1

32 عاما على مجزرة الحرم الابراهيمي

يصادف اليوم الأربعاء، الذكرى الـ32 لمجزرة الحرم الابراهيمي، التي أسفرت عن استشهاد 29 مصليا، وإصابة 150 آخرين.

ففي يوم الجمعة الخامس والعشرين من شباط/ فبراير 1994، الخامس عشر من شهر رمضان، نفذ المستعمر الإرهابي باروخ غولدشتاين، المجزرة عندما دخل إلى الحرم الابراهيمي، وأطلق النار على المصلين.

وأغلق جنود الاحتلال الإسرائيلي المتواجدون في الحرم أبواب المسجد لمنع المصلين من الخروج، كما منعوا القادمين من خارج الحرم من الوصول إلى ساحته لإنقاذ الجرحى، وفي وقت لاحق استشهد آخرون برصاص جنود الاحتلال خارج المسجد وأثناء تشييع جنازات الشهداء، ما رفع مجموعهم إلى 50 شهيدا، 29 منهم استشهدوا داخل المسجد.

وفي اليوم ذاته، تصاعد التوتر في مدينة الخليل وقراها وكافة المدن الفلسطينية، وبلغ عدد الشهداء الذين سقطوا نتيجة المواجهات مع جنود الاحتلال إلى 60 شهيدا ومئات الجرحى.

وإثر المجزرة، أغلقت قوات الاحتلال الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة لمدة ستة أشهر كاملة، بدعوى التحقيق في الجريمة، وشكلت ومن طرف واحد لجنة “شمغار”، للتحقيق في المجزرة وأسبابها، وخرجت في حينه بعدة توصيات، منها: تقسيم الحرم الإبراهيمي إلى قسمين، وفرضت واقعا احتلاليا صعبا على حياة المواطنين في البلدة القديمة، ووضعت الحراسات المشددة على الحرم، وأعطت للاحتلال الحق في السيادة على الجزء الأكبر منه، حوالي 60% بهدف تهويده والاستيلاء عليه، وتكرر منع الاحتلال رفع الأذان في الحرم الإبراهيمي مرات عديدة.

ويضم القسم المغتصب من الحرم: مقامات وقبور أنبياء، وشخصيات تاريخية، إضافة إلى صحن الحرم، وهي المنطقة المكشوفة فيه.

كما وضعت سلطات الاحتلال بعدها كاميرات وبوابات إلكترونية على كافة المداخل، وأغلقت معظم الطرق المؤدية إليه في وجه المسلمين، باستثناء بوابة واحدة عليها إجراءات عسكرية مشددة، إضافة إلى إغلاق سوق الحسبة، وخاني الخليل وشاهين، وشارعي الشهداء والسهلة، وبهذه الإجراءات فصلت المدينة والبلدة القديمة عن محيطها.

يذكر أن الإرهابي باروخ غولدشتاين الذي كان يبلغ من العمر (42 عاما) عند ارتكابه المجزرة يعد من مؤسسي حركة “كاخ” الدينية، وقد قدِم من الولايات المتحدة الأميركية عام 1980، وسكن في مستوطنة “كريات أربع” المقامة على أراضي مدينة الخليل.

“ولد بنيامين غولدشتاين في نيويورك، لعائلة يهودية متشددة، تلقى تعليمه في مدارس “يشيفا” اليهودية في بروكلين، ونال درجة الشرف من كلية ألبرت اينشتاين للطب في جامعة يشيفا، وحقق نجاحات باهرة في مجال الطب، ثم غير اسمه إلى “باروخ” في خطواته الأولى للعنصرية والإرهاب.”

لا عفوية قط في مجزرة الحرم الابراهيمي، ليس جنونا فرديا ذلك الذي قام به “باروخ غولدشتاين”، لأن الجنون الفردي ليس قادرا على حساب التفاصيل بدقة، والتخطيط لها، فاختيار الخليل وبالذات الحرم الابراهيمي، واختيار فجر الجمعة من رمضان، ولحظة سجود المصلين لتكون لحظة الذبح، لا يمكن أن يكون اختيارا من شخص مجنون. من كتاب “الجمعة الدامية.. عقيدة غولدشتاين”.

