1

غزة..نكبة اقتصادية مهولة

80 مليار دولار تكلفة تقديرية لإعادة الإعمار أي ما يعادل 27 ضعف مساهمة قطاع غزة في الناتج المحلي الإجمالي

 أيهم أبوغوش- مع دخول إعلان اتفاق التهدئة في قطاع غزة حيز التنفيذ، بدأت الأضواء تتسلط على حجم الدمار الذي أحدثته حرب الإبادة التي تواصلت لنحو (471) يوماً، ورغم تركز الأخبار على حجم المأساة الإنسانية، غير أن المعطيات تعكس نكبة اقتصادية حلت بقطاع غزة، لم يشهد لها مثيلا، وأن تعويض حجم الخسارة سيستغرق سنوات طويلة كي يعود الوضع إلى سابق عهده قبل هذه الحرب.

 الأرقام صادمة

كشفت وكالة “بلومبرج” أن عملية إعادة إعمار غزة ربما تتكلف أكثر من 80 مليار دولار، إلى جانب 700 مليون دولار لإزالة 42 مليون طن من الأنقاض.

ووفقًا للأمم المتحدة، خلفت الغارات الجوية الإسرائيلية أكثر من 42 مليون طن من الأنقاض في مختلف أنحاء القطاع حتى الآن، غالبيتها عبارة عن مساكن مدمرة، وتوزيعها عبر القطاع يحاكي تقريبًا الكثافة السكانية في غزة قبل الحرب.

وأفادت تقارير بأن أكثر من 70% من مساكن غزة تضررت بجانب المستشفيات والشركات، وقدّر البنك الدولي والأمم المتحدة في تقرير سابق تكلفة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية في غزة بنحو 18.5 مليار دولار بين تشرين الأول2023 وكانون الثاني 2024.

ونقلت الوكالة الأمريكية عن كبير الاقتصاديين في مؤسسة “راند” البحثية ومقرها كاليفورنيا، دانييل إيجل، قوله إن إعادة بناء غزة قد تتكلف أكثر من 80 مليار دولار، إذا أخذنا في الاعتبار النفقات المخفية مثل التأثير الطويل الأجل لسوق العمل المدمر بسبب الموت والإصابة والصدمات، مضيفًا: “يمكنك إعادة بناء مبنى، ولكن كيف يمكنك إعادة بناء حياة مليون طفل؟”.

ووفقا للوكالة الأمريكية، فإن هذه الأنقاض تكفي لملء خط من شاحنات القمامة يمتد من نيويورك إلى سنغافورة، وقد يستغرق إزالة كل تلك الأنقاض سنوات بتكلفة تصل إلى 700 مليون دولار.

وقالت وكالات الإغاثة إن أغلب سكان غزة البالغ عددهم 2.2 مليون نسمة نازحون، محشورين في شريحة صغيرة من الأرض على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط، معزولين عن المياه العذبة والغذاء، فضلاً عن الأدوية والصرف الصحي الأساسي.

وتعكس هذه الأرقام واقعا يفوق قدرة الفلسطينيين على تعويضه، فالناتج المحلي الفلسطيني في عام 2022 بلغ نحو19 مليار دولار، ما يعني ان الفلسطينيين في الضفة وغزة بحاجة إلى إنتاج مستمرلمدة خمس سنوات على منوال العام 2022 دون أن يستهلكوا قرشا واحدا لتعويض حجم الخسارة، وهذا طبعا أمر افتراضي غير ممكن.

كما أن موازنة السلطة الوطنية التي تقدر بنحو6 مليارات دولار لا تكفي لتعويض هذه الخسارة، فحتى لو افترضنا ان السلطة الوطنية خصصت جل موازنتها(وهو أمر مستحيل من الناحية العملية لأن هناك رواتب ونفقات تشغيلية) لإعمار غزة، فإنها ستحتاج 14 عاما لتعويض تلك الخسارة. وبالمجمل فإن كلفة إعادة الإعمار المقدرة تبلغ قرابة 27 ضعف إنتاج قطاع غزة في الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني، أي من الناحية النظرية يحتاج إلى إنتاج مثيل لما قبل هذه الحرب لمدة 27 عاما دون أن يتم استهلاك قرش واحد لتعويض حجم الخسارة، وهو أمر كذلك غير ممكن من الناحية العملية.

يقول الخبيرالاقتصادي ماهر الطباع لـ”الحياة الاقتصادية”: الاقتصاد الفلسطيني ناشئ وهو ضعيف وغير قادر على النمو الطبيعي بفعل إجراءات الاحتلال، مشيرا إلى أن التقديرات الأولية الناجمة عن الحرب تظهر بشكل واضح أن الاقتصاد الفلسطيني غير قادر على تعويض هذه الخسائر. ويضيف”حجم الخسائر تبلغ خمسة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لفلسطين، وبالتالي مطلوب توفير دعم دولي كبير لإعادة إعمار قطاع غزة وتعويض المتضررين في كافة القطاعات”.

ليست هذه الحرب فقط

كان قطاع غزة قبل الانقسام في عام 2007 يساهم بنحو ثلث الناتج المحلي الفلسطيني، ولكنه تراجع إلى ما دون الخمس فقط نتيجة الآثار التي خلفتها أربع حروب شنها الاحتلال على القطاع،ونتيجة 17 عاما من الحصار.

وكان الجهاز المركزي للإحصاء أشار إلى أن خسائر فلسطين من الناتج المحلي الإجمالي بالحد الأدنى وبشكل تراكمي، نتيجة الحصار المفروض على قطاع غزة، لأكثر من عقد ونصف العقد، بلغت أكثر من 35 مليار دولار أميركي، أي ما يعادل عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لقطاع غزة.(قبل أحداث 7 تشرين الأول).

وأوضح الإحصاء أن مؤشرات الاقتصاد الكلي تشير إلى أن مساهمة قطاع غزة من الناتج المحلي الإجمالي لفلسطين قبل عام 2006، كانت تمثل حوالي 36%، لتبدأ بالتراجع التدريجي نتيجة ما فُرض على قطاع غزة من حصار خانق على كل عوامل الإنتاج على مدار 17 عاما مضت، لتصبح مساهمة هذا القطاع لا تتجاوز 17% في السنوات الأخيرة نتيجة تآكل القاعدة الإنتاجية.

وأشار إلى أن بنية الاقتصاد الفلسطيني تعرضت لتشوه في معظم الأنشطة الاقتصادية، فبافتراض ثبات حصة قطاع غزة من الناتج المحلي الإجمالي التي كانت تشكل 36% قبل الحصار الخانق والانقسام وبقائها كما هي عبر السنوات الماضية باستثناء العوامل الأخرى، فإن إجمالي ما فقده الاقتصاد الفلسطيني بلغ حوالي 35 مليار دولار بالحد الأدنى وبشكل تراكمي خلال الـ17 عاما الماضية، فيما بلغ الناتج المحلي الإجمالي في فلسطين خلال 2022 حوالي 19 مليار دولار مقابل 23 مليار دولار كناتج محلي إجمالي بالحد الأدنى يمكن تحقيقه في ظل فك الحصار القائم على قطاع غزة.

