1

تحذيرات أمنية من انفجار وشيك في الضفة الغربية جراء تصاعد إرهاب المستوطنين

أطلقت مصادر أمنية وعسكرية رفيعة المستوى تحذيرات شديدة اللهجة من تدهور الأوضاع الميدانية في الضفة الغربية المحتلة، مؤكدة أنها باتت تقف على صفيح ساخن قد يؤدي إلى انفجار شامل في أي لحظة. وأوضحت المصادر أن تصاعد وتيرة اعتداءات المستوطنين وأعمال الشغب المنظمة بحق المواطنين الفلسطينيين، لا سيما في مناطق جنوب نابلس، يدفع المنطقة نحو حافة الهاوية بشكل غير مسبوق.

ونقلت تقارير صحفية عن مسؤول أمني قوله إن الضفة الغربية تحولت إلى ما يشبه ‘برميل بارود’ جاهز للاشتعال، مشيراً إلى أن هجمات المستوطنين المتكررة تسببت في استنزاف قدرات جيش الاحتلال إلى أقصى حد. وأضاف المصدر أن هناك حالة من الشلل والعجز المتعمد تسود أوساط القيادة العسكرية، التي تتجنب اتخاذ قرارات حازمة ضد المعتدين خشية التأثير على مستقبلهم المهني أو اتهامهم بتبني مواقف سياسية.

وعلى الصعيد الدولي، أثارت هذه التطورات موجة غضب واسعة داخل الإدارة الأمريكية، حيث طالبت واشنطن تل أبيب بتقديم توضيحات فورية وعاجلة حول الجرائم التي يرتكبها المستوطنون في بلدة قصرة. وأفادت مصادر مطلعة بأن مسؤولين مقربين من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعربوا عن صدمتهم من غياب سلطة القانون، متسائلين عن سبب وقوف الجيش متفرجاً أمام التنكيل بالفلسطينيين.

ميدانياً، لا تزال ثلاث عائلات فلسطينية في بلدة قصرة تعاني من حصار مشدد يفرضه المستوطنون لليوم الثالث على التوالي، حيث تم إغلاق كافة الطرق المؤدية إلى منازلهم ونصب خيام استيطانية في محيطها. ويهدف هذا الحصار إلى ترهيب السكان وإجبارهم على ترك أراضيهم ومنازلهم قسراً، في ظل حماية وتواطؤ واضح من قوات الاحتلال المتواجدة في المنطقة.

الضفة الغربية بأكملها تقف على برميل بارود، وهجمات المستوطنين ترهق قوات الجيش وتكشف عن عجز متعمد في صفوف القيادة العسكرية.

ورغم الادعاءات الرسمية بإخلاء بعض البؤر الاستيطانية العشوائية، إلا أن المستوطنين عادوا لفرض سيطرتهم على المنطقة بمشاركة أعداد كبيرة من المتطرفين وبدعم ميداني. وفي خطوة تعكس حجم التصعيد، وجهت رئاسة أركان جيش الاحتلال بنشر كتيبة مشاة نظامية في المنطقة، دون أن يؤدي ذلك إلى لجم اعتداءات المستوطنين أو تأمين الحماية للفلسطينيين المحاصرين.

وكشفت تقارير حقوقية عن رصد مستوطنين يرتدون الزي العسكري الرسمي لجيش الاحتلال ويشاركون بشكل مباشر في عمليات حصار المنازل الفلسطينية وترهيب سكانها. هذا التداخل بين المستوطنين والجيش يعزز المخاوف من تحول المجموعات الاستيطانية إلى ميليشيات مسلحة تعمل تحت غطاء رسمي لتنفيذ مخططات التهجير والسيطرة على الأراضي في عمق الضفة الغربية.

من جانبها، حذرت منظمة ‘بتسيليم’ الحقوقية من أن ما يحدث في بلدة قصرة وقرية جالود المجاورة يندرج ضمن حملة ‘تطهير عرقي’ واسعة النطاق تهدف إلى إفراغ الأرض من سكانها الأصليين. وأشارت المنظمة إلى أن سياسة الاستيلاء على المنازل، كما حدث مع عائلة الطوباسي في يوليو الماضي، أصبحت نهجاً ثابتاً تتبعه المجموعات الاستيطانية بدعم من الحكومة اليمينية المتطرفة.