ويضيف الكتاب، الذي صدر عام 1994، وهو من تأليف: مازن حماد وعامر طهبوب ونادر طهبوب، أن المجزرة جزء من جنون جماعي، فالقاتل لم يوقفه الجنود على بوابات ومداخل الحرم، كما أنه استطاع الوصول بسهولة إلى مصلى المسلمين، وإطلاق عدة صليات من الرصاص لمدة عشر دقائق دون تدخل جنود الاحتلال المرابطين على الحرم.

ترك الجيش غولدشتاين ينفذ مجزرته كاملة.  رغم نقاط المراقبة المكثفة في محيط مسرح الجريمة، واستعدادهم الدائم للتحرك تجاه أي حركة أو نشاط مشبوه، وفوق ذلك كله شاركوا في اطلاق الرصاص على المصلين والمئات الذين هرعوا لنقل الاصابات وانقاذ المتبقين، ما أدى إلى ارتقاء شهداء آخرين وصل عددهم إلى أكثر من سبعة شهداء في باحات الحرم ومحيطه، وهم ينقلون الشهداء والجرحى.

وقد سبق للارهابي غولدشتاين، الاعتداء على الحرم الابراهيمي، وتم تبليغ رئيس وزراء الاحتلال آنذاك “رابين”، بإجرامه وحقده العلني والواضح، وخطورة تصرفات غولدشتاين ومستعمرين آخرين متطرفين.

وجاء في رسالة بعثتها “الهيئة الاسلامية العليا””، أن عددا من المستعمرين اعتدوا على ستة من حراس المسجد الابراهيمي وأحد المصلين، مساء الجمعة 8 تشرين الأول 1993، وقام المتطرف غولدشتاين بقطع آذان العشاء بعد اعتدائه على المؤذن.

قبلها بعام، في مساء الخميس 14 تشرين الأول 1992، قام غولدشتاين بإلقاء مواد كيميائية حارقة على سجاد المسجد، ولولا يقظة الحراس والمصلين، لوقعت مذبحة.

وما زال الاحتلال الإسرائيلي يحاول، ضمن سياسة ممنهجة، السيطرة على المسجد الإبراهيمي وإلغاء السيادة الفلسطينية، وإلغاء اعتباره وقفا إسلاميا خالصا، ففي عام 2020، أغلق الاحتلال المسجد الإبراهيمي 77 يوما، ومنع رفع الأذان فيه 599 وقتا.

ففي نهاية العام الماضي، قرتت سلطات الاحتلال تجريد صلاحيات بلدية الخليل في الحرم الإبراهيمي، في تصعيد خطير وانتهاك للوضع القانوني والتاريخي القائم.

وفي شهر أيار/ مايو الماضي، كشفت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن إصدار سلطات الاحتلال، قرارا بالاستيلاء على سقف الباحة الداخلية للحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل، من خلال أمر استملاك يقضي بالاستيلاء على ما مساحته 288 متراً من السقف المحدد للحرم.

ولم تتوقف سلطات الاحتلال عن تنفيذ مخططاتها الخبيثة فيه منذ احتلال الخليل عام 67، فعلى سبيل المثال لا الحصر منعت دائرة الأوقاف الإسلامية من فرشه بالسجاد في تشرين الثاني 1967، وبعد أقل من شهر أدخلت إليه خزانة حديدية فيها أدوات عبادة يهودية، ثم أدخلت كراسي خاصة بهم إلى القاعة الإبراهيمية في حزيران 1968، وبتاريخ 25/9/1968 سمحت سلطات الاحتلال لفئة يهودية بالصلاة فيه، في تحدٍّ سافر لمشاعر المسلمين، وبعد أقل من شهر نسفت سلطات الاحتلال درع الحرم الإبراهيمي والبوابة الرئيسية المؤدية إليه وهما أثران تاريخيان.

وبتاريخ 11/10/1971 أدخل المستعمرون طاولة خشبية إلى القاعة الإبراهيمية، وفي 9/9/1972 مُنع المصلون المسلمون من أداء صلاة العصر في الحرم لأن المستعمرين كانوا ينشدون الأناشيد الدينية بأصوات مرتفعة وينفخون في البوق، وفي 17/12/1972 أصدر الحاكم العسكري الإسرائيلي أوامره بإغلاق الباب الشرقي للحرم الشريف.