فقدان 7 مليارات دولار كإيرادات ضريبية

وعلى المستوى القطاعي، فقد بلغت الخسائر التراكمية منذ عام 2006 لنشاط التجارة الداخلية حوالي 9.4 مليار دولار، كما خسر نشاط الصناعة 5.5 مليار دولار، تلاه نشاط الخدمات بحوالي 4.9 مليار، ثم الإنشاءات بواقع 2.1 مليار، كما حُرم الاقتصاد الفلسطيني من حوالي 7 مليارات دولار أميركي كإيرادات ضريبية كان من المفترض أن تُضخ في الاقتصاد الفلسطيني.

انكماش غير مسبوق

وقدر الجهاز المركزي للإحصاء، في تقرير له انكماش الاقتصاد الفلسطيني بنسبة 28% في 2024، نتيجة انهيار تام للاقتصاد في قطاع غزة وتراجع حاد في الضفة.

وجاء في التقرير: “تواجه فلسطين كارثة اقتصادية، واجتماعية، وإنسانية، وبيئية، وصحية، وتعليمية، وغذائية أدت إلى انكماش القاعدة الإنتاجية وتشويه الهيكل الاقتصادي لفلسطين”.

وأضاف: مع نهاية العام 2024، تشير التقديرات إلى استمرار الانكماش الحاد غير المسبوق في الناتج المحلي الإجمالي في قطاع غزة بنسبة تجاوزت 82%، رافقه ارتفاع معدل البطالة إلى 80.

ويشكل قطاع الخدمات 65% من الاقتصاد الفلسطيني، فيما تقتصر حصة القطاعات الإنتاجية الداعمة للنمو الاقتصادي على 20% فقط، ما يدلل على أن الاقتصاد الفلسطيني اقتصاد متغير، ويتأثر بالصدمات بشكل كبير وقدرته على التعافي أسرع كونه اقتصاداً صغيراً.

وخلال العام 2024، وفقاً للتقرير، تراجع معظم الأنشطة الاقتصادية في فلسطين مقارنة بالعام السابق، حيث سجل نشاط الإنشاءات أعلى تراجع بنسبة بلغت 46% بواقع 38% في الضفة الغربية، و98% في قطاع غزة، لتبلغ قيمته 332 مليون دولار، تلاه نشاط الصناعة بنسبة تراجع 33% بواقع 30% في الضفة الغربية، و90% في قطاع غزة ليصل إلى 1.038 مليار دولار، ثم نشاط الزراعة بنسبة تراجع 32% بواقع 17% في الضفة الغربية و91% في قطاع غزة، وبقيمة وصلت إلى 564 مليون دولار، كما تراجع نشاط الخدمات بنسبة 27% بواقع 17% في الضفة الغربية و81% في قطاع غزة ليصل إلى 6.453 مليار دولار.

تدمير 93% من فروع المصارف

وقال البنك الدولي إن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة تسبب بتدمير نحو 93% من فروع المصارف العاملة في القطاع، بعد قرابة 15 شهرا من الإبادة المتواصلة. وقال إن الحرب الإسرائيلية دمرت أيضا 88% من مؤسسات التمويل الأصغر ومعظم الصرافين، و88% من شركات التأمين.

وكانت سلطة النقد صرحت في وقت سابق أن حجم القروض المتعثرة في قطاع غزة تصل إلى نحومليار دولاراي نحو9%من حجم التسهيلات الائتمانية الممنوحة.

الأسعار تتراجع ولكن

مع بدء تدفق شاحنات المساعدات إلى قطاع غزة، بدأت الأسعار في الهبوط الحاد لكنها مازلت أعلى مقارنة مع فترة ما قبل الحرب.

يقول المواطن محمد أبو دياب” سعر كيلو السكر حاليا 6 شواقل بعد أن وصل إلى 35 شيقلا، والبندورة وصل سعر الكيلو إلى عشرة شواقل بدلا من 40 شيقلا”، مشيرا إلى أن الأسعار رغم هبوطها الحاد غير أنها مازالت في مستويات أعلى مقارنة مع فترة ما قبل الحرب.

ويبين أبو دياب أن مشكلة السيولة النقدية مازالت قائمة رغم التهدئة، إذ ان السماسرة مازالوا يطلبون نسبة 16% بدلاً من 30% نظير صرف رواتب الموظفين.

وكان الجهاز المركزي للإحصاء أشار إلى أن مؤشر غلاء المعيشة خلال العام 2024 سجل ارتفاعاً حاداً في فلسطين مقارنة بالعام 2023، مدفوعاً بمستويات اسعار لم تشهدها أسواق قطاع غزة من قبل، نتيجة للعدوان الإسرائيلي حيث ارتفعت الأسعار للسلع الاستهلاكية، بواقع 237.98% في قطاع غزة.

70 % من المساكن مدمرة

وأشارت تقارير أممية ودولية إلى أن أكثر من 70٪ من مساكن غزة تضررت بجانب 85٪ من المدارس، و99٪ من الجامعات، و65٪ من شبكات الطرق، و69٪ من المستشفيات، و90٪ من المنشآت الاقتصادية، بالإضافة إلى 21٪ على الأقل من المقابر.  

ووفقاً لعدة تقارير فإنه خلال الفترة من 7 تشرين الأول 2023 إلى 5 أيلول 2024، دمرت الحرب الإسرائيلية على غزة نحو 150,000 ألف منزل كلياً، فيما تضررت 200,000 ألف وحدة سكنية جزئياً، وأصبحت 80,000 وحدة سكنية دمرها الاحتلال غير صالحة للسكن.وأعلنت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني أن 70% من منشآت المياه والصرف الصحي في قطاع غزة تضررت أو دمرت بالكامل جراء القصف الإسرائيلي المستمر للقطاع منذ الـ7 من تشرين الأول 2023.

بحث خطة عمل وزارة الاقتصاد

في غضون ذلك،  بحث وزير الاقتصاد الوطني محمد العامور مع مؤسسات القطاع الخاص في قطاع غزة، ترتيبات واجراءات متابعة الوضع الاقتصادي في قطاع غزة في ظل وقف اطلاق النار.ويأتي ذلك ضمن الخطة الحكومية لرفع مستوى التنسيق والمتابعة لتنفيذ الخطة الحكومية لاغاثة اهلنا في قطاع غزة.

وضم الاجتماع الذي عقده الوزير عبر تقنية الاتصال المرئي مع ممثلي القطاع الخاص في غزة، الغرف التجارية الصناعية الزراعية الخمس: غرفة تجارة وصناعة محافظة شمال غزة، غرفة تجارة وصناعة محافظة غزة، غرفة تجارة وصناعة المحافظة الوسطى (دير البلح)، غرفة تجارة وصناعة محافظة خان يونس، وغرفة تجارة وصناعة محافظة رفح، بالإضافة إلى مركز التجارة الفلسطيني، الاتحاد العام للصناعات الفلسطينية، جمعية رجال الأعمال، وجمعية محطات المحروقات، وموظفي الوزارة في غزة.

