1

رمانة.. بيوت محتلة حتى إشعار آخر

عبد الباسط خلف- لم يكن 11 مواطنا من أبناء عائلة صبيحات، في قرية رمانة غرب جنين، يعلمون أن بيوتهم ستصبح محتلة، بين عشية وضحاها، وسيحول جيش الاحتلال بعضها إلى ثكنة عسكرية.

ويفيد الخمسيني رسمي صبيحات، أحد أصحاب المنازل المخلاة قسرا، بأن جيش الاحتلال اقتحم القرية مساء أمس الأول الجمعة، وأمهل العائلات 10 دقائق للخروج من المنازل، وعدم العودة إليها إلا بعد أسبوع، أو حتى يجري إبلاغه.

ويشير بمرارة إلى أن جنود الاحتلال أحضروا معهم معدات كثيرة تكشف نيتهم الإقامة طويلا، ونصبوا خيمتين على سطح منزلي منير غسان صبيحات، ومحمد نجيب صبيحات، بينما أفرغوا بقية المنازل من أهلها.

ويضيف صبيحات لـ”الحياة الجديدة” بأن الأسر المستولى على بيوتها، انتابها شعور بالقهر وهي تغادرها بالقوة، خاصة أن الاحتلال لم يمنحها وقتًا للحصول على المقتنيات الضرورية، كما لم ينذرها قبل وقت سابق بما سيفعله.

ويبين بحسرة أن العائلات التي أقصاها الاحتلال عن بيوتها الجديدة، بدأت قبل نحو 13 عاما ببناء منازلها في منطقة اللحف المرتفعة، غرب القرية، والمشرفة على غالبية أحيائها.

وحسب صبيحات، فإن العائلات التي وجدت نفسها دون مأوى، لجأت إلى أقربائها في أرجاء القرية الصغيرة، التي التهم جدار الفصل العنصري مساحات منها.

ويؤكد رئيس مجلس القرية، نضال الأحمد، أن الاحتلال لم يسلم العائلات أي أمر مكتوب بالسيطرة على البيوت خلال اقتحامها، وأنه أبلغ أصحابها بمدد مختلفة للعودة.

ويقول إن الاحتلال أبلغ بعض العائلات بنيته مواصلة تحويل البيوت إلى ثكنات عسكرية من 4 أيام أو 7 أو 10، أو لأسبوعين.

ويوضح بأن ما حصل في رمانة هو الأول من نوعه، ورافقه اعتداء لجنود الاحتلال على بعض أصحاب البيوت المخلاة.

ويبين عضو المجلس القروي، حسن صبيحات، بأن البيوت المستهدفة تؤوي قرابة 70 مواطنا وتعود لأبناء عائلة صبيحات: منير غسان، ورامي كامل، وأحمد راشد، وحسن راشد، ومحمد نجيب علي، وسمير نجيب، وفيصل عبد الرحمن، ومحمد عبد الرحمن، ورسمي محمد، وطارق غالب.

ويوضح بأن المجلس حاول التنسيق عبر هيئة الشؤون المدنية؛ لتمكين المواطنين من إخراج المقتنيات الشخصية خاصة للأطفال والنساء، ومنحهم المزيد من الوقت، إلا أن جنود الاحتلال رفضوا ذلك.

ويستذكر صبيحات ما حل برمانة من احتلال لبيوت في آب 2022، لكنه يفيد بأن ذلك كان لوقت قصير، ورافقه هدم لهدم منزلي الأسيرين، أسعد الرفاعي وصبحي صييحات، منفذا عملية “إلعاد”.

ويؤكد أن الاحتلال حول بعض البيوت إلى ثكنات عسكرية، كما حطم نوافذ بعضها، واستولى على سطوح قسم منها، لكنه حولها كلها إلى ثكنات عسكرية، وتعامل مع البيوت المخلاة التي لم يستخدمها وكأنها “مناطق أمنية عازلة”.

