1

التبريرات الأمريكية لرفض إعطاء الرئيس عباس تأشيرة دخول لأمريكا

زياد ابو زياد

من المقرر ان تبدأ أعمال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة بعد غد الثلاثاء 22 أيلول وتستمر حتى 28 من الشهر الحالي. وتنعقد هذه الدورة تحت شعار ” استعادة الثقة وإدارة التحول: أمم متحدة تحقق مصالح الجميع”.

 وستكون القضية الفلسطينية حاضرة حتى ولو ليس على رأس جدول أعمال الجمعية رغم رفض أمريكا إعطاء تأشيرة دخول “فيزا” للرئيس عباس للمرة الثانية اذ سبق وفعلت ذلك في دورة العام الماضي.

 فقد أعلن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أن الجمعية العامة ستناقش النزاع في الشرق الأوسط والدمار الحاصل في غزة بشكل موسع، مشدداً على ضرورة “خفض التصعيد” ووقف معاناة الشعب الفلسطيني.، كما سيقوم الرئيس عباس بمخاطبة الجمعية عبر تقنية الفيديو المسجل مسبقا، بينما سيشارك رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو المطلوب لمحكمة الجرائم الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة شخصياً وبترحيب أمريكي.

 كما ستُعقد اجتماعات دبلوماسية على هامش الدورة، أبرزها لقاءات تروج لـ “حل الدولتين”  بقيادة أطراف عربية وأوروبية، إلى جانب مناقشة خطط “مجلس السلام” (Board of Peace) المتعلقة بجهود الإدارة المؤقتة وإعادة إعمار غزة.

رفض إعطاء تأشيرة دخول للرئيس عباس هو خرق فاضح لاتفاقية المقر الموقعة بين الولايات المتحدة والأمم المتحدة في 26/6/1947 لتنظيم الوضع القانوني والسيادي للمقر الدائم للأمانة العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وبموجب البند (11) من هذه الاتفاقية تُلزم الاتفاقية السلطات الأمريكية (الفيدرالية والمحلية) بمنح التأشيرات للوفود المشاركة بغض النظر عن طبيعة العلاقات السياسية الثنائية القائمة بين حكومات هؤلاء الأشخاص والولايات المتحدة،  ولكن عندما وافق المشرعون الأمريكيون على هذه الاتفاقية، أقرّوا أيضًا تشريعًا منفصلًا ينص على أن الاتفاقية لا يمكن أن تمنع الولايات المتحدة من حماية مصالح أمنها القومي، بالقول .. : “لا يجوز تفسير أي شيء في الاتفاقية على أنه يقلل بأي شكل من الأشكال من حق الولايات المتحدة في حماية أمنها والتحكم الكامل في دخول الأجانب إلى أي إقليم تابع لها باستثناء منطقة المقر والمناطق المجاورة لها مباشرةً”.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل تشكل زيارة الرئيس عباس لنيويورك والقائه كلمة فلسطين أمام الدورة السنوية للجمعية العمومية تهديداً للأمن القومي الأمريكي؟ّ بالتأكيد “لا”، فالسبب الحقيقي هو الانحياز الأمريكي السافر الى جانب العدوان والاحتلال والاستيطان الإسرائيلي وتخاذل المجتمع الدولي في الإصرار على الزام أمريكا بتنفيذ احكام اتفاقية المقر المذكورة.

والحقيقة هي ان أمريكا تحاول تبرير موقفها العدائي ضد السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني بأسباب واهية لا تعدو كونها مجرد تبنٍ للإدعاءات الإسرائيلية ضد السلطة وشرعنة الجرائم الإسرائيلية ضد شعبنا سواء حرب الإبادة في قطاع غزة والضفة والقدس.

ويعزو بيان الخارجية الأمريكية الصادر في 16 سبتمبر 2026، هذا المنع الى ان واشنطن طلبت من السلطة القيام بإصلاحات ولكنها لم تقم بها وتربط العقوبات الحالية بما في ذلك منع دخول الرئيس عباس و كبار المسؤولين الفلسطينيين وحاملي جواز سفر السلطة الفلسطينية إلى أراضي الولايات المتحدة الأمريكية بعدم تنفيذ تلك الإصلاحات وتشمل:

  • إصلاح السلطة ومؤسسات الحكم بحيث تكون أكثر شفافية ومساءلة، ومكافحة الفساد، وزيادة الحريات الإعلامية، وإتاحة مساحة أكبر للمجتمع المدني.
  • إصلاح نظام الرواتب ووقف المخصصات المرتبطة بالأسرى والشهداء .
  • عدم قيام السلطة ومنظمة التحرير بوقف ما تعتبره واشنطن تمجيدًا “للإرهاب” في التصريحات العامة والمناهج والكتب المدرسية.
  • عدم لجوء م ت ف والسلطة إلى المؤسسات الدولية وخاصة المحكمة الجنائية الدولية  (ICC)  ومحكمة العدل الدولية  (ICJ)، وتعتبر ذلك «تدويلًا» للصراع بدل العودة إلى المفاوضات المباشرة.
  • عدم القيام بخطوات أحادية الجانب بشأن الدولة الفلسطينية حيث ان الولايات المتحدة تنتقد جهود الحصول على اعتراف دولي بالدولة الفلسطينية خارج إطار اتفاق يتم التوصل إليه عبر المفاوضات الفلسطينية–الإسرائيلية.
  • الالتزام بالمسار السياسي والاتفاقات السابقة، وتزعم واشنطن بإن بعض التحركات الفلسطينية في المؤسسات الدولية تتعارض مع الالتزامات السابقة المرتبطة بقراري مجلس الأمن 242 و338، وهما من الأسس الدولية لمسار التسوية.

