1

الاعتراف بفلسطين اختبار حقيقي لمصداقية المجتمع الدولي

شهد اليومان المنصرمان تطورًا لافتًا في الموقف الدولي، حيث أعلنت العديد من دول العالم اعترافها الرسمي بدولة فلسطين، لتنضم بذلك إلى قائمة متزايدة من الدول التي اختارت أن تقف إلى جانب العدالة والشرعية الدولية. هذه الاعترافات، بما تحمله من ثقل سياسي وقانوني، لا يمكن التعامل معها على أنها مجرد خطوات رمزية أو بيانات إنشائية، بل تمثل معيارًا لمصداقية النظام الدولي نفسه وقدرته على تطبيق مبادئه دون ازدواجية أو انتقائية.

لا يكفي أن يتباكى العالم على صور ضحايا حرب الإبادة في غزة أو مشاهد اعتداءات المستوطنين واقتحامات جيش الاحتلال غ في الضفة الغربية، ما لم يتحول الموقف الدولي إلى فعل سياسي وقانوني يغير الواقع. هنا تبرز أهمية اعتراف الدول الوازنة بدولة فلسطين، ليس باعتباره خطوة رمزية أو بيانًا إنشائيًا، بل معيارًا لمصداقية النظام الدولي نفسه وقدرته على تطبيق مبادئه دون ازدواجية أو انتقائية.

فالاعتراف بفلسطين يعني أن القضية لم تعد تُختزل في مفاوضات عبثية تحت رعاية أطراف غير نزيهة، بل باتت قضية تحرر وحق تقرير مصير محمية بالقانون الدولي. وكلما اتسع نطاق الاعتراف، ضاقت مساحة الذرائع الإسرائيلية التي تروّج أن الاحتلال مجرد “نزاع” قابل للتفاوض. ومن خلال هذا الاعتراف، تكتسب فلسطين قوة مضاعفة في المحافل الدولية، من الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى المحكمة الجنائية الدولية، ويُوضَع الاحتلال الإسرائيلي أمام مأزق قانوني وأخلاقي بوصفه قوة استعمارية تفرض نظام فصل عنصري يشبه إلى حد بعيد ما كان قائمًا في جنوب أفريقيا.

وقد نجحت الدبلوماسية الفلسطينية، رغم الظروف الصعبة والقيود المفروضة والحصار الظالم في حصد المزيد من الاعترافات الدولية خلال السنوات الأخيرة. فقد بادرت دول من أوروبا الغربية وأخرى من أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا إلى الاعتراف بفلسطين كدولة كاملة العضوية في المجتمع الدولي، وهو ما يعكس صمود السردية الفلسطينية أمام محاولات التهميش والطمس، ويؤكد أن القضية ما زالت حيّة في ضمير الشعوب. وكلما ارتفع عدد الدول المعترفة، ازدادت عزلة إسرائيل السياسية، وازداد الضغط على امريكا القوة الوحيدة التي ما زالت تقف سوية مع إسرائيل القوة القائمة بالاحتلال في وجه العالم الذي يسعى لتطبيق حل الدولتين. وهنا تكمن أهمية الاعتراف من قبل دول وازنة، إذ لا يقتصر أثره على الجانب الرمزي، بل يترتب عليه تبعات سياسية واقتصادية وقانونية تفرض نفسها على النظام الدولي بأسره.

لكن الاعتراف لا يتوقف عند الجانب الرمزي أو السياسي كما يروج له البعض، بل يحمل معه مسؤوليات قانونية واضحة لا يمكن التنصل منها. فمحكمة العدل الدولية أكدت في فتواها الصادرة عام 2004 بشأن جدار الفصل العنصري أن على الدول التزامًا مزدوجًا يتمثل في عدم الاعتراف بشرعية الاحتلال أو أي وضع ينشأ عنه، وعدم تقديم أي شكل من أشكال العون لاستمراره. هذا يعني أن صفقات السلاح، الاستثمارات في المستوطنات، أو حتى الحماية السياسية في مجلس الأمن، جميعها تُعد تواطؤًا صريحًا مع انتهاكات جسيمة للقانون الدولي. فالمسألة ليست مجرد تضامن سياسي أو موقف أخلاقي، بل التزام قانوني يقع على عاتق كل دولة تعلن اعترافها بدولة فلسطين، وهو التزام يستند إلى قواعد راسخة في القانون الدولي العرفي والاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقيات جنيف.

