار، عدالة تغيب، حقوق تُداس، ومناصب تشغل باسم الوطن. لقد أضعنا الكثير من الوقت بينما الداخل يتآكل تحت أقدام الطامعين. لقد ظننا طويلاً أن العمل الدبلوماسي وحده قادر على أن يشق لنا طريق الخلاص، لكننا غفلنا أن أقوى الساحات التي يجب أن ننتصر فيها هي ساحاتنا نحن: في الحكم، في القانون، وفي الضمير الوطني وها نحن نرى اليوم بوضوحٍ لا لبس فيه: لا تحرير مع ظلم داخلي، ولا عدالة مع فساد مستشرٍ ولا تحرر دون إخلاص وانتماء حقيقي لفلسطين والقضية. 

ابن خلدون كتب منذ قرون: “الظلم مؤذن بخراب العمران.” وإن الاحتلال الذي ينخر في الجسد الفلسطيني، لا يختلف كثيراً عن ذلك الظلم الصامت الذي يصنعه الفساد والإهمال في أروقة الحكم. إننا نطالب العالم كل يوم بأن يحترم حقنا المشروع، ونستنكر ازدواجية معاييره. لكن، أي احترام نطلبه إذا كنا نحن أول من يدهس معايير العدل تحت أقدام المصالح؟ لا بد أن نعي جيداً أن استغلال المناصب، تحريف القوانين، التلاعب بالثقة الشعبية، كلها ممارسات لا تقل فتكاً عن رصاص الاحتلال. 

إن تحرير الأرض يبدأ بتحرير الإنسان من الظلم، بتحرير مؤسساته من الفساد، بتحرير القوانين من أن تكون أداةً للهيمنة وبتحرير العقول من الاستعباد. ليس الاحتلال وحده ما يكبلنا، بل كذلك كل يدٍ خانت العدالة، وكل سلطةٍ داست القانون، وكل صمتٍ تواطأ مع الخطأ. فلسطين لا تحتاج فقط إلى صدى صوتها في الأمم المتحدة، بل إلى صوت الضمير يعلو من كل بيت ومدرسة ومؤسسة: صوت يقول: “لا أحد فوق القانون، ولا شيء فوق الحق.” علينا أن نعيد بناء الداخل قبل أن نطرق أبواب العالم، أن نقيم قلاع العدالة في مؤسساتنا قبل أن نشكو ظلم الآخرين، أن نحمي الحلم الوطني من التآكل كما نحميه من الرصاص. نصوص القوانين الفلسطينية لا غبار عليها. علينا بالإنفاذ وتماماً كما نطالب العالم بعدم الازدواجية في المعايير، علينا احترام إنفاذ سيادة القانون بعدالة بغض النظر عن الجاني وولاءاته علاقاته أو انتماءاته. لن يتحقق النصر ما دمنا نطالب العالم بالعدل بينما نغض الطرف عن ظلمه بيننا ولا يُصان حق شعبٍ إلا إذا صانه بنفسه أولاً ولا يُنتصر لقضية عادلة إلا بأيادٍ طاهرة وضمائر يقظة. 

فلسطين اليوم تحتاج إلى يقظة داخلية حقيقية. فالتغيير الذي نصبو إليه لا يُصنع في الخارج، بل يبدأ من داخلنا، من وعينا وإرادتنا وإصرارنا على بناء وطن لا تهز أركانه الرياح. معركة التحرر الحقيقية تبدأ من الداخل: من الحكم الرشيد، من إنفاذ القانون، ومن إعلاء صوت الضمير الوطني. 

لا تحرر بدون عدالة، ولا عدالة بدون سيادة قانون تُطبق على الجميع دون تمييز، لا استثناءات ولا ولاءات ولا امتيازات.  

كل انتصار سياسي أو دبلوماسي لا قيمة له إن لم يُترجم إلى عدالة في حياة الناس. من يُهمل بناء الداخل، يكتب شهادة هزيمته بيديه. سيادة القانون ليست خياراً، بل شرط وجود لدولة حرة وشعبٍ كريم.




