1

سهل البقيعة…استهداف متصاعد ضمن سياسة ممنهجة لتفريغ المنطقة

يتعرض سهل البقيعة تحديداً ومناطق الأغوار الفلسطينية بشكل عام لاستهداف متصاعد من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين، يطول الأراضي الزراعية ومصادر المياه والطرق والثروة الحيوانية، وسط إجراءات متصاعدة تقيّد وصول المزارعين إلى أراضيهم وتلحق أضراراً مباشرة بالمحاصيل والمنشآت الزراعية، ما يهدد تلك الأراضي بما فيها من مزروعات تشكل “سلة فلسطين الغذائية”.
ويحذر مزارعون ومستثمرون زراعيون في سهل البقيعة والأغوار، في أحاديث منفصلة مع “ے”، من أن استمرار هذه الإجراءات يهدد المنطقة التي تشكل جزءاً أساسياً من سلة الغذاء الفلسطينية، ويدفع تدريجياً نحو إضعاف النشاط الزراعي ومصادر رزق آلاف العائلات.
وتتخذ الأزمة أبعاداً اقتصادية وإنسانية متزايدة، مع تدمير شبكات المياه والآبار، وتجريف الأراضي والمزروعات، وشق طرق عسكرية تقطع أوصال المساحات الزراعية، إلى جانب ارتفاع كلفة نقل المياه وصعوبة وصول العمال والمعدات، بل وتعطيش الأهالي وحتى المواشي.
ويؤكد المزارعون أن انقطاع المياه لفترات طويلة أدى إلى تلف محاصيل العنب والخضروات والموز والزيتون، فيما انعكس نقص المياه كذلك على الثروة الحيوانية، وتسبب في خسائر متراكمة ووقف فرص عمل مرتبطة بالقطاع الزراعي.
وفي ظل هذه الظروف، يخشى المزارعون من أن يؤدي تراجع الإنتاج الزراعي إلى نقص المنتجات في الأسواق الفلسطينية وارتفاع أسعارها وزيادة الاعتماد على الاستيراد، بما يفاقم الخسائر الاقتصادية ويضعف الوجود الفلسطيني في الأغوار.
ويؤكدون أن الصمود في سهل البقيعة لا يرتبط بالحفاظ على مصدر رزق فحسب، بل بالحفاظ على الأرض واستمرار زراعتها، محذرين من أن استمرار قطع الطرق والمياه والاعتداء على المزارعين والمنشآت قد يحوّل الضغط على القطاع الزراعي إلى عامل يدفع السكان تدريجياً إلى الرحيل.

سياسة ممنهجة

يؤكد رجل الأعمال والمستثمر الزراعي موفق دراغمة أن ما يجري في سهل البقيعة بشكل خاص والأغوار الفلسطينية عموماً ليس إجراءات عشوائية أو مؤقتة، وإنما سياسة ممنهجة تستهدف تفريغ المنطقة من سكانها الفلسطينيين، وفرض السيطرة الكاملة على الأرض والمياه والموارد الطبيعية، محذراً من أن استمرار هذه الإجراءات يهدد سلة الغذاء الفلسطينية ويضعف قدرة المزارعين على الصمود والإنتاج.
ويوضح أن مصادرة الأراضي، وشق الطرق العسكرية والاستيطانية، وهدم آبار المياه، وتدمير شبكات الري، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، تشكل أدوات لخنق الزراعة الفلسطينية وقطع مصادر رزق الأهالي، بما يدفع نحو الرحيل القسري عن المنطقة.
ويؤكد دراغمة أن تعطيل القطاع الزراعي يؤدي إلى توقف مئات فرص العمل وحرمان مئات العائلات، بل آلاف العائلات في الأغوار، من مصادر دخلها، الأمر الذي ينعكس مباشرة على الإنتاج الزراعي المحلي.
ويشير إلى أن خروج الشركات والمشاريع الزراعية عن العمل سيؤدي إلى نقص الخضروات والفواكه في الأسواق الفلسطينية وارتفاع أسعارها بصورة كبيرة، فضلاً عن زيادة الاعتماد على الاستيراد من الخارج أو من الجانب الآخر، معتبراً أن ذلك لا يمثل ضرراً اقتصادياً فقط، بل يساهم في فرض وقائع جديدة على الأرض تجعل السيطرة على الأغوار أمراً واقعاً.
ويؤكد دراغمة أن الصراع في الأغوار هو في جوهره صراع على الأرض والجغرافيا، وأن المزارع الفلسطيني من خلال زراعته للأرض يؤدي دوراً أساسياً في تثبيت الوجود الفلسطيني ومنع تمدد المستوطنات والكيبوتسات الزراعية إلى الأراضي الفلسطينية. ويشدد دراغمة على أن القضية تتجاوز معركة الصمود الزراعي لتصبح معركة بقاء مرتبطة بمستقبل الأرض والدولة الفلسطينية.
وفي ما يتعلق بالمعاناة اليومية للمزارعين في سهل البقيعة والأغوار، يؤكد دراغمة أنهم يعيشون ظروفاً قاسية منذ سنوات طويلة، إلا أن الهجمة تصاعدت في الفترة الأخيرة، مستهدفة المنطقة التي هي “البوابة الشرقية لفلسطين” ومصدراً أساسياً لسلة الغذاء الفلسطينية.
ويبيّن أن المزارعين يواجهون إغلاق الطرق ومنع الوصول إلى الأراضي، وتدمير شبكات المياه ومصادرة معدات الآبار، فيما تتعرض المحاصيل للتلف نتيجة انقطاع الري، إلى جانب الاعتداءات اليومية وأعمال الترهيب التي يتعرض لها المزارعون والعمال من قوات الاحتلال والمستوطنين.
ويؤكد دراغمة أن تدمير الآبار وخطوط المياه يتسبب في تلف آلاف الدونمات المزروعة باستثمارات كبيرة، تشمل الموز والعنب والخضروات والفواكه، ويؤدي إلى تراكم الديون والالتزامات البنكية وتعذر دفع أجور العمال ورواتبهم، ما يضاعف الخسائر التي يتحملها المستثمر والمزارع.
ويشدد دراغمة على أن حماية المزارعين والآبار والمشاريع الزراعية في الأغوار قضية وطنية واقتصادية وإنسانية، لأنها ترتبط بحماية الأرض وتعزيز صمود الفلسطينيين فيها، مستذكراً موقفاً طرحه في مقابلة صحفية مع جريدة “القدس”، عام 2017، أكد فيه أن “الطريق إلى القدس تبدأ من الأغوار الفلسطينية”، وأن أهمية الأغوار الجغرافية لا تقل عن أهمية القدس، محذراً من أن السيطرة عليها تعني إنهاء حلم الدولة الفلسطينية.