التاريخ يقدم شواهد واضحة على أن الاعتراف الدولي يمكن أن يكون سلاحًا فعّالًا في مواجهة أنظمة القمع. وتجربة جنوب أفريقيا في مواجهة نظام الفصل العنصري تظل المثال الأبرز. لقد ظل ذلك النظام لعقود يمارس التمييز العرقي والقمع الممنهج، لكنه لم يصمد أمام عزلة دولية متنامية ورفض قاطع من غالبية دول العالم للاعتراف بشرعيته، تزامن مع فرض عقوبات سياسية واقتصادية وثقافية أثبتت فعاليتها. لم يكن سقوط نظام الأبارتهايد مجرد نتيجة لصمود الشعب الجنوب أفريقي، بل ثمرة لتضافر الضغوط الداخلية والخارجية، ولإجماع دولي على أن الفصل العنصري جريمة لا يمكن القبول بها. وما حدث هناك ليس استثناءً، بل تطبيق مباشر لمبدأ راسخ في القانون الدولي: الأنظمة غير الشرعية لا تعيش طويلًا حين يواجهها العالم بإجماع أخلاقي وقانوني.

إن الموقف من فلسطين اليوم ليس أقل وضوحًا، بل ربما أكثر إلحاحًا. فالعالم يواجه نظامًا استعماريًا وعنصريًا تتكشف جرائمه يوميًا أمام شاشات التلفاز ووسائل الإعلام. ان الاستمرار في التهرب من الاعتراف بفلسطين والتقاعس عن محاسبة الاحتلال لا يمثل فقط خذلانًا لشعب تحت الاحتلال، بل يضع مصداقية النظام الدولي برمته على المحك. إن ازدواجية المعايير التي تمارسها بعض القوى الكبرى، حين تدّعي الدفاع عن القانون الدولي في أماكن معينة بينما تغض الطرف عن انتهاكاته في فلسطين، تفرغ هذا القانون من مضمونه وتحوله إلى أداة سياسية انتقائية.

إن الاعتراف بفلسطين في هذه اللحظة ليس مجرد تعبير عن تضامن، بل خطوة حقيقية لإعادة الاعتبار للقانون الدولي، ورسالة واضحة بأن العالم لن يقبل استمرار الاحتلال إلى ما لا نهاية. هو أيضًا رسالة أمل للشعب الفلسطيني بأن صموده لم يذهب سدى، وأن دبلوماسيته النشطة بدأت تحصد ثمارها في عزل الاحتلال وتعزيز مكانة فلسطين كدولة مستقلة في طور التحقق. وكما أثبتت تجربة جنوب أفريقيا أن الضغوط الدولية يمكن أن تسقط أعتى أنظمة القمع، فإن الاعتراف بفلسطين وتحمل المسؤوليات المترتبة عليه قد يكون المدخل لمرحلة جديدة تقترب فيها لحظة الحرية، وتضع نهاية لأحد أطول وأقسى أنظمة الاحتلال في التاريخ المعاصر.




الحرب الصامتة: كيف تعيد إسرائيل تشكيل الضفة بعيداً عن الأنظار؟

د. غسان الخطيب

منذ السابعِ من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، انشغل العالمُ بالحرب المدمّرة التي تشنّها إسرائيل على غزة. تفاصيلُ الإبادةِ هناك مروّعةٌ وتستدعي التَّدخل. غير أنّه، بعيداً عن الكاميرات والعناوين، أطلقت إسرائيلُ هجوماً موازياً -أقل ظهوراً لكنَّه لا يقلّ تأثيراً- في عموم الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية. ففي ظلّ انشغال العالم بغزة، تسرّع إسرائيل أجندتها القديمة الخاصة بالضمّ الفعلي، وتُعيد بشكل منهجي صياغة حياة الفلسطينيين وجغرافيتهم من دون أي محاسبة دولية.

