1

مؤسسات الأسرى في اليوم العالمي لحرية الصحافة: جريمة إبادة جماعية تطال الصحفيين قتلا واعتقالا وإخفاءً قسريا

 قالت مؤسسات الأسرى إنه على مدار نحو ثلاثة أعوام من جريمة الإبادة الجماعية المستمرة بحقّ الشعب الفلسطيني، صعَّد الاحتلال الإسرائيلي استهدافه الممنهج للصحفيين والصحفيات، في إطار سياسة متكاملة تهدف إلى إسكات الصوت الفلسطيني وطمس الرواية. وأوضحت مؤسسات الأسرى (هيئة شؤون الأسرى والمحررين، ونادي الأسير، ومؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان)، في تقرير صدر اليوم الأحد، لمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، أن هذا الاستهداف شمل عمليات اغتيالٍ مباشرة، واعتقالاتٍ تعسفية، وملاحقاتٍ وتهديداتٍ ممنهجة، لتُرسِّخ واحدةً من أكثر المراحل دموية في تاريخ الصحافة الفلسطينية. وأشارت إلى أنه منذ بدء جريمة الإبادة الجماعية، قتل الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 260 صحفيا وصحفية، في جريمة قتل جماعي ممنهجة تستهدف الشهود على الجريمة، فيما اعتقل واحتجز أكثر من 240 صحفيًا وصحفية، لا يزال أكثر من 40 منهم رهن الاعتقال، من ضمنهم 20 صحفيًا/ة رهن الاعتقال الإداري تحت ذريعة “الملف السري”، ومن بين الصحفيين المعتقلين أربع صحفيات. وكان آخرهم الصحفية إسلام عمارنة التي اعتُقلت صباح اليوم من مخيم الدهيشة في بيت لحم، في استمرار واضح لسياسة استهداف الصحفيين، علما أنها شقيقة الصحفي المعتقل إدارياً أُسيد عمارنة. فيما لا يقل عن 14 صحفياً من غزة ما زالوا رهن الاعتقال، كما ولا يزال صحفيان من قطاع غزة رهن الإخفاء القسري، هما (نضال الوحيدي وهيثم عبد الواحد)، في جريمة مستمرة تمثّل انتهاكا جسيمًا للقانون الدولي و للقانون الدولي الإنساني، وتكشف عن نهج في إخفاء مصيرهما. وفي جريمة جديدة تُضاف إلى سجل الجرائم المرتكبة داخل السجون، استُشهد الصحفي مروان حرز الله في آذار/ مارس 2026 داخل سجن “مجدو”، جراء سياسة القتل البطيء عبر الحرمان المتعمّد من العلاج، ويأتي ذلك رغم حالته الصحية المعروفة، إذ سبق أن تعرّض لإصابة أفضت إلى بتر إحدى قدميه. وأشارت المؤسسات إلى سياسة الحبس المنزلي القسري التي تعرض لها مجموعة من الصحفيين والصحفيات، والتي تكرست بشكل كبير في أعقاب جريمة الإبادة. نذكر من بينهم الصحفية سمية جوابرة من نابلس، والصحفية بيان الجعبة من القدس، إلى جانب عمليات الإبعاد الممنهجة  التي طالت العشرات من الصحفيين والصحفيات في القدس، تحديدا بإبعادهم عن المسجد الأقصى، ومنعهم من التغطية، وفرض قيود مضاعفة عليهم، وتهديدهم، وإرهابهم. وأكدت أن ما يتعرض له الصحفيون الفلسطينيون لا يمكن فصله عن سياسة تاريخية ممنهجة تستهدف الرواية الفلسطينية، غير أنّها بلغت ذروتها في سياق الإبادة الجارية، إذ يسعى الاحتلال إلى تصفية الشهود على جرائمه، بعد أن أدّى الصحفي الفلسطيني دورا محوريا في فضحها وتوثيقها ونقلها إلى العالم، في تكريس لسياسة الإفلات من المساءلة والعقاب عن جرائمهم. وقد وثّقت مؤسسات الأسرى عشرات الشهادات لصحفيين وصحفيات تعرّضوا للاعتقال، تكشف عن منظومة تعذيب بنيوية داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي ومعسكراته، تقوم على التعذيب الجسدي والنفسي، والتجويع الممنهج، والاعتداءات الجسدية والجنسية بما فيها الاغتصاب، فضلاً عن سياسات الإذلال والتنكيل والحرمان من أبسط مقومات الحياة، وعلى رأسها الحرمان من العلاج. كما يُحتجز المعتقلون في ظروف قاسية وعزلٍ مضاعف، مع استمرار حرمانهم من الزيارات، ومنع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من الوصول إليهم. وكشفت أوضاع الصحفيين المُفرَج عنهم حجمَ الجرائم المرتكبة بحقّهم، إذ خرج كثيرٌ منهم بأوضاع صحية ونفسية كارثية نتيجة التعذيب والتجويع. ومنهم الصحفي مجاهد بني مفلح من نابلس، الذي أُصيب بنزيف دماغي بعد أيام من الإفراج عنه.  وكذلك الصحفي علي السمودي من جنين، الذي خرج في حالة صحية متردية، بعد أن فقد نحو (60) كيلوغرامًا من وزنه خلال عام واحد من الاعتقال الإداري، في دليلٍ صارخ على استخدام التجويع أداةً للقتل البطيء بحق الأسرى والمعتقلين. واعتبرت التصاعد غير المسبوق في اعتقال الصحفيين إداريا بذريعة “الملف السري”، إلى جانب الاعتقال على خلفية حرية الرأي والتعبير بذريعة “التحريض”، امتدادًا لسياسة قمع ممنهجة تستهدف الحريات الأساسية، وتُحوِّل الفضاء الرقمي إلى أداة رقابة و”عقاب”. وفي هذا الإطار، تؤكد مؤسسات الأسرى أنّ استهداف الصحفيين على خلفية عملهم الإعلامي وآرائهم يشكّل انتهاكًا صارخًا للحق في حرية الرأي والتعبير، المكفول بموجب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لا سيما المادة (19) منه، وكذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يضمن حرية التعبير بما يشمل حرية البحث عن المعلومات وتلقيها ونقلها. كما أنّ اللجوء إلى تهم فضفاضة كـ”التحريض”، أو الاحتجاز الإداري القائم على “ملفات سرية”، يقوّض ضمانات المحاكمة العادلة، ويُستخدم أداةً لقمع العمل الصحفي وتقييد الفضاء العام. وشددت على أنّ استهداف الصحفيين سواء عبر القتل أو الاعتقال أو الإخفاء القسري، يُعدّ انتهاكًا لأحكام اتفاقيات جنيف التي توفّر الحماية للمدنيين بمن فيهم الصحفيون، وتؤكد المؤسسات أنّ هذه الانتهاكات، بما تشمله من قتل متعمد واستهداف مباشر للصحفيين، قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لا سيما حين تُرتكب في سياق هجوم واسع النطاق أو ممنهج موجَّه ضد السكان المدنيين. وأمام هذه الجرائم، تؤكد مؤسسات الأسرى أنّ ما يجري بحقّ الصحفيين يشكّل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تستوجب المساءلة الدولية الفورية، وتُجدِّد مطالبتها بالإفراج العاجل عن جميع الصحفيين المعتقلين، والكشف الفوري عن مصير صحفيي غزة الخاضعين للإخفاء القسري. كما دعت المؤسساتُ هيئةَ الأمم المتحدة وسائر منظومة العمل الدولي إلى تحمّل مسؤولياتها القانونية، والخروج من حالة العجز والتواطؤ، عبر اتخاذ إجراءات فعلية وعاجلة لوقف جريمة الإبادة، ومحاسبة قادة الاحتلال على الجرائم المرتكبة بحقّ الصحفيين وسائر الشعب الفلسطيني.




