1

العالم الافتراضي أقل ألمًا من الواقعي

صدقي أبو ضهير: باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي

أصبح العالم الافتراضي جزءًا أساسيًا من حياتنا، لكن علاقتنا به لم تعد مرتبطة بالتكنولوجيا وحدها، فربما نذهب إليه أحيانًا لأن الواقع أصبح أثقل مما نحتمل، ولأن الإنسان بطبيعته يبحث عن المساحة الأقل ألمًا والأكثر قدرة على منحه شيئًا من الراحة. في الواقع هناك خسارات لا يمكن حذفها، وكلمات لا نستطيع استعادتها بعد أن تُقال، وأشخاص نفقدهم، وأماكن نشتاق إليها ولا نستطيع الوصول إليها، وأزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية لا يمكن تجاوزها بمجرد قرار، بينما يمنحنا العالم الافتراضي إحساسًا مختلفًا بالسيطرة؛ نستطيع أن نغادر نقاشًا لا يعجبنا، ونلغي متابعة شخص يزعجنا، ونتجاوز محتوى لا نريده بحركة إصبع واحدة، ونختار إلى حد كبير ما نريد أن نراه ومن نريد أن نسمعه وكيف نريد أن نظهر أمام الآخرين.

الحياة الواقعية لا تعمل بهذه الطريقة، فلا يوجد فيها زر للحذف ولا خاصية لتجاوز الأيام الصعبة، ولا نستطيع أن نعمل Block للقلق أو Skip للأزمات، ولهذا ربما أصبحت الشاشة بالنسبة لكثيرين أكثر من وسيلة اتصال، وتحولت إلى مساحة نفسية واجتماعية بديلة يجد فيها الإنسان ما يفتقده أحيانًا في حياته اليومية. قد يكون وحيدًا في الواقع ولديه آلاف المتابعين على الإنترنت، وقد يكون مهمومًا لكنه ينشر صورة مبتسمًا، وقد يعيش في مكان محدود الحركة والفرص بينما يستطيع هاتفه أن ينقله خلال دقائق إلى مدن وثقافات وتجارب بعيدة عنه آلاف الكيلومترات. لقد أصبحت المسافة بين ما نعيشه فعليًا وما نستطيع مشاهدته وتجربته رقميًا أكبر من أي وقت مضى.

الخوارزميات بدورها تفهم هذه الحاجة جيدًا، فهي تتعلم باستمرار ما يجذب انتباهنا وما يجعلنا نضحك أو نغضب أو نخاف أو نبقى وقتًا أطول أمام الشاشة، ثم تقدم لنا المزيد منه. ومع مرور الوقت لا نعود جميعًا نعيش الإنترنت نفسه، بل يبدأ كل واحد منا تقريبًا في العيش داخل عالم رقمي صُمم تدريجيًا حول اهتماماته ورغباته ومخاوفه. وهنا تكمن المفارقة، فالعالم الافتراضي الذي نلجأ إليه أحيانًا هربًا من ألم الواقع يستطيع هو نفسه أن يصنع ألمًا من نوع آخر، لأننا نبدأ بمقارنة حياتنا الكاملة بلحظات منتقاة من حياة الآخرين، ونقارن أيامنا العادية بأفضل صورهم، ومشكلاتنا بنجاحاتهم المنشورة، وبداياتنا بنتائجهم النهائية، وننسى أن ما يظهر أمامنا ليس الحياة كلها وإنما الجزء الذي قرر الآخر أن يعرضه منها.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى حياتنا، تصبح الحدود بين العالمين أكثر تعقيدًا. لم تعد المسألة صورة محسنة أو فلترًا يخفي بعض العيوب، بل أصبح بالإمكان إنتاج أشخاص وأصوات وأماكن ومشاهد تبدو حقيقية رغم أنها لم توجد أصلًا، وربما نحن في بداية مرحلة لن يكون فيها العالم الافتراضي مجرد انعكاس للواقع، وإنما عالمًا موازيًا يمكن للإنسان أن يصنع داخله النسخة التي يريدها من نفسه ومن حياته. وهنا يظهر سؤال يستحق التفكير: ماذا سيحدث عندما يصبح العالم الذي نستطيع تصميمه لأنفسنا أكثر راحة من العالم الذي نعيش فيه فعلًا؟