وتشير الإحصائيات الصادرة عن المنظمات الدولية والحقوقية إلى أن سلطات الاحتلال والمستوطنين نجحوا في تهجير نحو 64 تجمعاً فلسطينياً بالكامل منذ أكتوبر 2023. وقد طالت عمليات التهجير القسري أكثر من 4800 مواطن فلسطيني، بينهم ما يزيد عن 2300 قاصر، مما يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي تعيشها الضفة الغربية بالتزامن مع استمرار العدوان على قطاع غزة.




“مجزرة” هدم تضرب عابا الشرقية

عبد الباسط خلف- تستفيق عابا الشرقية، شرق جنين، على وقع أصوات آليات الاحتلال، وهي تفتك بـ 27 منشأة، كانت تمثل رئة أهالي القرية الصغيرة.

ويسرد رئيس المجلس القروي، برهان عزامطة لـ”الحياة الجديدة” تفاصيل أكبر عملية تشهدها عابا الشرقية منذ إقامتها.

ويقول بحسرة إن 5 جرافات للاحتلال بدأت قرابة الثامنة صباح الأربعاء في هدم منشآت ومتاجر، أقيمت على طول قرابة 1000 متر، على الشارع الرابط بالقرية.

ويعدد لائحة المتضررين من الهدم، التي تضم الأشقاء الخمسة: باسم ومؤيد وثائر، ووائل، وحسام عبد الرحيم صالح عزامطة، الذين خسروا لوحدهم 12 منشأة تجاوزت مساحتها 5000 متر مربع.

ويشير إلى خسارة أحمد محمد عزامطة لمقهى بمساحة 400 متر، وجهاد رضا عزامطة لمتجر بيع مواد بناء وغسيل معدات تجاوز 400 متر مربع، مثلما فقد فيصل عباس الدمج مصنع رخام  كام يمتد فوق 700 متر مربع.

ويواصل عزامطة: كما هدمت الجرافات كراج سيارات بنحو 300 متر مربع لبلال طموح هنداوي، ومنشأة لسليمان طاهر العزامطة بـ 250 مترًا مربعًا، وأرضية إسمنت لخالد ناجح عزامطة ممتدة على 300 متر مربع.

ويتطرق لخسارته الشخصية لمتجر بمساحة 100 متر، أجبر على نقل بضاعته إلى شقة سكنية قبل أيام.

ويقدر عدد الأسر التي فقدت مصادر زرقها بنحو 120 عائلة، لكن من أقسى القصص التي تلخص القهر حالة المواطن أحمد عزامطة، الذي خسر كل يملك، بعد هدم القهوة الكبيرة التي شيدها، إضافة إلى حسام عزامطة، الذي كان يعيش من مغسلة سيارات، لكنهما أصبحا بلا عمل.

ويقول أهالي القرية إن الهدم استمر قرابة 5 ساعات، وخلف مشاهد قاسية، لـكنه أقفل مصادر أرزاق عشرات العائلات، دشنت متاجرها قبل 21 عامًا، عقب إخلاء الاحتلال لمستوطنتي “جانيم” و”كاديم”.

ويؤكد رئيس المجلس القروي أن أهالي القرية ينتظرون بقلق كبير 27 آب الحالي، الذي ستنتهي معه مهلة الاحتلال لعشرة منازل بالهدم، بدعوى البناء دون ترخيص.

ويقف فتية وشبان بالقرب من ركام المقهى الذي كانوا يرتادونه، ويؤكدون لـ”الحياة الجديدة” أنه يعني لهم ذكريات جميلة، لكنها اليوم ضاعت مع الهدم.

ويقول إبراهيم الشيخ، الذي كان من رواد المقهى، بألم واضح: لا ندري ما الذنب الذي يمكن لمقهى على شارع جانبي أن يقترفه، حتى يجري هدمه في وضح النهار، وبمشاركة 5 آليات دفعة واحدة.

ويشير إلى أن جنين تحولت إلى منطقة منكوبة بفعل العدوان والمستوطنات التي صارت تطبق الخناق على المدينة وريفها، وتخلق واقعًا صعبًا على الأهالي.

ويحتفظ رئيس المجلس القروي بصور إخطارات المباني على هاتفه، ويتمنى أن تبطل محاكم الاحتلال القرار الجائر.

لكن أهالي القرية يتوقفون مطولًا مع قصص الإخوة الخمسة: باسم ومؤيد وثائر، ووائل، وحسام عبد الرحيم صالح عزامطة، الذين هدم الاحتلال متاجرهم، وجعل مستقبل أولادهم في نفق مظلم وطويل، كما يصف إبراهيم الشيخ.

