1

نادي الأسير: سجون الاحتلال تتحول إلى ‘فضاء للإبادة’ وسط تفشي الأمراض والحرمان من العلاج

أكد نادي الأسير الفلسطيني في بيان صحفي صدر اليوم الاثنين أن مصلحة السجون الإسرائيلية حولت مراكز الاحتجاز إلى بيئة خصبة لنشر الأمراض الفتاكة، واصفاً إياها بأنها باتت تمثل ‘فضاءً للإبادة’. وتأتي هذه التصريحات في ظل تصاعد وتيرة الانتهاكات الممنهجة التي يتعرض لها الأسرى منذ بدء العدوان على قطاع غزة في أكتوبر 2023، حيث تضاعفت سياسات القمع والتجويع.

وأوضح النادي أن مرض الجرب المعدي بات يتفشى بشكل مرعب بين صفوف المعتقلين، نتيجة تعمد إدارة السجون تقليص مواد التنظيف والمطهرات وحرمان الأسرى من حقهم الأساسي في الاستحمام. كما تمنع سلطات الاحتلال توفير الملابس النظيفة للأسرى، مما يسهم في خلق ظروف بيئية قاسية تساعد على انتشار العدوى الجلدية بشكل لا يمكن السيطرة عليه داخل الغرف المكتظة.

وسلط التقرير الضوء على حالة الأسير عزمي نادر أبو هليل، البالغ من العمر 31 عاماً والمحتجز في سجن ‘عوفر’ منذ مطلع العام الجاري، كنموذج صارخ لسياسة الإهمال الطبي. ويعاني أبو هليل من انتشار حاد للحبوب الجلدية في كافة أنحاء جسده، بالإضافة إلى آلام مستمرة في المعدة وفقدان للتوازن، دون أن يتلقى أي تشخيص طبي دقيق لحالته الصحية المتدهورة.

وأفادت مصادر حقوقية بأن محامي الأسير أبو هليل لاحظ خلال زيارته الأخيرة تدهوراً كبيراً في بنيته الجسدية، حيث أكد الأسير أنه لم يزود بنتائج فحوصات الدم التي أجريت له بعد مطالبات مضنية. وما يزيد من خطورة الموقف هو إبداء طبيب السجن شكوكاً حول احتمالية إصابة الأسير بمرض السرطان، وهو ما تسبب بضغط نفسي هائل للمعتقل في ظل غياب الرعاية الصحية.

وتشير الإحصاءات الرسمية لنادي الأسير إلى أن عدد الشهداء داخل السجون الإسرائيلية قد تجاوز 100 معتقل منذ الثامن من أكتوبر 2023، حيث تم الكشف عن هويات 89 منهم حتى الآن. وتعتبر هذه الأرقام دليلاً دامغاً على تحول الحرمان من العلاج إلى أداة تعذيب وقتل بطيء تستخدمها سلطات الاحتلال ضد الفلسطينيين المحتجزين في ظروف غير إنسانية.

السجون الإسرائيلية تشهد أوضاعاً صحية غير مسبوقة نتيجة الحرمان من العلاج الذي تحول إلى أداة تعذيب ضمن الجرائم الطبية الممنهجة.

وفي سياق متصل، كشفت تقارير إعلامية إسرائيلية عن تقديم أكثر من 600 شكوى تتعلق بانتهاكات حراس السجون ضد الأسرى منذ تولي إيتمار بن غفير منصب وزير الأمن القومي. وقد اتسمت فترة ولاية بن غفير بتشديد الإجراءات العقابية، بما في ذلك تقليص وجبات الطعام والحد من ساعات الخروج إلى الساحات، مما أدى إلى تدهور حاد في الصحة العامة للأسرى.

ووجه نادي الأسير نداءً عاجلاً إلى منظمة الصحة العالمية والمؤسسات الحقوقية الدولية، مطالباً بضرورة التدخل الفوري لوقف ما وصفها بـ ‘الجرائم الطبية’. وشدد النادي على ضرورة ممارسة ضغوط دولية حقيقية على إسرائيل لإلزامها بتوفير الرعاية الصحية اللازمة وضمان وصول الطواقم الطبية المستقلة لمعاينة الحالات الحرجة داخل السجون.