أضرار واسعة للأراضي الزراعية

يؤكد المزارع لطفي بني عودة (65 عامًا)، من مزارعي الأغوار، أن أعمال شق الجدار والطريق العسكري الجديد في منطقة الأغوار وسهل البقيعة تسببت بأضرار واسعة للأراضي الزراعية ومصادر المياه وسبل عيش المزارعين ومربي الثروة الحيوانية، مشدداً على أن الإجراءات المتخذة تهدد الوجود الزراعي الفلسطيني في المنطقة، وتنذر بفقدان “سلة غذاء فلسطين”.
بني عودة يعمل في تربية الثروة الحيوانية منذ نحو 45 عامًا، ويملك نحو 7150 رأسًا من الأغنام، إلى جانب أراضٍ زراعية تبلغ المساحة التي يقيم فيها حاليًا نحو 35 إلى 40 دونمًا، يزرع فيها الزيتون والبطاطا والكمون والشعير، فيما جُرفت أجزاء من أرضه التي كانت مزروعة بأشجار الزيتون بسبب مرور الجدار فيها.
ويؤكد بني عودة أن أعمال شق الجدار، التي بدأت في السادس من مارس/آذار الماضي، تأتي ضمن ما يُقال إنه “خط عسكري” يربط منطقة عين شبلي باتجاه تياسير، وصولًا إلى منطقة أخرى شمالًا، موضحًا أن الأعمال شملت حفر خنادق بواسطة الآليات الثقيلة وشق مسار بعرض يقارب 50 مترًا، بواقع 25 مترًا من كل جانب.
ويوضح بني عودة أن هذا المسار دمّر الأراضي والمزروعات الواقعة في طريقه، بما فيها أشجار الزيتون والبيوت الزراعية والمحاصيل المختلفة، كما أدى إلى تقسيم الأراضي وفصل أجزاء منها عن بعضها، ما جعل وصول المزارعين إلى أراضيهم أكثر صعوبة.
ويشير بني عودة إلى أن الأعمال وصلت إلى مسافة تقترب من سهل طوباس، ولم يتبقَّ سوى نحو كيلومتر واحد للوصول إلى المنطقة، فيما يجري تجهيز الطريق وتعبيده بالبسكورس والزفتة.