ويعود الاستيطان إلى جنين من جهات عديدة، شرق المدينة وجنوبها، ليضرب بكل قوة، منذ الربيع الماضي، فلم يكتف الاحتلال بالعودة إلى 4 مستوطنات، بل أقام مستوطنات وبؤرًا رعوية ومعسكرات، أحدها في حي الجابريات، بقلب جنين.




الاحتلال يشدد إجراءاته العسكرية شرق جنين




“هيئة الأسرى”: استمرار معاناة الأسرى في سجن عوفر على المستويين الحياتي والصحي

 أفادت هيئة شؤون الأسرى والمحررين، اليوم الأربعاء، بأن الظروف الحياتية والصحية في سجن عوفر لا تزال سيئة ومعقدة، في ظل استمرار السياسات العقابية والانتقامية التي تفرضها إدارة السجن بحق الأسرى، ما يفاقم معاناتهم ويهدد حياتهم وسلامتهم الجسدية.

وأوضحت الهيئة أن إدارة السجن تمارس العديد من التجاوزات التي تحولت إلى روتين يومي، مشيرة إلى أن الطعام سيئ كماً ونوعاً، فيما يُحرم المرضى من الحصول على الأدوية والعلاج، وتفاقمت الأمراض الجلدية بين الأسرى، بما يشكل خطراً على صحتهم.

وأضافت أن إدارة السجن تسحب الفرشات في ساعات الصباح الأولى، وتعيدها مساءً، إلى جانب تنفيذ اقتحامات للغرف والأقسام، والاعتداء على الأسرى وضربهم والتنكيل بهم وسبهم وشتمهم وإهانتهم.

وأشارت إلى أن فترة الفورة والاستحمام لا تتجاوز ربع ساعة، فيما يفتقر الأسرى إلى الملابس والأغطية، ولا يتوفر بحوزة كل أسير سوى لباس السجن وبيجامة باللون السكري، كما يُمنعون من امتلاك أدوات التنظيف والتعقيم، إلى جانب العديد من الإجراءات والسياسات العقابية الأخرى.

وأشارت الهيئة إلى أن هذه التفاصيل وثقها محاميها خلال زيارته عدداً من الأسرى في سجن عوفر، وهم: محمود عويوي (22 عاماً) من الخليل، المعتقل إدارياً منذ 13 آذار/مارس 2025، وموسى إعمر (28 عاماً) من بلدة بيت أمر، المعتقل إدارياً منذ تموز/يوليو 2025، وآدم عطا (21 عاماً) من بلدة دير أبو مشعل، المعتقل إدارياً منذ 9 أيار/مايو 2025.

كما شملت الزيارة حسن البايض (27 عاماً) من مخيم الفوار، الموقوف منذ اعتقاله في 21 نيسان/أبريل 2025، ومصعب الوهدين (17 عاماً) من بلدة بيت أمر، المعتقل خلال العام الجاري