بينما تواصل إسرائيلُ قصفَ غزة، سمحت في الوقت نفسه بتصاعد عنف المستوطنين وعمليات الاستيلاء على الأراضي، وشدّدت القيود على الحركة، وضيّقت الخناق الاقتصادي على الضفة الغربية. هذه ليست إجراءات عشوائية أو ردود أفعال مؤقتة، بل تبدو بوصفها خطوات مدروسة تستغل انشغال المجتمع الدولي بغزة لتحقيق أهداف توسعية قديمة.

وفي نهاية أغسطس (آب) الماضي، جاء إقرار مشروع بناء المستوطنات في المنطقة المعروفة بـ«E-1»، ليؤكد المسار بوضوح. هذا المشروع يملأ آخر المساحات المفتوحة في الضفة، ويقطع التواصل الجغرافي بين شمال الأراضي الفلسطينية وجنوبها، مانعاً أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متواصلة الأطراف.

منذ اندلاع الحرب، صدّقت إسرائيل على أكبر عملية مصادرة أراضٍ في الضفة الغربية منذ اتفاق أوسلو. ووفقاً لمنظمة «السلام الآن»، هُجّر أكثر من 60 تجمعاً فلسطينياً بين 2022 و2025، ليستولي المستوطنون على ما يزيد على 14 في المائة من الضفة، أي أكثر من 780 كيلومتراً مربعاً. ويقيم هؤلاء بؤراً استيطانية بتمويل حكومي وغيره بملايين الدولارات، تتحوّل لاحقاً إلى قواعد لانطلاق هجمات واعتداءات تجعل حياة الفلسطينيين في المناطق الريفية شبه مستحيلة. الاعتداءات أصبحت أكثر جرأة: إحراق خيام، وسرقة ماشية، وطرد السكان في وضح النهار، غالباً بحماية الجيش الإسرائيلي أو بغضّ الطرف عنه.

وزراء في الحكومة الإسرائيلية لم يعودوا يخفون نياتهم. وزيرة الاستيطان، أوريت ستروك، وصفت هذه المرحلة بأنَّها «معجزة» للتوسع الاستيطاني، فيما أعلن وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، أنّ الهدف هو إزالة «خطر» الدولة الفلسطينية بفرض السيادة الإسرائيلية على كل «يهودا والسامرة»، أي الضفة الغربية. الخطاب لم يعد عن مفاوضات، بل عن سيطرة دائمة.

إلى جانب الاستيلاء على الأراضي، كثّفت إسرائيل القيود على حركة الفلسطينيين بشكل غير مسبوق. فقد بلغ عدد الحواجز العسكرية في الضفة الغربية 849 حاجزاً مع مطلع 2025، حسب الأمم المتحدة. هذه الحواجز لا تفتّت الأراضي الفلسطينية إلى كانتونات معزولة فحسب، بل تمنع الوصول إلى المستشفيات والمدارس وأماكن العمل. ووثّقت منظمة الصحة العالمية 791 اعتداءً على البنية الصحية الفلسطينية في الضفة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

الغاية السياسية واضحة: «كانتنة» الضفة الغربية. فمن خلال فصل المدن والبلدات الفلسطينية، تمهّد إسرائيل لإنشاء خمسة «مجالس إقليمية» منفصلة للفلسطينيين، وهو ما ينسجم مع رؤية سموتريتش لكيان فلسطيني مجزّأ يخضع في النهاية لسيطرة إسرائيلية كاملة، فيما يتحرك المستوطنون بحرية تحت منظومة قانونية وإدارية خاصة بهم.

تتضمن الحملة الإسرائيلية بعد أكتوبر هجوماً اقتصادياً ثلاثي الأبعاد: منع العمال الفلسطينيين من دخول إسرائيل، وحجز عائدات الضرائب الفلسطينية، وقطع أسواق الضفة عن الفلسطينيين داخل إسرائيل.