ووفق صبيحات، الذي يترأس هيئة الكهرباء في رمانة والطيبة وزبوبة والسيلة وتعنك، فإن الاحتلال احتل قبل أيام منزلين لخمس عائلات وسط عانين المجاورة، كما استولى على 3 بيوت في الطيبة لعائلة إغبارية.

ويربط منسق لجنة الطوارئ في قرية الطبية، عبد الرحيم محاميد، ما جرى في رمانة وعانين هذا الأسبوع مع ما حدث في الماضي، إذ استهلك جنود الاحتلال رصيد الكهرباء في أحد البيوت، التي احتلها، وعندما نفد التيار تواصلوا مع أصحاب البيت لشحنه.

ويفيد رئيس مجلس قروي عانين، محمد عيسى، بأن الاحتلال حول منزلا متعدد الطوابق لخمس عائلات: إبراهيم مصطفى ياسين واثنين من أبنائه وأطفالهم، والشقيقان أسامة ونسيم ياسين إلى ثكنة عسكرية، وسط القرية.

ويؤكد بأن الجنود أبلغوا العائلات بعدم العودة إلى ديارهم قبل أسبوع من الآن، وهي المرة الرابعة التي يعمد الاحتلال فيها إلى هذا الإجراء.

ويعرب أهالي من القرى الثلاث المستهدفة عن مخاوفهم من اتساع دائرة الاحتلال المؤقت للبيوت، ويخشون من تخريب مقتنياتهم والسطو عليها، والتفسير الوحيد الذي يخمنه الشاب أحمد صبيحات أن احتلال بيوت رمانة وغيرها يأتي ربما للاحتماء من أية ضربات صاروخية محتملة قد تصل معسكر سالم القريب من قريته، في ظل الهجمات المتبادلة بين تل أبيب وطهران.