 وبحث المجتمعون الخطوات العملية اللازمة لتنظيم الشأن الاقتصادي بعد وقف الحرب، في مختلف مكوناته ضمن خطة وطنية لاغاثة وانعاش واعادة اعمار ما دمره الاحتلال في ظل انهيار لكافة الأنشطة الاقتصادية في قطاع غزة، بالتعاون الكامل مع القطاع الخاص بمختلف مكوناته والشركاء الدوليين.

وعبر الوزير عن الجاهزية  لممارسة الوزارة مهامها وتحمل مسؤولياتها في قطاع غزة بالتنسيق والشراكة الكاملة مع مؤسسات القطاع الخاص، لافتاً الى تعليماته الى موظفي الوزارة في قطاع غزة، للقيام بواجباتهم في متابعة سير العمل وضمان تقديم الخدمات اللوجستية الضرورية 

ونظرًا لتدمير مقر الوزارة في غزة، اشار المجتمعون الى توفير مقرات مؤقتة لضمان استمرارية العمل وتقديم الخدمات الأساسية بشكل فوري، بهدف تنظيم السوق الداخلي، وتعزيز استقرار الأسعار، ومنع أي استغلال للمستهلكين  عبر تكثيف متابعة الأسواق لمنع عمليات الاحتكار والاستغلال.

وشهد الاجتماع مداخلات من ممثلي مؤسسات القطاع الخاص، الذين استعرضوا أبرز التحديات التي تواجه المواطنين والقطاع الاقتصادي

 وأكد الوزير التزام الوزارة بمتابعة التوصيات والمقترحات المقدمة والعمل على تنفيذها ضمن خطط مدروسة تستهدف تحقيق تعافٍ اقتصادي شامل.




جلسة مفتوحة لمجلس الأمن اليوم بشأن القضية الفلسطينية

يعقد مجلس الامن الدولي، اليوم الإثنين، جلسة مفتوحة بشأن القضية الفلسطينية يترأسها وزير خارجية الجزائر، أحمد عطاف، الذي تترأس بلاده رئاسة المجلس للشهر الحالي.

ويلقي أمين عام الامم المتحدة، أنطونيو غوتيريش كلمة رئيسية في الجلسة بشأن غزة والأونروا وحل الدولتين، إضافة إلى الوضع في سوريا ولبنان.

ويشارك بالجلسة إضافة لأعضاء المجلس، العديد من الدول الاعضاء في الأمم المتحدة.




النِّساء ذوات الأمراض الصَّعبة.. الحرب تُضاعف جحيمَ المرض

 إسراء البلعاوي- حلَّتِ الحربُ الإسرائيليةُ التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2023 بمُصاب جَلل على النساء ذوات الأمراض الصعبة في قطاع غزة. فبين عشيةٍ وضحاها وجدنَ أنفسهنَّ دون أدوية أو علاج أو قدرة على التواصل مع أطبائهنَّ، بل دون مستوصف صغير يُعينهنَّ على تحمُّل أوجاعهن، حيث سرعان ما استُهدفت المشافي في كافة أنحاء القطاع.

ذلك في حين كانت القذائف والصواريخ تنال من كلِّ شيء حولهنَّ: من أجساد أقاربهنَّ وجيرانهنَّ، ومن بيوتهنَّ وممتلكاتهنَّ. وسرعان ما زاد النزوح المستمرُّ من أوجاعهنَّ في ظلِّ انعدام المقومات الصحية والمعيشية في الخيام التي تفتقر إلى أدنى مقومات النظافة الشخصية والراحة الجسدية.

معاناة فتحية كساب

تجلس فتحية كساب (62 عامًا) على جهاز غسيل الكُلَى في مستشفى ناصر بخان يونس مرهقة الجسد. ففي مشوارها المحدَّد بثلاث مرات أسبوعيًّا، تصل فتحية إلى قسم الكُلَى بعد أن تكون قد استقلَّت أكثر من وسيلة مواصلات، كعربة الكارو والتوك توك وسيارة البضائع، وهي جميعها تهزُّ جسدها المنهك وترجُّه رجًّا؛ فتزيد أوجاعه. ومع هذا الإرهاق، تصل فتحية شبه منهارة، وكما تصفها ابنتها لبنى: “تصل بوجه شاحب وتلتقط أنفاسها بصعوبة”.

قدِمت فتحية إلى هنا من “مخيَّم الصمود” الكائن في مواصي رفح، حيث نزحت مع عائلتها في الساعات الأولى لاجتياح رفح. جاءت بالتحديد من حيِّ البرازيل الحدودي مع مصر، وقد تزامن هذا النزوح مع نكستها الصحية؛ إذ أصبحت فتحية بين ليلة وضحاها من مرضى الفشل الكلوي.

تقول فتحية إن أقصى ما تتمنى في هذا الوقت تناولُ تفاحة أو كوب عصير أو أي صنف من الطعام يمنحها بعض القدرة على التحمُّل. لكن أبناءها الخمسة عاجزون عن شراء ثمرة واحدة يبلغ ثمنها -إن توفرت- ثلاثة دولارات. وعليها أن تقتات على البقوليات أو الأرزِّ من التكيَّة الخيرية الخاصة بهم. وتضيف بلهجتها العامية: “مبارح وقعت من طولي، المرض اشتدَّ عليَّ والجوع دمَّرني!”

في الخيمة، الكثير من الأمور تُنغِّص على فتحية وتضاعف آلامها كمريضة فشل كُلوي. البرد القارس يجعلها -كما تقول ابنتها- تتوقَّع كلَّ ليلة أن تكون ليلتها الأخيرة في الحياة. وتُضيف ابنتها: “في الخيمة لا دفءَ، ولا نومَ، ولا طعام مناسب”.

الحاجة إلى الحمام أيضًا تضاعف معاناة فتحية؛ إذ عليها أن تترك الخيمةَ في منتصف الليل البارد للغاية كي تصل إلى الحمام المغطَّى بقطعة من القماش وتقضي حاجتها متكئة على اثنتين من بناتها. تقول فتحية إن همَّها يزداد عندما يأتي موعد استحمامها، حيث تقضي المزيدَ من الوقت في الحمام الذي يقتصر على فتحة صغيرة لتصريف الفضلات والماء.

السرطان ينهش عُلا أكثر

بالقرب من أنقاض مدينة حمد جنوب قطاع غزة، أقامت عائلة علا أحمد (42 عامًا) خيمتها المهترئة بجوار العديد من الخيام. تجلس علا أمام الخيمة وهي تنظر بوجع إلى صغيرتها ليان ذات الاثني عشر عامًا، التي تقوم بالمهام المنزلية نيابةً عنها، واحدة تلو الأخرى.