ويقبع حالياً في سجون الاحتلال ما يزيد عن 9400 أسير فلسطيني، من بينهم 350 طفلاً و90 امرأة، يعيشون جميعاً تحت وطأة إجراءات انتقامية غير مسبوقة. وتتواتر التقارير الحقوقية التي تؤكد تعرض المعتقلين لعمليات تنكيل يومية تشمل الضرب المبرح والإهانات، وصولاً إلى تقارير صادمة عن حالات اعتداء جنسي وإهمال طبي متعمد.

إن السياسة التي تنتهجها إدارة السجون الإسرائيلية لا تقتصر على الحرمان من الدواء فحسب، بل تمتد لتشمل الحرب النفسية عبر عزل الأسرى عن العالم الخارجي وتقليص زيارات الأهالي. وتؤكد المصادر أن هذه الإجراءات تهدف إلى كسر إرادة الأسرى وتحويل حياتهم اليومية إلى معاناة مستمرة لا تنتهي بانتهاء ساعات التحقيق، بل تمتد لتشمل كل تفاصيل معيشتهم.

ختاماً، يبقى ملف الأسرى الفلسطينيين أحد أكثر الملفات سخونة في ظل استمرار الإبادة الجماعية، حيث يطالب الحقوقيون بفتح تحقيق دولي مستقل في ظروف استشهاد المعتقلين. وتظل المطالبات بضرورة توفير الحماية القانونية والطبية للأسرى قائمة، في وقت تضرب فيه إسرائيل بعرض الحائط كافة المواثيق الدولية واتفاقيات جنيف المتعلقة بمعاملة أسرى الحرب والمعتقلين المدنيين.




قلعة الشقيف: رمز الصراع التاريخي في جنوب لبنان يقع مجدداً تحت الاحتلال

عادت قلعة الشقيف الحجرية، الشامخة فوق تلال جنوب لبنان منذ العصور الوسطى، لتتصدر المشهد العسكري والسياسي بعد أن أحكمت قوات الاحتلال الإسرائيلي قبضتها عليها يوم السبت. ويمثل هذا التحرك العسكري عودة لواحد من أكثر المواقع رمزية في تاريخ الصراع اللبناني الإسرائيلي، حيث كانت القلعة حصناً مركزياً للاحتلال طوال ثمانية عشر عاماً قبل الانسحاب القسري في عام 2000.

وتكتسب القلعة التي يعود تاريخ بنائها إلى نحو 900 عام أهمية استراتيجية فائقة نظراً لموقعها الجغرافي الفريد الذي يشرف على نهر الليطاني. وتتيح القلعة لمن يسيطر عليها رؤية بانورامية تمتد إلى هضبة الجولان المحتلة شرقاً وشواطئ البحر الأبيض المتوسط غرباً، مما يجعلها نقطة مراقبة عسكرية لا تضاهى في المنطقة.

وفي تعليقه على هذا التطور، اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الوصول إلى الشقيف يمثل انتصاراً معنوياً وسياسياً لجيشه. وأشار نتنياهو إلى أن المكان الذي كان يوماً ما رمزاً للانقسام الداخلي الإسرائيلي خلال حرب لبنان الأولى، بات اليوم يجسد ما وصفه بوحدة الإسرائيليين وتصميمهم في الحرب الحالية.

من جانبه، أكد حزب الله اللبناني أن القلعة لم تكن تضم أي مظاهر عسكرية أو مقاتلين تابعين له عند دخول القوات الإسرائيلية إليها. وأوضح الحزب أن المواجهات الميدانية لا تزال مستمرة في المناطق المحيطة بالحصن التاريخي، مشدداً على أن السيطرة على الحجر لا تعني حسم المعركة في الميدان المفتوح.