جرائم المستعمرة

حمادة فراعنة

هل من كلمة يمكنها إيجاز وصف مقارفات المستعمرة، وما تفعله من تجاوزات ومحرمات، من قتل مقصود للمدنيين، وتدمير ممنهج للمؤسسات الصحية والعلاجية من مستشفيات، وقصفها بكل وقاحة، وللمدارس، ودور العبادة من مساجد وكنائس ومسحها عن الأرض، ومساكن الناس حتى خيامهم القماشية لا تسلم من أذى القصف والدمار وحصيلته وأد الحياة، والعمل على إلغاء وبقاء الفلسطينيين على أرض وطنهم.
وها هي تعتدي على سفينة “مادلين” المبحرة من إيطاليا وعليها من المتضامنين الأجانب، نحو غزة لكسر الحصار، وتقديم نموذج إنساني من ذوات متطوعة متعددة الجنسيات، فيتم الاستيلاء عليها من المياه الدولية، قبل وصولها إلى المياه الإقليمية الفلسطينية ويتم جرها إلى ميناء إسدود، ومنعها من مواصلة طريقها إلى غزة، بعد اعتقال روادها من جنسيات مختلفة، والمس بهم، لأنهم يتضامنون إنسانياً مع فلسطين وشعبها في قطاع غزة.
المستعمرة ترتكب الجرائم، بكل أنواعها وأشكالها، حتى استفزت الحلفاء الأوروبيين الذين صنعوها، ودعموها، وتبنوا مشروعها الصهيوني الاستعماري التوسعي، على حساب شعب فلسطين وأرضه وحقوقه وكرامته، قبل أن تتبناها الولايات المتحدة التي وفرت لها الحماية، وها هي تتخذ قرار الفيتو للمرة السابعة في مجلس الأمن منذ اجتياح أكتوبر 2023، بهدف حمايتها من المساءلة القانونية الدولية.
المستعمرة ترتكب الموبقات الجرمية، ولا تخاف ولا تسأل، لا تحتاط، ولا تتردد، لأنها محمية من واشنطن أولاً، ومن العواصم الأوروبية ثانياً، التي ما زالت تخشى المس بها ومعاقبتها على ما تفعله من جرائم وموبقات وقتل: عينك عينك.
سبق ليهود أوروبا أن تعرضوا للأذى من قبل القياصرة والنازيين والفاشيين، وكان عليهم أن يستفيدوا ويتعلموا ويتحاشوا فعل ما فعلته بهم الأنظمة الأوروبية، ولا يفعلون بالشعب العربي الفلسطيني، ما فعلته بهم الأنظمة العنصرية الفاشية: روسيا القيصرية، ألمانيا النازية، إيطاليا الفاشية.
مؤتمر نيويورك الدولي من قبل المبادرة المشتركة الفرنسية السعودية، ومؤتمر باريس الذي دعا له الشريكان إيهود أولمرت وناصر القدوة، يجب أن لا تقتصر دعواتهما لإقرار حق الفلسطينيين بالدولة والاستقلال، وهذا توجه مفيد ومهم، ولكن يجب أن توجه الإدانة لأفعال المستعمرة الإجرامية، بكل وضوح، لتعرية مشروع المستعمرة الأحادي التوسعي العنصري، والدعوة لعزله وسحب الشرعية منه وعنه.
تتوهم المستعمرة أنها أحبطت مسيرة سفينة “مادلين” بمنعها من مواصلة رحلتها إلى بحر غزة، واعتقال روادها، لأنها قطعت شوطاً كبيراً في هدفها وقفزها السياسي المعنوي، وهي خطوة على الطريق، وها هي مسيرة “تونس” التونسية الجزائرية المغاربية الليبية، تواصل زحفها نحو حدود فلسطين، والشيء المؤكد أنها لن تتمكن من دخول فلسطين، ولكنها ستبرز مدى الانحياز والتعاطف مع قضية الشعب الفلسطيني، وتوجه الإدانه للمستعمرة وسلكوها، وللمطبعين معها، أنهم لم يتمكنوا من زحزحة المستعمرة عن برنامجها الاستعماري.
ما بعد أكتوبر 2023، لن يكون كما قبله، فالنضال والتضحيات ومراكمة الفعل من قبل الفلسطينيين، في مواجهة جرائم وأفعال الإسرائيليين، انعكس على وعي شعوب العالم، وخاصة أوروبا وأميركا، إضافة إلى زيادة الوعي والفهم العربي والإسلامي والمسيحي، ولذلك ستكون المعطيات مختلفة عما هي بعد أكتوبر، مقارنة بما كان قبل أكتوبر 2023.

………….

ما بعد أكتوبر 2023، لن يكون كما قبله، فالنضال والتضحيات ومراكمة الفعل من قبل الفلسطينيين، في مواجهة جرائم وأفعال الإسرائيليين، انعكس على وعي شعوب العالم، وخاصة أوروبا وأميركا.




سفينة “مادلين” وصلت… إلى وجداننا

سماح جبر

في رحلة بحرية لا ترحم، وتحت سماء مثقلة بطائرات الاستطلاع، تبحر سفينة صغيرة اسمها مادلين نحو غزة. في الظاهر، تبدو كأي مركب عادي محمّل بالدواء والمساعدات، ولكن جاء بها أناس قلوبهم حرة تُكذّب الصمت وتقاوم الخذلان. بعد 20 شهر من الحصار الخانق والابادة تأتي مادلين كفعل مقاومةٍ أخلاقي، وصرخة مدوية في وجه القسوة العالمية.

المرمرة: ذاكرة الحصار والجُرح المفتوح

في عام 2010، هزّت سفينة مافي مرمرة ضمير العالم، حين اقتحمتها القوات الإسرائيلية في عرض البحر وقتلت عشرة متضامنين أتراك على متنها. كانت المرمرة، ضمن أسطول الحرية، تحاول إيصال مساعدات إلى غزة المحاصرة، لكنها انتهت مأساةً دامية على شاشات الأخبار. رغم ذلك، لم يُطفئ الدمُ الرسالة، بل أكّدها: أن من غير الفلسطينين، ومن شتّى البلدان، هناك أناس أصحاب ضمائر حيّة، مستعدّون للموت كي لا يُترك الفلسطيني وحيدًا في ألمه وعزلته.

