د. دلال صائب عريقات
يوم جديد
في أسبوع فلسطين للتصميم، لم أقف أمام أعمال فنية فحسب؛ وقفت أمام طرق مختلفة لقول ما يصعب على الخطاب السياسي أن يقوله. صورة جواز سفر فلسطيني تحاصره الأسلاك الشائكة تختصر معنى أن تتحوّل حرية الحركة إلى امتياز يُحرم منه الإنسان. وخيط يعبر إطارًا فارغًا يكشف، في عمل راما قزمار «الأرشيف المرئي النفسي»، كيف تنتقل الذاكرة والألم من جيل إلى آخر. أما في «أبعاد متشابكة» لنورا عابدين، فلا يعود الثوب الفلسطيني قطعة لباس؛ يصبح أرشيفًا حيًا، تنسج فيه النساء المعرفة والهوية وحكايات العائلة والوطن.
انطلق أسبوع فلسطين للتصميم من رؤية تعتبر ما يُنتَج في فلسطين ممارسةً ثقافية واجتماعية متجذّرة في الحياة اليومية: في الحِرَف، والمواد، والبيوت، وورش العمل، والذاكرة الجماعية، قبل أن تُصنَّف تحت مسمّى «التصميم».
تستكشف وانت تتجول كيف تستمر المعرفة عبر الممارسة بروح فلسطينية، وكيف يعيد المصممون والحرفيون والفنانون تشكيل المواد وطرق الإنتاج في ظل القيود، وكيف تتحول الحلول اليومية والابتكارات الصغيرة إلى أشكال واعية من التصميم. كما تطرح أسئلة حول من يُعرَّف بأنه مصمم، وما الذي يُعترف به بوصفه تصميمًا، ومن هم الذين جرى تهميش معارفهم وممارساتهم ضمن التصنيفات التي شكّلها تاريخ التصميم الحديث. يحمل البرنامج تعددية فلسطين، ويمنح مساحة للحرفيين والفنانين والمصممين لمساءلة شروط الإنتاج والعرض والعمل: ما الذي نرثه؟ ما الذي نعيد تشكيله؟ وما الذي نتركه لمن سيأتي بعدنا؟
فهذه ثقافة تصميم لا تنتظر إذنًا. لهذا أؤمن بأن الفن دبلوماسية. فالعمل الإبداعي يصل إلى قلب من قد لا يقرأ بيانًا سياسيًا، ويضعه أمام أسئلة لا يستطيع تجاهلها. لكنه يصل أيضًا إلى العقل: يدعوه إلى فهم القيود التي نعيشها، والحقوق التي نطالب بها، والتاريخ الذي نحمله معنا. هذه هي قوة الدبلوماسية العامة الفلسطينية حين تنطلق من أصحاب الحكاية أنفسهم.
واللافت في هذه الأعمال دور النساء في صياغة الرواية، لا في حفظها وحده. فالتطريز والخيط والصورة أدوات تفكير وتعبير؛ تحمل ما ورثناه، وتسأل عمّا سنتركه لمن يأتون بعدنا. هنا تظهر فلسطين بموهبتها وخيالها ومثابرتها، وبإصرار أهلها على أن يصنعوا المعنى وسط واقع يسعى إلى تقييد حتى تفاصيل حياتهم اليومية.
أسماء عديدة لفنانات وفنانين فلسطينيين شاركوا في أسبوع فلسطين للتصميم، جهد يستحق التقدير والمتابعة والبناء، ها هم شباب وصبايا فلسطين يسخرون مواهبهم وادواتهم في تصميم الرواية وحفظ التراث بأدوات وعقول وأيادٍ فلسطينية.
جاء شعار الدورة الأولى، «دون إذن»، دقيقًا وقويًا. لا نحتاج إلى إذن لنصمّم، ولا لنروي قصتنا بلغتنا، ولا لنجعل حقنا في الحرية مرئيًا للعالم. وكل التقدير لمدير الأسبوع شادي أبو بكر، وللفريق القيّمي دورين توتيكيان وأحمد جبران وعز الجعبري وأسماء المزين، وللفنانات والفنانين وكل من عمل على تقديم هذه المساحة. لقد منحوا أعمالًا متعددة فرصة أن تتحاور، وأن تقول للعالم شيئًا واحدًا بوضوح: فلسطين تملك صوتها، وتملك القدرة على تخيّل مستقبلها. دون إذن!