والملاحظ ان جزءاً من هذه المطالب هو تدخل سافر في الشأن الداخلي الفلسطيني وتكرار للاتهامات التي تروجها إسرائيل ضد السلطة لاغتيالها معنويا والادعاء بأنه لا يوجد ممثل حقيقي للفلسطينيين الذين تنكر الحكومة الإسرائيلية وجودهم كشعب وتعمل على تهجيرهم قسرا من القطاع والضفة، والجزء الثاني قلب للحقائق والواقع لأن إسرائيل هي التي ترفض الالتزام بالاتفاقيات الموقعة وترفض العودة للمفاوضات، وتمعن في الاستيطان الذي أطلقت عليه الدبلوماسية الأمريكية منذ أكثر من عقدين من الزمن مصطلح “الإجراءات احادية الجانب”، وكل ذلك من أجل توفير الغطاء لاستمرار حرب الإبادة في غزة والاستيطان والإرهاب والقتل بالضفة، وبنفس الوقت منع السلطة من اللجوء سواء الى محكمة العدل الدولية او محكمة الجرائم الدولية لمنع استمرار هذه الجرائم او مطالبة دول العالم بالإعتراف بالدولة الفلسطينية، دون ان تقدم واشنطن البديل لذلك.

فاللجوء لمحكمة الجرائم الدوالية ومحكمة العدل الدولية لم يكن الا نتيجة استمرار الاحتلال والاستيطان وحرب الإبادة وتواطوء الإدارة الأمريكية مع اسرائيل بتوفير الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي لتمكينها من الاستمرار في ذلك.

فهل يُعقل سحب الدعاوى الفلسطينية من أروقة القضاء والعدالة الدولية دون توقف الحرب والقتل والاستيطان وانهاء الاحتلال والاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني ؟

هذا الانحياز الأمريكي المدان ضد شعبنا هو تماه مع السياسة العنصرية الاستيطانية الإسرائيلية ودعم وتشجيع لها. ومن حق شعبنا أن يرفض هذه السياسة بنفس القدر الذي يرفض به حرب الإبادة والاستيطان والاحتلال.

 وأخيراً وليس آخراً، لا بد من القول وبصوت عال بأننا وإن كنا تثمن ونشكر مواقف الدول التي صوتت ضد عدم منح الرئيس عباس تأشيرة دخول للأمم المتحدة، وفرضت قبول القاء كلمته أمام الجمعية العمومية عبر تقنية الفيديو، إلا أننا نقول للدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، التي أقيمت أصلا من أجل القدس إثر محاولة إحراق المسجد الأقصى في 21/8/1969 وأتت على منبر صلاح الدين برمته، وللدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، بأنه لا يكفي الترحيب بقرار إعطاء الفرصة لكلمة الرئيس عباس عبر الفيديو، بل المطلوب منكم أكثر، لأن بالإمكان لو التقت قلوبكم على هدف واحد وهو وقف حرب الإبادة والحصار والاستيطان وفرض انهاء الاحتلال والاستيطان لاستطعتم ذلك وليس فقط إعطاءه تأشيرة دخول، ولكن وللأسف الشديد “تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى”.وسيبقى شعب فلسطين صامدا وسيبقى صوت فلسطين عاليا الى ان يُحق الله الحق ويُزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا.




البناء في E1 يكشف الإختلاف الإسرائيلي على معنى الأمن

اللواء أحمد عيسى باحث متخصص في دراسات الأمن ىالقومي الفلسطيني والإسرائيلي

لا تبدو معركة إسرائيل حول منطقة E1، الواقعة بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم، مجرد خلاف جديد حول الاستيطان. فالقرار الإسرائيلي بالمضي في مناقصة لبناء 1,234 وحدة سكنية يكشف صراعًا أعمق داخل التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي حول مستقبل الضفة الغربية والقدس والدولة الفلسطينية و”اليوم التالي” لحرب غزة.
واللافت أن الخلاف لا يدور فقط بين إسرائيل والفلسطينيين أو المجتمع الدولي، بل داخل مؤسسات التفكير الاستراتيجي الإسرائيلية نفسها. فالبروفيسور إفرايم إنبار في معهد القدس للاستراتيجية والأمن (JISS) يرى البناء في E1 ضرورة استراتيجية للحفاظ على القدس موحدة وتأمين الاتصال الإسرائيلي بغور الأردن. أما معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، فيقر بأهمية المنطقة لإسرائيل، لكنه يحذر من أن تحويلها إلى واقع استيطاني دائم قد يحقق مكسبًا سياسيًا آنيًا على حساب المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى.
وهنا يكمن جوهر الخلاف: هل تستخدم إسرائيل E1 لتأمين شروط تسوية مستقبلية، أم لتغيير هذه الشروط بحيث تصبح الدولة الفلسطينية أقل قابلية للتحقق؟
 ينظر إنبار إلى E1 من زاوية جيوستراتيجية. فالمنطقة تقع على المحور الذي يربط القدس بمعاليه أدوميم وغور الأردن، والسيطرة عليها ضرورية، في رأيه، للحفاظ على طريق عسكري آمن من الساحل إلى الحدود الشرقية.
ومعاليه أدوميم، في رؤيته، ليست مجرد مستوطنة، بل جزء من منظومة أمنية تشمل القدس وغور الأردن، ومن هنا دفاعه عن إقامة ممر استيطاني يهودي يربط القدس بها. لكنه لا يدعو إلى استيطان كل الضفة، بل إلى استيطان انتقائي في المناطق التي يعتبرها ذات أهمية أمنية وقومية، خصوصًا القدس ومحيطها ومعاليه أدوميم وغور الأردن، مع مواجهة البؤر غير القانونية وعنف المستوطنين. وهذا يميزه عن مشروع الضم الشامل الذي يتبناه اليمين الأكثر تطرفًا.
لكن إنبار يصل إلى نتيجة سياسية واضحة: إذا كانت إسرائيل تعتبر القدس الموحدة وغور الأردن من مصالحها الحيوية، فعليها تثبيت هذه المصالح على الأرض.
 لا ينكر INSS أهمية E1، لكنه يرفض اعتبارها مبررًا كافيًا للبناء. فالخطر لا يتعلق فقط بعدد الوحدات، وإنما بالانتقال من التخطيط إلى التنفيذ.
الحكومات الإسرائيلية السابقة دفعت بمخططات E1، لكنها توقفت عند المناقصات بسبب المعارضة الأميركية والأوروبية. أما الحكومة الحالية فتجاوزت هذه العتبة. وبما أن المشروع يحتاج إلى وقت قبل البناء الفعلي، تبدو قيمته السياسية المباشرة أكبر من قيمته العمرانية، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات، حيث تستطيع الحكومة القول إنها غيرت قواعد اللعبة، وتجعل التراجع مستقبلًا أكثر كلفة سياسية.
ومن هنا يقرأ INSS المشروع باعتباره جزءًا من سياسة أوسع لفرض الوقائع بدلًا من إدارة التفاوض.
 