من تلك اللحظة، تحوّلت المرمرة إلى رمز، ليس فقط للشهادة، بل للإرادة الأممية التي ترفض أن ترى التجويع والتدمير وتبقى صامتة. وقد أقيم لسفينة مرمرة نصبا تذكاريا في ميناء غزه تم تحطيمه العام الماضي على يد الة العدوان الاسرائيليه. 

مادلين: شقيقة المرمرة في الإيمان والوجع

بعد 15 عاما تعود صورة المرمرة من خلال سفينة مادلين، التي أبحرت من أوروبا في طريقها إلى شواطئ غزة، محمّلة  بمتضامنين وأدوات طبية وقلوب عازمة على نصرتنا. على متنها وجوه من جنسيات مختلفة، أناس لم يجمعهم الوطن ولا اللغة، بل الحقيقة: أن الإنسانية في غزة تُداس، وأن الصمت مشاركة في الجريمة.

نعلم ويعلمون أنهم قد لا يصلون، وأن البحرية الإسرائيلية قد تعترضهم أو تختطفهم أو تعتقلهم. ومع ذلك، يركبون البحر لأنهم لا يحتملون الخيانة اليومية التي تمارسها حكوماتهم بصمتها.

بلسم لجرح الخذلان 

في فلسطين، وفي غزة على وجه الخصوص، تعتبر مادلين  ترياق معنوي في زمن الإبادة. منذ أكتوبر 2023، والفلسطينيون يعيشون عزلة مرعبة: مجازر تُرتكب على الهواء، جوع ينهش الأطفال، موت معلن بلا تدخل حقيقي. في هذا السياق، تبدو مادلين كحورية بحرية تطبع قبلتها على جبين غزه وتقول لاهلها لستم وحدكم.

الطفل الذي فقد أهله، والأم التي تنام على رائحة القنابل الحارقة، والطبيب الذي يجرّ جسدًا بلا مخدر، جميعهم يحتاجون قبلة من مادلين. هذه القبلة، حتى وإن لم تصل السفينة فعليًا، تصل إلى الوجدان الفلسطيني وتعيد إليه شيئًا من الإيمان بالإنسان.

سفن إنسانية تُعترض… وسفن حربية تحوب المحيطات 

مما يضاعف مرارة الحصار هو المفارقة الجارحة: في الوقت الذي يُمنع فيه دخول سفينة إنسانية بسيطة إلى غزة، تعبر يوميًا السفن الحربية المحمّلة بالقنابل والصواريخ والمقاتلات نحو الموانئ الإسرائيلية، محمّلة من مخازن الغرب، ومرحّبًا بها كأنها تحمل ورودًا لا أدوات قتل.

تُفتَّش مادلين بحثًا عن أدوات مقاومة وتلاحق بالطائرات ويتم تشويش ادوات الملاحه الخاصه بها، بينما تُفرغ السفن الحربية شحنات الموت بلا رقابة. يكفي أن ننظر إلى شواطئ حيفا وأسدود، لنجد كم من السفن العسكرية رست هذا العام، محملة بدعم غير مشروط لآلة القتل في غزة. بينما تُمنع سفينة إنسانية من إيصال قطنٍ معقّم أو عكازات لطفل بترت ساقه.

إنها ليست مجرد ازدواجية معايير، بل هي استعراض  لانهيار الضمير العالمي.

 مادلين كصرخة للضمير العالمي

في كل مرة تعترض فيها سفينة نحو غزة، تنكشف هشاشة الضمير العالمي. الأمم المتحدة تصمت، الحكومات العربية تبرّر، والديمقراطيات الغربية ترفع شعارات فارغة. مادلين، بهذا المعنى هي مرآة تُظهر لنا جميعًا: من يقف مع الإنسان، ومن يساوم على حياته.