وبتاريخ 1/10/1973 سمح الحاكم العسكري في الخليل بإدخال 50 كرسيًّا خشبيًّا إلى القاعة اليعقوبية من الحرم الشريف، وقامت سلطات الاحتلال بتغطية صحن الحرم 10/11/1973 في محاولة لتغيير معالمه الإسلامية.

وفي حزيران 1974 قامت سلطات الاحتلال بسلسلة من الحفريات في محيط الحرم الإبراهيمي، وأسفل الباب الثلاثي إلى الداخل، وإلى الغرب منه، وأسفل المدرسة الحنفية.

وفي مطلع عام 1976 اقتحم ثلاثة مسلحين يهود الحرم برفقة سبعة مستعمرين وعبثوا بمحتوياته، وبتاريخ 16/3/1976 منع المستعمرون المسلمين من أداء الصلاة في القاعتين اليعقوبية والإبراهيمية.

وفي 21/10/1976، حول جنود الاحتلال قسما من الحرم إلى ثكنة عسكرية، ووضعوا فيه أسرَّة وأمتعة للنوم، وفي 2/11/1976 اعتدى مستعمرون على الحرم وداسوا نسخا من القرآن بأقدامهم، واعتدوا على المصلين بالضرب، وفي 18/11/1976 أعلن الحاخام المتطرف مائير كهانا أنه سيحوِّل الحرم الإبراهيمي إلى قلعة للمتطرفين اليهود بهدف ترحيل المواطنين الفلسطينيين من مدينة الخليل.

وفي 8/3/1977 أعلنت الهيئة الإسلامية عن اختفاء مفقودات ذات قيمة بعد فترة من منع المسلمين دخول الحرم الشريف، وبتاريخ 16/5/1977 اقتحم عدد من المستعمرين الحرم برفقة الحاخام ليفنجر وقاموا بالرقص داخل القاعة الإبراهيمية، وأشهر أحد المستعمرين مسدسه تجاه عدد من المصلين أثناء صلاة الظهر بتاريخ 4/7/1977.

وفي 27/2/1978 اقتحم أحد المستعمرين الحرم وعبث بمحتوياته، وفي 24/4/1978 أدخل مستعمران إليه نسخة جديدة من التوراة وأقاما احتفالاً كبيراً بحماية جنود الاحتلال.

وفي 31 /5/1979 اقتحم جنود الاحتلال القاعة الإبراهيمية، ووضعوا فيها الكراسي، ومنعوا المسلمين من الوصول إلى الحرم، وفي 27/2/1979 اقتحم 20 مستعمرا الحرم وهم يرفعون الأعلام الإسرائيلية، وفي 24/6/1984 أجرى المستعمرون ختان طفل في القاعة الإبراهيمية، وفي 11/9/1984 قام الجنود بتركيب عدسات تلفزيونية داخل الحرم لمراقبة المصلين.

انتهاكات وممارسات سلطات الاحتلال وأذرعها المختلفة في مدينة الخليل لم تتوقف، فقد زرعت فيها عددا من البؤر الاستعمارية وأغلقت شوارعها، وارتكبت فيها أفظع الانتهاكات لحقوق الإنسان، من قتل وتدمير، وحظر للتجول، وحصار اقتصادي متواصل أدى إلى شلّ الحركة التجارية في أسواقها القديمة، كما تستمر الاعتداءات على ممتلكات أهلها بهدم المباني الأثرية والتاريخية في أبشع مذبحة تستهدف طمس معالمها الحضارية وتغيير هويتها العربية الإسلامية، وبشق طريق استعماري يربط بين مستعمرة “كريات أربع” والحرم الإبراهيمي الشريف وجميع البؤر الاستعمارية، بهدف تهويد المدينة.




إسبانيا تدعو الاتحاد الأوروبي إلى استخدام أدوات الضغط ضد الحكومة الإسرائيلية

 دعا وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، إلى اعتماد موقف أوروبي أكثر حزما في ظل استمرار الأزمة الإنسانية في قطاع غزة واستمرار التوسع الاستعماري في الضفة الغربية.