يدعو بتسلئيل سموتريتش إلى الانتقال من إدارة الصراع إلى “دفن” الدولة الفلسطينية. وهنا يختلف عن إنبار: الأخير يقدم E1 أداة لحماية مصالح إسرائيل الاستراتيجية، فيما يمنحها سموتريتش وظيفة سياسية مباشرة، هي منع قيام دولة فلسطينية.
فإذا كان الهدف حماية القدس وغور الأردن، يمكن تصور E1 جزءًا من ترتيبات حدودية مستقبلية. أما إذا كان الهدف دفن فكرة الدولة الفلسطينية، فإنها تصبح أداة لتغيير طبيعة الصراع وتقليص الشروط الجغرافية والسياسية اللازمة لقيام الدولة.
لكن السؤال الذي لا يجيب عنه مشروع اليمين هو: ماذا بعد منع قيام الدولة الفلسطينية؟ فحتى مع توسيع الاستيطان والسيطرة على المنطقة C، تبقى قضية ملايين الفلسطينيين قائمة. والخيارات تنحصر بعد ذلك في حكم ذاتي محدود، أو الضم، أو سيطرة أمنية طويلة الأمد، أو شكل من الإدارة المشتركة، أو طرد وتهجير، أو إبادة جماعية، ولذلك فإن منع حل معين ليس استراتيجية بحد ذاته.
 قد يرغب اليمين في إضعاف السلطة الفلسطينية، لكنه لا يستطيع بسهولة تحمل انهيارها، فهي تدير السكان والخدمات المدنية، وتتحمل جزءًا من العبء الاقتصادي، وتساهم في منع الفوضى الأمنية.
لذلك قد يكون السيناريو الأنسب لبعض القوى الإسرائيلية هو إبقاء سلطة فلسطينية ضعيفة بلا أفق سيادي. لكن هذا النموذج يصطدم بالضغوط الأميركية والعربية والأوروبية التي ترى في سلطة فلسطينية مُصلحة عنصرًا محتملًا في ترتيبات “اليوم التالي” في غزة والضفة. وهكذا تصبح E1 جزءًا من الصراع على مستقبل السلطة نفسها.
 تتضح المفارقة أكثر عند الربط بين غزة والضفة. ففي غزة يجري الحديث عن إدارة فلسطينية تكنوقراطية، وقوة استقرار دولية، ودور عربي وإقليمي، مع إبعاد حماس عن إدارة القطاع. أما في الضفة، فإن بناء E1 وتوسيع المستوطنات يقللان من المجال الجغرافي والسياسي لقيام كيان فلسطيني قابل للحياة.
وهنا يبرز التناقض والاختلاف: هل تريد إسرائيل بناء نظام فلسطيني جديد في غزة، بينما تمنع في الضفة تشكل نظام فلسطيني قابل للحياة؟ إذا كان الأمر كذلك، فنحن أمام هندسة مختلفة للضفة وغزة، هدفها إبقاء السيطرة الاستراتيجية الإسرائيلية في الحالتين.
 عدم اعتراض إدارة دونالد ترامب بصورة مباشرة على E1 منح الحكومة الإسرائيلية هامشًا لم يتوفر للحكومات السابقة، لكنه لا يعني بالضرورة أن واشنطن تتبنى الضم أو إنهاء حل الدولتين.
والمخاطرة تكمن في تفسير الصمت الأميركي المؤقت كضوء أخضر استراتيجي دائم. فقد تتغير أولويات واشنطن إذا ارتبط الملف الفلسطيني بالتطبيع العربي وإعادة ترتيب الشرق الأوسط. لذلك تحتاج إسرائيل إلى تقدير تأثير E1 في المشروع الإقليمي الأوسع، لا الاكتفاء بالموقف الأميركي الراهن.
 لا يمكن فصل E1 عن الدور العربي. فمصر والأردن معنيان مباشرة، بحكم الجغرافيا والأمن، بمستقبل الضفة وغزة، فيما تتعامل الإمارات مع القضية الفلسطينية ضمن هندسة أوسع للنظام الإقليمي وعلاقاتها مع واشنطن وإسرائيل.
بالنسبة لهذه الدول، المشكلة ليست E1 وحدها، بل احتمال تحول سياسة فرض الوقائع الإسرائيلية إلى عقبة أمام ترتيب إقليمي جديد.
وهنا تكمن المفارقة: تريد إسرائيل استخدام قوتها على الأرض لتعزيز موقعها الإقليمي، لكن سياساتها في الضفة قد تعيد القضية الفلسطينية إلى قلب النظام الإقليمي. وبذلك قد تصبح E1 جزءًا من صفقة إقليمية أوسع.
 تكشف المقارنة بين إنبار وINSS انقسامًا جوهريًا داخل التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي. إنبار يقول عمليًا: ثبّت المصالح الحيوية على الأرض، حافظ على التفوق الجغرافي والأمني، ثم تفاوض من موقع قوة.
أما INSS فيحذر من أن تثبيت الوقائع قد يتحول إلى قيد على إسرائيل نفسها إذا جعل التسوية أكثر صعوبة. إنبار يخشى أن يؤدي ترك E1 خالية إلى خسارة استراتيجية، بينما يخشى INSS أن يؤدي بناؤها إلى خسارة سياسية واستراتيجية بعيدة المدى.
لذلك لا يدور الخلاف حول من يؤيد الأمن الإسرائيلي ومن يعارضه؛ فكلاهما ينطلق منه. الخلاف هو في تعريف الأمن نفسه: هل يتحقق بالسيطرة على الأرض، أم يشمل أيضًا القدرة على المناورة السياسية، والحفاظ على التحالفات، وإبقاء خيارات المستقبل مفتوحة؟