 كيف أصبح إيصال دواء إلى طفل، تهمة؟ كيف صار الحبّ جريمة؟ كيف صار الوقوف مع المظلوم مخاطرة؟

سواء وصلت مادلين أم لم تصل، فهي، كالمرمرة،  قد رست بالفعل في قلب الفلسطينين. هي ليست فقط تحدّيًا للحصار .بل نداءً موجّهًا للعالم: أن فلسطين ليست ساحة للموت فقط، بل ساحة للكرامة والوفاء والإنسانية والحب الثوري الذي يأتي بهؤلاء الغرباء إلى شواطئ غزة.

من المرمرة إلى مادلين، ومن البحر إلى المخيم، تستطيع فلسطين أن تعرف وتقدّر من كان معها، ومن تواطأ ضدها.




لقاء مهم ودعوة تستحق التوقف

حمادة فراعنة

لا شك أن دعوة الحزب الشيوعي الأردني مع حزب الشعب الديمقراطي وحزب الوحدة الشعبية، للقاء يوم السبت 31-5-2025، الذي استجاب له العديد من القيادات السياسية والنقابية والشخصيات العامة، شكل رافعة سياسية في ظل الوضع السياسي الصعب المعقد الذي يجتاح بلدنا ومنطقتنا وجوارنا وإقليمنا، يجعلنا في حالة إرباك، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، خاصة بعد التطورات السلبية التي حصلت: 

1- إضعاف المقاومة الفلسطينية واغتيال قياداتها العسكرية والسياسية، على إثر تداعيات مبادرة  7 أكتوبر 2023، وزيادة في التعقيد والضعف بسبب الانقسام بين فتح وحماس، بين الضفة والقطاع.

2- اغتيال قيادات حزب الله اللبناني وإضعافه وإخراجه من موقعه الطليعي في إدارة المشهد السياسي في مواجهة المستعمرة الإسرائيلية، وتغيير موازين القوى الداخلية اللبنانية. 

3-  تدمير الجيش السوري بكافة قدراته، وإخراجه من موقع المواجهة مع العدو الإسرائيلي.

تطورات تحتاج وتتطلب تعزيز العامل الذاتي وطنياً وقومياً في مواجهة التفوق الإسرائيلي المدعوم أميركياً على كل صعيد. 

كما أن الصمود الفلسطيني، رغم التضحيات والخسائر غير المسبوقة بسبب القتل المتعمد والتصفية المقصودة للمدنيين الفلسطينيين، والتضامن العالمي وخاصة الأوروبي والتحولات التدريجية لصالح فلسطين وضد المستعمرة الإسرائيلية تدريجياً تفرض نفسها على المراقبين، في اختيار الانحياز نحو الثقة بالنفس وعدم التراخي. 

كما أن الضغوط التي تواجه الأردن، والتحديات التي تصنعها المستعمرة الإسرائيلية للأردن باتجاهين: 

الأول، المس بالمصالح والعناوين الأردنية نحو فلسطين: 1- وضع العراقيل للمساعدات الأردنية نحو غزة، 2- التطاول على الوصاية الهاشمية والرعاية الأردنية والمس بقدسية المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي بالخليل وغيرها من العناوين. 

والثاني، محاولات إعادة رمي القضية الفلسطينية إلى خارج فلسطين، عبر محاولات التهجير، والضم التدريجي للضفة الفلسطينية لخارطة المستعمرة الإسرائيلية، والاستيطان، وهي محاولات تهدف إلى جعل الضفة الفلسطينية كما سائر الجغرافيا الفلسطينية طاردة لشعبها بالضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية والمعيشية القاسية، كما يحصل في قطاع غزة، ومخيمات الضفة الفلسطينية.

تحديات كبيرة تواجه شعبنا وبلدنا، تستوجب اليقظة والوحدة وتحصين جبهتنا الداخلية.