أزمة المياه تمثل الجانب الأكثر قسوة

ويؤكد بني عودة أن أزمة المياه تمثل الجانب الأكثر قسوة في معاناة السكان والمزارعين، موضحًا أن المياه انقطعت عن المزارع لنحو 35 يومًا، ما أدى إلى جفاف أجزاء من المزروعات وتضرر كروم العنب والأعشاب الطبية والمحاصيل، في وقت يعاني فيه مربو الأغنام من نقص حاد في المياه.
ويبيّن بني عودة أن المزارعين يضطرون إلى نقل المياه بواسطة الجرارات، التي تحمل كميات غير كافية يوميًا، مشيرًا إلى ارتفاع تكلفة المياه بشكل كبير، إذ ارتفع سعر الكوب من نحو 4 شواكل سابقًا إلى نحو 18 شيكلًا، ما يضيف أعباء مالية كبيرة على المزارعين.
ويلفت بني عودة إلى أن نحو 15 مزارعًا في المنطقة الشرقية من سهل البقيعة المتأثرة بالجدار يواجهون ظروفًا صعبة، في ظل صعوبة وصول الجرارات والمعدات إليهم، وعدم توفر بنية مائية تساعدهم على تجاوز الأزمة.
ويؤكد بني عودة أن محاولات الحصول على أنابيب وشبكات مياه من وزارة الزراعة ومؤسسة GIZ لم تؤدِّ إلى حل المشكلة، رغم المناشدات التي قدمها المزارعون.
ويشير بني عودة إلى أن نقص المياه انعكس كذلك على الثروة الحيوانية، متحدثًا عن نفوق مواليد صغيرة وتضرر الأغنام بسبب العطش، مؤكدًا أن توفير الأعلاف، رغم صعوبته، يبقى أقل خطورة من انقطاع المياه، خصوصًا خلال فصل الصيف.
وتتضاعف المعاناة، وفق بني عودة، مع صعوبة التنقل والوصول إلى الأراضي الواقعة على الجانب الآخر من الجدار؛ إذ يضطر أحيانًا إلى حمل احتياجات المنزل على ظهره والسير مسافة تقارب نصف كيلومتر بعيدًا عن الجدار، قبل الاتصال بأحد أبنائه أو العاملين معه لإحضار جرار ونقل الأغراض.
ويشير بني عودة إلى أن الإجراءات الإسرائيلية طاولت كذلك حركة السكان والتعليم، مع بدء العام الدراسي، إذ اعتاد الأهالي نقل أبنائهم إلى المدارس بالسيارات، بينما باتت الحركة أكثر تعقيدًا بسبب إغلاق الطرق.
ويؤكد بني عودة أنه تعرض قبل أيام لاقتحام ليلي من نحو 15 مستوطنًا برفقة جنود ومجندات الاحتلال، حيث طُلبت هويات الموجودين وفُتشت هواتفهم، موضحاً أنه تم تهديده بإمكانية تجريف مساكنه ومنشآته.
ويوضح بني عودة أنه يعيش في المنطقة منذ 45 عامًا، وأن عائلته تضم نحو 19 فردًا، ويقيم في بيت متنقل (كرفان)، فيما يستخدم أبناؤه مساكن ومنشآت بسيطة أقاموها على أرضه.
ويحذر بني عودة من أن استمرار هذه الإجراءات سيؤدي إلى تدمير النشاط الزراعي وفقدان العمالة المرتبطة به، مشيرًا إلى أن آلاف العمال كانوا يعملون في زراعة البطاطا والبصل والعنب، بينما لم يعد النشاط الزراعي قادرًا على استيعابهم، معتبرًا أن استمرار قطع الطرق والمياه وتدمير الأراضي يعني عمليًا خسارة جزء أساسي من “سلة غذاء فلسطين”.

مصادرة نحو 90% من الأراضي الزراعية

يؤكد المزارع وعضو مجلس قروي عاطوف ضرغام بشارات أن سهل البقيعة ومنطقة عاطوف والرأس الأحمر تشهد استهدافًا إسرائيليًا واسعًا طال الأراضي الزراعية والمياه والثروة الحيوانية وسبل عيش السكان، موضحاً أن الشارع العسكري الذي أقامه الاحتلال أدى إلى مصادرة نحو 90% من الأراضي الزراعية، التي كانت تمثل جزءًا أساسيًا من سلة الغذاء الفلسطينية.
ويوضح بشارات أن عاطوف والرأس الأحمر تعتمد مناطقها على الثروة الحيوانية والإنتاج النباتي، مشيرًا إلى أن النهضة الزراعية التي شهدتها المنطقة جعلتها قادرة على تحقيق قدر كبير من الاكتفاء الذاتي لفلسطين، بفضل خصوبة أراضيها وكميات إنتاجها وأساليب الزراعة المتقدمة المستخدمة فيها.
ويشير بشارات إلى أن منتجات المنطقة كانت تُصدّر في السابق إلى أوروبا، وكانت تتميز بجودة عالية تنافس المنتجات الأوروبية، مؤكداً أن الشارع العسكري الجديد فصل المنطقة وألحق أضرارًا واسعة بالأراضي والمزروعات، فيما ينفذ المستوطنون، بحماية الجيش الإسرائيلي، اعتداءات متكررة على السكان وممتلكاتهم، ما قوض الإنتاج وكبد المزارعين خسائر كبيرة.