وتعد قلعة الشقيف شاهداً حياً على تعاقب الحضارات والحروب، حيث بناها الصليبيون في القرن الثاني عشر الميلادي فوق أساسات قديمة. وقد شهدت أسوارها معارك طاحنة خاضها القائد صلاح الدين الأيوبي، ثم سيطر عليها فرسان الهيكل والمماليك، وصولاً إلى العصر الحديث حيث أصبحت معقلاً لمنظمة التحرير الفلسطينية.

ويرى خبراء أمنيون أن القيمة العسكرية للقلعة لم تتأثر كثيراً بالتطورات التكنولوجية الحديثة وظهور الطائرات المسيرة. وأوضح المحلل الأمني رياض قهوجي أن الموقع الاستراتيجي للقلعة يمنح القوات البرية ميزة تكتيكية كبرى في السيطرة على المحاور الحيوية بجنوب لبنان، وهو ما يفسر إصرار الاحتلال على الوصول إليها.

وبالنسبة للبنانيين، تمثل القلعة جرحاً تاريخياً يذكرهم بسنوات الاحتلال الطويلة التي بدأت عام 1982، حيث كانت جدرانها شاهدة على الغارات والعمليات العسكرية المستمرة. ويرى باحثون في مركز كارنيغي للشرق الأوسط أن العودة الإسرائيلية للشقيف هي محاولة لفرض واقع جديد يذكر اللبنانيين بعهد السيطرة المباشرة على حياتهم وقراهم.

اليوم، عدنا إلى الشقيف بشكل مختلف.. عدنا متحدين، ومصممين، وأقوى من أي وقت مضى.

وعلى الصعيد الثقافي، تندرج قلعة الشقيف ضمن قائمة منظمة اليونسكو للمواقع التراثية العالمية التي تتمتع بحماية معززة بموجب اتفاقية عام 1954. ورغم هذه الحماية الدولية، فإن غياب إسرائيل عن عضوية المنظمة يثير مخاوف جدية حول مصير المعلم التاريخي الذي تعرض لأضرار جسيمة في حروب سابقة.

وكانت القلعة قد تحولت بعد عام 2000 إلى مزار سياحي ورمز لـ ‘الانتصار’ بالنسبة لحزب الله، حيث رُفع علمه الأصفر فوق أسوارها لسنوات طويلة. واليوم، يعيد مشهد العلم الإسرائيلي وهو يرفرف فوق القمة ذاتها للأذهان صوراً من الماضي، مما يثير مشاعر متناقضة داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه بين الفخر والخشية من الغرق في ‘المستنقع اللبناني’ مجدداً.

ويشير المؤرخون العسكريون إلى أن الشقيف كانت دائماً ‘ترمومتراً’ للصراع؛ فاحتلالها يرمز للقوة والسيطرة، وفقدانها يرمز للتراجع والهزيمة. ويرى البعض في إسرائيل أن السيطرة الحالية هي رسالة موجهة لحزب الله مفادها أن الجيش الإسرائيلي قد تجاوز ‘صدمة لبنان’ ولم يعد يخشى التمركز في المواقع الأمامية المكشوفة.

وفي ظل الحرب الدائرة، تسببت العمليات العسكرية المحيطة بالقلعة في نزوح مئات الآلاف من سكان القرى المجاورة وتدمير واسع في البنية التحتية. وتظل القلعة، رغم جراحها، واقفة كشاهد صامت على صراع إرادات لا ينتهي، حيث تتداخل فيها الأساطير التاريخية مع الحسابات العسكرية المعقدة للقرن الحادي والعشرين.

وتحمل جدران القلعة العتيقة آثاراً لا تمحى من الرصاص والقذائف التي تعود لفترات زمنية مختلفة، بدءاً من اشتباكات السبعينيات وصولاً إلى حرب عام 2006. هذه الندوب تحكي قصة حصن لم يعرف الهدوء إلا لسنوات قليلة، قبل أن يعود مجدداً ليكون قلب العاصفة في المواجهة الراهنة.

