You are currently viewing <a href="https://alquds.com/ar/posts/255827">العالم الافتراضي أقل ألمًا من الواقعي</a>

العالم الافتراضي أقل ألمًا من الواقعي

العربية فارسی كوردی‎ עִבְרִית Türkçe Français Deutsch Italiano Español English
شبكة فرح الاعلامية:


صدقي أبو ضهير: باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي

أصبح العالم الافتراضي جزءًا أساسيًا من حياتنا، لكن علاقتنا به لم تعد مرتبطة بالتكنولوجيا وحدها، فربما نذهب إليه أحيانًا لأن الواقع أصبح أثقل مما نحتمل، ولأن الإنسان بطبيعته يبحث عن المساحة الأقل ألمًا والأكثر قدرة على منحه شيئًا من الراحة. في الواقع هناك خسارات لا يمكن حذفها، وكلمات لا نستطيع استعادتها بعد أن تُقال، وأشخاص نفقدهم، وأماكن نشتاق إليها ولا نستطيع الوصول إليها، وأزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية لا يمكن تجاوزها بمجرد قرار، بينما يمنحنا العالم الافتراضي إحساسًا مختلفًا بالسيطرة؛ نستطيع أن نغادر نقاشًا لا يعجبنا، ونلغي متابعة شخص يزعجنا، ونتجاوز محتوى لا نريده بحركة إصبع واحدة، ونختار إلى حد كبير ما نريد أن نراه ومن نريد أن نسمعه وكيف نريد أن نظهر أمام الآخرين.

الحياة الواقعية لا تعمل بهذه الطريقة، فلا يوجد فيها زر للحذف ولا خاصية لتجاوز الأيام الصعبة، ولا نستطيع أن نعمل Block للقلق أو Skip للأزمات، ولهذا ربما أصبحت الشاشة بالنسبة لكثيرين أكثر من وسيلة اتصال، وتحولت إلى مساحة نفسية واجتماعية بديلة يجد فيها الإنسان ما يفتقده أحيانًا في حياته اليومية. قد يكون وحيدًا في الواقع ولديه آلاف المتابعين على الإنترنت، وقد يكون مهمومًا لكنه ينشر صورة مبتسمًا، وقد يعيش في مكان محدود الحركة والفرص بينما يستطيع هاتفه أن ينقله خلال دقائق إلى مدن وثقافات وتجارب بعيدة عنه آلاف الكيلومترات. لقد أصبحت المسافة بين ما نعيشه فعليًا وما نستطيع مشاهدته وتجربته رقميًا أكبر من أي وقت مضى.

الخوارزميات بدورها تفهم هذه الحاجة جيدًا، فهي تتعلم باستمرار ما يجذب انتباهنا وما يجعلنا نضحك أو نغضب أو نخاف أو نبقى وقتًا أطول أمام الشاشة، ثم تقدم لنا المزيد منه. ومع مرور الوقت لا نعود جميعًا نعيش الإنترنت نفسه، بل يبدأ كل واحد منا تقريبًا في العيش داخل عالم رقمي صُمم تدريجيًا حول اهتماماته ورغباته ومخاوفه. وهنا تكمن المفارقة، فالعالم الافتراضي الذي نلجأ إليه أحيانًا هربًا من ألم الواقع يستطيع هو نفسه أن يصنع ألمًا من نوع آخر، لأننا نبدأ بمقارنة حياتنا الكاملة بلحظات منتقاة من حياة الآخرين، ونقارن أيامنا العادية بأفضل صورهم، ومشكلاتنا بنجاحاتهم المنشورة، وبداياتنا بنتائجهم النهائية، وننسى أن ما يظهر أمامنا ليس الحياة كلها وإنما الجزء الذي قرر الآخر أن يعرضه منها.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى حياتنا، تصبح الحدود بين العالمين أكثر تعقيدًا. لم تعد المسألة صورة محسنة أو فلترًا يخفي بعض العيوب، بل أصبح بالإمكان إنتاج أشخاص وأصوات وأماكن ومشاهد تبدو حقيقية رغم أنها لم توجد أصلًا، وربما نحن في بداية مرحلة لن يكون فيها العالم الافتراضي مجرد انعكاس للواقع، وإنما عالمًا موازيًا يمكن للإنسان أن يصنع داخله النسخة التي يريدها من نفسه ومن حياته. وهنا يظهر سؤال يستحق التفكير: ماذا سيحدث عندما يصبح العالم الذي نستطيع تصميمه لأنفسنا أكثر راحة من العالم الذي نعيش فيه فعلًا؟

ربما لن تكون المشكلة مستقبلًا في عدد الساعات التي يقضيها الإنسان أمام الشاشة، بل في الأسباب التي تجعله يفضل البقاء فيها. فإذا وجد التقدير في إعجاب، والاهتمام في إشعار، والانتماء داخل مجموعة رقمية، والمتعة في فيديو قصير، والهروب داخل لعبة، والعمل عبر منصة، وحتى الحديث مع الذكاء الاصطناعي أكثر سهولة من الحديث مع بعض البشر، فمن الطبيعي أن يحتل العالم الافتراضي مساحة أكبر من حياته. فالإنسان لا يبحث دائمًا عن التكنولوجيا لذاتها، وإنما يبحث عما تمنحه له من شعور أو فرصة أو تعويض عن شيء يفتقده في الواقع.

لكن العالم الافتراضي، مهما أصبح متطورًا، لا يستطيع أن يكون بديلًا كاملًا للحياة. يمكنه أن يمنحنا المعرفة والعمل والفرص والعلاقات ومساحة للتعبير، ويمكن أن يخفف عنا قسوة بعض الأيام، لكنه لا يستطيع أن يحل بصورة كاملة محل العلاقة الإنسانية الحقيقية والانتماء والمكان والتجربة والإنجاز الذي نعيشه ونلمسه. لذلك فإن المشكلة ليست في وجود عالم افتراضي جميل أو مريح، بل تبدأ عندما يصبح أقل ألمًا من الواقعي إلى درجة أن نفضله عليه.

وعندها ربما يكون من الخطأ أن نحصر النقاش في سؤال: لماذا يقضي الناس كل هذا الوقت على هواتفهم؟ فالسؤال الأعمق هو: ما الذي أصبح مؤلمًا إلى هذا الحد في واقعهم حتى وجدوا داخل شاشة صغيرة عالمًا أرحم منه؟ هذا السؤال لا يتعلق بشركات التكنولوجيا والخوارزميات وحدها، بل بالمجتمع والأسرة والتعليم والاقتصاد والسياسة وكل من يشارك بطريقة أو بأخرى في صناعة الواقع الذي يعيش فيه الإنسان.

فالناس لا تهرب دائمًا إلى العالم الافتراضي لأنها أدمنته، بل ربما لأنها وجدت فيه ما أصبح نادرًا في الواقع: مساحة تستطيع فيها أن تحلم. وربما تكون أخطر لحظة نصل إليها ليست عندما يصبح العالم الافتراضي أكثر واقعية، وإنما عندما يصبح الواقع نفسه أقل احتمالًا منه.

اطبع هذا المقال