47 عائلة  تعاني صعوبة الوصول للخدمات الأساسية

وبحسب بشارات، فإن 47 عائلة من أصحاب المواشي تعاني صعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك المستشفيات، حتى إن نساءً اضطررن إلى الولادة عند الحواجز بسبب عدم تمكنهن من الوصول إلى المرافق الصحية.
ووفق بشارات، فإن الاحتلال يعيق وصول المياه إلى المزارعين، الذين يضطرون إلى نقلها بالجرارات عبر الطرق الجبلية، قبل أن يعمد المستوطنون إلى اعتراض الجرارات وإلقاء خزانات المياه منها ومصادرتها، كما تُصادر السيارات وتبقى محتجزة لأشهر، قبل الإفراج عنها بعد التنسيق ودفع غرامات تصل إلى نحو 7 آلاف شيكل، فضلًا عن توقيع تعهد بمنع الآلية من دخول المنطقة لمدة عامين.
ويؤكد أن الاستهداف يطال مختلف مقومات الحياة، من الأشجار والمزروعات والمنشآت إلى خطوط المياه، موضحًا أن الجرافات تقطع شبكات المياه وتدمرها، فيما يعمد المستوطنون إلى تخريبها حتى بعد الحصول على تنسيق لإصلاحها.
ويعتبر بشارات أن الهدف من هذه الإجراءات هو التهجير القسري والسيطرة على الأرض، خصوصًا في ظل خصوبة المنطقة وأهميتها الزراعية.
ويبيّن بشارات أن آلاف الدونمات تضررت، بينها مساحات واسعة مزروعة بالعنب والموز، موضحًا أن تدمير كرمة العنب لا يعني خسارة موسم واحد، لأن شجرة العنب تحتاج إلى عشر سنوات حتى تعطي إنتاجها مجدداً.

تضرر زراعة الموز

ويشير بشارات إلى تضرر زراعة الموز، التي تتطلب كلفة مرتفعة، لافتًا إلى أن بعض المزارعين لم يتمكنوا من إيصال المياه إلى مزارعهم لمدة 23 يومًا، ما أدى إلى إغلاق بعضها.
وعن معاناته الشخصية، يوضح بشارات أنه لم يتمكن منذ شهر من الوصول إلى نحو 400 دونم من أراضيه لزراعتها أو رعاية العنب فيها، كما جرى تخريب نحو ثلاثة كيلومترات من أنابيب المياه، فيما تضررت محاصيل الشمام والخيار والبندورة والبازيلاء والبطاطا والبصل.
ويشدد بشارات على أن السكان، رغم هذه الظروف، ما زالوا متمسكين بأرضهم، وأن من غادروا المنطقة يمثلون نسبة ضئيلة، بينما يواصل الباقون الصمود رغم الاعتداءات اليومية والتهديد والضرب، مؤكدًا أن السكان يعيشون في بركسات وخيام بسبب منع الاحتلال البناء، وأن الهدف الأساسي من الإجراءات الإسرائيلية هو السيطرة على الأرض وتهجير الفلسطينيين منها.

إجراءات الاحتلال تسير بصورة تدريجية

يؤكد المزارع صالح حمدان أن ما يجري في سهل البقيعة والأغوار من مصادرة للأراضي وشق طرق وتخريب للآبار وشبكات المياه والاعتداءات المتكررة على المزارعين والثروة الحيوانية، ألحق أضراراً واسعة بالقطاع الزراعي ومصادر رزق السكان، معتبراً أن الإجراءات المتواصلة تسير بصورة تدريجية بهدف دفع الأهالي إلى الرحيل عن أراضيهم.
ويوضح حمدان أن الأضرار طاولت الآبار وشبكات المياه التي تعتمد عليها مختلف الزراعات في المنطقة، وبينها العنب والزيتون والخضروات، مؤكداً أن الزراعة لديه تضررت بصورة شبه كاملة.
ويؤكد حمدان أن محصول العنب الخاص به بقي من دون مياه لنحو أربعة أشهر، فيما تعذر عليه الوصول إلى أراضي الزيتون، ما أدى إلى عطش الأشجار وتراجع الإنتاج وضياع المحاصيل.
ويشير إلى أن الاعتداءات والمضايقات طاولت كذلك الثروة الحيوانية، موضحاً أنه كان يمتلك نحو 40 رأساً من الأغنام، واضطر إلى بيعها بسبب المضايقات، بعدما كان يربيها في المنزل وليس بغرض التجارة.
 المستوطنون كانوا، بحسب حمدان، يعتدون على الأغنام ويضايقون السكان في المنطقة، ما جعل الاستمرار في تربية المواشي أمراً بالغ الصعوبة.
ويؤكد حمدان أنه يملك أراضي مصنفة ضمن المناطق “ب” و”ج”، ويعمل في الزراعة ويشغّل نحو 30 عاملاً بصورة يومية، إلا أن هؤلاء العمال توقفوا عن العمل بسبب الاعتداءات وعدم القدرة على الوصول إلى الأراضي. ويوضح حمدان أنه لم يتمكن من الوصول إلى أراضيه منذ نحو ثلاثة أشهر، فيما تتراوح مساحة الأراضي التي يملكها نحو 250 دونماً، وهي مزروعة بالزيتون والعنب، إلى جانب أراضٍ أخرى كانت معدة للزراعة.
ويبيّن حمدان أنه دفع ثمن تكاليف الشتلات الزراعية منذ شهر أبريل/نيسان الماضي، إلا أن الزراعة توقفت بسبب الإجراءات التي بدأت منذ شهر مارس/آذار الماضي، بما في ذلك استهداف الخطوط وشبكات المياه والطرق، قبل أن يتعرض بئر المياه الخاص به لأضرار في شهر يوليو/تموز الماضي.
ويقدّر حمدان خسائره الشخصية بنحو 10 ملايين شيكل، نتيجة الأضرار التي لحقت بالأراضي والمحاصيل والبئر وشبكات المياه ومعدات تشغيلها جراء استهداف الاحتلال والمستوطنين لها.
ويؤكد حمدان أن محصول العنب كان جاهزاً للإنتاج، لكن انقطاع المياه أدى إلى ضياعه، بينما تضرر إنتاج الزيتون بالكامل تقريباً بسبب عدم القدرة على ري الأشجار.
ويوضح حمدان أن شبكات المياه جرى اقتلاعها، وتعرضت البئر للتخريب، كما سرقت لوحات ومعدات الكهرباء الخاصة بها.
ويلفت حمدان إلى أن المياه التي كان ينتجها ويضخها كانت تستخدم أساساً لري مزارعه، لكنه كان يقدم منها لجيرانه عند الحاجة، خصوصاً عندما تتعطل آبارهم أو يعانون نقصاً في المياه، لكن ذلك لم يعد متوفراً كما كان في السابق، ما أدى إلى زيادة الأضرار التي لحقت بالمنطقة.
ويوضح حمدان أنه رفع قضية أمام محكمة فلسطينية للحصول على الأوراق والتراخيص الخاصة بالآبار، بعد عدم حصوله عليها من سلطة المياه الفلسطينية، حيث أصدرت المحكمة قراراً يتيح له الحصول على الأوراق المطلوبة، وباتت الإجراءات في مراحلها الأخيرة، متوقعاً استلامها عبر محاميه خلال أيام.