هذه الإجراءات دمّرت الاقتصاد الفلسطيني؛ فقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 22 في المائة خلال العام الأول من الحرب، وخسر أكثر من 200 ألف فلسطيني وظائفهم في غزة والضفة. كما أن حجز عائدات الضرائب -التي تتجاوز 1.8 مليار دولار- شلّ قدرة السلطة الفلسطينية على دفع الرواتب، مما أدى إلى إضعاف مؤسساتها من الداخل دون حلّها رسمياً، تجنباً لردود الفعل الدبلوماسية.

الأمر لم يتوقف هنا، بل استُهدفت المنظمات الإنسانية والمجتمع المدني أيضاً؛ فقد دخلت تشريعات جديدة حيّز التنفيذ تتيح لإسرائيل «إلغاء تسجيل» أي منظمة تُعدّ «معادية»، وهو توصيف فضفاض يهدّد عمل أكثر من عشرين منظمة دولية تمثّل مصدراً رئيسياً لدعم المجتمع المدني الفلسطيني.

حتى الفلسطينيون داخل الخط الأخضر بإسرائيل الذين كانوا ينفقون سنوياً في أسواق الضفة الغربية ما يزيد على 800 مليون دولار، مُنعوا من التسوق. كما حظرت إسرائيل على أبنائهم الدراسة في الجامعات الفلسطينية بالضفة الغربية. الهدف يتجاوز الاقتصاد؛ فكما قال أحد رجال الأعمال الفلسطينيين البارزين: «الهدف الأوضح هو تدمير مؤسسات السلطة الفلسطينية بطريقة غير مباشرة».

وفي وقت تفرض فيه إسرائيل واقع الدولة الواحدة القائم على السيطرة والتفوق، ما زال المجتمع الدولي يردّد شعارات «حل الدولتين». هذا الشهر، أعلنت بلجيكا وفرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا ومالطا أنَّها ستنضم إلى 147 دولة أخرى للاعتراف بدولة فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة. لكن إن بقي الاعتراف مجرد خطوة رمزية بلا محاسبة فعلية، فلن يكون أكثر من بيان سياسي.

في إسرائيل، أظهر استطلاع حديث أن 68 في المائة من الإسرائيليين يؤيدون ضم الضفة، فيما يعارض 71 في المائة قيام دولة فلسطينية. هذه ليست مواقف هامشية، بل سياسات باتت سائدة.

إذا استمر هذا المسار فإن سياسة إسرائيل القديمة القائمة على «خلق وقائع على الأرض» ستتحول إلى واقع دائم من الفصل العنصري. وكما أنّ الإبادة في غزة ستترك آثاراً إقليمية ودولية عميقة، فإنَّ الحرب الصامتة على الضفة -عبر أدوات بيروقراطية وهيكلية- ترسّخ وقائع لا رجعة فيها. يبدو أنّ إسرائيل تستغل مأساة غزة لتحقيق هدف تصفية القضية الفلسطينية، وكلما طال غياب المحاسبة الدولية تعاظمت فرص نجاح هذا المشروع.




سيلة الظهر تبكي سندها

عبد الباسط خلف-هبط صباح أمس الإثنين ثقيلا على سيلة الظهر، جنوب جنين، التي فقدت ابنها سند ناجح محمد حنتولي (25 عاما) برصاص الاحتلال، قرب بلدة الرام.

ويؤكد ابنه عمه وسيم لـ”الحياة الجديدة” أن العائلة تلقت نبأ ارتقاء ابنها قرابة الساعة العاشرة، أثناء محاولة الوصول إلى مكان عمله في أراضي الـ 48.

ويشير إلى أن قناصة الاحتلال أطلقوا النار صوب وسيم، بعد اجتيازه جدار الضم والتوسع بواسطة حبل.

ويفيد أن ابن عمه أصيب في البطن والفخذ، بعد أن تمكن من اجتياز جهتي الجدار، لكن رصاص الاحتلال كان الأسرع، فتمكن منه قبل أن يصل الأرض.

ووفق العائلة، فإن ابن عم آخر كان يرافق سند، وكان على جهة الجدار الثانية، وشاهد استهداف سند برصاصتين عن قرب، وكان حاول الحصول على آخر أغراضه الشخصية من ابن عمه.