“المرأة الفلسطينية: من الحضور إلى صناعة القرار”.. في الطريق إلى المجلس التشريعي.. سؤال الدور لا سؤال العدد

د. منى أبو حمدية

لم تكن المرأة الفلسطينية يوماً خارج المشهد الوطني. كانت حاضرة في تفاصيل الحياة الفلسطينية، في الأسرة والمجتمع، وفي العمل الوطني والسياسي والنقابي والثقافي، كما كانت حاضرة في مواجهة التحولات الكبرى التي مر بها الشعب الفلسطيني. لكن حضورها التاريخي والمجتمعي لم يكن دائماً متناسباً مع حضورها في مواقع صناعة القرار.
ومع اقتراب الانتخابات التشريعية المقبلة، يصبح من الضروري إعادة طرح السؤال، ولكن من زاوية مختلفة: ليس كم امرأة ستصل إلى المجلس التشريعي، وإنما ماذا نريد من المرأة أن تفعل بعد وصولها؟
فالمسألة في جوهرها ليست قضية تمثيل عددي فقط، وإنما قضية تتصل بطبيعة النظام السياسي الفلسطيني وقدرته على الاستفادة من طاقات المجتمع كافة.
لقد أسهمت الإجراءات القانونية التي اعتمدت لضمان مشاركة المرأة في فتح المجال أمام حضور نسائي أكبر في القوائم الانتخابية، وهو أمر مهم في مسار تطور الحياة الديمقراطية الفلسطينية. لكن الكوتا، مهما بلغت أهميتها، لا ينبغي أن تتحول إلى نهاية المطاف؛ فهي وسيلة لضمان الحضور، وليست ضمانة “للتأثير”.
وهنا تكمن المسافة بين الوجود في المؤسسة السياسية والمشاركة في صناعة القرار.
فالمرأة قد تصل إلى البرلمان، لكن السؤال يبقى: هل كانت شريكة في صياغة البرنامج الذي أوصلها؟ هل شاركت في تحديد الأولويات السياسية؟ هل تمتلك القدرة على التأثير في التشريع والرقابة والسياسات العامة؟ وهل تنظر إليها القوى السياسية باعتبارها قيادية وصاحبة قرار، أم باعتبارها استكمالاً للنسبة المطلوبة في القائمة؟
باعتقادي المتواضع ان هذه الأسئلة أكثر أهمية من الرقم نفسه.
فالمرأة الفلسطينية لا تحتاج إلى أن تدخل السياسة باعتبارها “قضية نسائية”. إنها تدخلها باعتبارها مواطنة وشريكة في الشأن الفلسطيني العام. ولذلك فإن حضورها في المجلس التشريعي يجب ألا يُحصر في قضايا الأسرة والمرأة والحماية الاجتماعية، على أهميتها، بل ينبغي أن يمتد إلى الاقتصاد والتعليم والثقافة والتنمية والحكم والإدارة والتشريع والسياسات الوطنية.
فالمرأة ليست ملفاً في أجندة الدولة؛ المرأة شريك في صياغة أجندة الدولة.
وهذا التحول في النظرة ضروري أيضاً داخل القوى السياسية. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى أن يكون اختيار المرشحات قائماً بصورة أكبر على الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على التواصل مع المجتمع، لا على استكمال متطلبات التمثيل فقط.
كما تحتاج النساء أنفسهن إلى خوض المجال السياسي بأدوات جديدة؛ فالمشاركة السياسية لم تعد مرتبطة بالعمل التنظيمي التقليدي وحده، وإنما أصبحت تتطلب معرفة بالتشريع والسياسات العامة، وقدرة على التواصل والإقناع، وحضوراً في الفضاء الإعلامي والرقمي، ووضوحاً في البرنامج والرؤية.
وتبرز هنا أهمية الجيل الشاب من النساء. فإتاحة المجال أمام الشباب للمشاركة السياسية يمكن أن تفتح نافذة جديدة أمام قيادات نسائية تمتلك المعرفة الأكاديمية والخبرة المجتمعية، وتعرف أدوات التواصل الجديدة، وتحمل رؤى مختلفة حول الدولة والمجتمع والمواطنة.
لكن الطريق ليس خالياً من التحديات. فإلى جانب التحديات السياسية والمؤسساتية، لا تزال هناك تحديات اجتماعية وثقافية تؤثر في فرص المرأة في المنافسة والوصول إلى مواقع القرار. كما أن طبيعة النظام السياسي الفلسطيني، وما يحيط به من ظروف الاحتلال والانقسام والأزمات الاقتصادية، تجعل عملية تطوير المشاركة السياسية أكثر تعقيداً.
ومع ذلك، فإن صعوبة الواقع لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتأجيل الإصلاح السياسي أو تقليص المشاركة. بل على العكس، كلما ازدادت التحديات، ازدادت الحاجة إلى مؤسسات أكثر تمثيلاً وأكثر قدرة على الاستفادة من جميع طاقات المجتمع.
ومن هنا، فإن الانتخابات التشريعية المقبلة يمكن أن تكون فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين المرأة والسياسة.
الاختبار الحقيقي لن يكون في عدد النساء اللواتي ستضمهن القوائم، ولا حتى في عدد من سيصلن إلى المجلس التشريعي، وإنما في طبيعة الدور الذي سيُتاح لهن بعد الوصول.
هل ستكون المرأة جزءاً من عملية صنع القرار؟ أم سيظل حضورها في حدود التمثيل؟ هل ستشارك في صياغة السياسات؟ أم تكتفي بالمشاركة في التصويت عليها؟ وهل ستُقاس كفاءتها بما تستطيع أن تقدمه، أم ستظل محكومة باعتبارات تتجاوز الكفاءة والبرنامج؟
إن بناء نظام سياسي فلسطيني أكثر توازناً لا يعني إقصاء الرجل لصالح المرأة، كما أن تعزيز حضور المرأة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره منافسة بين الجنسين. المسألة أبسط وأعمق في الوقت ذاته: كيف نبني نظاماً سياسياً يستفيد من المجتمع كله؟
فالمرأة الفلسطينية أثبتت، عبر تاريخها، أنها قادرة على تحمل المسؤولية الوطنية والاجتماعية، وحان الوقت لأن يتحول هذا الرصيد من مجرد اعتراف رمزي إلى مشاركة أكثر تأثيراً في المؤسسات.
وفي الطريق إلى المجلس التشريعي، ربما يكون السؤال الأجدى ليس: كم امرأة نريد في البرلمان؟
بل: أي دور نريد للمرأة في صناعة القرار الفلسطيني؟
فبين الحضور والتأثير مسافة، وبين المقعد وصناعة القرار تجربة كاملة. وهذه المسافة هي التي ينبغي أن تبدأ الحياة السياسية الفلسطينية الجديدة في ردمها.