متابعة قضائية

وبالتوازي، يوضح حمدان أن لديه محاميين فلسطينيين ومحامياً إسرائيلياً يتابعون الملف، وأن المحامي الإسرائيلي سيعمل على فتح القضية أمام المحاكم الإسرائيلية بعد استكمال الأوراق الفلسطينية، كشرط لمنع استهداف البئر.
وينتقد حمدان ضعف المتابعة الرسمية، قائلاً إنه تلقى اتصالات من بعض المؤسسات، لكنه لم يتلقَّ متابعة رسمية كافية من المؤسسات الفلسطينية بشأن الأضرار التي لحقت به.
ويؤكد حمدان أن علاقته بالأرض تتجاوز كونها مصدر رزق، مستحضراً ذكرياته في الأراضي التي اشتراها وزرعها، ومنها قطعتان تبلغ مساحتهما نحو 40 دونماً، كانت فيهما شجرة كينا كبيرة يجلس تحتها مع الناس للراحة.
ويشدد حمدان على أن رؤية الأرض التي تعب في شرائها وزراعتها، وقد جفت الأشجار فيها بسبب انقطاع المياه، تمثل بالنسبة إليه خسارة قاسية.
ويوضح حمدان أن أهالي عاطوف والبقيعة يعتمدون بصورة أساسية على الزراعة والثروة الحيوانية، حيث أن المنطقة بأنها ريفية وزراعية وذات خصوبة عالية، كما أن تربية المواشي تمثل مصدر عيش أساسياً للأهالي، لكن المضايقات خلال العام الحالي دفعت أصحاباً إلى الرحيل.
وبحسب حمدان، توجد الزراعة في البقيعة منذ نحو 15 عاماً، وحققت نجاحات كبيرة، لكن ما يجري من عدوان لا يستهدف الأرض فقط، بل يهدف إلى دفع سكانها إلى الرحيل من خلال الضغط التدريجي على مقومات حياتهم.
ويشير حمدان إلى أن قطع المياه “الشريان الرئيسي” للزراعة والثروة الحيوانية والسكان، يؤدي تلقائياً إلى دفع الناس نحو الهجرة.
ويوضح حمدان أن الاعتداءات، وفق ما شاهده خلال السنوات الخمس الماضية، تتم بصورة متدرجة ومتكررة، وتشمل تخريب أنظمة الطاقة الشمسية الخاصة بالأغنام، وشبكات المياه والخطوط الزراعية، والاعتداء على السكان وممتلكاتهم، مع تكرار المضايقات حتى في أيام السبت.
ويعتبر حمدان أن هذا النمط من الإجراءات يمثل “تهجيراً قسرياً” يجري تدريجياً، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى فقدان السكان مزيداً من أراضيهم ومصادر رزقهم.




الاحتلال يعتقل ثمانية مواطنين من جنين   الاحتلال يعتقل ثمانية مواطنين من جنين




المدن الصناعية.. قواعد الإنتاج المحلي وركائز الاقتصاد الوطني

 زهير طميزه- تنتشر المدن والمناطق الصناعية في مختلف المحافظات الفلسطينية، واقدمها منطقة غزة الصناعية التي تم انشاؤها اواخر تسعينيات القرن الماضي، قبل ان يتم تدميرها كليا خلال حرب الابادة. وتشرف على هذه المناطق الصناعية التي توفر آلاف فرص العمل الدائمة والمؤقتة، هيئة وطنية شبه حكومية تأسست عام 1998 ويرأسها وزير الصناعة، بحيث تعمل على تشجيع ودعم الاستثمار في هذه المدن والمناطق، وتقدم التسهيلات الجاذبة للمستثمرين.

