
وتخشى أجهزة أمن الاحتلال أن يعمد نشطاء اليمين المتطرف إلى رفض أي تغييرات سياسية محتملة في الحكومة، مما يدفعهم لتسريع وتيرة الاعتداءات الميدانية. ويهدف المستوطنون من خلال هذه التحركات إلى استباق أي قرارات قد تصدر عن حكومة جديدة تتعلق بإخلاء البؤر العشوائية أو المزارع الرعوية التي أقيمت بشكل غير قانوني. وتعتبر هذه الخطوات محاولة لترسيخ الوجود الاستيطاني ومنع أي تراجع عنه في المستقبل.
وقد جرت مداولات أمنية مشتركة ضمت جيش الاحتلال وجهاز الأمن العام (الشاباك) والشرطة لبحث هذه التهديدات المتصاعدة في الضفة الغربية. ورغم خطورة المرحلة والتحذيرات المطروحة، إلا أن الاجتماعات انتهت دون اتخاذ أي قرارات جوهرية أو إجراءات عملية على الأرض. ويعكس هذا التعثر غياب الرؤية الواضحة لدى سلطات الاحتلال في التعامل مع تنامي نفوذ جماعات المستوطنين المتطرفة.
وأقرت مصادر أمنية مطلعة بفقدان السيطرة الميدانية في مواجهة اعتداءات المستوطنين، مؤكدة أن القوات باتت تكتفي بملاحقة الأحداث بعد وقوعها. ووصف مصدر أمني الادعاءات بوجود سيطرة على الوضع بأنها كاذبة، مشيراً إلى أن المعضلة الحقيقية تكمن في غياب الإرادة لاستعادة زمام الأمور. ويتحرك المستوطنون في مواقع متعددة في آن واحد، مما يشتت جهود القوات الميدانية ويجعلها عاجزة عن منع الهجمات.
وفي سياق متصل، عقدت قيادات رفيعة في جيش الاحتلال اجتماعاً أمنياً موسعاً لمناقشة ملف اعتداءات المستوطنين وتداعياتها على الاستقرار في المنطقة. وانتهى الاجتماع الذي ترأسه مسؤولون عسكريون كبار دون الخروج بتوصيات جديدة ذات مغزى لمواجهة هذا التصعيد. وأبدى الحاضرون قلقهم من استمرار وتيرة العنف المتصاعد الذي يستهدف القرى والبلدات الفلسطينية بشكل يومي.

ووجه مسؤولون في قيادة جيش الاحتلال انتقادات حادة لغياب التنسيق مع المستوى السياسي، مشيرين إلى عدم حضور ممثلين عن رئاسة الوزراء ووزارة الدفاع. وأكد هؤلاء المسؤولون أن خطورة الموقف تتطلب تدخلاً مباشراً من القيادة السياسية لتوفير الغطاء اللازم للتحركات الميدانية. ويرى قادة عسكريون أن غياب التوجيهات السياسية الواضحة يساهم في تفاقم الأوضاع ويزيد من جرأة المستوطنين على ارتكاب المزيد من الجرائم.
وتشير البيانات الرسمية والأممية لعام 2026 إلى تسجيل آلاف الاعتداءات التي نفذها المستوطنون بحماية مباشرة من قوات الاحتلال في مختلف مناطق الضفة. وقد شهدت هذه الاعتداءات تصاعداً غير مسبوق، حيث يتم استهداف المزارعين الفلسطينيين وممتلكاتهم بشكل ممنهج. وتوفر قوات الاحتلال في كثير من الأحيان الغطاء الأمني للمستوطنين أثناء تنفيذ هجماتهم على القرى الفلسطينية.
ويبرز موسم قطاف الزيتون كأحد أكثر الفترات التي تشهد اعتداءات وحشية، حيث يتعرض المزارعون للتنكيل وتسرق محاصيلهم وتُقطع أشجارهم. ووثقت جهات فلسطينية رسمية مئات الاعتداءات خلال شهر أكتوبر الجاري، شملت تخريب المعدات الزراعية ومنع المواطنين من الوصول إلى أراضيهم. وتشارك قوات الاحتلال بفعالية في هذه التضييقات عبر إغلاق الطرق وفرض الحصار على المناطق الزراعية.
وأفادت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بتوثيق أكثر من 400 اعتداء خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من شهر أكتوبر، نفذ المستوطنون الجزء الأكبر منها. وتنوعت هذه الاعتداءات بين الضرب المبرح للمزارعين وإطلاق النار وحرق الأشجار المعمرة في القرى المحاذية للمستوطنات. كما قامت قوات الاحتلال بتنفيذ عشرات المداهمات التي استهدفت تعطيل عملية القطف ومصادرة الأدوات الزراعية من أصحاب الأرض.
ويبقى المشهد في الضفة الغربية المحتلة مفتوحاً على احتمالات التصعيد في ظل التحريض المستمر من قادة اليمين المتطرف ودعمهم المطلق للمستوطنين. ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى انفجار الأوضاع بشكل شامل، خاصة مع غياب أي رادع قانوني أو أمني للمعتدين. وتظل القرى الفلسطينية في مواجهة مباشرة مع إرهاب المستوطنين الذي يحظى برعاية رسمية من سلطات الاحتلال.