كانت ليلتها الماضية مرعبةً، ظلَّت طيلةَ الوقت يمتلكها الخوف الشديد من الكلاب، حيث تخيَّلت الكلاب تنهش نايلون الخيمة وتقتحمها وتعقر أبناءها. وتضيف عُلا أنها الآن عاجزة عن خدمة أبنائها الأربعة بسبب مرض سرطان الثدي الذي أُصيبت به في عام 2018. وتقول: “يحزنني أنني عاجزة صحيًّا عن خدمة أبنائي، فلا أستطيع غسل الملابس أو الأواني، وقدراتي محدودة في طهي الطعام”.

بالعودة إلى الوراء، إلى السابع من أكتوبر عام 2023، كانت علا، المقيمة آنذاك في حي القصاصيب في جباليا (شمال قطاع غزة) تستأنف رحلة علاجها القاسية. بالتحديد، كانت على موعد مع حقن هرموني ملح في مستشفى المطلع الخاص بمرضى السرطان، وكذلك كان عليها الخضوع لجهاز الأشعة لتصوير منطقة تحت الإبط، حيث ظهرت كتلة ما في مستشفى التركي المتخصص وسط القطاع. لكن الحرب حرمتها لما يقارب العام من العلاج داخل القطاع أو حتى السفر، رغم حصولها على تحويلة طبية للعلاج في الإمارات.

توضح لنا عُلا أنه في أغسطس/آب الماضي، أعلن مستشفى ناصر بخان يونس أنه تجهز بعد الانسحاب الإسرائيلي من خان يونس لاستقبال مرضى السرطان. فسارعت عُلا لمتابعة وضعها الصحي. تقول عُلا: “للأسف، خضعتُ لكورس علاج لم يكن مناسبًا تمامًا لحالتي، حيث ضعفت مناعتي أكثر وتحسَّس جسدي من الأدوية”.

فيما بعدُ، انتقلت علا لمتابعة حالتها في المستشفى الأوربِّي. وعن هذه الرحلة العلاجية تقول: “عند ذَهابي إلى المستشفى الأوربي أضع روحي على كفِّي كما يقال، فالمنطقة خطرة منذ اجتياح رفح. كما أن المواصلات المتعبة تُنهكني، خاصة أنني -كغيري من أبناء غزة- أعاني كثيرًا من ندرة الطعام المناسب لي”.

وجع “الألزهايمر

مع اللحظات الأولى لاندلاع الحرب، أُجبرت سكوت على النزوح من منطقة الشوكة الحدودية في رفح نحو بيت ابنها الكائن في حي الشابورة بالمدينة ذاتها. كان النزوح قاسيًا للغاية عليها كونها امرأة سبعينية مقعدة تعاني من عدة أمراض مزمنة، أصعبها “الزهايمر”.

عندما تحدثنا إلى ابنتها سُهى، قالت إنه بعد مرور أكثر من عام على الحرب تعرضت والدتها للعديد من المواقف المؤلمة. لن تنسى يوم أُجبرت تحت جنح الظلام على الخروج بأمِّها من منزل أخيها لتقضي ليلة كاملة جالسة على كرسي متحرك أمدَّها به رجل، ولم يكن بد من أن تقضي عليه حاجتها تَبَوُّلًا وتبرزًا! تقول سُهى: “في تلك الليلة خرجنا تحت أزيز الرصاص نحو أقرب مدرسة، وهناك قضت أمي ليلتها تغفو وتصحو على الكرسي المتحرك. والأصعب أنها قضت حاجتها في ملابسها لعدم وجود حفاضات كبار السن معنا، ولم أتمكن من تنظيفها إلا في الصباح”.

اليوم، تشقى ابنة سكوت كثيرًا في سبيل تلبية حاجة أمها وخدمتها في خيمة نُصبت بالقرب من جامعة الأقصى في خان يونس. فهي أيضًا تعاني من حساسية جلدية زادت آلامها في الخيمة. تقول سُهى: “لقد أصبح توفير الشامبو والصابون المناسب في ظلِّ الحصار المشدد أمرًا شبه مستحيل”. وتضيف الابنة البارَّة: “تسبَّب شُحُّ المياه في مضاعفة المعاناة. أمي تحتاج إلى الكثير من المياه للمحافظة على نظافتها الشخصية، كما زاد شُحُّ الطعام الشديد وحرمانها من تناول الخضار واللحوم والفواكه من معاناتها من الإمساك وخلافه. نحن الآن مضطرون إلى إطعامها من طعام التكية الذي هو في الغالب من البقوليات”.

في هذه الليالي الباردة، ينخر الصقيع جسد سكوت. وقد دفع هذا الحال أحد أبناء سكوت للمخاطرة بروحه والذَّهاب إلى بيتهم في منطقة الشوكة الواقعة شرق رفح لجلب البطاطين من بين ركام منزلهم. تقول سُهى: “كانت أمي تُغطى ببطانية واحدة. وفي الليل، بينما البرد لا يُحتمل، نصارع من أجل تدفئة أمي بأنفاسنا. نُغلق الخيمة قدر المستطاع ونجلس حولها ندلك يدها الباردة تارة وتارة أخرى ندلك قدميها”.




الأونروا: 4000 شاحنة مساعدات جاهزة لدخول قطاع غزة

 أعلن المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” فيليب لازاريني، أن الوكالة لديها 4000 شاحنة محملة بالمساعدات، نصفها تحمل غذاء وطحينا، جاهزة لدخول قطاع غزة. 

وقالت الوكالة على منصة “إكس”: “لدى الأونروا 4 آلاف شاحنة محملة بمساعدات جاهزة لدخول قطاع غزة، نصفها يحمل الغذاء والدقيق”.

وأوضحت أن مفوض الوكالة فيليب لازاريني، قال إن “الهجمات على قوافل المساعدات في قطاع غزة، قد تنخفض مع دخول الإغاثة الإنسانية عقب وقف إطلاق النار”.

وأضاف أن الوكالة عازمة على مواصلة العمل في غزة والضفة الغربية المحتلة، بعد دخول حظر إسرائيلي على عملياتها حيز التنفيذ في 30 كانون الأول/ يناير الجاري، مؤكدا أن الأونروا هي الهيئة الوحيدة القادرة على توفير الرعاية الصحية الأساسية والتعليم في غزة.

من جهته، قال ممثل منظمة الصحة العالمية في الأراضي الفلسطينية المحتلة ريك بيبركورن: إن المنظمة تخطط لإدخال عدد غير محدد من المستشفيات الجاهزة لدعم قطاع الصحة المدمر في غزة خلال الشهرين المقبلين.

 أعلن المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” فيليب لازاريني، أن الوكالة لديها 4000 شاحنة محملة بالمساعدات، نصفها تحمل غذاء وطحينا، جاهزة لدخول قطاع غزة. 

وقالت الوكالة على منصة “إكس”: “لدى الأونروا 4 آلاف شاحنة محملة بمساعدات جاهزة لدخول قطاع غزة، نصفها يحمل الغذاء والدقيق”.