ولغرض تعريف المجتمع المحلي بتفاصيل واهمية عمل المدن الصناعية، نظمت الهيئة العامة المشرفة على هذه المدن، أمس الثلاثاء، جولة للاعلاميين والصحافيين في منطقة بيت لحم الصناعية الواقعة في منطقة هندازة جنوب المدينة. حيث قدمت المهندسة رانية عليان باسم الشركة المشغلة لمنطقة بيت لحم الصناعية، شرحا وافيا حول الشركات المستفيدة من هذه القاعدة الصناعية، والمشاريع الحالية والاخرى التي يجري تطويرها لخدمة قطاع الصناعة الفلسطيني.

من جانبه، قال خالد العملة الرئيس التنفيذي لهيئة المدن الصناعية لـ “الحياة الجديدة”، ان منطقة بيت لحم الصناعية التي تأسست عام 2010 بدعم فرنسي، تعتبر من انجح المناطق الصناعية، مشيرا الى انها بنيت على ارض حكومية بمساحة تبلغ 195 دونما، وهي الان مليئة تماما ولم يعد فيها متسع للايجار بسبب كثرة اقبال المستثمرين عليها. واضاف العملة بان الجهود الان تنصب على تعزيز مكانة المنتج الوطني وتعريف الجمهور باهمية هذه المناطق الصناعية كركيزة اساسية لتعزيز صمود الناس والنهوض بالاقتصاد الوطني.

وعن دور الحكومة في تشجيع الاستثمار في المناطق الصناعية قال العملة: ان المناطق الصناعية تقدم للمستثمرين تسهيلات ضريبية ومنحا مختلفة، مشيرا الى مشروع بقيمة 9 ملايين يورو مقدم من الاتحاد الاوروبي لتشجيع الاستثمار في المناطق الصناعية، فضلا عن تجهيز البنية التحتية اللازمة للاستثمار مثل الشوارع الواصلة والكهرباء والماء والصرف الصحي، وكل التجهيزات التي توفر على المستثمر أموالا طائلة في حال لو أراد تنفيذها بنفسه. معبرا عن تفاؤله بأن تصل نسبة الاستثمار في المناطق الصناعية الى 60% من حجم الاستثمار الكلي في قطاع الصناعة، على الرغم من ان النسبة الحالية لا تتجاوز 10% بقيمة تقدر بـ 500 مليون دولار امريكي.

من جانبه اشاد د. عماد الزير مدير الشركة المشغلة للمدينة الصناعية، بالتعاون بين الشركة والحكومة والمستثمرين وخاصة المحليين، الذين وصفهم بالشجعان الصامدين الذين فضلوا الاستثمار في بلدهم وتنميته وتعزيز صمود المواطن على ارضه، مؤكدا ان المستثمر الفلسطيني يبني وطنا عندما يبني مصنعا او شركة. واضاف الزير بأن منطقة بيت لحم الصناعية توفر 650 فرصة عمل من خلال 11 قطاعا صناعيا يستثمر فيها 37 مستثمرا .

وعن ابرز المعيقات التي تواجه قطاع الصناعة الفلسطيني، قال الزير انها تتمثل اولا في اجراءات الاحتلال من خلال الاغلاقات والتحكم في الموانئ والمعابر فضلا عن التضييق الاقتصادي على الحكومة الفلسطينية ما ينعكس سلبا على تطوير القطاع الصناعي المنتج، ويحول دون ايفاء الحكومة بالتزاماتها تجاه المنتجين وتطوير البنية التحتية. 

اما جريس قرّاعة احد اقدم المستثمرين في منطقة بيت لحم الصناعية، فقد طالب بتوفير الحماية لاصحاب المصانع والمنتجين أسوة بحماية المستهلك، مشيرا الى ان المستثمر الفلسطيني يعمل في ظل ظروف غاية في الصعوبة والتعقيد، كما طالب قرّاعة وسائل الاعلام بتسليط الضوء اكثر على الصناعة الوطنية التي تعاني من اجراءات الاحتلال من جهة، ومن جهة اخرى التدفق الحر للاستيراد على حساب الصناعة المحلية.




