1

هندسة التلاشي العائلي: حين تُعاد برمجة الوعي الفلسطيني عبر الاقتصاد الخفي للانتباه

صدقي أبو ضهير :باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي

في الضفة الغربية لم تعد المنصات الرقمية مجرد أدوات تواصل، بل تحولت إلى بنية غير مرئية تعيد توزيع الانتباه داخل البيت الواحد، وتعيد تشكيل العلاقات والوعي بطريقة تدريجية وهادئة لكنها عميقة الأثر. ما نعيشه اليوم لا يمكن اختزاله بمفهوم الإدمان التقليدي، بل هو حالة من إعادة التهيئة الإدراكية المستمرة التي تُحوّل الإنسان من فاعل إلى كيان يتفاعل وفق مسارات مُعدة مسبقًا. هذه ليست أزمة استخدام، بل أزمة سيطرة ناعمة على الزمن النفسي، حيث لم يعد الوقت يُستهلك بل يُستخرج، ولم تعد الرغبة تُعبّر بل تُصاغ.

المنصات اليوم تعمل ضمن ما يمكن تسميته اقتصاد الانتباه المُستنزِف، حيث تتحول كل لحظة انتباه إلى وحدة قابلة للاستخراج والاستثمار. المستخدم لا يدخل ليستهلك محتوى، بل يُسحب تدريجيًا إلى سلسلة من الالتزامات الدقيقة التي تبدأ بمقطع وتنتهي بجلسة ممتدة بلا قرار واعٍ. هذا النمط لا يُنتج فقط وقتًا ضائعًا، بل يُنتج إرادة مُجزّأة، حيث تصبح القدرة على التوقف نفسها قرارًا صعبًا، وتتحول الرغبة إلى نتيجة خوارزمية لا دافعًا داخليًا.

في هذا السياق، لا تعمل الخوارزميات كأدوات عرض، بل كأنظمة توجيه احتمالي تُعيد ترتيب خيارات المستخدم دون أن يشعر. هي لا تفرض، بل تُهيّئ، ولا تُجبر، بل تُرجّح، حتى يبدو المسار الذي تسلكه وكأنه اختيارك الحر، بينما هو في الحقيقة نتاج هندسة سلوكية صامتة. مع مرور الوقت، يتشكل ما يشبه القفص الإدراكي الذي يحدد ما تراه وما لا تراه، وما تفكر فيه وما يتم إقصاؤه من وعيك، لتتحول حرية الاختيار إلى وهم مريح داخل حدود مرسومة.

الأخطر من ذلك أن العلاقة بين الشباب والتكنولوجيا، خصوصًا تحت سن الخامسة والعشرين، لم تعد علاقة استخدام بل علاقة تشييء ناعم. فبدل أن تكون أدوات الذكاء الاصطناعي وسيلة للإنتاج، أصبحت في كثير من الحالات مساحة للاستهلاك السريع والتفاعل السطحي، حيث يتحول المستخدم إلى مُدخل بيانات حي يغذي الأنظمة بسلوكه وتفضيلاته، فتتعلم منه لتعيد تشكيله من جديد. هذه الدائرة المغلقة تُنتج جيلًا يعرف كيف يمرر ويشاهد ويتفاعل، لكنه أقل قدرة على البناء والتحليل والإنتاج العميق.

داخل العائلة الفلسطينية، يتجلى هذا التحول بشكل أكثر حساسية، لأن البيئة أصلًا تعاني من ضغط مركب سياسيًا واقتصاديًا ونفسيًا. هنا لا تُفكك التكنولوجيا العلاقات بشكل مباشر، بل تُعيد ترتيبها بصمت. يتواجد الجميع في نفس المكان، لكن كل فرد يعيش داخل فقاعة إدراكية خاصة به، ما يخلق حالة من العزلة المتجاورة، حيث يغيب الحوار العميق ويحل محله تفاعل سريع ومقتضب، وتتآكل اللغة المشتركة التي كانت تشكل أساس الترابط العائلي. يصبح القرب الجسدي بلا معنى تفاعلي، ويتحول البيت إلى مساحة بث متوازي بدل أن يكون مساحة تواصل.