وتؤكد مصادر ميدانية أن القوات الإسرائيلية بدأت بتعزيز تحصيناتها داخل القلعة ومحيطها، مما يشير إلى نية للبقاء لفترة غير محددة. هذا التحرك يثير تساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل تخطط لتحويل القلعة مجدداً إلى قاعدة عمليات دائمة كما فعلت في الثمانينيات، أم أنها مجرد نقطة ارتكاز مؤقتة.

ختاماً، تبقى قلعة الشقيف أكثر من مجرد بناء حجري قديم؛ إنها نقطة التقاء التاريخ بالجغرافيا والسياسة بالدم. ومع استمرار القتال في جنوب لبنان، يظل مصير هذا المعلم العالمي معلقاً بين مطامع السيطرة العسكرية وضرورات الحفاظ على التراث الإنساني الذي يمثله هذا الحصن الفريد.




مستعمرون يقتحمون بيتا جنوب نابلس




منظمة التحرير الفلسطينية بين استعادة الدور واستنهاض المشروع الوطني

د. مروان إميل طوباسي

في الذكرى الثانية والستين لتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية التي صادفت يوم ٢٨ أيار، لا تبدو المناسبة مجرد استعادة لمحطة تاريخية في مسيرة شعبنا الفلسطيني، بل لحظة مراجعة نقدية وطنية عميقة تتعلق بمصير المشروع الوطني الفلسطيني التحرري نفسه، في ظل أخطر مرحلة يمر بها شعبنا منذ جريمة النكبة المستمرة حتى اليوم بأشكال متعددة.
ففي الوقت الذي ما زالت تتعرض فيه غزة لحرب إبادة مفتوحة وتقسيم فعلي، وتتصاعد عمليات الضم والاستيطان والتفكيك الممنهج في الضفة الغربية بما فيها القدس وإقرار تشريعات استعمارية مثل قانون تسوية الأراضي، وما يتعرض له الأسرى كما وشعبنا بالداخل من سياسات الفوقية اليهودية والتمييز العنصري، وتُستهدف فيه مخيمات اللجوء والوجود الفلسطيني في الشتات بأشكال مختلفة، يعود السؤال الجوهري أمامنا، أين تقف منظمة التحرير اليوم؟ وهل ما تزال قادرة على أداء وظيفتها التحررية والتمثيلية كبيت معنوي جامع للكل الفلسطيني منذ ان تأسست من أجل ذلك بمدينة القدس عام ١٩٦٤؟
لقد شكّلت المنظمة، منذ انطلاقتها، الإنجاز السياسي والمعنوي الأهم في تاريخ شعبنا الفلسطيني المعاصر، باعتبارها الإطار الجامع المعبر عن الهوية والكيان المعنوي الذي وحّد الفلسطينيين في الوطن والشتات تحت راية مشروع تحرري، وقاد معركة تثبيت الهوية الوطنية الفلسطينية على المستويين العربي والدولي. فلم يكن الإعتراف العربي والدولي بها ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني مجرد قرار سياسي، بل نتيجة تراكم كفاحي وتضحيات هائلة قدمها شعبنا وحركته الوطنية منذ بدايات ثورة عام ١٩٣٦.
غير أن التحولات السياسية التي أعقبت اتفاق أوسلو وملحقاته، وما نتج عنها من انتقال مركز الثقل من المنظمة إلى السلطة الفلسطينية، أدّت تدريجياً إلى تهميش مؤسسات المنظمة وإضعاف دورها السياسي والوطني، حتى باتت في كثير من الأحيان أقرب إلى إطار رمزي منه إلى قيادة فعلية للمشروع الوطني التحرري في وقت لم تتوقف فيه محاولات شطبها السياسي وخلق بدائل لها افشلها شعبنا بتضحياته.
والأخطر من حالة الجمود التي أصابت مؤسسات منظمة التحرير، هو الانتقال تدريجياً إلى التعامل معها وكأنها مجرد إطار تابع للسلطة الفلسطينية كمشروع حكم ذاتي مؤقت، لا مرجعية وطنية عليا لها. وقد تجلى ذلك في الجدل القانوني والسياسي الذي أثارته بعض القرارات المتعلقة بإخضاع مؤسسات المنظمة لولاية السلطة، بما اعتبرته مؤسسات وطنية وحقوقية وقانونية مساساً بمكانة المنظمة كشخصية قانونية دولية، وبطبيعة العلاقة الأصلية التي يفترض أن تكون فيها السلطة إحدى أدوات المنظمة لا بديلاً عنها أو مرجعية فوقها.