التعديلات المقترحة بشأن آليات انتخاب الهيئات المحلية الفلسطينية وأنصاف الحلول

د. ســـائد الكونـــي/ وزير الحكم المحلي الأسبق

في العام 2016 همت وزارة الحكم المحلي تقديم مشروع قرار بقانون لإجراء تعديلات على آليات الترشح والانتخاب للهيئات المحلية الفلسطينية، وذلك من واقع مسؤولياتها وقربها اليومي من احتياجات وطموحات مواطني الهيئات المحلية، وتحديداً بما يتعلق بتشكيل مجالسها المنتخبة. مبادرة الوزارة هدفت إلى العمل على تلبية هذه الاحتياجات وتحقيق الطموحات المنشودة، وجعل المواطنين شركاء حقيقين في اختيار ممثليهم المحليين، والرقابة الفاعلة لاحقاً على آليات اتخاذ القرار في المجالس المنتخبة من خلال المجالس الاستشارية.

 عقدت الوزارة حينها لقاءات توعية للتعريف بمقترحاتها في عدد من المؤسسات وعلى وجه الخصوص في الجامعات الفلسطينية، رغبة منها في الاستماع والتحاور مع القطاع الشبابي، للفئة العمرية ما بين 18-29 عاماً، كونهم يمثلون ما نسبته 22% من إجمالي السكان في فلسطين، أي ما يزيد عن خمس المجتمع الفلسطيني، بحسب إحصائية  صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء في منتصف العام 2023. وهو توجه تم رفع له القبعة احتراماً كون هذه الفئة العمرية تشكل المخزون البشري الاستراتيجي لشعبنا الفلسطيني، وقياداته المستقبلية المناط بهم مهام جسام متمثلة في السعي نحو التحرر وإحداث التغيير المنشود في شتى مجالات الحياة العامة الفلسطينية. ومن الطبيعي أن يتم إشراكهم في صياغة أية تعديلات على آليات النظام الانتخابي للهيئات المحلية، التي سيكون لها الأثر الكبير في رسم خريطة عمل هيئاتهم المحلية لسنوات طويلة، خاصة إذا ما علمنا بأن القانون الحالي الناظم لانتخابات مجالس الهيئات المحلية هو القانون رقم 10 لسنة 2005 (بتعديلاته الطفيفة التي لم تمس جوهر الآليات الانتخابية). أضف إلى ذلك الحالة الفلسطينية الراهنة التي لا تسر الصديق ولا تغيظ العدا، ولا نرى لها نوراً يبشر بنهاية نفقها المظلم، ما لا يتوقع معه أن ينظر خلال مدى زمني ملائم في تعديلات مستقبلية قد تكون ملحة. 

للأسف باءت محاولة الاصلاح تلك لوزارة الحكم المحلي بالفشل، لما أسميته حينها بـــ “الفكر الأبوي” الذي يحكم صناعة القرار في مجتمعنا الفلسطيني، وذلك في مقالة متعلقة بالخصوص نشرتها لي صحيفة القدس المقدسية بتاريخ 12-12-2016، وهو فكر تمارسه العائلات والعشائر في القرى والبلدات، والتنظيمات و/أو الفصائل في المدن، في آليات تشكيلها للقوائم الإنتخابية المغلقة، حيث يتم ترتيب أسماء المرشحين فيها بحسب الولاء أو القرب أو البعد من صاحب “الفضل” في اتخاذ القرار بترشيح فلان أو علان وترتيبه في القائمة. وقد أظهرت نتائج انتخابات الهيئات المحلية المتعددة التي أجريت الفشل الذريع بكل المقاييس لهذه الآلية؛ بدءاً من الإشكاليات التي صاحبت تشكيل القوائم وترتيب أسماء مرشحيها داخلها، مروراً بما أفرزته آلية التشكيل تلك من هوةٍ انتخابية بين القوائم المُشكلة وقواعدها الانتخابية، التي تمردت على الخيارات الأبوية في تشكيلها، لتأتي رياح الانتخابات بما لم تشتهِ السفن. أضف إلى ذلك ارتهان صناعة القرار في المجالس المنتخبة في أحيانٍ كثيرة بـــ “إملاءات” أو “رغبات” أو “تمنيات” الجهات الأبوية، التي لم تصبّ بالضرورة في الصالح العام للهيئة المحلية ومواطنيها. والنتيجة إحباط وعدم رضى جماهيري على أداء المجالس المتعاقبة وعرّابيها.