هندسة التلاشي العائلي: حين تُعاد برمجة الوعي الفلسطيني عبر الاقتصاد الخفي للانتباه

صدقي أبو ضهير :باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي

في الضفة الغربية لم تعد المنصات الرقمية مجرد أدوات تواصل، بل تحولت إلى بنية غير مرئية تعيد توزيع الانتباه داخل البيت الواحد، وتعيد تشكيل العلاقات والوعي بطريقة تدريجية وهادئة لكنها عميقة الأثر. ما نعيشه اليوم لا يمكن اختزاله بمفهوم الإدمان التقليدي، بل هو حالة من إعادة التهيئة الإدراكية المستمرة التي تُحوّل الإنسان من فاعل إلى كيان يتفاعل وفق مسارات مُعدة مسبقًا. هذه ليست أزمة استخدام، بل أزمة سيطرة ناعمة على الزمن النفسي، حيث لم يعد الوقت يُستهلك بل يُستخرج، ولم تعد الرغبة تُعبّر بل تُصاغ.

المنصات اليوم تعمل ضمن ما يمكن تسميته اقتصاد الانتباه المُستنزِف، حيث تتحول كل لحظة انتباه إلى وحدة قابلة للاستخراج والاستثمار. المستخدم لا يدخل ليستهلك محتوى، بل يُسحب تدريجيًا إلى سلسلة من الالتزامات الدقيقة التي تبدأ بمقطع وتنتهي بجلسة ممتدة بلا قرار واعٍ. هذا النمط لا يُنتج فقط وقتًا ضائعًا، بل يُنتج إرادة مُجزّأة، حيث تصبح القدرة على التوقف نفسها قرارًا صعبًا، وتتحول الرغبة إلى نتيجة خوارزمية لا دافعًا داخليًا.

في هذا السياق، لا تعمل الخوارزميات كأدوات عرض، بل كأنظمة توجيه احتمالي تُعيد ترتيب خيارات المستخدم دون أن يشعر. هي لا تفرض، بل تُهيّئ، ولا تُجبر، بل تُرجّح، حتى يبدو المسار الذي تسلكه وكأنه اختيارك الحر، بينما هو في الحقيقة نتاج هندسة سلوكية صامتة. مع مرور الوقت، يتشكل ما يشبه القفص الإدراكي الذي يحدد ما تراه وما لا تراه، وما تفكر فيه وما يتم إقصاؤه من وعيك، لتتحول حرية الاختيار إلى وهم مريح داخل حدود مرسومة.