تل الزعتر.. حين صار المخيم وطنًا صغيرًا لفلسطين

لؤي صوالحة – كاتب وصحفي فلسطيني

هناك أماكن لا تنتهي حين تسقط جدرانها، وأسماء لا تصبح من الماضي مهما حاول الزمن أن يضع بينها وبيننا مسافة من السنوات، وتل الزعتر واحد من تلك الأماكن التي بقيت واقفة في الذاكرة الفلسطينية رغم أن المخيم نفسه لم يعد قائمًا كما كان، لأن المكان حين يسكنه شعب يحمل وطنًا في قلبه يتحول من جغرافيا عابرة إلى شاهد، ومن شاهد إلى ذاكرة، ومن ذاكرة إلى قضية لا تستطيع الحروب ولا المجازر ولا المنافي أن تطفئها.
في 12 آب/أغسطس 1976، لم يكن الفلسطينيون أمام نهاية مخيم فحسب، وإنما أمام واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخ اللجوء الفلسطيني، بعدما عاش سكان تل الزعتر حصارًا طويلًا وقصفًا ومعارك أنهكت المخيم وأثقلت أيامه بالخوف والجوع والموت، ثم جاء سقوطه والمجزرة التي ارتبطت به لتضيف صفحة دامية إلى سجل شعب لم تبدأ مأساته في لبنان، ولم تنتهِ عند حدود مخيماته، وإنما ظل يحمل جرح النكبة من مكان إلى آخر، وكأن الفلسطيني كتب عليه أن يهرب من الموت ليجده في محطة جديدة من محطات المنفى.
لكن تل الزعتر لم يكن مجرد مخيم.
كان فلسطين حين لم تكن فلسطين قريبة.
كان بيتًا صغيرًا للاجئين الكبار في أحلامهم، وكان في أزقته الضيقة متسع لحيفا وعكا ويافا وصفد والقرى التي تركها أهلها خلفهم عام 1948 وهم يحملون مفاتيح البيوت، وبعض الصور، وقليلًا من التراب، وكثيرًا من اليقين بأن العودة لن تتأخر، قبل أن تتحول الأيام إلى سنوات، والسنوات إلى عقود، ويصبح المفتاح الذي كان يفترض أن يفتح باب البيت يومًا ما شاهدًا على وطن غائب، ودليلًا على أن الفلسطيني يستطيع أن يعيش بعيدًا عن أرضه، لكنه لا يستطيع أن يقتلع الأرض من داخله.
كان في تل الزعتر جيل كامل من الفلسطينيين الذين ولدوا في المنفى وهم يعرفون أسماء أماكن لم تطأها أقدامهم، وكان الطفل يعرف القرية من صوت جدته، والمدينة من حديث أبيه، والبيت من صورة معلقة على جدار، وفلسطين من حكاية تتكرر كل ليلة حتى تصبح جزءًا من تكوينه، ولذلك لم يكن المخيم بالنسبة إلى سكانه مكانًا للنوم والطعام والعمل فقط، بل كان مساحة تحفظ ما تبقى من الوطن، ومكانًا يتوارث فيه الأبناء أسماء الذين سبقوهم، كما يتوارثون ملامح الوجه ولهجة القرية وذاكرة الطريق.
وحين اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية، لم يكن الفلسطيني قادرًا على الوقوف خارج العاصفة، فقد وجد نفسه داخل صراع شديد التعقيد تداخلت فيه القوى اللبنانية والفلسطينية والإقليمية، وتشابكت فيه المصالح والتحالفات والأسلحة، وتحولت المخيمات الفلسطينية إلى جزء من الجغرافيا الساخنة للحرب، وكان تل الزعتر، بحكم موقعه وظروفه، واحدًا من أكثر الأماكن تعرضًا للضغط والحصار، حتى أصبح سكانه يعيشون الأيام كما لو أن الموت يقف خلف الباب وينتظر لحظة الدخول.
في المخيم، لم تعد السياسة كما تُكتب في البيانات والخطب هي السياسة ذاتها التي يعيشها الناس، لأن الكلمات الكبيرة مثل التحالف والصراع والنفوذ والجبهة كانت تختصر داخل بيت صغير إلى أم تبحث عن الماء، وأب يحاول تأمين الطعام، وطفل يسأل عن موعد انتهاء القصف، ومريض ينتظر دواء قد لا يصل، وامرأة تحاول أن تخفي خوفها حتى لا يراه أطفالها في عينيها، ورجل يخرج في الصباح وهو لا يعرف إن كان سيعود في المساء، ولذلك فإن التاريخ الذي يريد أن يفهم تل الزعتر عليه أولًا أن ينظر إلى الإنسان الذي كان يعيش داخل الحصار، لا إلى الخريطة وحدها.