مبادرة الحزب الشيوعي تجري في هذا السياق، وإن كانت ما زالت محدودة، مقتصرة على أحزاب التيار اليساري، الذي له الاحترام ولكنه لا يملك وحدة قدرة التصدي للمهام التي عرضها وتضمنها بيان الحزب الذي تم توزيعه، فالتيار اليساري لديه ما يكفيه من المتاعب الداخلية، وإن كان الحزب الشيوعي تقدم خطوة جوهرية بوحدته الداخلية، وانتخاب قيادة جديدة، واضح أنها تتمثل بالفعالية والحيوية، ولكن المواجهة والتحديات تتطلب مشاركة أحزاب التيار القومي مع هذه التوجهات، كون الطرفين اليساري والقومي تعرضا لانتكاسات جوهرية على المستوى الدولي بسبب نتائج الحرب الباردة، لا زالت تداعياتها ماثلة وزادتها نتائج الربيع (الخريف) العربي. 

ومع ذلك تبقى مبادرة الأحزاب اليسارية الثلاثة لها قيمة واعتبار، وخطوة ضرورية، تتقدم إلى الأمام حقاً بتوسيع قاعدة المشاركة والتحالف بعيداً عن التباينات والخلافات التي عصفت بعلاقاتهم منذ الانتخابات النيابية إلى اليوم.




يوم ثقيل عاشته القدس والأقصى

بقلم : راسم عبيدات

 يوم الإثنين 26/5/2025،ما يعرف بالذكرى الثامنة والخميسن لتوحيد القدس،إستكمال احتلال القسم الشرقي من المدينة،حيث كانت مسيرة ما يعرف بالأعلام أو رقصة الأعلام،كتقليد سنوي دأبت عليه دولة الإحتلال، بدء به عام 1968 بعد عام من حرب حزيران عام/1967،على يد الحاخام يهودا حيزاني،حيث أقيم اول احتفال في “مركز هاراف”،أي مركز الحاخام،ومن بعد ذلك جرى تدشين هذه الإحتفال بشكل رسمي ،أوسع وأشمل عام 1974،وأصبح يحظى بدعم واسناد مالي من بلدية “القدس” ووزارة التربية والتعليم الإسرائيلية، وتشارك فيه منظمات استيطانية وتلمودية متطرفة مثل ” لاهفا” المعروفة بكرهها وحقدها على العرب والفلسطينيين،وطلاب المدارس الدينية ” يشفوت”،وكذلك المجلس الإستيطاني “يشع”،ويجري تنظيم تلك المسيرة من قبل جماعات دينية شبابية مثل “نوعاني” و”عكيفا”،وجماعات مرتبطة بالأحزاب الدينية الصهيونية،”القوة اليهودية” و”الصهيونية الدينية ( بن غفير وسموتريتش).

هذه المسيرة حتى عام 2017كانت تأخذ طابع احتفالي،ولم يكن يسمح لها بالدخول الى البلدة القديمة من القدس، والمرور بالأحياء العربية، وبالذات الحي الإسلامي، ولكن من بعد الإنزيحات الواسعة التي حصلت في المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين والتطرف، والتماهي مع حكومة اليمين والتطرف، وانتقال الجماعات الصهيونية المتطرفة من أطراف المشروع الصهيوني الى قلب هذا المشروع، والتي باتت تتحكم بمفاصل القرار السياسي الإسرائيلي، بسبب تفكك الأحزاب الإسرائيلية الكبرى، وأبعد من ذلك باتت تتحكم بالحكومات الإسرائيلية بقاءً وسقوطاً.

من بعد عام 2017 بدات عمليات استعراض القوة في تلك المسيرات، وبأن تلك المسيرات تأتي لتأكيد السيادة والسيطرة على مدينة القدس وبأنها “العاصمة الأبدية” لإسرائيل، وعليها ان تؤكد تلك السيادة والسيطرة المزعومتين، بالدخول الى البلدة القديمة والمرور بالأحياء العربية فيها، وبات الحاخامات والوزراء واعضاء الكنيست من اليمين المتطرف يتسابقون على قيادتها والمشاركة فيها، فهي تنطلق في الثامن والعشرين من الشهر الثامن العبري، ذكرى ما يعرف بتوحيد القدس.

