قصيدة جديدة يكتبها الأسير أيهم كممجي من عزله

يحاول الاسير أيهم كممجي أن يقدم المزيد للوطن من داخل زنزانته، وهذه المرة بقصيدة للقدس العاصمة، حملت عنوان” القدس تعرف من أتاها -عشق اليبوس”.
وفيها يتحدث عن هذه المدينة التي ترافقنا كفلسطينيين في كل حياتنا، نطق أيهم بكلماته الصادقة فقال – كما ورد من هيئة الأسرى والمحررين -:
القدس بوصلة السماء وبابها عنوان كل التائهين قبابها
بالقدس آيات الكتاب وسورة وبها رجال الله تحمي ترابها
بالقدس قبلة عاكفين لربهم ودمائهم ضيئت بها اسراجها
بالقدس مسجدها القديم وصخرة بالقدس معراج الحبيب لربها
بالقدس سر لم تقله لكائنٍ لكن من يعرفه هم احبابها
ومفاده ان العدو لطهرها ستجده يحرق حين يدخل بابها
القدس تعرف من اتاها طامعا ستراه تاه من الطريق بدربها
فالقدس طهر مائها وحجارة السور القديم تحيطها كحجابها
بالقدس جمع القائمين مرابطين وساجدين وراكعين بساحها
القدس ملهمة الكفاح وثورة وشعار من رفض الهوان وبيعها
القدس تعرف من اتاها عاشقا وبلهفة ستضمه احضانها
ستجد بان هوائها في جوها او قطر ماء في ثنايا صخرها
وترابها اعشابها صوانها وطيورها اشجارها أزهارها
او شارع في سوقها او كعك قدس قد تسمسم جنبها او سورها
او صوت أجراس الكنائس او اّذان قبابها قد رحبوا بحبيبها
ستجده يشعر انه في داره وكأن اهله أصبحوا هم أهلها
ستراه قد ألف القعود بظلها او حرها وتراه يشعر حبها
ستراه ينظر خلفه بعد الفراق مودعا في حسرة اطلالها
ستراه يرقب من بعيد قبة صفراء زادت من بهاء جمالها
حتى توارت في الحجاب كأنها شمس تتوق لنور من سيزورها
فاذا بنسمة صيف قدس قد أتت لتجفف الدمعات بعد نزولها
وإذا بها همسا تبوح بسره وتقول لا تبكي فيكفي بكائها
فالقدس تبكي مذ رحلت كأنها ولهى تنوح على فراق عشيقها
والحال فيكم واحد فعيونكم كشفت سرائر قلبكم بدموعها
قد جئت انشد عندك الحل الذي سيخفف الدمعات في اناتها
فرأيت أنك في الغرام كمثلها فالدمع في عينيك فسر دمعها
لا تعجبن هيام قلبك قلبها فالطهر في قلب الحبيب كطهرها
فانت ممن يسمعون ندائها او حين تبكي اغضبتك دموعها
كم كنت تفرح حين تشعر سعدها قد كنت ممن يحزنون لحزنها
قد كنت ممن يحرسون قبابها ويشم مسك نبيها وترابها
قد امنتك لسرها ولأنها رات الذي حبته فيك وحبها
فهنئت يا عشق اليبوس بحبها وشهادة لله كانت مهرها
فالان انت عريسها وحبيبها فاهنأ بجنات الخلود وسعدها
عبدالهادي راجي المجالي
عبدالهادي راجي المجالي

سعد يابن دمي
كنت في جنازة المناضل سعد المجالي (ابن عمي)… والذي غادر الحياة فجأة وعلى عجل… سعد كان شخصية فريدة غريبة وعجيبة، فكل الناس هنا يقال عنهم (أردني من أصل فلسطيني) إلا سعد كان (الفلسطيني من أصل أردني)… وقد عاش ومات وهو يحمل قلق فلسطين وهمها، وترابها وذكريات (سعد صايل)، والسفر الطويل والترحال، وما تركه (الختيار أبو عمار) من تفاصيل عذبة، ومن مواقف خالدة، ومن عواصم استقبلته وأخرى أدارت وجهها..، عاش ومات وفيا لـ (فتح) وللثورة التي أفنى شبابه وشيبه في سبيلها.
في الجنازة حضرت الكرك وحضرت فلسطين فقط، جاءت أريحا بكل نخلها وحرها وبكل ما علق من بقايا الحناء على تفاصيل وجه صبية لوحت شمس الغور وجهها، جاءت كي تودع المحافظ السابق لها، وكي تودع من خدم فيها ومد بين الهوى والوطن جسرا من تفاصيل الكرك، جاءت كسيرة حزينة.. على من ترك الأهل والبلد وترك ذكريات الطفولة وكل الحياة، والتحق طائعا بركب السرايا التي قاتلت في بيروت.. وبيروت في ذاكرة البنادق ستبقى التفاحة في حين أن القلب لم يذبل.
يا ابن دمي تعجلت في الرحيل، وتركت لكبدي النازف أن يخط فيك من دم فلسطين ودمعها ما يخط… هي الكرك وحدها من تنتج رجلا بسجاياك، هي وحدها.. من قالت لفتيتها ذات ضحى وعلى تهدج شيخ يقرأ في الهزيع الأخير من ليل الشقاء: (والضحى والليل إذا سجى).. هي من قالت لفتيتها: كونوا رصاصا في بنادق الحرية، وكونوا بحجم الأرض وبحجم الدم.. وإذا أردتم الموت فإياكم أن يكون موتكم عاديا، بل اجعلوا النخل يدمع والزيتون ينزف دما بدلا من الزيت..
يا ابن دمي تعجلت في الرحيل، وكنت أقرأ الأرض في تفاصيل وجه خالد رمضان وخليل عطية.. نعم الأرض تقرأ، وقد وجدت سطورها في وجوههم دمعا وليس لغة، حين هموا بإدخالك القبر.. فقد أيقنوا وأيقنا معهم، أن فلسطين قد فقدت مقاتلا شرسا، وثوريا يجيد لثم الجرح.. ويجيد أكثر تقبيله، حين يكون دربه الشقاء.. وحين تكون بوصلته تشير إلى اتجاه واحد وهو فلسطين. شكرا يا كرك على ما أنجبت، شكرا للتراب.. شكرا لحجارة القلعة، شكرا للعقال والشيخ والقبيلة.. شكرا لكل وردة نبتت على كتفيك، وشكرا للصبايا اللواتي نزفن دمعا على سعد، شكرا للشيح والقمح والبيوت القديمة، شكرا للعجائز اللواتي صامت عيونهن عن الدمع.. وتركن للقلب أن يبكي.. شكرا يا كرك على الصهيل والتاريخ والحكايا.. شكرا لأن فلسطين تأتيك سيرا على الأقدام وتودع في ترابك أعز أولادها، وجذوة ثورتها، ومن احترفوا دروبها ولم يعرفوا غير تلك الدروب.. شكرا للتاريخ… وشكرا للصمت الذي تحترفينه خوفا على البلد، شكرا للأهداب وللكحل وللعيون التي تشبه ذبول قمر في سويعات مساء لطيف..
يا ابن دمي في جنازتك احتار قلبي وتوحدت الجغرافيا، ولم أعرف الفارق أبدا بين تراب الخليل وبين تراب الكرك، كأن الجنازة في الكرك والقبر في الخليل.. أو أن فلسطين هنا ونحن هناك.. هذا ليس التباس الجغرافيا أبدا، ولكنه كان رسالة لمن التبسوا في فهم الكرك…
على كل حال نسيت أن أقول شكرا للدولة، هي الأخرى حضرت ولكن على عجل…