الاحتلال يُلاحق زيتون وادي دعوق والمنصورة وينكل بالمواطنين في شارع الناصرة بجنين

عبد الباسط خلف- واصلت جرافات الاحتلال لليوم الثاني اقتلاع أشجار زيتون في قريتي وادي دعُوق والمنصورة، جنوب جنين.
وأكد رئيس مجلس قروي وادي دعوق، عبد الناصر الحويطي لـ”الحياة الجديدة” أن جرافات الاحتلال شرعت مساء السبت، والأحد، باقتلاع أشجار زيتون، في أراضي القرية، وعلى جانيي الطريق الرابط بين جنين ونابلس.
وأوضح أن الاحتلال اقتلع نحو 170 شجرة من إحدى القطع، و150 شجرة من قطعة أخرى، و10 شجرات من قطعة أخرى.
وبين الحويطي أن الحقول المستهدفة يملكها نحو 30 مواطنًا من عائلتي الحويطات من القرية، وموسى من بلدة عرابة.
وأفاد بأن الأشجار زرعت على فترتين الأولى عام 1985، والثانية 2010، لكن جيش الاحتلال أخطر أصحابها بالاقتلاع قبل نحو شهر.
ويقيم في وادي دعوق قرابة 200 مواطن يعتمدون على الرعي، وينحدرون من قرية المنسي المدمرة في منطقة حيفا، ومن بلدة كفر راعي وقرية بير الباشا، فيما تتداخل أراضيها مع عرابة المجاورة، وتأسس التجمع عام 1964.
وأشار إلى أن هناك حقل آخر في القرية أخطر الاحتلال أصحابه باقتلاع أشجاره، فيما رفع المستوطنون أعلام الاحتلال على طول الشارع الرئيس.
بدوره، وأوضح رئيس مجلس قروي المنصورة، عبد الكريم عودة لـ”الحياة الجديدة” إن الاحتلال اقتلع قرابة 50 شجرة زيتون معمرة، غرسها أصحابها قبل نحو 60 عامًا.
وأكد أن الأراضي المستهدفة مملوكة لعشرة مواطنين من عائلتي عودة وعسّاف، وعبد العزيز، وكانت مغروسة في قرابة 8 دونمات.
وأضاف أن الاحتلال استخدم جرافتين في اقتلاع الأشجار، واحدة في المنصورة والأخرى في وداي دعوق، لكنهما لم تغادرا المنطقة بعد.
ووفق جميعان، فقد أقيمت المنصورة بداية السبعينات، وأسسها والده جميعان برّاق عودة، وعمه عطية، وخاله عيد مبارك قعيس، الذين قدموا من أسدود، وأجبروا على النزوح من صحراء سيناء، ووصلوا جنوب جنين.
ويقيم في المنصورة نحو 300 مواطن، إضافة إلى 120 مواطنين بدو، من عائلتي الكعابنة والهروش هجرهم المستوطنون من بيت لحم والخليل.
وسبق أن شن الاحتلال عمليات تجريف واسعة في محافظة جنين، أبرزها حقول بلدة عرابة، وأراضٍ بجوار بلدة يعبد، جنوب غربها، إضافة إلى مساحات من سيلة الظهر والفندقومية وعجة وعنزا، جنوبها، وزبوبا، شمال غربها، وخربة سروج ببلدة اليامون وسيلة الحارثية غربها، وفقوعة وجلبون شرقها.

ونكل جيش الاحتلال، مساء أمس الإثنين، بالمواطنين في شارع الناصرة في أطراف جنين.
وأكد شهود عيان أن دوريات عسكرية وفرقة مشاة أوقفت شبانًا، وأطلقت أعيرة نارية وقنابل صوتية، وأعاقت مرور المركبات في منطقة جسر خروبة.
وأشار مواطنون مقيمون في المنطقة إلى أن السائقين أجبروا على سلوك طرق فرعية، بعيدًا عن شارع الناصرة، حيث تواجد جنود الاحتلال.




“المرأة الفلسطينية: من الحضور إلى صناعة القرار”.. في الطريق إلى المجلس التشريعي.. سؤال الدور لا سؤال العدد