اليوم، وفي ظل مشاريع التصفية التي تعود بأشكال مختلفة للمنطقة بعد مسلسل المتغيرات والتحولات، لم يعد ممكناً التعامل مع أزمة منظمة التحرير بوصفها أزمة إدارية أو تنظيمية فقط، بل باعتبارها أزمة تتعلق بمستقبل التمثيل الوطني الفلسطيني ذاته. فالمشروع الإسرائيلي ـ الأمريكي لم يعد يكتفي بمحاصرة شعبنا ميدانياً، بل يسعى إلى تفكيك وحدة تمثيله السياسي، عبر الإبقاء على الانقسام والتقسيم والفصل الجغرافي والسياسي، وتحويل القضية الفلسطينية إلى ملفات إنسانية وإدارية منفصلة، والتعامل مع غزة باعتبارها مساراً خاصاً منفصلاً عن مرجعية المنظمة واستبدال ذلك بما يسمى “بلجنة أدارة غزة” بإشراف مجلس ترامب للسلام، ومع الضفة باعتبارها مناطق معازل جغرافية وحكم إداري وأمني منزوع السيادة، فيما يُراد للقدس واللاجئين أن يتحولا إلى قضايا مؤجلة ضمن ترتيبات إقليمية أوسع.
كما أن إعادة طرح مشاريع توسيع اتفاقات التطبيع الإقليمي والتي يتحدث عنها ترامب اليوم في سياق المفاوضات الايرانية الأمريكية، تعكس استمرار الرؤية ذاتها التي قامت عليها “صفقة القرن” الأولى، والقائمة على دمج إسرائيل في المنطقة على حساب تجاوز جوهر القضية الفلسطينية ومحاولة إعادة تعريفها كأزمة أدارة سكانية معيشية أو أمنية قابلة للإدارة، لا كقضية تحرر وطني لشعب واقع تحت الاحتلال، من خلال محاولات فرض الرؤية الصهيونية التوراتية المزعومة حول أرض إسرائيل الكبرى.
في مواجهة ذلك، لا يكفي التمسك الرمزي بمنظمة التحرير، بل المطلوب استعادة دورها ووظيفتها التاريخية السياسية عبر عملية تجديد واستنهاض، وخطة إنقاذ وطني شاملة، تعيد بناء مؤسساتها على أسس ديمقراطية وتمثيلية حقيقية، تبدأ بعقد مجلس وطني فلسطيني جديد مُنتخب يضم الكل الفلسطيني في الوطن والشتات بعيدا عن التعيين والمحاصصة التي فقدت جزء من معانيها وادواتها، بما يضمن مشاركة القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والمستقلين، وتمثيل الشباب والمرأة والطاقات الوطنية الحية التي تقود اليوم أشكال الصمود والمواجهة المختلفة وذلك وفق النتائج التي ستفرزها الإنتخابات الديمقراطية المقررة لهذا المجلس في شهر نوفمبر القادم.
كما يتطلب الأمر إعادة صياغة العلاقة بين المنظمة والسلطة الفلسطينية، بحيث تعود المنظمة إلى موقعها الطبيعي كمرجعية عليا فاعلة ومنتخبة الهيئات للمشروع الوطني التحرري، لا أن تبقى خاضعة لوظائف السلطة والتزاماتها السياسية والأمنية والاقتصادية. فالسلطة، مهما كانت أهميتها الإدارية في شان أدارة الخدمات المعيشية، لا يمكن أن تكون بديلاً عن المشروع التحرري الوطني ولا عن الإطار الجامع للشعب الفلسطيني المتمثل بالمنظمة، بل مكملاً له وإداة في خدمته.
إن استعادة منظمة التحرير فعليا وعمليا لا تعني العودة إلى الماضي أو إعادة إنتاج الأشكال والادوات القديمة، بل إعادة بنائها كإطار وطني جبهوي عصري تتجدد به الحركة الوطنية الفلسطينية وتخرج به من أزمتها البنيوية، يكون قادر على الجمع بين المقاومة الشعبية والسياسية والدبلوماسية والقانونية والتعامل مع التحولات الجارية بالنظام الإقليمي والدولي على أساس وحدة الأرض والشعب والقضية الوطنية، واستنهاض الطاقات الفلسطينية في كل أماكن وجود الشعب الفلسطيني ضمن استراتيجية وإرادة سياسية وطنية موحدة تستند إلى حق شعبنا في الحرية وتقرير المصير وإنهاء الاحتلال أولاً، وحل قضية اللاجئين في اطار الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف سنداً للقرارات الأممية.
فمنظمة التحرير لم تكن يوماً مجرد مؤسسة إدارية، بل كانت فكرة وطنية كفاحية جامعة، وتجسيداً لإرادة شعب قرر أن يقاوم ويبقى حياً، وأن يواصل نضاله من أجل الحرية والاستقلال الوطني مهما أشتدت التحديات في مواجهة تداعيات المشروع الاستعماري الصهيوني المستمر على حساب حقوقنا التاريخية والسياسية والقانونية.