الأخطر من ذلك أن العلاقة بين الشباب والتكنولوجيا، خصوصًا تحت سن الخامسة والعشرين، لم تعد علاقة استخدام بل علاقة تشييء ناعم. فبدل أن تكون أدوات الذكاء الاصطناعي وسيلة للإنتاج، أصبحت في كثير من الحالات مساحة للاستهلاك السريع والتفاعل السطحي، حيث يتحول المستخدم إلى مُدخل بيانات حي يغذي الأنظمة بسلوكه وتفضيلاته، فتتعلم منه لتعيد تشكيله من جديد. هذه الدائرة المغلقة تُنتج جيلًا يعرف كيف يمرر ويشاهد ويتفاعل، لكنه أقل قدرة على البناء والتحليل والإنتاج العميق.

داخل العائلة الفلسطينية، يتجلى هذا التحول بشكل أكثر حساسية، لأن البيئة أصلًا تعاني من ضغط مركب سياسيًا واقتصاديًا ونفسيًا. هنا لا تُفكك التكنولوجيا العلاقات بشكل مباشر، بل تُعيد ترتيبها بصمت. يتواجد الجميع في نفس المكان، لكن كل فرد يعيش داخل فقاعة إدراكية خاصة به، ما يخلق حالة من العزلة المتجاورة، حيث يغيب الحوار العميق ويحل محله تفاعل سريع ومقتضب، وتتآكل اللغة المشتركة التي كانت تشكل أساس الترابط العائلي. يصبح القرب الجسدي بلا معنى تفاعلي، ويتحول البيت إلى مساحة بث متوازي بدل أن يكون مساحة تواصل.

بالتوازي مع ذلك، يحدث تحول أخطر على مستوى العقل ذاته، حيث لم تعد المعرفة هي القيمة العليا داخل هذه المنظومة، بل القدرة على الجذب والإثارة. المحتوى الذي ينتشر ليس الأكثر عمقًا، بل الأكثر قدرة على تحفيز الانفعال اللحظي، ما يؤدي إلى تسليع الشعور وتحويله إلى أداة تداول. يعيش المستخدم بين موجات متتالية من الإثارة والفراغ، ما يدفعه للبحث المستمر عن دفعة جديدة، في دورة لا تنتهي من الاستهلاك العاطفي السريع. هذا النمط يضعف القدرة على التركيز، ويعيد تشكيل الدماغ ليفضل السرعة على العمق، والانطباع على التحليل.

في هذا المناخ، يتراجع العقل الإنتاجي لصالح ما يمكن وصفه بالسطحية السريعة، حيث يتم استبدال المعرفة المتراكمة بشذرات متفرقة، ويتم اختزال التفكير النقدي إلى ردود فعل لحظية. يصبح إكمال الفيديو أهم من إكمال الفكرة، ويصبح الانتشار معيارًا للقيمة بدل التأثير الحقيقي. هذا التحول لا يؤثر فقط على الأفراد، بل يعيد تشكيل الثقافة العامة، ويخلق بيئة تُكافئ التبسيط المفرط وتُعاقب العمق.

ضمن السياق الفلسطيني، يتجاوز التأثير الجانب الفردي ليصل إلى مستوى إعادة تشكيل الأولويات الجمعية، حيث تعمل المنصات كآلية لإعادة ترتيب ما يستحق الانتباه. القضايا الجوهرية قد تتراجع أمام موجات من المحتوى السريع، ما يخلق حالة من التشويش الإدراكي ويضعف القدرة على التمييز بين المهم والهامشي. هنا لا نتحدث فقط عن تأثير إعلامي، بل عن شكل من أشكال الاستعمار الإدراكي الذي يعيد تعريف الواقع عبر تدفق مستمر من الإشارات.

في النهاية، نحن لا نواجه تكنولوجيا بحد ذاتها، بل نواجه منظومة تعيد تعريف الإنسان داخلها. إما أن يبقى الإنسان فاعلًا قادرًا على توجيه انتباهه وبناء وعيه، أو يتحول إلى عنصر داخل شبكة تُدار بخوارزميات لا تهتم إلا بإطالة بقائه داخلها. في الضفة الغربية، حيث التحديات مركبة، تصبح هذه المعركة أكثر حساسية، لأنها تمس بنية العائلة، وقدرة الشباب على الإنتاج، وبوصلة المعنى التي تحدد اتجاه المجتمع.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس كيف نستخدم هذه المنصات، بل كيف نستعيد السيطرة على وعينا داخلها، قبل أن يصبح هذا الوعي نفسه منتجًا مُعاد تشكيله وفق منطق لا يخدم الإنسان بقدر ما يخدم استهلاكه.

*باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي




مستعمرون يهاجمون تجمع حلق الرمانة غرب أريحا




الإحصاء: ارتفاع معدلات البطالة في قطاع غزة والضفة خلال 2025




قوات الاحتلال تهدم غرفة زراعية في حوسان غرب بيت لحم