ربما لن تكون المشكلة مستقبلًا في عدد الساعات التي يقضيها الإنسان أمام الشاشة، بل في الأسباب التي تجعله يفضل البقاء فيها. فإذا وجد التقدير في إعجاب، والاهتمام في إشعار، والانتماء داخل مجموعة رقمية، والمتعة في فيديو قصير، والهروب داخل لعبة، والعمل عبر منصة، وحتى الحديث مع الذكاء الاصطناعي أكثر سهولة من الحديث مع بعض البشر، فمن الطبيعي أن يحتل العالم الافتراضي مساحة أكبر من حياته. فالإنسان لا يبحث دائمًا عن التكنولوجيا لذاتها، وإنما يبحث عما تمنحه له من شعور أو فرصة أو تعويض عن شيء يفتقده في الواقع.

لكن العالم الافتراضي، مهما أصبح متطورًا، لا يستطيع أن يكون بديلًا كاملًا للحياة. يمكنه أن يمنحنا المعرفة والعمل والفرص والعلاقات ومساحة للتعبير، ويمكن أن يخفف عنا قسوة بعض الأيام، لكنه لا يستطيع أن يحل بصورة كاملة محل العلاقة الإنسانية الحقيقية والانتماء والمكان والتجربة والإنجاز الذي نعيشه ونلمسه. لذلك فإن المشكلة ليست في وجود عالم افتراضي جميل أو مريح، بل تبدأ عندما يصبح أقل ألمًا من الواقعي إلى درجة أن نفضله عليه.

وعندها ربما يكون من الخطأ أن نحصر النقاش في سؤال: لماذا يقضي الناس كل هذا الوقت على هواتفهم؟ فالسؤال الأعمق هو: ما الذي أصبح مؤلمًا إلى هذا الحد في واقعهم حتى وجدوا داخل شاشة صغيرة عالمًا أرحم منه؟ هذا السؤال لا يتعلق بشركات التكنولوجيا والخوارزميات وحدها، بل بالمجتمع والأسرة والتعليم والاقتصاد والسياسة وكل من يشارك بطريقة أو بأخرى في صناعة الواقع الذي يعيش فيه الإنسان.

فالناس لا تهرب دائمًا إلى العالم الافتراضي لأنها أدمنته، بل ربما لأنها وجدت فيه ما أصبح نادرًا في الواقع: مساحة تستطيع فيها أن تحلم. وربما تكون أخطر لحظة نصل إليها ليست عندما يصبح العالم الافتراضي أكثر واقعية، وإنما عندما يصبح الواقع نفسه أقل احتمالًا منه.




مستعمرون إرهابيون يقتحمون مقامات إسلامية في عورتا جنوب شرق نابلس




الاحتلال يقتحم نابلس وينصب حاجزا عسكريا في منطقة المساكن الشعبية




صحافيات جنين الصغيرات يفتحن 4 حوارات كبيرة

عبد الباسط خلف-حاورت 19 يافعةً رئيسَ بلدية جنين، ورئيسَ مجلس قروي فقوعة، ومديرةَ وزارة الأشغال العامة والإسكان، والمديرةَ الإدارية لمستشفى جنين الحكومي.

وطرحت المشاركات في المخيم الصيفي الإعلامي البيئي الحادي عشر (صحافيات صغيرات) أسئلتهن عن طرقات جنين، وأسواقها، ونظافتها، وانقطاع المياه، والمواقف العامة، وتداعيات العدوان المتواصل منذ 21 كانون الثاني 2025 عليها، والهجمة الاستيطانية الواسعة.

وتتبعت الزهرات جودة الخدمات العامة، وغرق المدينة المتكرر بمياه الأمطار، ولاحقن المشهد الصحي في المستشفى الحكومي، وسألن عن نقص الأدوية، وانعكاسات الأزمة المالية على المرضى، والنظافة داخل المستشفى، والازدحام الهائل فيه.

وواكبت الصحافيات الصغيرات حال قرية فقوعة، شرق جنين، وما تشهده من هجوم استيطاني، وحصار متكرر، وسرقة مياه تحرم المواطنين من سر الحياة. كما بحثن في موازنة المجلس، وتطرقن إلى سوسنة فقوعة، النبتة الوطنية لفلسطين، وكيف أثرت في القرية الصغيرة.

11 تجربة

واستهلت لور أبو السباع، التي تشارك للمرة الرابعة في المخيم، التعريف بالتجربة المنطلقة في جنين وطوباس قبل 11 عامًا، وينظمها في النسخة الحالية مركز التعليم البيئي/الكنيسة الإنجيلية اللوثرية في الأردن والأراضي المقدسة، والهيئة الاستشارية لتطوير المؤسسات غير الحكومية، برعاية شركة التكافل للتأمين.

وأشارت أبو السباع إلى أن الحوارات استضافت طوال 10 أعوام سابقة وزير الصحة، جواد عواد، ومحافظ جنين، أكرم الرجوب، ومحافظ طوباس والأغوار الشمالية، المرحوم ربيح الخندقي، وخلفه يونس العاصي، ورئيس بلدية طوباس، حسان مجلي، ومدير شرطة طوباس المرحوم سائد عساف، ورئيس تحرير شبكة معًا، ناصر اللحام. وقد عُرضت مخرجات المخيمات السابقة في جامعة الدول العربية، والهيئة العربية للبث الفضائي، من خلال وزارة الإعلام سابقًا.

وتطرق رئيس بلدية جنين، محمد جرار، إلى العمل بنظام الطوارئ، الذي أثر سلبًا على الخطط الاستراتيجية، وأجبر المجلس على العمل في ظروف صعبة، وعمل على خطة تعافٍ لامتصاص تداعيات العدوان على المدينة ومخيمها، بالشراكة مع اللجنة الشعبية للخدمات.

وأشار إلى أن المجلس الحالي والسابق حمل ملف النازحين إلى الكثير من المحافل الدولية، وسعى إلى تجنيد داعمين.

وأكد جرار أن المدينة بحاجة من سنتين إلى ثلاث سنوات للتعافي من آثار إعادة احتلال مخيمها، وتدمير بيوته وبنيته التحتية.

واستعرض الأوضاع الاقتصادية التي تعانيها جنين، إذ يشكل اعتمادها على المتسوقين من الداخل 35%، و45% على ريفها، و20% من مجتمعها المحلي، في ظل محاولات راهنة لإطلاق سوق السبت بالشراكة مع مؤسسة مجتمعات محلية، وتطوير سوق السيباط التاريخي.

ويرسم جرار صورةً لتنظيم أسواق المدينة، التي تراعي فيها البلدية الحالة الاقتصادية للمواطنين.

وأوضح حجم الفاقد للمياه، والسرقات التي تحدث على الخطوط الناقلة، بحجم فاقد شهري يصل إلى 90 ألف متر مكعب.

وأشار جرار إلى عمل قسم النظافة في جمع النفايات مرتين يوميًا، أو مرة أو ثلاث مرات في الأسبوع، تبعًا للمنطقة.

وأكد رئيس البلدية للصحافيات أن المجلس قلص عدد الموظفين من 500 إلى 287، كما يعمل وفق قانون الهيئات المحلية لتطبيق المستطاع من 23 صلاحية مناطة به.

وأجمل رئيس مجلس قروي فقوعة، بركات العمري، التغيرات الأخيرة التي عصفت بقريته، عقب إقامة بؤرة استيطانية رعوية أتت على أكثر من 3000 دونم، ومخططات لاستحداث مستوطنة أخرى فوق أراضيها، عدا عن المعاناة جراء الشارع الالتفافي، الذي تحول إلى مصدر للتنكيل بالأهالي، إضافة إلى الاقتحامات اليومية، وتشكيل فريق من 14 متطوعًا للأزمات.

وأشار إلى أن المجلس الحالي يتابع ملف سرقة المياه، وتوصل إلى 25 من المعتدين على الخطوط الناقلة، وقدمها لجهات الاختصاص، ولا يسمح القانون بالإعلان عنها من طرفه.

وبيّن أن المجلس الحالي، كما حال المجلسين السابقين اللذين وقف على رئاستهما، يحظى بفائض في الموازنة العامة، ويؤكد أن المجلس يستنفر إذا ما قلت الوفرة عن مليون شيقل.

وأكد أن مصادر دخل فقوعة هي ملك لمجلسها، كالكهرباء، والمياه، وخدمة جمع النفايات، وقد شق المجلس 40 كيلومترًا من شبكات الطرق الزراعية.

سوسنة ومستشفى

ولخص العمري: منذ إعلان مجلس الوزراء صيف 2016 عن سوسنة فقوعة، نبتة وطنية لفلسطين، عملنا على خطة موازية، ونقلنا صورة قريتنا إلى 22 فضائية كبرى، وزارنا أكثر من 10 آلاف من محافظات مختلفة، وأعددنا محميات مغلقة للزهرة، وكثّرنا النبتة الوطنية بالشراكة مع مؤسسات بحثية، وأهلنا متطوعين لحراستها.

واقترحت الصغيرات عقد لقاء مساءلة مجتمعية في أيلول القادم، يقدمنه بأنفسهن، يجمع أهالي القرية بالمجلس، ويحصلن على موافقة وترحاب.

وانتقلت الزهرات إلى حوار المديرة الإدارية والمالية لمستشفى الشهيد خليل سليمان جنين الحكومي، نداء زكارنة، التي قدمت كشفًا حول أحواله، وأكدت أنه يخدم 3000 مواطن، ويستقبل شهريًا قرابة 10 آلاف حالة، ويحظى بشبكة عيادات وأقسام، ويعالج 220 مريض كلى في أربع ورديات.

وأشارت إلى نقص الكادر، والضغط الهائل على الخدمات، وانعكاسات الأزمة المالية، ودوام الطوارئ ليومين لمن هم من خارج المحافظة، وثلاثة أيام للأطباء والموظفين من خارجها، ومع ذلك لم تتوقف عجلة المستشفى.

وأكدت زكارنة وجود أكثر من 3000 حالة تحتاج إلى عمليات جراحية، ويُجرى أسبوعيًا 30-40 تدخلًا جراحيًا، ولا يتم تأخير حالات إنقاذ الحياة.

وتطرقت إلى مبادرات المجتمع المحلي، وجهود جمعية أصدقاء المستشفى، ومبادرة مؤسسة أيام فلسطين لـ1000 صورة، التي تعمل على إعادة جدولة المحتاجين إلى جهاز التصوير الطبقي، لتقليل وقت انتظارهم.

وتحدثت عن نظام الشكاوى الذي يتيح للمرضى والزوار تقديم ما يرغبون به بشكل آلي، كما أسهبت في الحديث عن نقص الكادر، وتكلفة علاج الأورام التي تفوق في بعض جرعاتها 20 ألف شيقل، ووجود 17 سرير طوارئ، واستحداث قسم طوارئ للأطفال وللجراحات العميقة، عدا عن وجود 50 عامل نظافة.

وقدمت الصحافيات الصغيرات مبادرة مطلع الأسبوع الحالي لزيارة قسم الأطفال، ولتوعية الزائرين بأهمية المحافظة على نظافة المستشفى.

زهرات وأشغال عامة

وانتقلت اليافعات كندة هيجاوي، وسديل طوالبة، ومرح صوالحة، وبيسان تركمان، ورغد ورفيف خلوف، وسونيا أبو الرب، وريماس كيلاني، وزين قرعاوي، وريماس بزور، وإيلين وميار ضبايا، ومنال صلاح، ونوال منصور، ولميس وزينة ومنة عبيدي، وألما عياش، ولور أبو السباع، ولونا قدورة، إلى حوار مديرة وزارة الأشغال العامة والإسكان، ميسون أبو بكر.

وقدمت أبو بكر عرضًا حول اختصاصات الوزارة وأدوارها في الطرق والآليات والإشراف على المباني العامة، عبر نظام العطاءات والمتابعة مع المقاولين في حال إنشاء بنايات حكومية.

وأكدت أن مؤسستها تعتمد على المال، وقد تأثرت بفعل الأزمة الاقتصادية التي تعيشها الحكومة، جراء احتجاز أموال المقاصة.

وأشارت إلى جهود الوزارة في تنفيذ جولات لتنظيف مجاري الأودية وعبارات المياه، قبيل موسم الشتاء، حتى لا تغرق مياه الأمطار الطرقات.

وتحدثت عن خطة إعادة إعمار مخيم جنين، حال انسحاب الاحتلال منه، وأكدت أنها ستتم بعد تنفيذ خطة أمنية للدفاع المدني لإزالة الألغام، وإزالة مواطن الخطر، قبل عودة المواطنين النازحين إلى بيوتهم.

وأوضحت أبو بكر أن تنفيذ المشاريع في الأراضي ذات التربة الحمراء بحاجة إلى معالجة، ويتطلب تغيير التربة، وهي عملية مكلفة، كما أن الضغط الهائل على الطرقات بفعل تسيير آليات الاحتلال العسكرية عليها يسرع من تهالكها.

ويؤكد القائمون على “صحافيات صغيرات” أنه سيتواصل حتى منتصف الأسبوع القادم، وسيتوج بتسجيل وبث ومضات مرئية ومسموعة بالشراكة مع راديو البلد وإذاعة الجامعة العربية الأمريكية، تتحدث عن تاريخ جنين القديم والحديث، وتعرّف بالمساءلة المجتمعية وأهميتها في الحد من الشائعات، كما ستواكب العديد من المفاهيم البيئية التي تسعى إلى المساهمة في رفع الوعي البيئي، بالرغم من الأزمات الحادة التي تعصف بالمحافظة.




منى الضميدي.. من فضول الطفولة إلى محافظ للذكاء الاصطناعي المسؤول لفلسطين

عبير البرغوثي- لم تبدأ حكاية د. منى نبيل الضميدي مع الذكاء الاصطناعي من منصب أو جائزة أو استراتيجية وطنية، بل من فضول مبكر؛ رغبة في فهم الأشياء من حولها: كيف تعمل؟ ولماذا تعمل بهذه الطريقة؟ وهل يمكن أن تعمل بصورة أفضل؟

ذلك الفضول الذي قادها إلى هندسة الحاسوب، ثم إلى البحث الأكاديمي في البرمجيات والبيانات والذكاء الاصطناعي، تحول مع السنوات إلى مسار مهني أوسع، تجاوز حدود المختبر والجامعة إلى السياسات والحوكمة والابتكار، وصولا إلى تعيينها مؤخرا محافظا للذكاء الاصطناعي المسؤول لفلسطين لدى المجلس العالمي للذكاء الاصطناعي المسؤول (GCRAI) ، وهو مجلس دولي مستقل وغير ربحي تأسس في 2024 وأطلق دوليا في مجلس اللوردات في لندن عام 2025، ويعمل اليوم من خلال شبكة تمتد إلى عشرات الدول. فكرته الأساسية هي نقل الذكاء الاصطناعي المسؤول من المبادئ النظرية إلى التطبيق: كيف نبني أنظمة AI  أكثر شفافية وأمانا وعدالة وخضوعا للمساءلة دون أن نعيق الابتكار.

بالنسبة للضميدي، لا يمثل المنصب الجديد مجرد لقب يضاف إلى سيرتها المهنية، بل “مسؤولية ومساحة دولية إضافية” تستطيع من خلالها خدمة فلسطين، وربط الخبرة الفلسطينية بالنقاش العالمي حول مستقبل الذكاء الاصطناعي وكيفية تطويره واستخدامه بصورة مسؤولة وأخلاقية.

وعن تعيينها في هذا المنصب، ترى أنه دور شرفي ومهني داخل هذه الشبكة، ومنصة إضافية لربط الخبرة الفلسطينية بالعالم وجلب المعرفة والشراكات إلى فلسطين.

فضول قادها إلى التكنولوجيا

تقول الضميدي لـ “الحياة الجديدة”: إن أكثر ما بقي ثابتا في شخصيتها منذ البدايات هو الفضول. لم تكن هندسة الحاسوب خيارا مرسوما منذ الطفولة، لكنها جذبتها لأنها تجمع بين المنطق والهندسة والبرمجة وحل المشكلات.

ومع الوقت، لم تعد الأسئلة التي تشغلها مرتبطة بكيفية كتابة البرامج فحسب، بل بما يقف خلفها: كيف تتعامل التكنولوجيا مع البيانات؟ كيف تتعلم الآلة؟ وكيف يمكن أن تتكيف مع احتياجات الإنسان وتساعده على اتخاذ قرارات أفضل؟

هكذا تطورت علاقتها بالبرمجيات والبيانات إلى اهتمام أعمق بالذكاء الاصطناعي، في وقت كان فيه هذا المجال لا يزال بعيدا عن الاهتمام الجماهيري الواسع الذي يحظى به اليوم.

وتقول إن دخولها المبكر إلى المجال منحها فرصة مهمة، إذ بدأت علاقتها بالذكاء الاصطناعي من البحث والأسئلة العلمية، قبل أن يتحول إلى موجة تكنولوجية عالمية.

من فلسطين إلى مانشستر وبرمنغهام

كانت تجربتها الأكاديمية في بريطانيا محطة مفصلية في تشكيل رؤيتها العلمية والشخصية. ففي مانشستر تعمقت علاقتها بالبرمجيات والبيانات والبحث، بينما دفعتها تجربتها اللاحقة في برمنغهام بصورة أكبر نحو التعلم والذكاء الاصطناعي وكيفية تطوير تكنولوجيا أكثر قدرة على فهم الإنسان.

لكن التجربة لم تكن علمية فقط. خارج فلسطين، بدأت تنظر إلى بلدها من زاوية مختلفة؛ رأت ما يمتلكه الفلسطينيون من طاقات، لكنها رأت أيضا الفجوات في الفرص والبحث والبنية التحتية والوصول إلى التكنولوجيا.

ومن هنا نشأ سؤال رافقها لاحقا: كيف يمكن إعادة توظيف ما تتعلمه وتراه في العالم بطريقة تخدم فلسطين؟

لم تعد العودة بالنسبة إليها مجرد استكمال لمسار أكاديمي شخصي، وإنما محاولة لبناء برامج ومؤسسات وسياسات وفرص تجعل المسافة بين الشاب الفلسطيني والفرصة العالمية أقصر.

حين يصبح العلم مشروعا وطنيا

تدريجيا، انتقلت الضميدي من البحث الأكاديمي إلى مساحة أوسع تجمع التكنولوجيا بالقيادة والابتكار وريادة الأعمال.

ومن خلال تأسيس STEMpire والعمل مع منظومة الابتكار والقطاع الخاص، ثم توليها أدوارا قيادية في الجامعة العربية الأمريكية، بدأت تبحث عن الإجابة لسؤال واحد: ماذا يحدث للفكرة بعد خروجها من الورقة العلمية؟

في الجامعة العربية الأمريكية، تولت قيادة كلية العلوم الرقمية، وتشغل اليوم منصب نائب رئيس الجامعة لشؤون الذكاء الاصطناعي، إلى جانب إدارة العلاقات الدولية.

وهناك، لم تعد تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كموضوع أكاديمي فقط، بل كأداة لإعادة التفكير في التعليم والخدمات والبحث العلمي ومهارات الطلبة.

من تدريب الكوادر إلى إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية، وبناء مساعدين رقميين، وتطوير منصة  PromptVerse، وتوسيع الشراكات الدولية، تحاول الضميدي تحويل الأفكار إلى ممارسة مؤسسية.

وتلخص رؤيتها بالقول إن القيادة الحقيقية لا تكمن في امتلاك الفكرة، وإنما في تحويلها إلى منظومة تعمل وتترك أثرا.

الاستراتيجية الوطنية.. من الفكرة إلى السياسة

من أبرز المحطات في مسيرتها مشاركتها في تطوير الاستراتيجية الوطنية الفلسطينية للذكاء الاصطناعي التي أقرت عام 2023.

منذ البداية، كانت ترى أن فلسطين لا تحتاج إلى استنساخ تجارب الدول الأخرى، لأن احتياجات دولة تمتلك بنية تحتية وموارد حوسبة ضخمة تختلف عن احتياجات فلسطين.

لذلك كان السؤال الأهم: ما الذكاء الاصطناعي الذي تحتاجه فلسطين؟

امتد النقاش إلى الحكومة والتنمية والتعليم وبناء القدرات والبحث والتطوير والتشريعات والأخلاقيات والتعاون الدولي، قبل أن يتوسع عملها إلى ملفات جاهزية فلسطين للذكاء الاصطناعي وأخلاقياته وفق منهجية اليونسكو، والسياسات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في التعليم العالي.

وبالنسبة إليها، لم تكن الاستراتيجية مجرد وثيقة أقرت عام 2023، بل بداية لمسار وطني طويل.

وترى أن أهم ما تحقق هو نقل الذكاء الاصطناعي من دائرة المبادرات والنقاشات المتفرقة إلى مستوى السياسة الوطنية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن نجاح أي استراتيجية لا يقاس بعدد صفحاتها، وإنما بما يحدث بعدها.

“لا أريد أن يسمع العالم عن فلسطين فقط”

من هنا تكتسب مهمتها الجديدة لدى المجلس العالمي للذكاء الاصطناعي المسؤول أهمية خاصة بالنسبة إليها، المنصب – كما تقول لــ “الحياة الجدديدة”: يضيف إلى عملها شبكة دولية أوسع ومساحة للمشاركة في النقاشات المتعلقة بالحوكمة والمساءلة والثقة وإدارة المخاطر، لكنه بالنسبة إليها لا يجب أن يتحول إلى اتجاه واحد.

تريد للباحثين والشباب والجامعات ورواد الأعمال الفلسطينيين أن يستفيدوا من هذه الشبكة عبر فرص التعاون وتبادل الخبرات وبناء القدرات، لكنها تريد أيضا أن تكون التجربة الفلسطينية جزءا مما يقدمه العالم ويتعلم منه.

وتقول إن فلسطين لديها ما يمكن أن تضيفه في مجالات بناء القدرات والعدالة الرقمية والتعليم وحوكمة التكنولوجيا في البيئات محدودة الموارد.

وتختصر رؤيتها بعبارة تحمل كثيرا من طموحها: “لا أريد فقط أن يسمع العالم عن فلسطين. أريد أن يسمع من الفلسطينيين عندما يتم تصميم مستقبل التكنولوجيا نفسها”.

امرأة فلسطينية في عالم التكنولوجيا

لم يكن الطريق خاليا من التحديات. فقد شعرت في مراحل من مسيرتها بأنها مطالبة بإثبات نفسها بصورة مضاعفة؛ كامرأة تدخل مجالا تقنيا كان يهيمن عليه الرجال، وكفلسطينية تدخل مساحات أكاديمية ومهنية دولية. لكنها لا تفضل أن تبني قصتها على العوائق.

مع الوقت، تعلمت أن أفضل طريقة لإثبات الذات هي العمل والنتيجة؛ أن تتحدث السياسة التي ساهمت في تطويرها، والبحث الذي نشرته، والبرنامج الذي أتاح فرصة لآخرين. وربما لهذا السبب أصبح تمكين النساء والشباب جزءا أساسيا من رؤيتها.

وترى أن المشكلة لا تكمن في قدرات النساء الفلسطينيات، وإنما في الفرص والشبكات والثقة والوصول إلى التمويل ومواقع صنع القرار.

وبالنسبة إليها، فإن زيادة حضور النساء في الذكاء الاصطناعي ليست مجرد قضية مساواة، بل ضرورة لبناء تكنولوجيا أكثر عدالة؛ إذ إن الفرق التي تصمم التكنولوجيا يجب أن تعكس تنوع المجتمعات التي ستستخدمها.

إلى الفتاة التي تحلم بالتكنولوجيا

وللفتاة الفلسطينية التي تحب التكنولوجيا ولا ترى أمامها نماذج نسائية كثيرة في مواقع القيادة، توجه الضميدي رسالة -عبر “الحياة الجديدة”- تبدو أقرب إلى خلاصة تجربتها الشخصية: “لا تنتظري أن تري نموذجا مطابقا لك حتى تبدئي. ربما أنت النموذج الذي ستراه فتاة أخرى بعد خمس سنوات”.

تدعوها إلى التعلم وبناء المشاريع والمشاركة في المسابقات واقتناص الفرص، حتى عندما لا تشعر بأنها تستوفي كل الشروط، وإلى ألا تضع سقفا جغرافيا لطموحها. مكان الانطلاق، كما ترى، يمكن أن يكون جزءا من القصة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى حدود للمستقبل.