وأوضحت أن مفوض الوكالة فيليب لازاريني، قال إن “الهجمات على قوافل المساعدات في قطاع غزة، قد تنخفض مع دخول الإغاثة الإنسانية عقب وقف إطلاق النار”.

وأضاف أن الوكالة عازمة على مواصلة العمل في غزة والضفة الغربية المحتلة، بعد دخول حظر إسرائيلي على عملياتها حيز التنفيذ في 30 كانون الأول/ يناير الجاري، مؤكدا أن الأونروا هي الهيئة الوحيدة القادرة على توفير الرعاية الصحية الأساسية والتعليم في غزة.

من جهته، قال ممثل منظمة الصحة العالمية في الأراضي الفلسطينية المحتلة ريك بيبركورن: إن المنظمة تخطط لإدخال عدد غير محدد من المستشفيات الجاهزة لدعم قطاع الصحة المدمر في غزة خلال الشهرين المقبلين.




مدخل لتعميق الوحدة.. مخيم جنين.. أزمة حُلّت وثغرات أُغلقت

 د.د رفيق عوض: اتفاق مخيم جنين يجب أن يكون بداية لمرحلة من الاستعداد لمواجهة التحديات الكبيرة التي تتهدد الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية

د. عمار الدويك: ندعو لاتخاذ خطوات تعزز إنهاء الأزمة وتمنع تكرارها والتوقيع على ميثاق شرف يمنع الظهور العلني للسلاح خارج إطار أجهزة إنفاذ القانون

عدنان الصباح: حل الأزمة خطوة ضرورية خاصة في ظل الاستعدادات لاستقبال أسرى الصفقة.. والوحدة الوطنية يجب أن تكون حقيقة وليست شعاراً

د. تمارا حداد: الاتفاق يفتح آفاقاً لإنهاء الخلافات واستعادة الاستقرار وسيسهم في توحيد الحالة المجتمعية وحماية النسيج الاجتماعي داخل المخيم

فراس ياغي: التوافق في جنين بين قيادة السلطة ولجنة الإصلاح ومسؤولي الفصائل يشير إلى فهم عميق للمخططات الإسرائيلية التي تستهدف الضفة

د. سعد نمر: المطلوب الآن ليس فقط تعزيز الاتفاق الجزئي في مخيم جنين بل الذهاب نحو تفاهمات شاملة تشمل كل الوضع الفلسطيني

 يأتي تنفيذ الاتفاق لإنهاء الأزمة في مخيم جنين في وقت حرج يتهدد فيه الخطر الضفة الغربية، وعلى وقع صفقة التبادل التي تتطلب موقفاً موحداً لاستقبال الأسرى، وتأتي هذه الخطوة في تهدئة الأوضاع لتضع الجميع أمام مسؤولية تعزيز الوحدة وبناء استراتيجية وطنية موحدة لمواجهة التحديات الكبرى.

ويؤكد كتاب ومحللون سياسيون وأساتذة جامعات ومسؤولون، في أحاديث منفصلة مع “ے”، أن هذا الاتفاق لحل أزمة مخيم جنين يأتي لقطع الطريق على المخططات الإسرائيلية التوسعية التي قد تتصاعد خلال المرحلة المقبلة، حيث يعمل الاحتلال على ضم أجزاء من الضفة الغربية وإضعاف السلطة الفلسطينية، كخطوة نحو إنهاء حل الدولتين بشكل نهائي، مؤكدين ضرورة أن يكون هذا الاتفاق بداية لمرحلة جديدة من الوحدة الوطنية ومواجهة مخططات الاحتلال الإسرائيلي.

ويشدد الكتاب والمحللون وأساتذة الجامعات ومسؤولون على أن الحل المستدام للأزمة يتطلب خطوات عملية تشمل إعادة بناء الثقة بين المواطنين والسلطة، وتعزيز سيادة القانون، والاتفاق على ميثاق شرف ينظم العمل العسكري ومنع الظهور العلني بالسلاح، كما يشددون على أهمية العمل الجماعي لتجاوز الخلافات، بما يضمن تعزيز الوحدة الوطنية وحماية الحقوق الفلسطينية في وجه المخططات الإسرائيلية.

مرحلة جديدة من المواجهة بعد قصف الاحتلال المخيم مرتين

يرى الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض أن الاتفاق لإنهاء الأزمة في مخيم جنين في وقت تُقبل فيه الضفة الغربية على مرحلة خطيرة للغاية، مشيراً إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يسعى إلى تفجير الوضع في الضفة الغربية لتحقيق أهدافه التوسعية وإضعاف السلطة الفلسطينية تمهيداً لإنهاء حل الدولتين عملياً.

ويؤكد عوض أن الاحتلال الإسرائيلي يعمل على ضم أجزاء من الضفة الغربية المحتلة، وإضعاف السلطة الفلسطينية وتهميشها، كخطوة أولى نحو إنهاء حل الدولتين بشكل نهائي، كما أن إسرائيل تسعى إلى فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وإسقاط فكرة حل الدولتين، مع فرض سيادتها الكاملة على كامل أراضي الضفة الغربية المحتلة، وتحويل الشعب الفلسطيني من شعبٍ ذي هوية وطنية إلى مجرد جماعات أو أفراد متناثرة.

ويشير عوض إلى أن ما يجري في مخيم جنين هو جزء من هذه الاستراتيجية الخطيرة، مؤكداً أن التصعيد الإسرائيلي في المخيم له أبعادٌ متعددة، وأن الاحتلال قد دخل مرحلةً جديدة من المواجهة بعد قصفه المخيم مرتين، مما أدى إلى سقوط شهداء كثر. 

ويوضح عوض أن الاحتلال يستغل أي فرصة لتأكيد روايته أمام العالم بأن الفلسطينيين غير ناضجين سياسياً، وغير قادرين على تشكيل دولة، وبالتالي تصويرهم كطرف إرهابي دائم.

ويحذر عوض من أن هناك مخططاً إسرائيلياً لإنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين، وشطب وكالة “الأونروا”، وإلغاء حق العودة، مؤكداً أن المخاطر كبيرة جداً، وأن الاحتلال يعمل على استغلال أي فرصة لفرض شروطه وتثبيت روايته، ولذا فإن الاتفاق لإنهاء الأزمة في مخيم جنين جاء لقطع الذرائع على الاحتلال الإسرائيلي.

وفيما يتعلق بالاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الأمن والمقاتلين في مخيم جنين لإنهاء الأزمة في المخيم، يؤكد عوض أن هذا الاتفاق يجب أن يكون بداية لمرحلة جديدة من التضامن والاستعداد لمواجهة التحديات الكبيرة التي تهدد الشعب الفلسطيني. 