بالتوازي مع ذلك، يحدث تحول أخطر على مستوى العقل ذاته، حيث لم تعد المعرفة هي القيمة العليا داخل هذه المنظومة، بل القدرة على الجذب والإثارة. المحتوى الذي ينتشر ليس الأكثر عمقًا، بل الأكثر قدرة على تحفيز الانفعال اللحظي، ما يؤدي إلى تسليع الشعور وتحويله إلى أداة تداول. يعيش المستخدم بين موجات متتالية من الإثارة والفراغ، ما يدفعه للبحث المستمر عن دفعة جديدة، في دورة لا تنتهي من الاستهلاك العاطفي السريع. هذا النمط يضعف القدرة على التركيز، ويعيد تشكيل الدماغ ليفضل السرعة على العمق، والانطباع على التحليل.

في هذا المناخ، يتراجع العقل الإنتاجي لصالح ما يمكن وصفه بالسطحية السريعة، حيث يتم استبدال المعرفة المتراكمة بشذرات متفرقة، ويتم اختزال التفكير النقدي إلى ردود فعل لحظية. يصبح إكمال الفيديو أهم من إكمال الفكرة، ويصبح الانتشار معيارًا للقيمة بدل التأثير الحقيقي. هذا التحول لا يؤثر فقط على الأفراد، بل يعيد تشكيل الثقافة العامة، ويخلق بيئة تُكافئ التبسيط المفرط وتُعاقب العمق.

ضمن السياق الفلسطيني، يتجاوز التأثير الجانب الفردي ليصل إلى مستوى إعادة تشكيل الأولويات الجمعية، حيث تعمل المنصات كآلية لإعادة ترتيب ما يستحق الانتباه. القضايا الجوهرية قد تتراجع أمام موجات من المحتوى السريع، ما يخلق حالة من التشويش الإدراكي ويضعف القدرة على التمييز بين المهم والهامشي. هنا لا نتحدث فقط عن تأثير إعلامي، بل عن شكل من أشكال الاستعمار الإدراكي الذي يعيد تعريف الواقع عبر تدفق مستمر من الإشارات.

في النهاية، نحن لا نواجه تكنولوجيا بحد ذاتها، بل نواجه منظومة تعيد تعريف الإنسان داخلها. إما أن يبقى الإنسان فاعلًا قادرًا على توجيه انتباهه وبناء وعيه، أو يتحول إلى عنصر داخل شبكة تُدار بخوارزميات لا تهتم إلا بإطالة بقائه داخلها. في الضفة الغربية، حيث التحديات مركبة، تصبح هذه المعركة أكثر حساسية، لأنها تمس بنية العائلة، وقدرة الشباب على الإنتاج، وبوصلة المعنى التي تحدد اتجاه المجتمع.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس كيف نستخدم هذه المنصات، بل كيف نستعيد السيطرة على وعينا داخلها، قبل أن يصبح هذا الوعي نفسه منتجًا مُعاد تشكيله وفق منطق لا يخدم الإنسان بقدر ما يخدم استهلاكه.

*باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي




مستعمرون يهاجمون تجمع حلق الرمانة غرب أريحا




الإحصاء: ارتفاع معدلات البطالة في قطاع غزة والضفة خلال 2025




قوات الاحتلال تهدم غرفة زراعية في حوسان غرب بيت لحم




مدى ينظم جلسة استماع تحت عنوان “حماية الحقوق والحريات في ظل الاعتقال: مقاربة حقوقية”

رام الله- 16/04/2026 نظم المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية “مدى” اليوم الخميس جلسة استماع تحت عنوان “حماية الحقوق والحريات في ظل الاعتقال: مقاربة حقوقية” مع المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان الأستاذ مهند كراجة وذلك في عبر تقنية الاتصال المرئي زووم وضمن أنشطة مشروع Engage الذي تنفذه جمعية فلسطينيات بالشراكة مع مركز الإعلام في جامعة النجاح الوطنية وبتمويل من الاتحاد الأوروبي وبمشاركة مركز مدى كطرف ثالث.