بينما تحترق الضفة

عصام بكر : عضو المجلس الوطني الفلسطيني

لا تزال الحرب مستعرة في أوجها على قطاع غزة وإن تراوحت أعمال القصف اليومي بين اغتيال هنا أو تدمير هناك، وتحريك ما يسمى الخط الأصفر بتوسيع منطقة سيطرة الاحتلال فيما تزداد معاناة النزوح والقهر ويستمر المرض والفقر يفتك بالغالبية العظمى من أهالي القطاع أو من (بقي منهم) على قيد المعاناة! القطاعات والبنى التحتية تصل حافة الانهيار الشامل دون إمكانيات تذكر لاستمرار الخدمات في الصحة والأغذية أو ما يسمى” التعافي” الذي لا يصل على الإطلاق، ما يعرف بحرب الإبادة أو حرب الـ 1000 يوم باختصار لم تنته بعد بل أن احدى حلقاتها الأكثر فظاعة وبشاعة أي التهجير القسري لا يزال حاضرا بقوة هذه الأيام ومعروف أن الضفة الغربية كانت قبل ذلك هي ساحة الحرب التي تدور رحاها اليوم مع حمى الانتخابات التي يحضر لها في دولة الاحتلال.
الضفة الغربية والقدس شأنها ومصيرها مرتبط بشكل وثيق بما يجري في القطاع، والويلات شكلاً وحجماً تختلف فلا مقارنة من باب الإنصاف كون المعتدي ذاته والهدف ذاته، وإن اختلفت الأدوات، المستوطنين “رعاة التلال” وفتيان دولة المستوطنين لا يعملون فقط على تنفيذ خطة الضم التي يتباهى بها سمورتيش بل ينفذون احدى اهم حلقات المشروع الصهيوني في بلادنا على الإطلاق وهو إجبار الناس على المغادرة، أي رسم واقع جديد تكون البلاد فيه خالية من أصحابها، الإعلانات المتسارعة لأحزاب اليمين الفاشي عن الاستيلاء على الأراضي وإقامة “البؤر” وتقطيع أوصال الأرض هي مساعي الاحتلال طوال الوقت لكن معها تدار معركة أيديولوجية من طراز جديد له علاقة بالرواية، وملكية الأرض، ومن هم أصحابها ومن يقرر فيها!
هذا بات جوهر المخطط المتصاعد لسياسات حكومة الاحتلال وترجمات ذلك على الأرض تتأتى من خلال (العودة) الى مستوطنات جنين المخلاة وممارسة الإرهاب اليومي بحق المواطنين بالأرياف الفلسطينية على امتداد الضفة الغربية التي تشكل نحو 62% من مساحة الضفة، وصولا الى محاولات الترحيل القسري وما يخلفه من تغيير في النواحي الاقتصادية والاجتماعية، مثلا سرقة المواشي، وقطع الأشجار إضافة الى ما جرى ويجري في مخيمات شمال الضفة هي أمثله حية على ذلك والأزمات التي رافقت ذلك ناهيك عن محاولات تفكيك المخيم من صورة الوعي الجمعي واقتحام معهد قلنديا قبل أيام يعد احدى الأشكال للأهداف المبيتة لإنهاء صورة المخيم.
التوصيف أن الضفة تحترق هو تعبير مباشر لمدى ما وصلنا اليه في ظل الهجمة والإجراءات الجاري تنفيذها من قبل الاحتلال والمستوطنين لرسم معالم المرحلة المقبلة بكل تجليات المشهد الدامي المرشح للمزيد من ارتفاع حجم مسلسل القتل والإبادة المتواصلة، بينما تحترق الضفة فعلا لم يبق مكان يلوذ اليه المواطن المزارع الإنسان الفلسطيني على هذه الأرض التي ضاقت بما رحبت كأنه ترك منفردا وحيدا في قلب العاصفة لا يأتي صوت واحد في هذا العالم موقف جدي مساند واحد أو داعم ولم نسمع عن تحرك دولي محدد لوقف ذلك مع استثناء هنا أو هناك لا يتعدى التعبير عن (القلق). مواقف لا ترتقي للمستوى المطلوب حتى دمغ منتجات الاحتلال في عدة دول أوروبية أو وصف البيانات لأعمال المستوطنين بالإرهاب من قبل بعض المسؤولين كلها مواقف جيدة لكنها لا تغير من واقع الحال، زيارات الوفود الدبلوماسية الى قصرة وبيوتها المحاصرة او مسافر يطا التي يتهددها خطر الترحيل وتقديم أرقام عن عدد الاعتداءات لا تكفي الكل بات يدرك الخطر والخوف والإرهاب الذي يواجهه الشعب الفلسطيني رغم ذلك لا خطوات ملموسة فعلية من شأنها لجم أو إيقاف الانسياب العنصري في الضفة والقدس، أما عن السجون والمعتقلات هي الأخرى(مسالخ) للبشر فحدث ولا حرج ولا استماع لنداءات الاستغاثة وسياط الجلادين تهوي على الأجساد النحيلة، لا لجان تحقيق دولية وصلت لتتحقق مما يجري ولا نشر قوات الحماية الدولية؟ حتى القانون الدولي أصبح خجولا رغم فظاعة الجرائم وما زال العالم يكيل بمكيالين وعين العدالة الدولية عمياء عن رؤية الحقيقة.
لن يتوقف الحريق ولن تطفأ نار الحقد إلا بتغيير مفاهيم العالم تجاه ما يجري وإعادة الاعتبار للقضية الوطنية التي أساسها التحرر وحق تقرير المصير والاستقلال الوطني، وكل ما هو غير ذلك من مشاريع مطروحة هي ملهاة وابتعاد بالصراع الى نقاط وتعقيدات جديدة. المقاربة الناشئة هي انه كلما ابتعد الشعب الفلسطيني عن حقه في الاستقلال تصبح مساحات الصراع مرشحة للدخول في أزمات ومناطق هي أبعد أكثر عن الحل وإيجاد التسوية لسبب بسيط وهو غياب العدالة، إدخال الشعب في دوامة الحلول المرحلية وابتداع أشكال أخرى بما فيها الانتخابات رغم كونها استحقاق وطني ديمقراطي يجب أن تجرى لكن مدخلها هو تحدي فكرة ترويض الشعب وفق الخطة الأمريكية (ومجلس السلام) وخطة الضم والفصل الجغرافي والسياسي من اجل تكريسه وإجبار الناس على التكيف مع الوضع الناشئ لهندسة واقع الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال .
القضية الفلسطينية تمر بمرحلة (نحر) يراد منها الوصول للتصفية وإيجاد معادلات من نوع جديد حتى في دور السلطة وشكلها ووظيفتها وعلى وقع ذلك يتم إحراق المنازل والبيوت ضمن مخطط تهجير شامل وممنهج لاقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، محاصرة الحلم وحق الأجيال في الحياة والعيش بكرامة في وطن ليس لدينا سواه هذا الواقع لكن المخطط لن ينجح ولن يحدث ما يخطط له المحتلون هم أنفسهم هنا كما في كل أرجاء العالم لم يتعلموا من حركة التاريخ والشعوب المقهورة تئن تحت وطأة العذاب والجوع لكنها لا تتنازل ولا تقبل التعايش مع المحتل الشعوب حية رغم الماسي لا تنسى حقها الأصيل في الحرية وهكذا هو شعب فلسطين منذ القدم رغم انهم جربوا كل شيء لتطويعه لكنه بقي متشبث بحقه ووطنه وهو اليوم قادر على البقاء بل قادر على قلب الطاولة من جديد.




التحرر الوطني واسترايجية الصمود: كي تكتمل مبادرة الجبهة الشعبية

جمال زقوت

في الحركات السياسية، كثيراً ما يولد الجديد من رحم القديم. لكن السؤال ليس فقط متى تحدث هذه الولادة، بل كيف تتكون؟ هل تأتي نتيجة مراجعة جادة تستخلص دروس التجربة وتُحدث تطوراً في الفكر والأدوات قبل فوات الأوان، أم لا تحدث إلا بعد أن يستنفد القديم قدرته على الاستمرار، فتأتي الولادة على شكل قطيعة يفرضها الانهيار أكثر مما تصنعها الإرادة الواعية؟

هذا، في جانب أساسي منه، هو حالنا الفلسطيني. فالحراك المتزايد حول المستقبل والمصير، وما يرافقه من نقاشات بشأن إعادة بناء النظام السياسي والمؤسسات الوطنية، لا يزال أسير كثير من خيارات الماضي المستنفدة وأدواته. وهي خيارات لم تكن كلها خاطئة في لحظة نشأتها، لكنها تحولت مع الزمن إلى قيود حين جرى التعامل معها باعتبارها حقائق ثابتة، لا اجتهادات قابلة للمراجعة.

لقد ساد وهم بأن إنجاز التحرر الوطني يمكن أن يتحقق عبر مسار أوسلو، من دون أن نأخذ بما يكفي في الاعتبار تعقيدات الصراع، وموازين القوى، وطبيعة المشروع الاستعماري الذي نواجهه. كما لم تنجح السلطة في بلورة مسار يربط بين التحرر والبناء الديمقراطي وتعزيز قدرة الناس على الصمود، فيما لم تنجح المعارضة في تصويب المسار أو تقديم بديل عملي يربط بين التحرر والصمود، واقترب دورها في كثير من الأحيان من الرفض أكثر منه إلى ممارسة دور المعارضة الفاعلة. وأدى غياب هذا الربط إلى خلل بنيوي في التجربة السياسية الفلسطينية، الأمر الذي يستدعي معالجة تعيد وصل مهمتي التحرر والصمود على نحو متكامل، لأن الإخفاق في الجمع بينهما سيبقي كلاً منهما عرضة للإخفاق.

المشكلة ليست في أن فكرة التحرر الوطني أصبحت قديمة. العكس هو الصحيح. فما يزال الاحتلال والاستيطان وحرمان الشعب الفلسطيني من الحرية وتقرير المصير والاستقلال الوطني جوهر الصراع وأولويته العليا. لكن الذي تغير هو طبيعة المرحلة، وشروط النضال، وموازين القوى، والأدوات المطلوبة.

لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس أي فصيل سيتغلب على الآخر، ولا أي صيغة تنظيمية ستخلف الصيغة القائمة، وإنما؛ كيف نعيد بناء القدرة الوطنية على مواصلة طريق استكمال مرحلة التحرر الوطني في شروط أكثر تعقيداً، وكيف نجعل الصمود جزءاً من استراتيجية التحرر، لا مجرد استجابة لنتائج الصراع؟

فلا الكفاح السياسي وحده يكفي، ولا الدبلوماسية وحدها، ولا المقاومة بمختلف أشكالها، ولا العمل القانوني الدولي، ولا الانتفاضة الشعبية، ولا بناء المؤسسات. قوة الحركة الوطنية تكمن في تحويل هذه الأدوات مجتمعة، ضمن رؤية سياسية واحدة، إلى منظومة متكاملة تخدم هدفاً واضحاً.

قد لا تكون المرحلة المقبلة قصيرة، ولذلك لا يجوز بناء الاستراتيجية الوطنية على افتراض أن التحولات السياسية ستحدث بالسرعة التي نتمناها. الصمود هنا ليس مجرد قدرة الناس على الاحتمال، بل قدرة وطنية منظمة على البقاء والفعل ومواصلة السعي لتجسيد الحقوق الوطنية.

ولهذا فإن للصمود ركائز سياسية واقتصادية واجتماعية، جوهرها حماية الفئات الأكثر تضرراً، وتأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة، والحفاظ على التعليم والصحة والخدمات، ودعم الإنتاج وفرص العمل، وحشد الموارد الفلسطينية والعربية والدولية ضمن أولويات وطنية واضحة.

فالناس هم موضوع التحرر الوطني ووسيلته في آن. ولا يمكن استنهاضهم لمعركة طويلة من أجل الحرية إذا شعروا أن السياسة تدور بعيداً عن حياتهم، أو أن كلفة الصمود تقع على كاهلهم وحدهم. من هنا، فإن الانتقال من التحرر الوطني إلى الصمود لا يعني الابتعاد عن هدف التحرر، بل إعادة بناء متطلبات القدرة على انجازه.

في هذا السياق، تكتسب المبادرة التي طرحتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أهمية خاصة، لأنها تقدم خارطة طريق للوفاق الوطني تقوم على تأجيل الانتخابات العامة لمدة عامين، وفتح حوار وطني شامل، وإعادة تشكيل مجلس وطني موحد بالتوافق بين مختلف القوى والفصائل، والتوافق على برنامج وطني يقوم على المقاومة الشعبية. كما تقترح استكمال توسيع منظمة التحرير بانضمام حركتي حماس والجهاد الإسلامي، بما يعزز إعادة بناء الإطار الوطني الجامع.

لكن هنا تحديداً يبرز السؤال الذي يحتاج إلى استكمال وهو كيف تتحول إعادة بناء الإطار الوطني إلى قدرة فعلية على حماية المجتمع وتعزيز صموده؟

فإعادة بناء منظمة التحرير، مهما كانت ضرورية، لا تجيب وحدها عن أسئلة الحياة اليومية؛ من يدير المؤسسات والخدمات؟ كيف يُعاد بناء الاقتصاد المقاوم، ولو في حدوده الدنيا؟ كيف تُؤمَّن الرواتب والاحتياجات الأساسية؟ وكيف توزَّع أعباء هذه المرحلة بعدالة؟ هذه ليست مسائل إدارية هامشية، بل جزء من المعركة الوطنية نفسها.

ولكي تتحول المبادرة إلى خارطة طريق فعلية تتجاوز إعادة ترتيب التمثيل السياسي والتوافق الفصائلي داخل منظمة التحرير، لا بد من التركيز على الربط بين أهداف المرحلة وأدوات تنفيذها، وفي مقدمتها وجود حكومة مفوضة بصلاحيات واضحة للتصدي لأولويات المرحلة، وعلى رأسها توفير مقومات الصمود على الأرض، باعتبارها الركيزة الأساسية للصمود الوطني والسياسي.

وهنا تبرز المعادلة التي طالما جرى التعامل معها وكأنها قابلة للفصل أو المفاضلة، وهي في جوهرها معادلة للربط والتوازن بين الوطني والديمقراطي.

فالتحرر الوطني والديمقراطية ليسا مسارين يمكن تأجيل أحدهما إلى ما بعد إنجاز الآخر، وإنما جناحان لمشروع واحد. لا يمكن بناء قدرة وطنية مستدامة على مواجهة الاحتلال من دون شرعية سياسية ومشاركة وتعددية ومساءلة، كما لا يمكن للديمقراطية الفلسطينية أن تجد معناها الكامل إذا انفصلت عن وظيفتها في حماية الشعب وتعزيز قدرته على الصمود والتحرر والاستقلال.

لقد أثبتت التجربة أن اختزال الوطني في إدارة السلطة، أو اختزال الديمقراطي في التنافس على السلطة، يقود في الحالتين إلى طريق مسدود. حين يغيب البعد الوطني تتحول السياسة إلى إدارة للواقع، وحين يغيب البعد الديمقراطي تتآكل شرعية المؤسسات، وتتراجع المشاركة، ويصبح الانقسام أكثر قدرة على إعادة إنتاج نفسه.

لذلك، ينبغي أن تكون المرحلة الانتقالية فرصة لإعادة تأسيس العلاقة بين الوطني والديمقراطي، وبين التحرر والصمود.

ومن هنا، فإن السؤال ليس أولاً: أي حكومة نحتاج؟ بل: ما الوظيفة الوطنية التي ينبغي أن تؤديها أي صيغة انتقالية؟

المطلوب إطار سياسي توافقي ذو مصداقية، وقادر على إدارة المرحلة، وتوحيد المؤسسات، وحماية المجتمع، وتأمين مقومات الصمود، وإعادة بناء الثقة، وتهيئة شروط انتخابات حرة وشاملة على قاعدة التعددية وتداول المسؤولية واحترام نتائج الاقتراع.

وتحتاج هذه الوظيفة إلى حكومة توافقية، إلا أن المهم ألا يتحول النقاش حول شكل الأداة إلى بديل عن النقاش حول وظيفتها.

وإذا احتاجت المرحلة إلى حكومة، فلا ينبغي أن تكون حكومة محاصصة فصائلية تتقاسم النفوذ، ولا حكومة تكنوقراط منفصلة عن السياسة والمشروع الوطني. وظيفتها أن تكون أداة تنفيذية لإطار سياسي أوسع، مهمتها حماية الناس، وتعزيز الصمود، وإعادة بناء المؤسسات، وتهيئة شروط الانتقال الديمقراطي، في خدمة هدف التحرر الوطني. وبهذا المعنى، لا تصبح الحكومة هي المشروع، بل إحدى أدواته الأساسية لتنفيذ أولوياته وتحويل أهداف المرحلة إلى سياسات وإجراءات ملموسة على الأرض.

إن استعادة منظمة التحرير لدورها التاريخي لا تعني العودة إلى الماضي كما كان، بل استعادة وظيفتها ضمن منظومة سياسية جديدة: منظمة تحرير جامعة، ونظام ديمقراطي تعددي، ومؤسسات خاضعة للمساءلة، وقدرة مجتمعية واقتصادية على الصمود، وشعب يشارك في صنع القرار ولا يُطلب منه فقط تحمل نتائجه.

والانتخابات، في هذا السياق، لا ينبغي أن تكون مجرد آلية لتجديد الشرعية، بل مدخلاً لإعادة بناء النظام السياسي كله.

لذلك، فإن استكمال مبادرة الشعبية لا يتطلب إضافة أداة إلى أخرى بقدر ما يتطلب وصل الوظائف الوطنية ببعضها: منظمة التحرير تقود المشروع الوطني، ومنظومة المؤسسات، وفي مقدمتها حكومة توافقية مفوضة، تدير شؤون الناس وتنفذ أولويات المرحلة، والديمقراطية تمنح النظام شرعيته، والصمود يوفر للمجتمع القدرة على البقاء والفعل، وكل ذلك في خدمة التحرر الوطني.

فالمطلوب ليس الانتقال من انقسام إلى ترتيب جديد لإدارة الانقسام، ولا من سلطة إلى سلطة، وإنما الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء القدرة على تجاوزها.

إن الجديد الفلسطيني المطلوب ليس قطيعة عمياء مع الماضي، ولا تكراراً له. إنه ولادة سياسية تستخلص من التجربة دروسها، وتعيد بناء الحركة الوطنية على قاعدة واضحة: وطني يقود نحو الحرية والاستقلال، و بناء ديمقراطي يمنح هذا الطريق شرعيته، وصمود يجعل الشعب قادراً على مواصلته.

وعندها فقط، يمكن لمبادرة الشعبية أن تتجاوز كونها مدخلاً لإعادة ترتيب الإطار السياسي، لتصبح خطوة مركزية على طريق إعادة بناء الحركة الوطنية نفسها؛ حركة تستعيد هدف التحرر، وتبني شروط الصمود، وتعيد للناس مكانتهم باعتبارهم أصحاب القضية وأصحاب القرار.