ما ميز مسيرة الاثنين، أنها أتت في ظل متغيرات كبرى في المنطقة والإقليم، حيث “إسرائيل” تشن حربها التي سمتها بالوجودية، منذ أكثر من ١٩شهراً على قطاع غزة، بغرض التصفية والإقتلاع للشعب الفلسطيني وانهاء قضيته بشكل نهائي، عبر عمليات طرد وتهجير واقتلاع، وحسم للسيادة والسيطرة النهائية على مدينة، والتهويد للمسجد الأقصى المبارك، كأقدس مكان لليهود ” جبل الهيكل”، وطبعاً اتت تلك المسيرة في ظل حالة عربية – اسلامية بائسة ومنهارة، بدت مستسلمة للمخطط والمشروع الإسرائيلي- الأمريكي في المنطقة.
وما ميز تلك المسيرة أيضاً، والتي حولت القدس والأقصى الى مسرح غنائي واستعراض للقوة والمزايدات السياسية، الأعداد الكبيرة من المستوطنين المشاركين فيها، والمشبعين بالحقد والعنصرية والتطرف، حيث أقاموا الرقصات التلمودية والتوارتية في ساحة باب العامود، رافعين بكثافة الأعلام الإسرائيلية، ومرددين الشعارات العنصرية والمتطرفة، والتي تعكس جوهر مشروعهم الصهيوني القائم على طرد وتهجير شعبنا الفلسطيني، واقصاء والغاء كل مظاهر وجوده، ومن تلك الشعارات التي رفعت والهتافات التي أطلقت،”عام 67 القدس بأيدينا” و”عام 2025 غزة بأيدينا” و”لا انتصار بدون نكبة”،و”محمد مات”، و”احرقوا شعفاط”، و”امحوا غزة عن الوجود” ، و”لنبني الهيكل وحان وقت بناء الهيكل  والصعود اليه”.
وفي ظل تلك الإحتفالات الصاخبة في ساحة باب العامود وفي الشيخ جراح والصوانة وسلوان وفي قلب المسجد الأقصى وفي ساحة حائط البراق، حيث عشرات الألاف من المستوطنين،الذين ادوا طقوسهم ورقصاتهم التلمودية والتوراتية،بما في ذلك رقصة “الهورا”، وبمشاركة وزيرة الأمن الداخلي الأمريكي كريستي نوم ومشاركة وزراء في الحكومة واعضاء كنيست من تيارات سياسية مختلفة،”الليكود”،”الصهيونية الدينية”،”القوة اليهودية” ،”اسرائيل بيتنا”، عكست اجماع صهيوني ديني وقومي،حول مسألة السادة والسيطرة على مدينة القدس، واعتبارها “عاصمة أبدية لإسرائيل” وغير قابلة للتقسيم مرة ثانية، ورفض مطلق لحل الدولتين واقامة دولة فلسطينية، وقد تجلى هذه الإجماع الصهيوني في المشاركة في الإحتفالات واستعراض القوة في ساحة باب العامود والمسجد الأقصى وحائط البراق، حيث كان من بين المشاركين الوزراء،بن غفير وسموتريتش ويتسحاق فاسرلاف،وتسفي سوكوت وارئيل فلنر، واعضاء كنيست شاركوا في الرقصات ورفع الأعلام، احتفلوا ورقصوا ،واقتحموا البلدة القديمة واعتدوا على التجار وعلى الأطفال والنساء والمسنين والصحفيين والإعلاميين واطلقوا تصريحاتهم العنصرية والإستفزازية، وحولوا الأقصى  الى مسرح للغناء والمزايدات والإستعراضات السياسية، عقدوا جلسة حكومة لهم في حصن تحت الأرض في بلدة سلوان،ما يسمونها بمدينة داود، واقتحموا البلدات المحيطة في القدس، رقصوا وغنوا  في الشيخ جراح والصوانة ورأس العامود،ومنعوا سكان سلوان من ركن سياراتهم أمام منازلهم، وذهبوا الى مقر وكالة الغوث واللاجئين في الشيخ جراح واعتدوا عليه، يتقدمهم عضو كنيست من حزب ” اسرائيل بيتنا” يوليا ملينوفسكي، مطالبين بالإستيلاء عليه، في استهداف واضح لوكالة الغوث واللاجئين الفلسطينيين” الأونروا”.