وأكد ألباريس، خلال حديثه عبر منصة “إكس” اليوم الاثنين، أن عمليات القتل لا تزال مستمرة في غزة، في حين تبقى المساعدات الإنسانية عالقة في المعابر، مشيرا إلى أن صمت الاتحاد الأوروبي تجاه الانتهاكات الإسرائيلية في الضفة الغربية ومحاولات تهجير الفلسطينيين أمر غير مفهوم.

وأضاف أن الاتحاد الأوروبي يمتلك الأدوات اللازمة لممارسة الضغوط على الحكومة الإسرائيلية، داعيا إلى استخدامها بشكل فعال للتعامل مع الأوضاع الإنسانية المتفاقمة والتوسع الاستعماري المستمر.

وفي سياق متصل، شدد ألباريس على أن التعريفات الجمركية الأميركية تشكل اعتداءً على السيادة الأوروبية، مؤكدا ضرورة مواجهة هذه السياسات بما يحفظ مصالح الاتحاد الأوروبي.




في يعبد.. قاعة أفراح تتحول إلى مركز تحقيق

 عبد الباسط خلف- لم يكن أمين زيد الكيلاني يعلم أن قاعة الأحلام، في يعبد جنوب غرب جنين، التي شيدها قبل 15 عاما، ستتحول إلى مركز توقيف وتحقيق ميداني مع العشرات من شبان البلدة وفتيانها.

ويفصل مالك القاعة لـ”الحياة الجديدة” تفاصيل اقتحام الصالة الواسعة، وسط بلدته، ورفع أعلام الاحتلال فوقها، واستحداث 4 نقاط للتحقيق داخلها.

ويفيد بأن منصة العرسان حولها الجنود إلى نقطة تحقيق، ووضعوا زاوية أخرى في المدخل الرئيس، وثالثة في منتصف القاعة، ورابعة قرب الساحة، واستعملوا مقاعد العرسان لجلوس المحققين، وكسروا أحد الكراسي المخصصة للعرسان.

ويوضح بأن المقتحمين وزعوا مناشير ورقية داخل الصالة الواسعة، تحمل لغة تهديد ووعيد للأهالي، في شهر رمضان وغيره.

ويشير إلى أن جيش الاحتلال حطم أبواب القاعة، وعبث في محتوياتها، وكسر بعض الكراسي والطاولات.

ووفق زيد الكيلاني، فإن القاعة تمتد على 600 متر، وسبق أن تعرضت لحصار خلال فرح في الصيف الماضي، مثلما استهدفها الجنود بإطلاق نار ثقيل قبل نحو عامين، ما زالت آثاره حاضرة حتى اليوم، على أجهزة التكييف والجدران والأبواب.

ويؤكد أن آخر عرس أقيم في القاعة قبل نحو أسبوع، ولم يسبق أن حولها جيش الاحتلال إلى نقطة تحقيق.

بدوره، يؤكد مدير البلدية، محمد العبادي، أن الاحتلال اقتحم البلدة من عدة محاور قرابة السابعة والنصف صباح أمس الإثنين، ودفع بتعزيزات من محاورها الأربعة، وشرع في حملة اعتقالات وتوقيف طالت قرابة 60 شابا.

ويفيد بأن الاقتحام تواصل حتى قرابة الساعة الثالثة، وتخللته إضافة إلى حملة التوقيف، اعتداءات على البيوت المقتحمة، وعبث في محتوياتها.

ويبين العبادي أن الجنود لم يفرضوا حظر تجوال على البلدة، لكن كثافة الآليات المقتحمة أعاقت تنقل المواطنين، وعرقل الاقتحام انتظام الدراسة والدوائر الرسمية والبلدية.

ويشير إلى أن البلدية أخلت رياض الأطفال في البلدة، بعد وقت قصير من بدء الاقتحام. 

ويقول أحد الشبان الذين شملتهم حملة التوقيف لـ”الحياة الجديدة” إن التحقيق معه كان صعبا، وتخللته شتائم وتهديد وتخويف، واعتداءات بالضرب والركل، قبل إطلاق سراحه.

وتتعرض بلدة يعبد منذ أكثر من عامين لاستهداف واسع ومداهمات متكررة، منذ خريف 2023، وحول الاحتلال في السابق عدة منازل فيها لثكنات عسكرية فترات طويلة، قبل إخلائها.




هل يعيش الفلسطينيون شعور النكبة من جديد؟!

الحارث الحصني- في العام 1997 قدم نايف زواهرة إلى منطقة البرج بالأغوار الشمالية، بعدما مكث مدة من الزمن في أم الجمال  القريبة.

كان زواهرة في الثانية والعشرين من عمره، وفي ذلك العام دخل القفص الذهبي ليؤسس لمرحلة جديدة وملهمة في حياته.

أمضى الرجل ثلاثة عقود إلا قليلًا (29 عامًا) متنقّلًا بين الجبال القريبة والبعيدة عن خيامه، يرعى ماشيته دون أن يواجه خطرًا يحول دون ممارسة مهنته. لكن في العامين الماضيين حدث تغيرا كبيرا قلب المنطقة كلها رأسا على عقب، أدخل الرجل وباقي العائلات في دوامة يبدو أنها لن تنتهي قريباً.

بدأ الاستعمار الرعوي كبؤر وحظائر للماشية على قمم الجبال، ثم بدأ بالتوسّع تدريجيا من الاستيلاء على المراعي، فإجبار الرعاة على تركها بالقوة، ثم الهجمات المتتالية على المواطنين في خيامهم.

يقول زواهرة: “بدأنا نواجه المستعمرين منذ عام 2018 لكن كانت الأمور طبيعية”. أحضر مستعمرون في تلك السنة قطيع بقر وأبقوه في الحظيرة، ثم بدأت الأمور تزداد سوءاً بعدها.

كان كل شيء بالنسبة له قابل للاحتمال، باستثناء مداهمة المستعمرين لخيامه ليل نهار.

قال زواهرة: “تركّزت هجمات المستعمرين في الفترة الأخيرة في الليل (..)، كانوا ينشرون الرعب في كل مكان”.

يواجه الفلسطينيون في الشريط الشرقي لمحافظة طوباس مصيرا واحداً ومتشابها.

في الشهر الحالي، أجبرت اعتداءات المستعمرين بحق المواطنين حوالي عشرين عائلة على ترك مساكنها في تجمعي البرج والميتة.

كان زواهرة من الذين هجّروا من البرج باتجاه منطقة تسمى صافح تياسير شمال شرق طوباس.

تعيش العائلات الفلسطينية التي أجبرت على ترك مساكنها في الأغوار الشمالية، شعور الفقد بشكل واضح.

واقفا أمام خيمته التي نصبها قبل أيام، قال زواهرة: “تركنا وراءنا أرضنا، خيامنا وكل شيء وراءنا”.

“ثلاثة أجيال خرجت من الأغوار الشمالية (..)، أنا وأولادي وأحفادي”. قال زواهرة.

لكن نجله محمد كان في ذلك النهار، قد استطاع الوصول بحذر شديد مرة أخرى إلى مكان سكنه لجلب بعض الحاجيات الأساسية للمعيشة.

ومع تسجيل استمرار هجرة العائلات من أماكن سكناها إلى مناطق أخرى، يمكن طرح هذا السؤال: “هل يعيش الفلسطينيون شعور النكبة من جديد؟!”. لمعرفة الجواب، بحاجة لشهادة واحدة على الأقل لمن هجرت عائلته عام 1948.

تقول يسرى محاميد من مخيم الفارعة للاجئين، إحدى اللواتي شهدن النكبة بكل تفاصيلها، إن الزمن يعيد نفسه.

كانت “الكفرين” وهي قرية قريبة من أم الفحم، وقد هجّرت منها محاميد مليئة بينابيع المياه، ولذلك كانت جميلة لانتشار البساتين المزروعة بأصناف مختلفة من المحاصيل.

بالنسبة لزواهرة فإن المناطق المفتوحة في الأغوار الشمالية، تصبح أجمل في الربيع. يقول: “هذه البلاد أيضاً جميلة”.

إن التشابه في سرد الوصف الدقيق عن جمالية كل منطقة يعطي انطباعا متشابها عن الشعور بالفقد.

تقول محاميد: “عندما خرجنا من القرية ظننا أنها مدة قصيرة وسنعود… لم نأخذ إلا الأشياء الثمينة معنا”.

لكن يبدو أن زواهرة لديه انطباعاً مغايراً تماما، عندما قال لمراسل “وفا”، سنلاقي مصير أجدادنا الذين هجّروا في النكبة، لكن لن نأمل بالعودة قريباً”.

إن ما يزيد هذا الاحتمال المشؤوم لدى الرجل هي دلالات تحدث على أرض الواقع. فالحديث الرسمي لدى بعض الوزراء المتطرفين في حكومة الاحتلال عن فرض “السيادة الإسرائيلية” على الأغوار، ومناطق أخرى في الضفة الغربية مؤشر قوي لذلك.

في اليوم الذي هُجرت فيه عائلة محاميد كانت يسرى حسب روايتها مع طفلة أخرى تملآن جرتي فخار بالماء من إحدى الينابيع، وفي طريق عودتهما لاقتا العائلات قد بدأت بالنزوح فعلا. سبق ذلك اليوم هجمات للعصابات اليهودية على قرى قريبة من الكفرين.

لاقى زواهرة حالا أشد قسوة من ذلك الحال عندما وصل به أن يلاحقه إرهاب المستعمرين حتى وسط خيامه، حتى أجبر على ترك مسكنه والرحيل إلى منطقة قرب طوباس.

لكن، هل انتهت قصة زواهرة مع المستعمرين؟!. الإجابة لا. يقول الرجل أنه في نفس اليوم الذي بدأ بنصب خيامه في المكان الجديد كان المستعمرون ذاتهم يراقبونه عن قرب.

ويضيف: “يبدو أننا لن ننعم كثيراً بليالي هادئة”. ثم أشار بيده شمالاً وقال هناك على رأس الجبل بؤرة استعمارية.

ووثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في تقريرها السنوي لعام 2025، ما مجموعه 23827 اعتداءً نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستعمرون بحق المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم في مختلف المحافظات، في رقم قياسي يعكس انتقال سياسات الاحتلال من إدارة السيطرة إلى فرضها كمنظومة حكم قسرية مكتملة الأركان.

وتظهر المعطيات أن جيش الاحتلال كان الفاعل الرئيسي في هذه الانتهاكات بتنفيذه 18384 اعتداءً، فيما نفذ المستعمرون 4723 اعتداءً، إلى جانب 720 اعتداءً نُفذت بشراكة مباشرة بين الطرفين، الأمر الذي يؤكد أن إرهاب المستعمرين لم يعد فعلاً هامشياً أو خارجاً عن “سيطرة الدولة”، بل جزءاً عضوياً من سياسة رسمية توفر له الغطاء والحماية، وتوظفه كأداة ميدانية لتوسيع السيطرة على الأرض وفرض وقائع لا رجعة عنها.

في واقع باتت فيه سلطات الاحتلال تفرض سيطرتها الفعلية على نحو 41% من مجمل مساحة الضفة الغربية، وتُحكم قبضتها على ما يقارب 70% من المناطق المسماة (ج)، وتستأثر بما يزيد على 90% من مساحة الأغوار الفلسطينية عبر منظومة متكاملة من الأوامر العسكرية وإجراءات نزع الملكية، لم تعد الأرقام توصيفاً محايداً للواقع، بل دليلاً مادياً على مشروع سياسي استعماري يستهدف إعادة تعريف الجغرافيا الفلسطينية، وتقويض أي إمكانية واقعية لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

وعلى صعيد إرهاب المستعمرين، أسفرت الاعتداءات خلال العام 2025 عن استشهاد 14 مواطناً فلسطينياً، إلى جانب إشعال 434 حريقاً متعمداً في ممتلكات وحقول المواطنين، منها 307 حرائق في ممتلكات خاصة و127 حريقاً في أراضٍ زراعية، تركّز معظمها في محافظات رام الله ونابلس والخليل وطولكرم. كما وثّقت الهيئة 892 اعتداءً أدت إلى اقتلاع وتخريب وتسميم 35273 شجرة، من بينها 26988 شجرة زيتون، في استهداف مباشر للبعد الاقتصادي والرمزي للأرض الفلسطينية.

لم يتوقف هذا الإرهاب عند حدود التخريب، بل أدى إلى تهجير 13 تجمعاً بدوياً فلسطينياً، تضم 197 عائلة بواقع 1090 فرداً، في خطوة تعكس سياسة اقتلاع قسري ممنهجة تهدف إلى إفراغ الأرض من سكانها الأصليين لصالح التوسع الاستعماري.




لماذا الضفة لا تقاوم؟!

بكر أبوبكر

في جَمْعٍ من المؤتمرين كان السؤال: لماذا لا تقاوم الضفة الفلسطينية الآن؟ بالشكل الواضح أو المؤثر؟! رغم كل الانتهاكات الفظيعة للناس والأرض والحياة، وتنوعت الاجابات، وتبيان الأسباب!
قال الفاتح- أظن أن ما حصل من فعل التدمير الشامل والابادة الجماعية للصهيوني العنصري قد أعطت الفلسطيني المتروك وحيدًا في الميدان- خاصة في مقتلة غزة- نموذجًا لسوء المآل، حين يطلق الفلسطيني المقامر العنان للخيال، فيظن أن الأمة ستهب لنجدته! والساحات لن تتوقف عن نصرته! والسلاح المهترئ لن تنضب عدته، والفضائيات الكاذبة ستجرد سلاح بلدانها لتعزيز قوته! وأن الخيلاء الذي صاحب البدايات لن يخبو بريقه! فكانت النتيجة من الهزيمة والدمار الشامل مدخلًا للتراخي، أو الخوف، أو إعادة النظر أوإعادة التفكر والدخول لي حالة انتظار وترقب، ولربما تيهٍ طويل.
قال التالي- الشعور بالانكسار بعد الكارثة والنكبة الثانية العظمى منذ 17/8/2023 والبدء بمذبحة المعمداني، وتدمير غزة وتواصل المذابح وانكفاء السلاح وسقوط المحاور، وتعاظم عدد الشهداء.
قال المتأمل: لكل شعب مرحلة يحتاج فيها إما للاستراحة (سمّها استراحة المقاتل) للمراجعة واعادة النظر. وقد يكمن لفترة، لكنه سيقفز ثانية ليحقق ما عجز عنه في مراحل، أو قصّر فيه في مراحل. فالعجزُ الحالي ليس حقيقة رغم طغيان الوضع الميداني المقابل بطائراته ودباباته والحريق، وإنما العجز حالة ذهنية سرعان ما يستفيق منها الناس وفي خلال شعرة سينهضون بإذن المولى.
قال العقلاني: إن القوة المادية بالتقابل بين الصهيوني (المهيمن على فلسطين والاقليم العربي)، وبين صاحب الأرض لم تعد فقط مختلة بل ومعتلّة وبالدم مبتلّة! فالقوى المتناسبة تقريبًا فيما سبق (الثورة، والانتفاضات، والعمليات، والهبّات، والحراكات ….) قد سقطت مع صعود العقل الفاشي والبربري اليميني الإسرائيلي الإقصائي للغير والداهم الذي انطلق فيه التوحش اللاإنساني يضرب شمالًا وجنوبًا مع مقتلتِهِ المرعبة في غزة، فتحصّن بروايته بما حصل فارتكب المجازر بمحبة وفرح! وقرنها بخرافات التوراة وأساطيرها التي تمجّد القبيلة القديمة المندثرة، وانطلق منها ليقصف كل من لا يلعق غبار نعليه، كما قالت التوراة:”أنَّ الربَّ أمرَ كلَّ أجنبيٍّ إذا لَقِيَ يَهودِيًّا أنْ يَسجُدَ له على الأرضِ، ويَلحَسَ غُبارَ نَعلَيهِ” (اشعيا 23:49)!؟
وقال المُستثَار: لا تلوموا الشعب بل لوموا قياداته الانقلابية، فهي التي جرّت البلاد لمقتلة غير محسوبة العواقب، والتاريخ لن يرحمها ولا الشعب. وهي التي قصّرت بمدّ اليد لبعضها البعض، فكيف لفصيل أن يجتريء على الكل الوطني ويعلن حربه الخاصة! ضد وحش يفوقها آلاف المرات! استنادًا لأوهام وغباء وخطل حسابات، أو لتطويع آيات كريمة لم يكن من ضمن فهمهم لها أن القوة بكافة أشكالها وعلى رأسها وحدة الصف الوطني والعربي المسبقة، ولم يفهموا معنى الاستطاعة والحدود ضمن معادلة (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة).
وقال ضدّه: إن اتفاقيات أوسلو، والتنسيق الأمني، وفساد السلطة هما الأساس في انفضاض الناس، أو سكونهم، وما لهم لا يدافعون عن أرضهم  إلا لأن قادتهم جامدون متجمدون فاشلون مفشلون، وفي الإسرائيلي مرحبّون! وهم يمثلون محور الاستسلام في مقابل محور المقاومة والممانعة، وعليه وجبت المفاصلة أولًا، والآن بين المعسكرين أو الفسطاطين.
قال المُعتبِر: لربما أن العِظة والعبرة قد فعلت مفعولها بانكسار السلاح الذي غابت عنه السياسة، وبعدم القدرة على إداراك المتغيرات والمستجدات، وعدم وعي حجوم القوى والاختلال العظيم، والإيغال بتقدير الكفاح المسلح وحده والقدرة الذاتية المنفردة وكسر ساق الوحدة الوطنية قد قضت على كل أمل باعادة استخدامه بأي شكل من الأشكال. وسقط الحجر مع حجم الرد المدوّي من الطائرات العادية والمسيّرة، وتراجعت مظاهر المقاومة الشعبية مع الصرخة التي يقابلها 3 مخازن من الرصاص، إضافة الى التجاهل العربي باستثناء فضائيات الكذب والتدليس والفُرقة والشحن للعواطف بلا أي فعل، والعبرة سوء التدبير في غزة.
قال المضغوط: إن “حماس” قد قتلت الوحدة الوطنية منذ استفردت بقطاع غزة وحولته رهينة لأهدافها الحزبية فقط التي لا ترى فلسطين الا مسواكًا! ولا ترى الشهداء الا خسائر جانبية فقامرت بحروب مرة ومرتين وثلاثة ثم ما كان من (جريمة العصر) باليد الصهيونية في غزة، وخُذلت وبدل أن تعتبر أخذتها العزة بالإثم حتى تنازلت عن كل شيء بالتدريج، ولم تجد الا التمسك بأنفاسها الأخيرة، حتى لو انتهت القضية وسقطت الدولة المِسواك!
قال صاحب الجرس: إن الكمون هو سمة الشعب البطل، والتوقف للحظات لا تساوي شيئًا في عمر الزمن سيعقبه هدير وعاصفة، وستجد من الموكوسين الموجوعين من يعلّق الجرس وينهض، فما بعد الهزيمة الا فجر يوم جديد يستغله الأبطال للانقضاض بشكل ابداعي قد لا يخطر على بال أحد.
قال صاحب الأمل: يعيش الشعب في حالة حزن وبلبلة وانكسار، نعم لسبب النكوص والنتيجة المفجعة في غزة ولضعف الحركة الرسمية العربية والعالمية، ولافتقاد البوصلة التي يحملها القائد، وتراجع جملة واسعة من الاهداف الجامعة، والأمل الكبير.
قال الأخير: لعلي فيما قلتموه أتفق مع الكثير ولعلي أختلف في بعضه فلست الا مستمعًا بينكم وما أظنني بقادر على التفصيل والواقع الأليم يضغط على البطون والأجساد في غزة، وعلى  القلوب والأفهام في كل فلسطين، بل والمنطقة المأسورة للمهيمن الصهيوأمريكي والشراهة الغربية الاستهلاكية منزوعة القيم والقضايا الجامعة، فكيف لمن افتقد الأساسيات أن يفكر بعِظام الأمور؟ فالانكسار وفقدان الامل وضعف القيادة وحالة المقامرة الوطنية والهزيمة النفسية- وإن في ظني ستكون مؤقتة- تحتاج لقائد أمثولة وقائد نموذج يحمل المشعل ويدرك التوازنات ويلم الأشتات، ويرسم الطريق بروح الجماعة، ويقهر بشعبه الثابت على أرضه والصامد روح الهزيمة حاملًا على كتفيه أدوات جديدة، مع آيات النصر ورحابة الأمل الذي لا ينفد، وما لا ينقضي من عمل كثير.