كان المخيم يتقلص تحت النار، وكانت الحياة تنسحب من تفاصيله شيئًا فشيئًا، بينما يتمسك الناس بما يستطيعون من يوم عادي، لأن الإنسان حتى في أقسى الظروف يحاول أن يصنع لنفسه شيئًا يشبه الحياة، فيغلي الماء، ويبحث عن رغيف، ويحاول تهدئة طفل، ويحتفظ بصورة عائلية، ويستعيد اسم قرية بعيدة، وكأن استحضار الوطن في لحظة الخوف كان شكلًا من أشكال المقاومة، وكأن الفلسطيني كان يقول للموت: يمكنك أن تحاصرني هنا، لكنك لن تستطيع أن تجعلني أنسى من أنا.
ثم جاء 12 آب/أغسطس 1976، اليوم الذي سقط فيه تل الزعتر بعد حصار ومعارك دامية، وارتبط سقوطه بمجزرة تركت جرحًا عميقًا في الذاكرة الفلسطينية، وبقيت تفاصيلها وأعداد ضحاياها موضوعًا لروايات ومصادر متعددة، لكن اختلاف الأرقام لا يغير جوهر المأساة، لأن الذين سقطوا لم يكونوا أرقامًا، وإنما كانوا بشرًا لهم أسماء ووجوه وعائلات وأحلام، وكان لكل واحد منهم مكان في قلب أم أو أب أو زوجة أو طفل، وكان لكل بيت قصة انتهت فجأة بينما بقيت أبواب كثيرة مفتوحة على انتظار لا يأتي منه أحد.
الرقم لا يستطيع أن يحكي قصة طفل خرج من بين الركام وهو يبحث عن وجه يعرفه، ولا يستطيع أن يصف أمًا احتفظت باسم ابنها بعد أن غاب، ولا يستطيع أن يشرح معنى أن يعود الناجي إلى المكان فلا يجد البيت الذي عاش فيه، وأن يبحث في الركام عن شيء صغير يثبت أن الحياة كانت هنا، صورة، قطعة قماش، لعبة طفل، باب مكسور، أو مفتاح لم يعد يفتح شيئًا، ولذلك تبقى المجازر أكبر من الأرقام، ويبقى الإنسان هو الحقيقة الأولى في أي رواية عن الموت.
ولأن الفلسطيني يعرف معنى أن يُقتلع الإنسان من المكان، فقد حمل تل الزعتر معه بعد سقوطه، ولم تنتهِ الحكاية عند الذين بقوا تحت الركام، بل خرج الناجون من المخيم إلى أماكن أخرى، وحملوا معهم أسماء الذين رحلوا، وصور البيوت، وتفاصيل الأيام الأخيرة، وحكايات الخوف والجوع، ثم نقلوا كل ذلك إلى أبنائهم، وهكذا أصبح تل الزعتر مكانًا لا يحتاج إلى جدران كي يبقى، لأن الذاكرة الفلسطينية قادرة على بناء مخيم كامل من كلمة واحدة، وعلى إعادة شارع كامل من اسم شهيد، وعلى فتح باب قديم بمجرد أن يقول أحدهم: كان لنا بيت هنا.
وربما لهذا السبب تحديدًا، فإن تل الزعتر لا يمكن قراءته بمعزل عن النكبة الفلسطينية، فالنكبة لم تكن يومًا واحدًا انتهى في عام 1948، وإنما كانت مسارًا طويلًا من الاقتلاع واللجوء والتشرد، ومن فقدان البيت والبحث عن مكان آمن، ومن محاولة تحويل الفلسطيني من صاحب أرض إلى لاجئ ينتظر المساعدة، ومن صاحب تاريخ إلى رقم في سجلات المؤسسات، لكن الفلسطيني قاوم هذا التحويل بالذاكرة، فحفظ أسماء القرى، وأبقى المفاتيح، وروى الحكايات، وعلّم أبناءه أن المكان الذي ولدوا فيه ليس بالضرورة المكان الذي ينتمون إليه، وأن الوطن قد يغيب عن العين لكنه لا يغيب عن القلب.
ومن هنا يصبح تل الزعتر أكثر من ذكرى لمجزرة، لأنه يكشف جانبًا من المأساة الفلسطينية ظل يتكرر في صور مختلفة، حيث يصبح المخيم شاهدًا على أن اللجوء لم يكن نهاية النكبة وإنما امتدادًا لها، وأن الفلسطيني الذي ظن أن المخيم محطة مؤقتة وجد نفسه أمام أجيال جديدة تولد في المنفى، بينما يبقى السؤال الأول معلقًا في الهواء: متى نعود؟