* عضو المجلس الاستشاري لحركة “فتح”.




نظام الطيبات.. صراع بين ‘حكمة المطبخ’ وهيمنة الصيدلية

تحول نظام غذائي بسيط يعتمد على مكونات أساسية كالأرز والبطاطا إلى واحدة من أكثر القضايا الصحية إثارة للجدل في المجتمعات العربية المعاصرة. هذا الجدل يضعنا أمام تساؤل جوهري حول الفجوة المتسعة بين الطب الحديث القائم على المختبرات وبين الممارسات الغذائية التقليدية التي رافقت البشرية لآلاف السنين.

نحن نعيش اليوم في عصر يوصف بالذهبي من الناحية الطبية، حيث تتجاوز الاستثمارات في قطاع الصحة حاجز العشرة تريليونات دولار سنوياً. ومع ذلك، يواجه العالم انفجاراً غير مسبوق في الأمراض المزمنة التي يعجز الطب عن تحديد أسبابها الجذرية، مكتفياً بإدارة أعراضها عبر عقاقير دائمة.

تبرز هنا مفارقة صادمة؛ فبينما تضخ مئات المليارات في التكنولوجيا الحيوية، تزداد معدلات السكري والسمنة والسرطان بشكل مطرد. هذا الواقع دفع الكثيرين للتساؤل عما إذا كان النظام الطبي الحالي يهدف للشفاء الحقيقي أم لتحويل المريض إلى مستهلك دائم لمنتجات شركات الأدوية العابرة للقارات.

في هذا السياق المشتعل، برز اسم الدكتور الراحل ضياء العوضي ونظامه المعروف بـ ‘الطيبات’، والذي لم يطرح عقاراً جديداً بل أعاد الاعتبار للمطبخ. لقد طرح العوضي تساؤلاً مزعجاً للمنظومة التقليدية: ماذا لو كان الحل لغالبية أمراضنا يكمن في نوعية ما نأكله قبل أن نصل إلى عتبة الصيدلية؟

انقسم الجمهور تجاه هذا الطرح إلى فريقين متطرفين، أحدهما يراه ثورة صحية تعيد للجسم قدرته الفطرية على التعافي الذاتي. في المقابل، يرى الفريق الآخر أن هذا النظام يمثل تبسيطاً مخلاً لمشكلات طبية معقدة، واصفين إياه بـ ‘الهرطقة العلمية’ التي قد تضر بصحة المتبعين لها.

المثير للاهتمام أن فكرة العلاج بالغذاء ليست وليدة اليوم، بل لها جذور في أعرق الجامعات العالمية منذ عقود طويلة. ففي عام 1939، حقق الطبيب والتر كيمبنر في جامعة ديوك نتائج مذهلة في علاج الفشل الكلوي وضغط الدم باستخدام نظام يعتمد كلياً على الأرز والفواكه.

كذلك سار الطبيب الأمريكي جون ماكدوغال على ذات النهج، متسائلاً كيف تحولت الأطعمة التي شكلت قوام حياة البشر لقرون إلى ‘متهمين’ في عصرنا الحالي. وأكد ماكدوغال أن ظهور الأمراض الحديثة تزامن بدقة مع دخول الأطعمة فائقة التصنيع والزيوت المهدرجة إلى موائدنا.

كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الإيمان بحبة دواء أكثر عقلانية من الإيمان بطبق طعام، وكيف أصبحنا نثق بأن الشفاء في الصيدلية وليس في المطبخ؟

إن الإنسان المعاصر يخضع، دون وعي منه، لأكبر تجربة غذائية في التاريخ البشري من خلال استهلاك آلاف المواد المضافة والمنكهات الصناعية. هذه المواد الغريبة عن التكوين البيولوجي للإنسان قد تكون المحرك الأساسي للاعتلالات الصحية التي نعجز عن تفسيرها بالوسائل التقليدية.

لقد اعتدنا على رؤية المرض كجزء طبيعي من التقدم في السن، وأصبح من المألوف أن يحمل الفرد ‘صرة’ من الأدوية اليومية. هذا القبول المجتمعي للمرض الدائم يعكس خللاً في مفهومنا للصحة، حيث استبدلنا الوقاية بالاعتماد الكلي على التدخلات الكيميائية الخارجية.

لا يمكن إنكار فضل الطب الحديث في إنقاذ الملايين عبر الجراحات الدقيقة والمضادات الحيوية واللقاحات المتطورة. لكن المشكلة تكمن في الخلط بين ‘إنقاذ الحياة’ في الحالات الطارئة وبين ‘صناعة الصحة’ المستدامة التي تتطلب نمط حياة متكاملاً.

العلم الحديث نفسه بدأ يعود لتقدير آليات الجسم الذاتية، كما حدث عند منح جائزة نوبل للعالم يوشينوري أوسومي عام 2016. أبحاث أوسومي حول ‘الالتهام الذاتي’ أثبتت أن الصيام والجوع يمنحان الخلايا فرصة لتنظيف نفسها من التالف، وهو ما يتقاطع مع جوهر أنظمة غذائية كثيرة.

بين تقديس نظام الطيبات كعقيدة وبين السخرية منه كخرافة، تضيع مساحات واسعة من الحقيقة العلمية التي تحتاج للبحث الرصين. فليس هناك نظام غذائي يمثل ‘علاجاً سحرياً’ لكل داء، كما أنه لا يمكن تهميش دور الغذاء في تحسين جودة الحياة والتعافي من الأمراض.

إن الجدل حول العوضي ونظامه هو في جوهره صراع حول ‘فلسفة الصحة’ وكيفية استعادة الإنسان لثقته في قدرات جسده الحيوية. السؤال الحقيقي ليس عن البطاطا أو الأرز، بل عن مدى استعدادنا لمراجعة عاداتنا الاستهلاكية التي تدر المليارات على قطاعات التصنيع الغذائي والدوائي.

ختاماً، يحتاج نظام الطيبات وغيره من الأطروحات الغذائية إلى إخضاعها لتجارب سريرية علمية محكمة بعيداً عن الانحيازات. فإذا ثبتت فعاليتها، ستكون مخلصاً للكثيرين من عبودية الدواء، وإن ثبت عكس ذلك، سيكون العلم هو الفيصل النهائي في حماية الصحة العامة.