وتصطبغ مواقع التواصل بمشاهد قاسية للشاب حنتولي، الذي كان غارقا بدمه، بجوار الجدار، وخلفه الحبل الذي استخدمه في العبور.

ويقول أهالي البلدة إن سند خرج من بيته على قدميه، لكنه عاد محمولا على أكتاف المشيعين، الذين شاهدوا منزله غير المكتمل، المقام بجوار بيت عائلته في منطقة النزلة.

وسار أهل البلدة بالشهيد حنتولي قرابة نصف ساعة من منزله إلى المسجد القديم، ثم إلى المقبرة البعيدة نسبيا عن بيت العائلة.

ووفق الأسرة، يحمل سند الترتيب الثاني بين إخوته، فيسبقه فادي، ويليه سعيد، ومحمد، وفريد، وعامر، وزين، ثم الشقيقتان ورود وياسمين، وترك مقاعد الدراسة قبل الثانوية العامة، ويعمل في فرع البناء، ولم يجهز بعد بيته الخاص الملاصق بمنزل الأسرة.

ويقول الشاب عدنان أبو عصبة إن بلدته كانت حزينة، وأقفلت متاجرها أبوابها خلال الجنازة، وكان مشهد المنزل الذي لم يفرح به صاحبه قاسيا.

ويبين أن سند هو شهيد لقمة العيش الأول في البلدة، التي تعاني بفعل عودة مستعمرة (حومش) المخلاة.

وتتشارك أسرة سند في مهنة البناء، لكنها صارت تتقاسم القهر والحسرة على ابنها.

ويصف السائق إبراهيم عبد الله، الذي تزامن التشييع مع عبوره من طريق البلدة الرئيس، الرابط بين جنين ونابلس، البلدة بـ”الجريحة على شاب كان يحول تأمين لقمة العيش، لكنها غمست بالدم”.

وحسب بيانات المكتب الإعلامي للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، فإن عدد شهداء لقمة العيش منذ مطلع العام الحالي وحتى منتصف أيلول، وصل إلى 45 بينهم 4 أجانب.

ويفيد بأن 8 عمال قضوا في المحافظات الشمالية، ومثلهم أثناء محاولة وصولهم إلى أماكن عملهم، أو خلال ملاحقتهم، بينما قضى 29 في أراضي الـ 48.

وتقول أرقام الاتحاد إن 9 من شهداء لقمة العيش، تم ذكر تسبب الاحتلال في مقتلهم بإطلاق نار أو خلال الاعتقال، أو عند جدار الضم والتوسع أثناء محاولات ذهابهم أو إيابهم من أماكن عملهم، أو إثر اقتحام جنود الاحتلال للورش التي يعملون فيها.

وتبعا للاتحاد، فإن 38 من شهداء لقمة العيش، تسبب الاحتلال بغيابهم منذ 7 تشرين الأول 2023.




إرهاب الدولة الإسرائيلي واختراق السيادة القطرية

د. دلال صائب عريقات

لم يكن العدوان الإسرائيلي الأخير الذي طال الأراضي القطرية مجرد حدث عابر يمكن تفسيره باعتباره “استهدافًا لحركة حماس” كما تدّعي إسرائيل. في العلاقات الدولية، اللغة لها معنى، والسيادة لها قدسية، والقانون الدولي يضع حدودًا فاصلة بين الدولة واللاعبين من غير الدول. إن محاولة تبرير استهداف قطر بذريعة ضرب “حماس” لا تعدو كونها خطابًا عبثيًا يهدف إلى التملص من المسؤولية القانونية والسياسية، وإلى شرعنة إرهاب دولة منظم بات نهجًا راسخًا في سلوك الاحتلال الإسرائيلي.

إسرائيل اخترقت سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، ودولة عضو في مجلس التعاون الخليجي، بل ووسيط أساسي في مفاوضات وقف إطلاق النار الجارية. هذا ليس مجرد انتهاك للقانون الدولي العام وميثاق الأمم المتحدة، بل هو اعتداء مباشر على منظومة الأمن الجماعي. في العلاقات الدولية، استهداف دولة ذات سيادة، بغض النظر عن المبررات، يرقى إلى عمل عدواني يستوجب الرد.