ويؤكد أن تعزيز هذا الاتفاق يتطلب إدراكاً من جميع الأطراف بأنهم جزءٌ من شعبٍ واحد، داعياً إلى توحيد الجهود بين فصائل المقاومة، والمجتمع المدني، والشخصيات الاعتبارية، والإعلام، وفي مواقع التواصل الاجتماعي، لتشكيل جبهة ضخمة تضغط من أجل تثبيت الاتفاق ومنع أي محاولات لتقويضه، والوصول إلى حلٍ دائم يضمن وحدة الشعب الفلسطيني ويحفظ حقوقه الوطنية.

ويؤكد عوض أن التشويش الإسرائيلي على المشهد من خلال الهجمات العسكرية الجوية على مخيم جنين كان على حافة زيادة تعقيد الوضع وتعميق الفرقة بين الأطراف الفلسطينية، وهو ما وضع الجميع عند مسؤولياته. 

ويدعو عوض إلى توفّر الإرادات الحقيقية لإنهاء هذا الوضع وعدم تكرار ما جرى، لأنه ليس فقط محرجاً، بل إنه يضر بمستقبل الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.

مزيد من الخطوات من أجل حل الأزمة بشكل كامل

في الوقت الذي رحب فيه د. عمار الدويك، مدير عام الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان “ديوان المظالم”، بالتطورات الإيجابية الأخيرة التي ساهمت في تخفيف التوتر بشكل كبير وتمهد الطريق لإنهاء الأزمة في مخيم جنين، فإنه يؤكد أن هناك مزيد من الخطوات يجب اتخاذها من أجل حل الأزمة بشكل كامل، بما يؤدي الى فرض سيادة القانون داخل المخيم، ومنع تكرار الظواهر السلبية التي أدت إلى الاشتباكات وحالات الاصطفاف التي شهدناها خلال الفترة الماضية، وكذلك التوقيع على ميثاق شرف ينظم العمل العسكري في الضفة الغربية ويمنع الظهور العلني للسلاح خارج إطار أجهزة إنفاذ القانون.

ويوضح الدويك أن إنهاء الأزمة بشكل كامل يتطلب عدة خطوات عاجلة، أولاها الإفراج عن جميع الأشخاص الذين لم تثبت عليهم أي مخالفات قانونية، بمن في ذلك الموقوفون على ذمة محافظ جنين ومن صدرت بحقهم قرارات إفراج عن المحاكم، وكذلك إجراء تحقيقات دقيقة وشفافة في حالات القتل التي وقعت خلال الأزمة، مع ضرورة الإعلان عن نتائج هذه التحقيقات وتعويض الضحايا بشكل عادل، كما أن هناك حاجة أيضاً للتحقيق في الشكاوى الأخرى التي تلقتها الهيئة، بما في ذلك شكاوى تتعلق بحرق المنازل وتدمير الممتلكات، وتعويض المتضررين.

ويشدد على أهمية قيام السلطة الفلسطينية بإعادة تقديم الخدمات بشكل فاعل داخل مخيم جنين، والعمل على إعادة الحياة الطبيعية بأسرع وقت ممكن مع الشروع في تطبيق المشاريع التي تحدث عنها رئيس الوزراء لجنين ومخيمها.

ويؤكد الدويك أن هذه الخطوات ضرورية لاستعادة الثقة بين المواطنين والمؤسسات الرسمية، ولضمان عدم تكرار الأزمات التي تؤدي إلى تفاقم الوضع الإنساني والمعيشي داخل المخيمات.

ويدعو الدويك جميع الفصائل والقوى الفلسطينية إلى التوافق على ميثاق شرف ينظم شكل العمل العسكري في الضفة الغربية، بحيث لا تكون هناك تشكيلات عسكرية علنية داخل المدن الفلسطينية والمخيمات، وان يكون السلاح العلني والظاهر هو فقط سلاح أجهزة انفاذ القانون بالزي الرسمي. 

ويؤكد الدويك أن وجود مثل هذه التشكيلات يخلق توتراً داخلياً كبيراً، ويسمح لأشخاص خارجين عن القانون بالانخراط في هذه التشكيلات، كما يوفر مبرراً للاحتلال الإسرائيلي لتدخل عسكري في المدن الفلسطينية وتدمير البنى التحتية.

ويوضح الدويك أن الجهود المبذولة لحل الأزمة كانت متواصلة منذ اليوم الأول، حيث ساهم الجميع بطرق مختلفة في تخفيف التوتر. 

ويعتقد الدويك أن طول أمد الأزمة، التي استمرت 43 يوماً، إضافة إلى تدخل الاحتلال الإسرائيلي بقصف مخيم جنين وقتل النشطاء والمقاومين، دفعا جميع الأطراف إلى التسريع في قبول الحلول التي كانت مطروحة منذ فترة.

ويؤكد الدويك أن هذه التطورات يجب أن تؤسس لمرحلة جديدة تخلو من التوتر الداخلي، وتُبنى على علاقات واضحة بين جميع الأطراف، مع مراعاة الظروف السياسية والقانون الفلسطيني والمصالح الوطنية العليا، داعياً إلى تعزيز هذه الخطوات الإيجابية، بما يضمن عدم تكرار الأزمات الداخلية، ويعيد التركيز على مواجهة التحديات الكبرى التي تواجه الشعب الفلسطيني، وعلى رأسها الاحتلال الإسرائيلي.

إنهاء الخلافات وتوحيد الطاقات ضرورة كفاحية

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح أن إنهاء الخلافات وتوحيد الجهود والطاقات الفلسطينية هي ضرورة كفاحية من الطراز الأول، ولا يمكن تأجيلها أو التفكير فيها كخيار ثانوي، لذا فإن الاتفاق في مخيم جنين ضرورة ملحة. 

ويشدد الصباح على أن الوحدة الوطنية يجب أن تكون حقيقة قائمة على أرض الواقع، وليس مجرد شعار يُرفع في الخطابات السياسية. 

ويشير الصباح إلى أن المعادلة الخاطئة التي يعيشها الشعب الفلسطيني اليوم هي وجود خلافات وصراعات وجهود مبعثرة، حيث “كل يغني على ليلاه”، في حين أن المفترض أن يكون الجميع قانعين بأن هذا الوطن يُبنى بالجهود المشتركة. 

ويقول الصباح: “لا يمكن لوطن أن يحيى على قاعدة (أنا أو أنت)، الوطن هو الكل، والكل هو الوطن. لا يوجد وطن دون شعبه، ودون كل ألوانه ومقوماته ومكوناته”.

ويعتبر الصباح أن الوحدة الوطنية والقيادة الموحدة والبرنامج الوطني الفلسطيني الواحد هي الأساس الذي لا يمكن التقدم بدونه، حيث أنه لا يمكن لأحد أن ينتصر دون الآخر، قائلاً: “إما أن ننتصر معاً، أو لا ننتصر أبداً. لا يوجد نصر يحققه ابن البلد على ابن البلد، الناس ينتصرون على الأعداء، ولا يمكن لأحد أن ينتصر على الأعداء إذا كان ظهره ليس معه، أو إذا لم يكن هناك من يسنده أو يقف إلى جانبه”.