د. منى أبو حمدية

لم تكن المرأة الفلسطينية يوماً خارج المشهد الوطني. كانت حاضرة في تفاصيل الحياة الفلسطينية، في الأسرة والمجتمع، وفي العمل الوطني والسياسي والنقابي والثقافي، كما كانت حاضرة في مواجهة التحولات الكبرى التي مر بها الشعب الفلسطيني. لكن حضورها التاريخي والمجتمعي لم يكن دائماً متناسباً مع حضورها في مواقع صناعة القرار.
ومع اقتراب الانتخابات التشريعية المقبلة، يصبح من الضروري إعادة طرح السؤال، ولكن من زاوية مختلفة: ليس كم امرأة ستصل إلى المجلس التشريعي، وإنما ماذا نريد من المرأة أن تفعل بعد وصولها؟
فالمسألة في جوهرها ليست قضية تمثيل عددي فقط، وإنما قضية تتصل بطبيعة النظام السياسي الفلسطيني وقدرته على الاستفادة من طاقات المجتمع كافة.
لقد أسهمت الإجراءات القانونية التي اعتمدت لضمان مشاركة المرأة في فتح المجال أمام حضور نسائي أكبر في القوائم الانتخابية، وهو أمر مهم في مسار تطور الحياة الديمقراطية الفلسطينية. لكن الكوتا، مهما بلغت أهميتها، لا ينبغي أن تتحول إلى نهاية المطاف؛ فهي وسيلة لضمان الحضور، وليست ضمانة “للتأثير”.
وهنا تكمن المسافة بين الوجود في المؤسسة السياسية والمشاركة في صناعة القرار.
فالمرأة قد تصل إلى البرلمان، لكن السؤال يبقى: هل كانت شريكة في صياغة البرنامج الذي أوصلها؟ هل شاركت في تحديد الأولويات السياسية؟ هل تمتلك القدرة على التأثير في التشريع والرقابة والسياسات العامة؟ وهل تنظر إليها القوى السياسية باعتبارها قيادية وصاحبة قرار، أم باعتبارها استكمالاً للنسبة المطلوبة في القائمة؟
باعتقادي المتواضع ان هذه الأسئلة أكثر أهمية من الرقم نفسه.
فالمرأة الفلسطينية لا تحتاج إلى أن تدخل السياسة باعتبارها “قضية نسائية”. إنها تدخلها باعتبارها مواطنة وشريكة في الشأن الفلسطيني العام. ولذلك فإن حضورها في المجلس التشريعي يجب ألا يُحصر في قضايا الأسرة والمرأة والحماية الاجتماعية، على أهميتها، بل ينبغي أن يمتد إلى الاقتصاد والتعليم والثقافة والتنمية والحكم والإدارة والتشريع والسياسات الوطنية.
فالمرأة ليست ملفاً في أجندة الدولة؛ المرأة شريك في صياغة أجندة الدولة.
وهذا التحول في النظرة ضروري أيضاً داخل القوى السياسية. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى أن يكون اختيار المرشحات قائماً بصورة أكبر على الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على التواصل مع المجتمع، لا على استكمال متطلبات التمثيل فقط.
كما تحتاج النساء أنفسهن إلى خوض المجال السياسي بأدوات جديدة؛ فالمشاركة السياسية لم تعد مرتبطة بالعمل التنظيمي التقليدي وحده، وإنما أصبحت تتطلب معرفة بالتشريع والسياسات العامة، وقدرة على التواصل والإقناع، وحضوراً في الفضاء الإعلامي والرقمي، ووضوحاً في البرنامج والرؤية.
وتبرز هنا أهمية الجيل الشاب من النساء. فإتاحة المجال أمام الشباب للمشاركة السياسية يمكن أن تفتح نافذة جديدة أمام قيادات نسائية تمتلك المعرفة الأكاديمية والخبرة المجتمعية، وتعرف أدوات التواصل الجديدة، وتحمل رؤى مختلفة حول الدولة والمجتمع والمواطنة.
لكن الطريق ليس خالياً من التحديات. فإلى جانب التحديات السياسية والمؤسساتية، لا تزال هناك تحديات اجتماعية وثقافية تؤثر في فرص المرأة في المنافسة والوصول إلى مواقع القرار. كما أن طبيعة النظام السياسي الفلسطيني، وما يحيط به من ظروف الاحتلال والانقسام والأزمات الاقتصادية، تجعل عملية تطوير المشاركة السياسية أكثر تعقيداً.
ومع ذلك، فإن صعوبة الواقع لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتأجيل الإصلاح السياسي أو تقليص المشاركة. بل على العكس، كلما ازدادت التحديات، ازدادت الحاجة إلى مؤسسات أكثر تمثيلاً وأكثر قدرة على الاستفادة من جميع طاقات المجتمع.
ومن هنا، فإن الانتخابات التشريعية المقبلة يمكن أن تكون فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين المرأة والسياسة.
الاختبار الحقيقي لن يكون في عدد النساء اللواتي ستضمهن القوائم، ولا حتى في عدد من سيصلن إلى المجلس التشريعي، وإنما في طبيعة الدور الذي سيُتاح لهن بعد الوصول.
هل ستكون المرأة جزءاً من عملية صنع القرار؟ أم سيظل حضورها في حدود التمثيل؟ هل ستشارك في صياغة السياسات؟ أم تكتفي بالمشاركة في التصويت عليها؟ وهل ستُقاس كفاءتها بما تستطيع أن تقدمه، أم ستظل محكومة باعتبارات تتجاوز الكفاءة والبرنامج؟
إن بناء نظام سياسي فلسطيني أكثر توازناً لا يعني إقصاء الرجل لصالح المرأة، كما أن تعزيز حضور المرأة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره منافسة بين الجنسين. المسألة أبسط وأعمق في الوقت ذاته: كيف نبني نظاماً سياسياً يستفيد من المجتمع كله؟
فالمرأة الفلسطينية أثبتت، عبر تاريخها، أنها قادرة على تحمل المسؤولية الوطنية والاجتماعية، وحان الوقت لأن يتحول هذا الرصيد من مجرد اعتراف رمزي إلى مشاركة أكثر تأثيراً في المؤسسات.
وفي الطريق إلى المجلس التشريعي، ربما يكون السؤال الأجدى ليس: كم امرأة نريد في البرلمان؟
بل: أي دور نريد للمرأة في صناعة القرار الفلسطيني؟
فبين الحضور والتأثير مسافة، وبين المقعد وصناعة القرار تجربة كاملة. وهذه المسافة هي التي ينبغي أن تبدأ الحياة السياسية الفلسطينية الجديدة في ردمها.