هذا السؤال لم يمت مع الذين رحلوا في تل الزعتر، ولم يمت مع الذين غادروا المخيم، ولم يختفِ عندما ابتعدت الأجيال عن لبنان، بل انتقل مع الأطفال إلى أبنائهم، ومع الأبناء إلى أحفادهم، حتى أصبحت العودة جزءًا من الوعي الفلسطيني، لا لأنها شعار يقال في المناسبات، وإنما لأنها الحقيقة التي أبقت للمنفى حدوده، ومنعت المخيم من أن يتحول إلى وطن بديل، وحالت دون أن تصبح السنوات الطويلة دليلًا على سقوط الحق.
وعندما نستعيد تل الزعتر اليوم، فإننا نستعيد معه زمنًا كاملًا من التاريخ الفلسطيني، زمنًا كانت فيه الثورة تبحث عن طريقها وسط عالم عربي ودولي شديد التعقيد، وكانت فيه فلسطين حاضرة في الفكر والسياسة والتنظيم والمقاومة، وكانت أجيال من الفلسطينيين ترى أن استعادة الوطن ليست حلمًا فرديًا، وإنما قضية شعب بأكمله، وأن الطريق إليها قد يختلف من مدرسة إلى أخرى، لكن جوهر القضية يبقى ثابتًا: شعب اقتُلع من أرضه يريد أن يستعيد حقه في الحرية والكرامة والعودة.
وفي ذلك الزمن، كانت الكلمة سلاحًا، والصورة سلاحًا، والذاكرة سلاحًا، وكانت الحكاية الفلسطينية نفسها فعل مقاومة، لأن من يستطيع أن يحكي حكايته يستطيع أن يقاوم الرواية التي تريد محوها، ومن يستطيع أن يقول اسم قريته يستطيع أن يثبت أن القرية لم تختفِ بمجرد أن هُجّر أهلها، ومن يستطيع أن يحفظ اسم شهيده يستطيع أن يمنع موته من أن يتحول إلى رقم مجهول في كتاب قديم.
ولهذا فإن مسؤولية الذاكرة اليوم ليست أن تجعلنا أسرى للحزن، وإنما أن تجعلنا أكثر قدرة على فهم الحاضر، لأن فلسطين التي فقدت تل الزعتر لم تفقد المخيم وحده، بل فقدت بشرًا عاشوا فيه وحملوا وطنهم، ومن حق هؤلاء أن تبقى قصتهم حاضرة، لا من أجل إنتاج الكراهية، وإنما من أجل إنتاج الحقيقة، فالحقيقة وحدها تستطيع أن تمنع التاريخ من أن يتحول إلى رواية يكتبها المنتصرون، والعدالة تبدأ من الاعتراف بالإنسان الذي سقط ومنحه اسمه ومكانه في الذاكرة.
واليوم، حين ينظر الفلسطيني إلى غزة، لا يستطيع أن يمنع الذاكرة من استعادة صور قديمة، لأن الحصار والدمار والنزوح ومشهد العائلة التي تبحث عن مكان يحمي أبناءها يعيد إلى الوعي الفلسطيني أسئلة يعرفها منذ زمن بعيد، وإن كانت لكل حرب ظروفها وسياقاتها وأطرافها، فإن الإنسان الذي يبحث عن مأوى في غزة اليوم يعرف، بطريقة موجعة، معنى أن يصبح البيت هدفًا، وأن يتحول المكان الذي يفترض أن يحميك إلى مساحة خوف، وأن تحمل أطفالك من شارع إلى شارع وأنت لا تعرف أين يمكن أن تجد صباحًا أكثر أمانًا.
من تل الزعتر إلى غزة، ومن مخيمات لبنان إلى مخيمات فلسطين، تبدو الذاكرة كأنها خيط طويل يصل بين أجيال متباعدة، ليس لأن التاريخ يعيد نفسه بالحرف، وإنما لأن قضية اللاجئ الفلسطيني لم تجد حلًا عادلًا، ولأن سؤال الوطن بقي مفتوحًا، ولأن الفلسطيني ما زال يواجه محاولات تحويل المأساة إلى أمر طبيعي، واللجوء إلى قدر دائم، والاحتلال إلى واقع لا يتغير.
لكن فلسطين ليست واقعًا يُفرض على الذاكرة.
فلسطين حكاية شعب.
وحكاية الشعب لا تنتهي لأن أحدًا حاول إغلاقها بالقوة.
لقد سقطت جدران تل الزعتر، لكن لم تسقط الحكاية، وتفرقت العائلات، لكن لم تتفرق الذاكرة، ورحل الشهود، لكن تركوا وراءهم أبناء يعرفون أسماء الذين رحلوا، وأحفادًا يعرفون أن وراء كل اسم قرية، ووراء كل قرية بيتًا، ووراء كل بيت وطنًا.