إرهاب الدولة المنظم: سياسة الاغتيالات ليست جديدة في سجل إسرائيل؛ إنها عقيدة ممنهجة تمارسها الدولة العبرية منذ نشأتها. من بيروت إلى تونس، ومن دمشق إلى طهران، واليوم إلى الدوحة، يتكرر المشهد: اغتيالات خارج الحدود، ضربات جوية وصاروخية، كلها تعكس إرهاب دولة ممنهج، وليس مجرد “عمليات أمنية محدودة”. ما يجري اليوم هو تكريس لمعادلة القوة الغاشمة: لا احترام للسيادة، لا التزام بالقانون الدولي، ولا اكتراث لميثاق الأمم المتحدة. وفق القانون الدولي، ميثاق الأمم المتحدة يحظر بشكل واضح استخدام القوة ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي. كما أن مبدأ الحصانة الدبلوماسية والسيادة الوطنية محمي بموجب الاتفاقيات الدولية. ما قامت به إسرائيل يعد خرقًا صريحًا لكل ذلك. الأخطر أن هذا العدوان جاء ضد دولة تقوم بدور الوسيط، أي أن إسرائيل لم تكتفِ بانتهاك السيادة، بل وجهت رسالة إلى العالم أن لا حصانة لأحد، حتى للدول التي تبذل جهدًا لصناعة السلام.

المعضلة الكبرى تكمن في أن استمرار إسرائيل في الإفلات من العقاب هو ما يفتح لها الباب لمواصلة عدوانها. من غزة إلى الضفة الغربية، ومن لبنان إلى سوريا، وصولًا إلى اليمن والآن قطر، نجد أن الدولة العبرية تنفذ عمليات عسكرية تتراوح بين جرائم إبادة جماعية في غزة، وإرهاب استيطاني في الضفة، واعتداءات متكررة على سيادة دول المنطقة. إن لم يتم لجم إسرائيل ومساءلتها وفق القانون الدولي، فإن السؤال ليس ما إذا كانت ستكرر هذه الأفعال، بل متى وأين ستكررها.

قطر وسيط فاعل يتمتع بمرونة سياسية، موارد داعمة، وقدرة على بناء جسور الحوار في صراعات تمتد من غزة إلى كولومبيا، ومن أفغانستان إلى أوكرانيا, تواطؤ الولايات المتحدة أو صمتها يفاقم المأساة. فالدوحة ليست فقط دولة خليجية، بل أيضًا حليف استراتيجي لواشنطن ووسيط رئيسي في ملفات المنطقة والصراعات الدولية. برزت قطر خلال العقدين الأخيرين كأحد أهم الوسطاء في العالم، إذ راكمت سجلًا حافلًا من النجاحات في الشرق الأوسط من خلال دورها في اتفاق الدوحة 2008 الذي أنهى أزمة لبنان، ورعايتها اتفاق دارفور 2011 في السودان، ومحاولاتها في ليبيا واليمن، إضافة إلى وساطاتها المتكررة بين إسرائيل وحماس في غزة. وعلى الصعيد الدولي، احتضنت الدوحة مفاوضات طالبان–الولايات المتحدة التي أثمرت عن اتفاق 2020، كما ساهمت في ملفات بالغة الحساسية مثل البرنامج النووي الإيراني وتبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا. وإلى جانب ذلك، امتد الدور القطري إلى أمريكا اللاتينية عبر دعم مسار السلام في كولومبيا والتواصل بين حكومة فنزويلا والمعارضة. عندما تتغاضى واشنطن عن جريمة بهذا الحجم، فإنها عمليًا تشرعن سلوكًا شاذًا يقوض مبادئ القانون الدولي، ويعرض النظام الدولي لاهتزاز خطير.

إن ما جرى مع قطر ليس حادثًا منفصلًا، بل حلقة جديدة في مسلسل إرهاب الدولة الإسرائيلي. الرد لا بد أن يكون عربيًا وخليجيًا ودوليًا، يتجاوز الإدانة إلى الفعل، عبر تفعيل أدوات القانون الدولي، وممارسة ضغط سياسي واقتصادي حقيقي يضع حدًا للإفلات من العقاب.

إن لم يتم الرد اليوم، فغدًا قد تكون أي دولة عربية أخرى هدفًا، ما دام الاحتلال يمارس إرهاب الدولة بلا رادع، وما دامت العدالة غائبة. وكما أن جريمة الإبادة في غزة لم تجد بعد رادعًا دوليًا، فإن استهداف قطر يجب أن يكون جرس إنذار: إسرائيل تمارس إرهاب دولة منظم، وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي، فإن النظام الدولي نفسه سيكون الضحية التالية.




غزة: اليوم التالي والممر التجاري.. فرصة اقتصادية أم فخ “إسرائيل الكبرى”؟

د. دلال صائب عريقات

برز مجدداً اسم جاريد كوشنير وطوني بلير، وتُطرح في الآونة الأخيرة مشاريع إقليمية ضخمة تربط بين آسيا وأوروبا بطرق تجارية جديدة، تهدف إلى إعادة رسم خريطة الاقتصاد العالمي. ومن أبرز هذه المشاريع فكرة ممر يبدأ من الهند، مرورًا بالخليج العربي، ثم برًا عبر الأردن وصولًا إلى غزة، حيث تتحول الأخيرة إلى عقدة لوجستية تنقل البضائع إلى أوروبا عبر المتوسط.

هذا الطرح يبدو في ظاهره مشروعًا اقتصاديًا واعدًا، لكنه في جوهره يحمل أبعادًا أمنية وجيوسياسية خطيرة، تتعلق بمكانة غزة ومستقبلها، وبالتوازنات الإقليمية، بل وبفكرة “إسرائيل الكبرى” التي تتجاوز حدود فلسطين. سنحاول تقديم تحليل من عدة زوايا: 

أولًا: غزة كمركز تجاري بديل لقناة السويس: تقوم الفكرة على جعل غزة حلقة وصل تجارية بين الشرق والغرب، بما يجعلها بديلًا استراتيجيًا لممر قناة السويس.

•   اقتصاديًا: يوفر المسار الجديد طريقًا بريًا قد يكون أسرع وأقل تكلفة من النقل البحري التقليدي عبر قناة السويس.

•   إقليميًا: يقلص من دور مصر الاستراتيجي كمحور للتجارة العالمية، ويمنح إسرائيل والولايات المتحدة والأردن والخليج مكانة جديدة في النظام التجاري.

•   فلسطينيًا: يطرح تساؤلًا وجوديًا: هل يمكن أن تتحول غزة من منطقة محاصرة إلى مركز اقتصادي دولي؟ أم أنها ستبقى مجرد “ممر” خاضع لإشراف خارجي؟

ثانيًا: البعد الأمني – سيطرة أمريكية–إسرائيلية: لا يمكن فصل المشروع عن الإطار الأمني, احتلال غزة على أساس:

•   الرقابة والسيطرة: أي حركة للبضائع عبر غزة ستخضع لإشراف أمني أمريكي–إسرائيلي مشترك، بما يجعل الفلسطينيين مهمشين في إدارة شريان تجاري يمر عبر أرضهم.

•   الأمن قبل الاقتصاد: جوهر المشروع ليس التنمية الفلسطينية، بل ضمان أن تبقى غزة مرتبطة بهيكل أمني إسرائيلي قادر على التحكم في الحدود والموانئ.

•   الرسالة السياسية: المشروع يعكس قناعة بأن أي إدماج لغزة في الاقتصاد العالمي لا بد أن يكون مشروطًا بالأمن الإسرائيلي، ما يحول الاقتصاد إلى أداة للسيطرة لا للتحرر.

ثالثًا: الحلول الاقتصادية على حساب الحقوق السياسية: الممر التجاري ليس سوى نسخة جديدة من مقاربات قديمة سعت إلى استبدال الحقوق السياسية الفلسطينية بمكاسب اقتصادية محدودة.