وشارك في الجلسة عدد من الصحفيين/ات وممثلي المؤسسات الإعلامية ومنظمات المجتمع المدني، إضافة للمستشار القانوني لمركز مدى أ. فراس كراجة.

وهدفت الجلسة لتسليط الضوء على التحديات التي يواجهها المدافعون عن حقوق الإنسان، من خلال خلق مساحة للحوار وتبادل الخبرات لتشخيص الواقع والبحث في سبل تعزيز الحماية القانونية والحقوقية والخروج بتوصيات عملية تدعم جهود المناصرة في هذا الإطار.

وبدأت الجلسة بترحيب من القائم بأعمال مدير مركز مدى أ. شيرين الخطيب وبالتعريف بأهمية الجلسة التي تناقش قضية بالغة الأهمية تتعلق بحماية الحقوق والحريات في ظل الاعتقال، في سياق فلسطيني يشهد تزايدا في التحديات وتعقيدا في الظروف، حيث لم يعد الاعتقال مجرد إجراء قانوني يقيد الحرية، بل أصبح في كثير من الحالات مدخلا لانتهاك مجموعة واسعة من الحقوق الأساسية، بما في ذلك حرية التعبير والعمل الإعلامي والحق في المحاكمة العادلة. ويعكس هذا الواقع تداخلا واضحا بين الأبعاد القانونية والسياسية، ما يستدعي نقاشا معمقا يستند إلى القانون الدولي الإنساني ومعايير حقوق الإنسان، خاصة في ظل تساؤلات جدية حول فعالية آليات المساءلة وقدرة المنظومة القانونية على توفير الحماية.

استعرض المحامي مهند كراجة أبرز المخاطر والتحديات التي واجهها على المستوى الفردي كمدافع عن حقوق الإنسان، والتي انعكست بدورها على عمل مؤسسة “محامون من أجل العدالة” منذ تأسيسها عام 2011. وأوضح أنه اتجه للعمل في الدفاع عن المعتقلين السياسيين انطلاقا من إدراكه للحاجة الملحة لهذا الدور في ظل الواقع القائم.

كما تطرق إلى سلسلة الانتهاكات التي تعرض لها خلال مسيرته، والتي تنوعت بين انتهاكات من قبل قوات الاحتلال ومستوطنيه، وأخرى من قبل الأجهزة الأمنية الفلسطينية، والتي شملت الاعتداء الجسدي الذي أدى إلى نقله إلى المستشفى، إضافة إلى استدعائه والتحقيق معه بتهمة “إثارة النعرات الطائفية” على خلفية مشاركته في وقفة وصفت بأنها غير مشروعة، فضلا عن تعرضه لحملات تحريض متكررة.

وأشار إلى أن آخر هذه الانتهاكات كان في عام 2025، حيث تم اعتقاله لمدة 48 ساعة على خلفية منشورات مولدة بالذكاء الاصطناعي نسبت إليه، ولا يزال حتى اليوم يواجه إجراءات محاكمة على إثرها.

من جانبه، استعرض المستشار القانوني لمركز “مدى” أشكال الانتهاكات المتعددة التي يتعرض لها المدافعون عن حقوق الإنسان في فلسطين، والتي تتراوح بين القتل والإيذاء الجسدي، لا سيما خلال المظاهرات السلمية، وصولا إلى تقييد حرية الحركة ومنع السفر، فضلا عن التهديدات والانتهاكات ذات الطابع المالي. وأكد أن الإشكالية الجوهرية لا تكمن في النصوص القانونية بحد ذاتها، بل في سوء تطبيقها، نتيجة اختلالات تشريعية وبنيوية في النظام السياسي.

وخلال النقاش، أوصى المشاركون بتأسيس شبكة للمدافعين عن حقوق الإنسان على المستوى الوطني لتقليل الانتهاكات ضد حقوق الإنسان والمدافعين عنه، كما أوصوا بضرورة أن يكون هناك توعية لهذه الفئة بالمفاهيم التي يمكن أن تؤدي لوقوع انتهاكات ضدهم.