ويشدد الصباح على أنه إذا لم يكن الفلسطينيون “كتفاً إلى كتف وظهراً إلى ظهر”، فلن يتمكنوا من تحقيق أهدافهم الوطنية وطموحاتهم. 

ويؤكد الصباح أن الوصول إلى حل الأزمة في مخيم جنين كان خطوة ضرورية، خاصة في ظل الاستعدادات لاستقبال الأسرى الذين سيتم الإفراج عنهم في الصفقة القادمة مع الاحتلال الإسرائيلي.

ويشير الصباح إلى أن الشعب الفلسطيني في قطاع غزة بدأ يتنفس الصعداء بعد الإعلان عن توصل لاتفاق تتوقف فيها الحرب، مؤكداً أن ما حدث في الماضي يجب أن يبقى في الماضي، وأن التركيز الآن يجب أن يكون على تصحيح المسار. 

ويقول: “ما كان كان، لكن كل ما يجري الآن هو تصحيح للحال. الوضع يسير في اتجاهه الصحيح، وتوقف الحال الذي لم يكن من الممكن أن يستمر. الحالة الطبيعية هي حالة التوافق والاتفاق”.

ويؤكد الصباح أن الوحدة الوطنية ليست مجرد خيار، بل هي ضرورة وجودية للشعب الفلسطيني، داعياً إلى تعزيز الجهود المشتركة وبناء استراتيجية موحدة لمواجهة التحديات المقبلة، معتبراً أن ذلك هو الطريق الوحيد لتحقيق النصر والحرية للشعب الفلسطيني.

 إنهاء حالة التسلح العلني لسحب الذرائع من الاحتلال

تؤكد الكاتبة والباحثة السياسية الدكتورة تمارا حداد أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه في مخيم جنين يعد خطوة إيجابية نحو إنهاء الخلافات الداخلية، وتهدئة الوضع في المخيم، واستعادة الأمن والاستقرار. 

وتشير حداد إلى أن هذا الاتفاق سيسهم في توحيد الحالة المجتمعية وحماية النسيج الاجتماعي داخل المخيم، الذي عانى لفترة طويلة من التوترات والاشتباكات.

وتشدد على ضرورة أن يترابط مخيم جنين مع المحافظات الأخرى، خاصة أن السلطة هي المسؤولة عن إدارة الضفة الغربية، بما في ذلك المخيمات، مؤكدة أن دور السلطة يتمثل في حماية المواطنين داخل مخيم جنين، وفرض الأمن والنظام، واستعادة الاستقرار، محذرة من أن وجود مجموعات مسلحة خارج إطار القانون يضعف السلم الأهلي والوحدة الداخلية الفلسطينية، ويؤثر سلباً على النسيج المجتمعي وطبيعة العلاقة بين المواطنين والسلطة.

وتشدد حداد على أن استمرار وجود مثل هذه المجموعات يؤدي إلى فقدان الثقة بين المواطن والسلطة، وهو أمر يجب تجنبه، خاصة أن السلطة هي النواة الأساسية للدولة الفلسطينية المستقبلية.

وتشير إلى أن الاتفاق بين السلطة وشباب مخيم جنين سيسهم في حماية المخيم من خلال إدخال طواقم الدفاع المدني لإزالة العبوات الناسفة التي تشكل خطراً على حياة المواطنين، كما سيعمل الاتفاق على تأمين المخيم بإدخال فرق الأشغال وطواقم شركات الكهرباء والمياه والاتصالات لإعادة ترميم البنية التحتية وتعبيد الشوارع، مما يهيئ المخيم ليكون مكاناً صالحاً للحياة بشكل أفضل.

وتشدد حداد حداد على أن القضاء هو الجهة الوحيدة التي يجب أن تفصل في المخالفات القانونية، وأنه من الضروري إنهاء حالة التسلح العلني التي تخلق ذريعة للاحتلال الإسرائيلي لإعادة الصراع في الضفة الغربية وتدميرها، كما حدث في قطاع غزة. 

وتؤكد أن الشعب الفلسطيني يجب أن يكون في منأى عن هذا التدمير والحصار، وأن السلطة لها دور رئيسي في حماية صمود المواطنين ومنع حدوث أي أضرار كارثية.

وتدعو حداد إلى تأسيس لجان مشتركة بين السلطة ومخيم جنين لتعزيز الثقة بين المواطنين والأجهزة الأمنية، موضحة أن هذه اللجان يجب أن تضم شخصيات اعتبارية من داخل المخيم، وأن تكون مهمتها إدارة الأوضاع وتلقي طلبات الأهالي وتنسيقها مع السلطة، بالإضافة إلى تسوية أوضاع المطلوبين أمنيًا للسلطة ممن عليهم مخالفات قانونية وحماية السلم الأهلي.

وتشدد حداد على أهمية الحفاظ على رمزية مخيم جنين كقضية جامعة للاجئين، وحمايته من أي محاولات لتدميره من قبل الاحتلال الإسرائيلي، داعية إلى تعزيز الخدمات الصحية والتعليمية والاقتصادية داخل المخيم، وتحسين البنية التحتية لضمان استقرار الحياة العامة.

وتشدد حداد على دور مؤسسات حقوق الإنسان والمجتمع المدني ووكالة الغوث “الأونروا” في تعزيز الهدوء ودعم صمود المواطنين على أرضهم. 

وتؤكد حداد أن هذا الاتفاق يجب أن يكون بداية لمرحلة جديدة من التعاون والثقة بين جميع الأطراف، بما يضمن استقرار المخيم وحماية حقوق المواطنين.

حينما تم إعمال لغة الحوار تم إبرام الاتفاق

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي فراس ياغي أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه جاء بعد تدخل شخصيات فلسطينية وعشائرية وجهات إصلاحية وبعدما أخفقت كل الجهود السابقة، لكن حينما تم إعمال لغة الحوار تم إبرام الاتفاق. 

ويشير ياغي إلى أن الاتفاق جاء في محاولة لوقف الأحداث التي استمرت أكثر من 46 يوماً في مخيم جنين، حيث تم التوافق على ضوابط وثوابت عبر لجنة الإصلاح الفصائلية والعشائرية تهدف إلى تحقيق حلول تتفق مع رؤية السلطة الفلسطينية وتوجهات مقاومة الاحتلال بالمفهوم العام، مع الحفاظ على حقن الدماء الفلسطينية.

ويوضح أن الاتفاق ينص على أن تكون السلطة هي الجهة صاحبة السيادة على مخيم جنين، حيث سيتم تطبيق القوانين من حيث “القانون الواحد، والسلطة الواحدة، والشرعية الواحدة”، كما سيتم نشر الشرطة الفلسطينية في المخيم، على أن لا تتم ملاحقة المطلوبين للاحتلال الإسرائيلي أو اعتقالهم، وفي المقابل، سيتم منع المظاهر المسلحة داخل المخيم.