استجابت وزارة الحكم المحلي مشكورة في مقترح تعديلاتها للعام 2016، للرغبة الجماهيرية في التحول إلى نظام القائمة النسبية المفتوحة ذات الصوت الواحد بديلاً عن نظام القائمة المُغلقة، وهو نظام يصوّت فيه الناخب للقائمة ورئيسها، وينجم عنه ترتيب مرشحي القائمة وفق إرادة الناخبين، أي وفق ما تفرزه صناديق الاقتراع. ومن فوائد هذا النظام للقائمة وفصيلها، أنه لا يجعل أحداً من مرشحيها في مأمن من عدم الفوز، وبالتالي يحثهم على العمل بجد واجتهاد لانجاح القائمة، لأن في نجاحها مصلحتهم الفردية، على قاعدة المصلحة المشتركة للقائمة والمرشح، وتعزيز روح التعاون والعمل بمقتضى المثل القائل “الفرد للكل والكل للفرد”. وفي هذا النظام أيضاً مصلحة ونصرة للفصيل أو الحزب، إن كان ذلك هو المبتغى من العمل بنظام القوائم الانتخابية، حيث أن نظام القائمة المفتوحة بالآلية المشار إليها يعمق من التفاف القاعدة الجماهرية لكل فصيل حول قائمته الانتخابية، كون الناخب المؤطّر يشعر باحترام قيادته لرأيه في اختيار قياداته المحلية الأجدر من أبناء فصيلهم الذين اشتملت عليهم القائمة.

 ذوو “الفكر الأبوي” لم يرق لهم بطبيعة الحال تلك المقترحات، لما رأوه فيها من حدٍ لسطوتهم الأبوية في صناعة المجالس المحلية وقيادتها من المريدين. فكان الطرح بالقبول بنظام القائمة المفتوحة، ولكن مع إتاحة المجال للناخب للتصويت لأكثر من مرشح من داخل القائمة (كما هو مطروح الآن)، وهو خيار يُتيح لذوي “الفكر الأبوي” المحافظة على نفوذهم في تشكيلة المجالس المنتخبة والتأثير اللاحق على مجريات أعمالها، من خلال الترويج، أو بالأصح “الكولسة”، لأعضاء القائمة المرضي عنهم أو المقربين منهم. مقترح يحقق لهم المراد، دونما انتباه لما يسببه من حزازات ومشاحنات بين أفراد القائمة الواحدة؛ فهو يفرقهم ويُعيق العمل الجماعي الآني والمستقبلي بينهم، ويُضعف فرص فوز قائمة الفصيل أو نسب حصادها الانتخابي.

رفضت وزارة الحكم المحلي وحكومة الوفاق الفلسطينية آنذاك أنصاف الحلول، وآثرت الإبقاء على النظام القائم بعيوبه، يحذوها في ذلك قول الشاعر: “أيقتلكِ البردُ ؟ أنا …. يقتلني نِصفُ الدفئِ … وَنِصفُ المَوقِفِ أكثر”. وحريٌ بوزارتنا العتيدة اليوم كما بالأمس طرح مقترح التعديل القائم على نظام القائمة النسبية المفتوحة ذات الصوت الواحد، احتراماً لإرادة الجماهير والقواعد التنظيمية في اختيار ممثليهم وقادتهم المحليين، وبما يُحتم على القيادات الفصائلية بادئ ذي بدء من الاحتكام إلى المعايير المهنية البحتة في اختيار مرشحيهم من أبناء التنظيمات أو خلافهم من أصحاب الخبرة والصلاح، ومن ثم إفساح المجال لعناصرهم ومناصريهم أمر تحديد من يفوز ومن يقود.