1

“هيئة الأسرى”: استمرار معاناة الأسرى في سجن عوفر على المستويين الحياتي والصحي

 أفادت هيئة شؤون الأسرى والمحررين، اليوم الأربعاء، بأن الظروف الحياتية والصحية في سجن عوفر لا تزال سيئة ومعقدة، في ظل استمرار السياسات العقابية والانتقامية التي تفرضها إدارة السجن بحق الأسرى، ما يفاقم معاناتهم ويهدد حياتهم وسلامتهم الجسدية.

وأوضحت الهيئة أن إدارة السجن تمارس العديد من التجاوزات التي تحولت إلى روتين يومي، مشيرة إلى أن الطعام سيئ كماً ونوعاً، فيما يُحرم المرضى من الحصول على الأدوية والعلاج، وتفاقمت الأمراض الجلدية بين الأسرى، بما يشكل خطراً على صحتهم.

وأضافت أن إدارة السجن تسحب الفرشات في ساعات الصباح الأولى، وتعيدها مساءً، إلى جانب تنفيذ اقتحامات للغرف والأقسام، والاعتداء على الأسرى وضربهم والتنكيل بهم وسبهم وشتمهم وإهانتهم.

وأشارت إلى أن فترة الفورة والاستحمام لا تتجاوز ربع ساعة، فيما يفتقر الأسرى إلى الملابس والأغطية، ولا يتوفر بحوزة كل أسير سوى لباس السجن وبيجامة باللون السكري، كما يُمنعون من امتلاك أدوات التنظيف والتعقيم، إلى جانب العديد من الإجراءات والسياسات العقابية الأخرى.

وأشارت الهيئة إلى أن هذه التفاصيل وثقها محاميها خلال زيارته عدداً من الأسرى في سجن عوفر، وهم: محمود عويوي (22 عاماً) من الخليل، المعتقل إدارياً منذ 13 آذار/مارس 2025، وموسى إعمر (28 عاماً) من بلدة بيت أمر، المعتقل إدارياً منذ تموز/يوليو 2025، وآدم عطا (21 عاماً) من بلدة دير أبو مشعل، المعتقل إدارياً منذ 9 أيار/مايو 2025.

كما شملت الزيارة حسن البايض (27 عاماً) من مخيم الفوار، الموقوف منذ اعتقاله في 21 نيسان/أبريل 2025، ومصعب الوهدين (17 عاماً) من بلدة بيت أمر، المعتقل خلال العام الجاري