ويشير ياغي إلى أن هذا الاتفاق يأتي في سياق تطورات مماثلة في قطاع غزة، حيث بدأت تتبلور اتفاقات قد تؤدي إلى إنهاء الحرب والإبادة في القطاع، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على الضفة الغربية. 

ويحذر ياغي من أن المشهد القادم في الضفة قد يشهد افتعالاً لأزمات من قبل اليمين الإسرائيلي المتطرف والمستوطنين، مما يتطلب تضافر الجهود الفلسطينية لمواجهة هذه المخططات.

ويعتبر ياغي أن التوافق بين قيادة السلطة الوطنية ولجنة الإصلاح العشائرية ومسؤولي الفصائل الفلسطينية في جنين يشير إلى فهم عميق للمخططات الإسرائيلية المستقبلية، التي تهدف إلى تقويض كل شيء فلسطيني في الضفة الغربية. 

ويؤكد أهمية التوافق الذي تم عبر تشكيل لجنة تحقيق لتحديد المسؤولين عن قتل المدنيين في مخيم جنين، مؤكداً أن إراقة الدماء الفلسطينية ليست في مصلحة أي طرف، وأن اللغة الوحيدة التي يجب أن تسود هي لغة الحوار.

ويؤكد ياغي أن تعزيز هذا الاتفاق يتطلب وحدة وطنية فلسطينية شاملة، تشمل منظمة التحرير، وحركتي حماس، الجهاد الإسلامي، والفصائل الأُخرى، بحيث يتم العمل ضمن إطار منظمة التحرير وفقاً لقرارات الشرعية الدولية.

ويؤكد ياغي أن منظمة التحرير يجب أن تكون منظمة تشاركية، لا يسيطر عليها فصيل واحد، بل يجب أن تكون هناك قيادة جماعية تعمل على تنفيذ برنامج سياسي مستند إلى قرارات الشرعية الدولية، كما يجب أن يكون هناك إجماع وطني فلسطيني حول كيفية التعامل مع المخططات الإسرائيلية القادمة، سواء إذا كان ذلك من خلال التعاطي معها بما بصب في المصلحة الوطنية الفلسطينية في الحرية والاستقلال وليس وفق مفاهيم تقليص وتخفيض حدة الصراع، كما طرحها سابقا نفتالي بينيت وتؤيدها الإدارة الأمريكية، حيث من المتوقع له أن يصبح رئيس الوزراء الإسرائيلي القادم إذا ما انهارت حكومة اليمين المتطرف برئاسة نتنياهو.

ويتطرق ياغي إلى الوضع الإسرائيلي الداخلي، حيث يشير إلى الانقسامات الحادة داخل المجتمع الإسرائيلي، خاصة بين مؤيدي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أي في داخل كتلة اليمين نفسها وليس فقط مع معارضيه، مؤكداً أن هذه الانقسامات تعكس فشل الرؤية الإسرائيلية في تحقيق أهدافها، سواء في غزة أو الضفة الغربية، لافتاً إلى أن المجتمع الدولي عليه ان لا يتعاطى مع الرؤية الإسرائيلية الحالية التي تؤجج الصراع، بل عليه فرض قرارات الشرعية الدولية على إسرائيل وإلزامها بتطبيقها.

وفيما يتعلق بالوضع الفلسطيني، يدعو ياغي إلى إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية لتجديد الشرعية الفلسطينية، مؤكداً أن الإرادة الحقيقية هي للشعب الفلسطيني، الذي يجب أن يكون له الدور الأساسي في تقرير مصيره، ومشدداً في الوقت ذاته على ضرورة أن تبدأ السلطة الفلسطينية بالتحضير لانتخابات تشريعية ورئاسية، مع الضغط على المجتمع الدولي لضمان إجرائها بحيث تشمل كل الجغرافيا الفلسطينية في الأرض التي احتلت عام 1967.

ويشير ياغي إلى أن الحلول النهائية للقضية الفلسطينية تبقى صعبة في ظل الوضع الحالي، لكنه يؤكد أن الحوار لتحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية من أهم العناصر التي ستدفع المجتمع الدولي للعمل على تطبيق قرارات الشرعية الدولية.

خطوة مهمة نحو إنهاء الخلافات الداخلية

يؤكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت د. سعد نمر أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه يمثل خطوة مهمة نحو إنهاء الخلافات الداخلية، خاصة في ظل توقف الحرب على قطاع غزة، مشيراً إلى أن السلطة تسعى الآن إلى المشاركة في إدارة قطاع غزة، لكن هذه المشاركة لن تتم دون موافقة القوى الوطنية والمقاومة في القطاع، وعلى رأسها حركة حماس.

ويعتبر نمر أن هذا الوضع سيضطر السلطة وحركة فتح إلى الذهاب باتجاه حل الخلافات الداخلية، معرباً عن أمله في أن يتم ذلك قريباً. 

ويؤكد نمر ضرورة أن يكون هناك ضغط شعبي على جميع الأطراف للدخول في اتفاقات تهدف إلى إنهاء مرحلة الانقسام وفتح صفحة جديدة، خاصة في ظل التهديدات الإسرائيلية المستمرة ليس فقط على غزة، بل أيضاً على الضفة الغربية.

ويؤكد نمر أن المطلوب الآن ليس فقط تعزيز الاتفاق الجزئي في جنين، بل الذهاب نحو تفاهمات شاملة تشمل كل الوضع الفلسطيني، مشيراً إلى أن التفرد الحالي في صنع القرار لا يساعد في مواجهة عدوان الاحتلال الإسرائيلي، خاصة في الضفة الغربية خلال الفترة المقبلة.

ويدعو نمر إلى التوجه نحو وحدة وطنية حقيقية، معتبراً أن ذلك سينهي الصراعات الثانوية والجانبية وسيؤسس لمرحلة جديدة يتم فيها وضع استراتيجيات واضحة لتحقيق الأهداف الفلسطينية. 

ويؤكد نمر أن تجميع كل القوى الفلسطينية تحت مظلة واحدة هو أمر بالغ الأهمية، مشيراً إلى أن الموضوع ليس مجرد تقاسم وظيفي بين الضفة وغزة او بين فصيل أو آخر، بل هو موضوع استراتيجي يتعلق بكيفية مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

ويشير إلى أن الفلسطينيين لم يقوموا بمراجعة حقيقية لطبيعة استراتيجياتهم منذ اتفاق أوسلو، مؤكداً أن أوسلو فشل بشكل كبير بسبب إفشال إسرائيل له، موضحاً أن إسرائيل لا تريد إقامة دولة فلسطينية بأي شكل من الأشكال، مما يتطلب من الفلسطينيين إعادة ترتيب بيتهم الداخلي ووضع استراتيجيات واضحة للتعامل مع المرحلة المقبلة.

ويؤكد نمر أن المرحلة المقبلة تتطلب وضع استراتيجية فلسطينية واضحة للتعامل مع التحديات التي تواجهها القضية الفلسطينية، معتبراً أن ذلك هو الطريق الوحيد لتحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية.