1

أبو نضال… “قبطان” جنين- الكويت

عبد الباسط خلف- يتفاخر عدنان طالب بأنه أقدم سائق حافلة على قيد الحياة في جنين، إذ بدأ مشواره في عام 1959، وواظب الجلوس خلف المقود أكثر من 50 عاما، وسافر كثيرا من مدينته إلى الكويت.

واسترد طالب المولود في نورس المدمرة، 9 كيلو مترات شمال شرق جنين، عام 1945 حكاية عشقه المبكر لقيادة المركبات والحافلات، إذ تلاعب بشهادة ولادته ليتمكن من نيل رخصة قيادة وهو في الرابعة عشرة من عمره، أي قبل 3 سنوات من المدة القانونية، وقد ترك المدرسة للغرض نفسه.

ولخص طالب (80 عاما) سيرة غرامه برخص القيادة، إذ نال عام 1959 أول رخصة في نابلس، وكلفته 15 دينارا، حتى وصل باحتراف وسرعة إلى سياقة الحافلات الكبيرة.

10 قروش

ووفق ما يسكن في ذاكرة، الحاج أبو نضال، كما يعرفه السائقون، فقد استهل علاقته بالمركبات بقيادة سيارة من نوع (بليموث) على طريق جنين- نابلس اشتراها بـ 1500 دينار، وكان يتلقى 10 قروش من الراكب، ويصل المدينتين في أقل من 30 دقيقة.

وكان واحدا من مالكي 12 سيارة تعمل في جنين كلها عام 1959، ويحفظ حتى اليوم أسماء أصحابها، ومنهم سعيد الجبعي، وحافظ جرار.

والمفارقة أن خزان الوقود كان يحتاج 10 دنانير لتعبئته، التي تكفي السيارة لأسبوع بالتمام والكمال، ويحظى بـ 60 دينارا أجرة شهرية.

وأسهب: في الماضي، بوسع الدينار الواحد تمكين حامله من تناول الفطور والغداء والسجائر والمشروبات الباردة طوال اليوم.

ووفق الراوي، فقد غير وجهته عام 1961 ليلتحق بشركة رفعت الحواري، للعمل على حافلة مرسيدس على خط جنين-الكويت، بأجر دينارين ونصف الدينار للراكب الذي يقصد العمل أو زيارة أولاده، وبمسافة تجاوزت 1500 كيلومتر.

وكان أبو نضال شاهدا على ارتفاع أجرة التنقل بين جنين وجارتها نابلس أكثر من 10 مرات، إذ بدأت بـ 7 قروش حتى وصلت إلى أكثر من دينارين.

رحلة يومية

حرص طالب على الانطلاق من مجمع كراجات جنين، عند السادسة صباحا، ووجهته الأولى نابلس، ثم يقصد عمان، وبعدها ينتقل إلى الكويت، دون أن يتطلب الأمر أية حجوزات وتأشيرات، والشيء المختلف والوحيد أن رجل شرطة أردني كان يقف عند جسر دامية، فيما يصعد شرطي كويتي ويختم جوازات السفر سريعا.

وأفاد بأنه كان يعود غالبا في اليوم التالي إلى جنين، لكنه استأجر شقة في منطقة (المرقاب) بالكويت في حال تأخره.

فيما اعتاد على نقل الحجاج والمعتمرين من جنين مقابل 25 دينارا، ودون أن يتطلب الأمر أية إجراءات أو قرعة، وكانوا يمضون أكثر من شهر ونصف الشهر في رحلتهم.

ولا تسقط من ذاكرة السارد مشاهد يوم النكسة، ففي يوم 6 حزيران 1967 كان في طريقه إلى الكويت من عمان، لكنه عاد أدراجه، وطلب منه رجال الشرطة تحميل 72 راكبا للعودة إلى الضفة الغربية دفعة واحدة.

وأضاف: أوقفنا المحتلون على مفرق بلدة عرابة، ومنعونا من الوصول إلى جنين، ووضعت الحافلة في البلدة وعدنا على الأقدام.

وقال إن السفر إلى الكويت كان يتطلب فقط 20 دينارا بدل سولار لصهريج باص (ليلاند)، الذي يستوعب 45 راكبا.

انتقل طالب للعمل مع السيدة فريدة ارشيد في حافلة لجمعيتها الخيرية، واستمر حتى 1977 في جمع طفال الروضة وموظفات الجمعية.

3 مخالفات

لم تسجل في رصيد طالب غير 3 مخالفات مرورية طوال عقود، الأولى بدينار ونصف الدينار على بوق (زامور) في عمان، والثانية والثالثة كيدية قرب جنين؛ بسبب خلل مفاجئ في الإضاءة الجانبية.

كما أنه حافلته تعطلت في مدينة الرطبة بالعراق، وللمصادفة كان يرافقه الميكانيكي الحاج يوسف، الذي عالج الأمر بسرعة.

لازم أبو نضال خط جنين- نابلس 35 عاما، وكان السائق الوحيد الذي لا يحمل تذاكر، وبالرغم من تقاعده عام 2011 بفعل إصرار أولاده، إلا أنه يواظب حتى اليوم على الدوام التطوعي في مجمع كراجات جنين.

وعاد إلى الكويت عام 1969 زائرا، واستأجر سيارة إلى من عمان حتى وصولها، ويحفظ طرقات الكويت كلها عن ظهر قلب، كما عرف دروب الداخل المحتل كلها من أقصى الجليل وحتى غزة وما بعدها، وكان يرافق الرحلات المدرسية.

واختتم: يحمل أولادي الثلاثة: نضال وسموأل والراحل حسين رخص قيادة للحافلات، ومع ابنتي الوحيدة رخصة مركبة خصوصية.




مصطفى: نتابع التقارير الموثوقة حول تورط بعض المؤسسات في قطاع غزة في استغلال المساعدات وعدم توزيعها بشكل عادل

مصطفى: نتابع التقارير الموثوقة حول تورط بعض المؤسسات في قطاع غزة في استغلال المساعدات وعدم توزيعها بشكل عادل




جنين: اجتماع لدعم جهود الأجهزة الأمنية في تنفيذ تعليمات الرئيس ببسط النظام والقانون




مجمع ناصر الطبي: توقف الخدمة الصحية باستثناء أقسام العناية والعمليات لنفاد الوقود




يعانق الأرض بالأمل

عثمان غشاش- في قلب محافظة قلقيلية، حيث الهواء العليل والمياه العذبة المتدفقة من الآبار الارتوازية، يواصل رامي الجدع رحلته الزراعية التي بدأها منذ سنوات طويلة.

 ينحدر رامي من عائلة تمتلك تاريخا طويلا في الزراعة، فاختار أن يسير على خطى أجداده، مبتدئا رحلته الزراعية من الصفر. بدأ في الأرض التي ورثها عن عائلته، ثم استأجر بعض الأراضي لتوسيع نطاق عمله. ورغم التحديات التي يواجهها، تطور رامي في عمله ليعتمد على الأساليب الحديثة في الزراعة، مستخدما البيوت البلاستيكية والتقنيات الزراعية المتقدمة.

الاحتلال الإسرائيلي، يعد أكبر تحد للزراعة، وقد أثر على رامي بشكل كبير، كووه صادر منه مساحات واسعة من الأراضي وآخرها في عام 2003، عندما شيد الاحتلال الجدار الفصل العنصري وأقام نفقا في المنطقة. ورغم ذلك أصرأن يواصل طريقه في الزراعة، محاولا حماية أرضه من التهديدات المستمرة.

استمر رامي في العمل الدؤوب بمساعدة أبنائه الذين كانوا دائما إلى جانبه. أحد أبنائه، الذي يدرس الزراعة وتصنيع الغذاء، اكتسب معرفة متعمقة في كيفية تحسين الإنتاج الزراعي. زرع فيهم رامي حب الأرض، مؤكدا أن الأمل يكمن في التمسك بالأرض والعمل المستمر لتحقيق الاستدامة والعيش الكريم.

إن الزراعة بالنسبة لرامي هي أكثر من مجرد مصدر رزق؛ فهي طرق للبقاء وحماية الأرض من المصادرة، معتقدا أن ترك الأرض فارغة، سيسهل على الاحتلالالاستيلاء عليها. ولهذا، يحرص على الاستمرار في زراعة الأصناف الجديدة مثل المانجا، والليتشي، والفراولة، التي أصبحت رائجة في المحافظة.

ورغم صعوبة الوضع، يرى رامي أن زراعة المنتجات الاستوائية مثل “المانجا” و”الكرمبولا” جعلته يبرز بين باقي المزارعين. فقد سعى من خلال زراعتها لتحقيق الربح، لأنها جديدة على السوق الفلسطيني، وقد أثبتت هذه المحاصيل بالفعل قدرتها على التكيف مع مناخ قلقيلية الذي يتميز بحرارة عالية، ورطوبة كافية لري المحاصيل.

وتعد صعوبة التسويق وارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج من أبرز التحديات التي يواجهها رامي. يقول: “عندما تدخل المنتجات الأجنبية إلى السوق، تؤثر على تسويق المنتجات المحلية. ونواجه صعوبة في جلب المعدات الزراعية، حيث تتطلب الإجراءات تصاريح، والتكلفة تكون مرتفعة”.

كما تعرضت إحدى شحنات الأفوكادو للتعطيل عندما أغلق معبر الكرامة بسبب حادثة أمنية في 8 ايلول 2024، ما أدى إلى تأخير الشحنة وتلف نصف الكمية، واضطر رامي إلى بيعها محليا بخسارة.

حلم رامي لا يتوقف عند حدود السوق المحلي، فهو يتطلع إلى أن يكون للمنتجات الفلسطينية مكان في الأسواق العالمية. يقول: “أكبر حلم لي هو أن أتمكن من تصدير منتجي إلى مختلف دول العالم. فلو كان لدينا ميناء أو مطار، لكان الأمر أسهل وأرخص”.

ويعاني رامي كغيره من المزراعين من ارتفاع تكاليف الأجهزة الإلكترونية للري والتسميد ما يشكل عبئا إضافيا. ورغم هذه التحديات، لم يستسلم بل كان دائما يسعى لإيجاد حلول مبتكرة، مثل تجربته الناجحة في زراعة الفراولة المعلقة.

تجربة رامي هذه واحدة من أبرز ابتكاراته في مجال الزراعة، إذ اعتمدها لتوفير المساحة وزيادة الإنتاج بشكل فعال.

 يقول رامي: “هذه الطريقة تستغل المساحات بشكل أفضل وتنتج محصولا يلبي حاجات السوق الفلسطيني”.

وأثبتت هذه التجربة نجاحا ملحوظا، حيث استطاع زيادة الإنتاج الزراعي بشكل ملحوظ رغم التحديات التي يواجهها، وأصبحت الفراولة المعلقة واحدة من المنتجات المميزة التي يزرعها في مزرعته. إلا أن هذه التجربة لم تخل من التحديات المالية، حيث كان الجهاز الإلكتروني المسؤول عن تنظيم الري والتسميد لهذه الزراعة مكلفا بشكل كبير. فقد وصل سعر الجهاز إلى (22) ألف دولار، ما شكل عبئا إضافيا على رامي في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

وفيما يتعلق بالمستقبل، يرى رامي ضرورة تطوير الصناعات الزراعية في فلسطين، قاءلا”نحن بحاجة إلى مصانع محلية لتحويل منتجاتنا إلى مواد غذائية جاهزة مثل العصائر والمربى. بذلك، يمكن أن نزيد من القيمة المضافة لمنتجاتنا”.

رغم التحديات العديدة، يظل رامي متمسكا بأرضه وعمله، قائلا: “أرضنا، مهما كانت الظروف صعبة، تظل مصدر قوتنا. وأنا مستعد لأزرع وأحمي أرضي مهما كانت التحديات”.

رامي قصة كل مزارع فلسطيني يسعى للثبات في أرضه والحفاظ عليها، ويعتبر الزراعة طريقا للحفاظ على الهوية والوجود، وسط ظروف صعبة، فالتحيات الاقتصادية تفرض نفسها، والاحتلال لا يكل ولا يمل لابتلاع الأرض وكسر إرادة الإنسان.