تل الزعتر.. حين صار المخيم وطنًا صغيرًا لفلسطين

لؤي صوالحة – كاتب وصحفي فلسطيني

هناك أماكن لا تنتهي حين تسقط جدرانها، وأسماء لا تصبح من الماضي مهما حاول الزمن أن يضع بينها وبيننا مسافة من السنوات، وتل الزعتر واحد من تلك الأماكن التي بقيت واقفة في الذاكرة الفلسطينية رغم أن المخيم نفسه لم يعد قائمًا كما كان، لأن المكان حين يسكنه شعب يحمل وطنًا في قلبه يتحول من جغرافيا عابرة إلى شاهد، ومن شاهد إلى ذاكرة، ومن ذاكرة إلى قضية لا تستطيع الحروب ولا المجازر ولا المنافي أن تطفئها.
في 12 آب/أغسطس 1976، لم يكن الفلسطينيون أمام نهاية مخيم فحسب، وإنما أمام واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخ اللجوء الفلسطيني، بعدما عاش سكان تل الزعتر حصارًا طويلًا وقصفًا ومعارك أنهكت المخيم وأثقلت أيامه بالخوف والجوع والموت، ثم جاء سقوطه والمجزرة التي ارتبطت به لتضيف صفحة دامية إلى سجل شعب لم تبدأ مأساته في لبنان، ولم تنتهِ عند حدود مخيماته، وإنما ظل يحمل جرح النكبة من مكان إلى آخر، وكأن الفلسطيني كتب عليه أن يهرب من الموت ليجده في محطة جديدة من محطات المنفى.
لكن تل الزعتر لم يكن مجرد مخيم.
كان فلسطين حين لم تكن فلسطين قريبة.
كان بيتًا صغيرًا للاجئين الكبار في أحلامهم، وكان في أزقته الضيقة متسع لحيفا وعكا ويافا وصفد والقرى التي تركها أهلها خلفهم عام 1948 وهم يحملون مفاتيح البيوت، وبعض الصور، وقليلًا من التراب، وكثيرًا من اليقين بأن العودة لن تتأخر، قبل أن تتحول الأيام إلى سنوات، والسنوات إلى عقود، ويصبح المفتاح الذي كان يفترض أن يفتح باب البيت يومًا ما شاهدًا على وطن غائب، ودليلًا على أن الفلسطيني يستطيع أن يعيش بعيدًا عن أرضه، لكنه لا يستطيع أن يقتلع الأرض من داخله.
كان في تل الزعتر جيل كامل من الفلسطينيين الذين ولدوا في المنفى وهم يعرفون أسماء أماكن لم تطأها أقدامهم، وكان الطفل يعرف القرية من صوت جدته، والمدينة من حديث أبيه، والبيت من صورة معلقة على جدار، وفلسطين من حكاية تتكرر كل ليلة حتى تصبح جزءًا من تكوينه، ولذلك لم يكن المخيم بالنسبة إلى سكانه مكانًا للنوم والطعام والعمل فقط، بل كان مساحة تحفظ ما تبقى من الوطن، ومكانًا يتوارث فيه الأبناء أسماء الذين سبقوهم، كما يتوارثون ملامح الوجه ولهجة القرية وذاكرة الطريق.
وحين اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية، لم يكن الفلسطيني قادرًا على الوقوف خارج العاصفة، فقد وجد نفسه داخل صراع شديد التعقيد تداخلت فيه القوى اللبنانية والفلسطينية والإقليمية، وتشابكت فيه المصالح والتحالفات والأسلحة، وتحولت المخيمات الفلسطينية إلى جزء من الجغرافيا الساخنة للحرب، وكان تل الزعتر، بحكم موقعه وظروفه، واحدًا من أكثر الأماكن تعرضًا للضغط والحصار، حتى أصبح سكانه يعيشون الأيام كما لو أن الموت يقف خلف الباب وينتظر لحظة الدخول.
في المخيم، لم تعد السياسة كما تُكتب في البيانات والخطب هي السياسة ذاتها التي يعيشها الناس، لأن الكلمات الكبيرة مثل التحالف والصراع والنفوذ والجبهة كانت تختصر داخل بيت صغير إلى أم تبحث عن الماء، وأب يحاول تأمين الطعام، وطفل يسأل عن موعد انتهاء القصف، ومريض ينتظر دواء قد لا يصل، وامرأة تحاول أن تخفي خوفها حتى لا يراه أطفالها في عينيها، ورجل يخرج في الصباح وهو لا يعرف إن كان سيعود في المساء، ولذلك فإن التاريخ الذي يريد أن يفهم تل الزعتر عليه أولًا أن ينظر إلى الإنسان الذي كان يعيش داخل الحصار، لا إلى الخريطة وحدها.