النجاح ليس نهاية الطريق

رغم التكريمات التي حصلت عليها، ومن بينها لقب المرأة الأكثر تأثيرا في فلسطين، لا تنظر الضميدي إلى الجوائز باعتبارها نقطة وصول، بالنسبة إليها، هناك فرق بين النجاح والتأثير. النجاح قد يكون شهادة أو منصبا أو جائزة، أما التأثير فهو أن يصل ما تقوم به إلى الآخرين وأن يغير شيئا خارج حدود مسارك الشخصي. ولهذا فإن كل تكريم، في نظرها، يطرح سؤالا جديدا: ماذا ستفعل بهذه المساحة بعد ذلك؟

حتى الإخفاقات لم تكن خارج هذه المعادلة. تقول إنها لا تؤمن بالسيرة الذاتية المثالية، لأن خلف كل فرصة ظهرت فيها فرص أخرى لم تحدث، ومشاريع لم تكتمل، وأبوابا أغلقت. لكنها تعلمت ألا تربط قيمتها بقرار شخص أو مؤسسة، وأن بعض التجارب الصعبة تمنح الإنسان وضوحا لا يمنحه النجاح. وتقول إن المرونة والقدرة على البدء من جديد ربما كانتا من أهم المهارات التي صنعت مسيرتها، وربما أهم من الذكاء نفسه.

من “المستخدم” إلى “الشريك”

تطمح الضميدي إلى أن تنتقل فلسطين في علاقتها بالتكنولوجيا من موقع المستفيد إلى موقع الشريك، وترى أن امتلاك استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي، والعمل على أخلاقياته وحوكمته، وتطوير البرامج التعليمية والبحثية، ووجود خبرات فلسطينية في الداخل والخارج، كلها خطوات يمكن البناء عليها.

لكن المعركة الحقيقية، في نظرها، هي تحويل رأس المال البشري الفلسطيني إلى شركات ومنتجات وبحوث وملكية فكرية وفرص عمل.

وترى في الذكاء الاصطناعي مجالا يمكن أن يفتح لفلسطين نوعا جديدا من الحضور الدولي، عبر ما تسميه طالدبلوماسية العلمية والمعرفية”، باحث فلسطيني يشارك في بحث عالمي، أو جامعة تقود مبادرة نوعية، أو شاب يبني منتجا قادرا على المنافسة، يمكن أن يكون جزءا من الحضور الفلسطيني في العالم، إلى جانب الدبلوماسية الرسمية.

الحلم الأكبر.. فلسطين التي تنتج التكنولوجيا

وراء كل هذه الأدوار، يبقى حلم الضميدي أبعد من منصب أو جائزة. تريد أن ترى فلسطين منتجة ومصدرة للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لا مجرد مستهلكة لهما، وتتطلع إلى بناء منظومة فلسطينية متكاملة تربط الجامعات والحكومة والقطاع الخاص ورواد الأعمال والباحثين في الداخل والشتات، وتوفر بنية تحتية للبيانات والحوسبة، ومختبرات للبحث والتطوير، وبرامج للمواهب، ودعما للشركات الناشئة، وتطبيقات للذكاء الاصطناعي في التعليم والصحة والزراعة والخدمات الحكومية، إلى جانب إطار قوي للحوكمة والأخلاقيات.

وتريد أن يكون الشباب والنساء واللغة العربية والسياق الفلسطيني جزءا أساسيا من هذه المنظومة. وتقول: إن اللبنات الأولى موجودة بالفعل: استراتيجية وطنية، جامعات تتحرك، قطاع خاص يزداد اهتماما، وتجارب مؤسسية وشبكة من العلماء والمهندسين والخبراء الفلسطينيين حول العالم. ما ينقص، برأيها، هو ربط هذه النقاط ببعضها.

وعندها، لن يكون السؤال كيف تلحق فلسطين بثورة الذكاء الاصطناعي، وإنما: ما الذي تستطيع فلسطين أن تضيفه إلى هذه الثورة؟

ذلك هو الحلم الذي تختصر فيه الضميدي مسيرتها؛ أن تتحول المعرفة التي بدأت يوما بفضول شابة فلسطينية تجاه التكنولوجيا إلى فرصة أوسع لبلد كامل، وأن يصبح الذكاء الاصطناعي مساحة جديدة تثبت فيها فلسطين أن محدودية الموارد لا تعني محدودية القدرة على الابتكار.