لهذا لا أكتب عن تل الزعتر باعتباره قبرًا للماضي، وإنما باعتباره شاهدًا على شعب رفض أن يموت في المنفى، وشاهدًا على أمهات حملن فلسطين في أصعب الظروف، وعلى أطفال كبروا وهم يحملون وطنًا لم يروه، وعلى ناجين لم يسمحوا للمجزرة أن تنتصر عليهم مرتين، مرة بالقتل ومرة بالنسيان.
وأنا أكتب اليوم، أرى في تل الزعتر أكثر من ركام، أرى وجه طفل يسأل عن أبيه، وأرى أمًا تخبئ مفتاحًا بين ثيابها، وأرى رجلًا يروي لأبنائه قصة البيت الذي تركه خلفه، وأرى فلسطين كاملة تختبئ في التفاصيل الصغيرة، في صورة قديمة، وفي اسم قرية، وفي مفتاح صدئ، وفي حكاية لا تزال تُروى رغم مرور نصف قرن.
أرى أيضًا ذلك المعنى الأعمق للثورة، حين تتحول الذاكرة إلى فعل مقاومة، وحين تصبح الكتابة دفاعًا عن الذين لم تعد أصواتهم قادرة على الكلام، وحين يصبح الصحفي شاهدًا لا يكتفي بتسجيل ما حدث، وإنما يبحث عن الإنسان الذي حاولت الحرب أن تمحوه من الصورة.
وهذا ما يجعل تل الزعتر حاضرًا فينا حتى اليوم، لأن الشهداء الذين رحلوا هناك لم يأخذوا فلسطين معهم، وإنما تركوا لنا ما هو أثمن من الكلمات: تركوا الذاكرة، وتركوا أسماءهم، وتركوا صورهم، وتركوا للأجيال القادمة سؤالًا لا يستطيع أحد إسكاتَه: إذا كان لنا وطن، فكيف يمكن أن نقبل بأن يصبح المنفى وطنًا أبديًا؟
في ذكرى تل الزعتر، لا أريد أن أستدعي الموت وحده، وإنما أريد أن أستعيد الحياة التي كانت هناك، الحياة التي حاولت أن تستمر وسط الحصار، والنساء اللواتي حافظن على بيوتهن، والأطفال الذين ظلوا أطفالًا رغم الحرب، والرجال الذين حاولوا حماية عائلاتهم، والناجين الذين حملوا ما تبقى من المخيم في قلوبهم، لأن قوة المأساة لا تكمن فقط في عدد الذين قتلوا، وإنما في حجم الحياة التي أُريد لها أن تختفي.
تل الزعتر لم يكن نهاية فلسطين، كما لم تكن النكبة نهايتها، ولم يكن اللجوء نهاية الحكاية، لأن فلسطين ظلت تنتقل من جيل إلى جيل، من الأم إلى الابن، ومن الابن إلى الحفيد، حتى أصبح الوطن جزءًا من الذاكرة اليومية، وصار حق العودة شيئًا لا يحتاج إلى شرح طويل، لأن الإنسان الذي يعرف من أين جاء لا يحتاج إلى أحد كي يخبره إلى أين يريد أن يعود.
بعد خمسين عامًا، يمكن للزمن أن يغير المدن، وأن يسقط الأبنية، وأن تتبدل الوجوه، وأن تفتح الطرق وتغلق أخرى، لكنه لا يستطيع أن يغير الحقيقة الأساسية التي بقيت في قلب كل لاجئ: أن هناك بيتًا لم يعد إليه بعد.
وتل الزعتر هو واحد من أبواب تلك الذاكرة.
باب لا يغلق.
لأن خلفه أناسًا عاشوا وماتوا، وأطفالًا كبروا، وأمهات انتظرن، وناجين شهدوا، وشعبًا كاملًا ما زال يقول للعالم إن الذاكرة ليست حنينًا إلى الماضي، وإن العودة ليست حلمًا مستحيلًا، وإن فلسطين ليست اسمًا على خريطة، وإنما وطن يسكن في الإنسان كما يسكن الإنسان في وطنه.
وفي 12 آب/أغسطس، حين نستعيد تل الزعتر، فإننا لا نستعيد يومًا من أيام الحرب فقط، وإنما نستعيد جزءًا من روح فلسطين، ونقول لمن رحلوا إن أسماءهم لم تضيع، ولمن نجوا إن شهاداتهم لم تذهب سدى، وللأجيال التي ولدت بعدهم إن المخيم الذي سقط بالحجر لم يسقط بالذاكرة، وإن الوطن الذي غاب عن العين بقي حاضرًا في القلب.
تل الزعتر لم يمت، لأن فلسطين لم تمت.
وما دام هناك فلسطيني يتذكر اسم بيته، فإن الطريق إلى البيت لم يُغلق.
لؤي صوالحة