حيث مقر الوكالة الرئيسي الذي اعتدى عليه المستوطنين بقيادة بن غفير أكثر من مرة وهددوا العاملين فيه بالمس بحياتهم،اذا ما استمروا بالعمل فيه، ومن بعد ذلك في تشرين اول 2024، أقرت الكنيست الإسرائيلي قانوناً بالقراءات الثلاثة،اعتبار وكالة الغوث، وكالة خارجة عن القانون، والغت ما كانت يتمتع فيه العاملين فيها من حصانة وامتيازات، ولا يجوز التعامل والتواصل معها، وطالبوا الوكالة بدفع تعويض مالي 27 مليون شيكل عن استخدام المقر بطرق غير قانونية، بإعتبار ان ارض هذا المقر ملك للوكالة اليهودية، والمقر سيجري تحويله الى بؤرة استيطانية (1440) وحدة استيطانية.
هذه المسيرة بهذه الزخم وبهذا الكم من المستوطنين وبهذه النوعيات المشاركة فيها، والشعارات والهتافات التي رفعت وأطلقت، تقول بشكل واضح، أن ما ينتظر القدس والأقصى في قادم الأيام على درجة كبيرة من الخطورة، فالأقصى اذا ما استمر الوضع العربي والإسلامي في حالته البائسة والمزرية والمخزية، فهو ذاهب الى ما هو ابعد من التقسيمين الزماني والمكاني، بل ايجاد قدسية وحياة يهودية في المكان، كشراكة إسلامية – يهودية في البداية على طريق اقامة كنيس في المنطقة الشرقية بدل مصلى باب الرحمة، بإنتظار ذبح واحدة من البقرات الخمس الحمراء في ساحات المسجد الأٌقصى، ومن ثم اقامة الهيكل الثالث المزعوم بدل مسجد قبة الصخرة.
أما ما يتعلق في القدس، فهي سائرة نحو التهويد والأسرلة، وزرع احيائها العربية بالمستوطنات والبؤر الاستيطانية، لكي تمنع قراها وبلداتها الفلسطينية من التواصل الجغرافي والديمغرافي، والتفكيك الممنهج لوحدتها الإجتماعية والوطنية، وتحويلها الى جزر متناثرة في محيط اسرائيلي واسع.
ولكن في النهاية نقول بأن هناك حالة استعصاء امام تنفيذ تلك المشاريع والمخططات، يتقدمها الصمود والثبات الفلسطيني على الأرض والتشبث بها، والإصرار على إفشال تلك المشاريع والمخططات، رغم كل قوة الدفع خلفها عسكرية وامنية ومالية، وقمع وتنكيل واستيطان وهدم منازل وطرد وتهجير وتطهير عرقي، فالقدس التي يجري تحويلها لثكنة عسكرية في هذا اليوم، ويحشد لتأمين الحماية لهذه المسيرة أكثر من 3 الآلاف شرطي وجندي حرس حدود، واغلاقات للطرق وشل حركة المواطنين المقدسيين في المدينة ونشر الحواجز الشرطية الثابتة والمتحركة على بواباتها ومداخلها، تقول بأن هذه المدينة العربية محتلة ومقسمة وليست موحدة.
 Quds.45@gmail.com

———
ما ينتظر القدس والأقصى في قادم الأيام على درجة كبيرة من الخطورة، فالأقصى اذا ما استمر الوضع العربي والإسلامي في حالته البائسة والمزرية والمخزية، فهو ذاهب الى ما هو ابعد من التقسيمين الزماني والمكاني