كان المخيم يتقلص تحت النار، وكانت الحياة تنسحب من تفاصيله شيئًا فشيئًا، بينما يتمسك الناس بما يستطيعون من يوم عادي، لأن الإنسان حتى في أقسى الظروف يحاول أن يصنع لنفسه شيئًا يشبه الحياة، فيغلي الماء، ويبحث عن رغيف، ويحاول تهدئة طفل، ويحتفظ بصورة عائلية، ويستعيد اسم قرية بعيدة، وكأن استحضار الوطن في لحظة الخوف كان شكلًا من أشكال المقاومة، وكأن الفلسطيني كان يقول للموت: يمكنك أن تحاصرني هنا، لكنك لن تستطيع أن تجعلني أنسى من أنا.
ثم جاء 12 آب/أغسطس 1976، اليوم الذي سقط فيه تل الزعتر بعد حصار ومعارك دامية، وارتبط سقوطه بمجزرة تركت جرحًا عميقًا في الذاكرة الفلسطينية، وبقيت تفاصيلها وأعداد ضحاياها موضوعًا لروايات ومصادر متعددة، لكن اختلاف الأرقام لا يغير جوهر المأساة، لأن الذين سقطوا لم يكونوا أرقامًا، وإنما كانوا بشرًا لهم أسماء ووجوه وعائلات وأحلام، وكان لكل واحد منهم مكان في قلب أم أو أب أو زوجة أو طفل، وكان لكل بيت قصة انتهت فجأة بينما بقيت أبواب كثيرة مفتوحة على انتظار لا يأتي منه أحد.
الرقم لا يستطيع أن يحكي قصة طفل خرج من بين الركام وهو يبحث عن وجه يعرفه، ولا يستطيع أن يصف أمًا احتفظت باسم ابنها بعد أن غاب، ولا يستطيع أن يشرح معنى أن يعود الناجي إلى المكان فلا يجد البيت الذي عاش فيه، وأن يبحث في الركام عن شيء صغير يثبت أن الحياة كانت هنا، صورة، قطعة قماش، لعبة طفل، باب مكسور، أو مفتاح لم يعد يفتح شيئًا، ولذلك تبقى المجازر أكبر من الأرقام، ويبقى الإنسان هو الحقيقة الأولى في أي رواية عن الموت.
ولأن الفلسطيني يعرف معنى أن يُقتلع الإنسان من المكان، فقد حمل تل الزعتر معه بعد سقوطه، ولم تنتهِ الحكاية عند الذين بقوا تحت الركام، بل خرج الناجون من المخيم إلى أماكن أخرى، وحملوا معهم أسماء الذين رحلوا، وصور البيوت، وتفاصيل الأيام الأخيرة، وحكايات الخوف والجوع، ثم نقلوا كل ذلك إلى أبنائهم، وهكذا أصبح تل الزعتر مكانًا لا يحتاج إلى جدران كي يبقى، لأن الذاكرة الفلسطينية قادرة على بناء مخيم كامل من كلمة واحدة، وعلى إعادة شارع كامل من اسم شهيد، وعلى فتح باب قديم بمجرد أن يقول أحدهم: كان لنا بيت هنا.
وربما لهذا السبب تحديدًا، فإن تل الزعتر لا يمكن قراءته بمعزل عن النكبة الفلسطينية، فالنكبة لم تكن يومًا واحدًا انتهى في عام 1948، وإنما كانت مسارًا طويلًا من الاقتلاع واللجوء والتشرد، ومن فقدان البيت والبحث عن مكان آمن، ومن محاولة تحويل الفلسطيني من صاحب أرض إلى لاجئ ينتظر المساعدة، ومن صاحب تاريخ إلى رقم في سجلات المؤسسات، لكن الفلسطيني قاوم هذا التحويل بالذاكرة، فحفظ أسماء القرى، وأبقى المفاتيح، وروى الحكايات، وعلّم أبناءه أن المكان الذي ولدوا فيه ليس بالضرورة المكان الذي ينتمون إليه، وأن الوطن قد يغيب عن العين لكنه لا يغيب عن القلب.
ومن هنا يصبح تل الزعتر أكثر من ذكرى لمجزرة، لأنه يكشف جانبًا من المأساة الفلسطينية ظل يتكرر في صور مختلفة، حيث يصبح المخيم شاهدًا على أن اللجوء لم يكن نهاية النكبة وإنما امتدادًا لها، وأن الفلسطيني الذي ظن أن المخيم محطة مؤقتة وجد نفسه أمام أجيال جديدة تولد في المنفى، بينما يبقى السؤال الأول معلقًا في الهواء: متى نعود؟
هذا السؤال لم يمت مع الذين رحلوا في تل الزعتر، ولم يمت مع الذين غادروا المخيم، ولم يختفِ عندما ابتعدت الأجيال عن لبنان، بل انتقل مع الأطفال إلى أبنائهم، ومع الأبناء إلى أحفادهم، حتى أصبحت العودة جزءًا من الوعي الفلسطيني، لا لأنها شعار يقال في المناسبات، وإنما لأنها الحقيقة التي أبقت للمنفى حدوده، ومنعت المخيم من أن يتحول إلى وطن بديل، وحالت دون أن تصبح السنوات الطويلة دليلًا على سقوط الحق.
وعندما نستعيد تل الزعتر اليوم، فإننا نستعيد معه زمنًا كاملًا من التاريخ الفلسطيني، زمنًا كانت فيه الثورة تبحث عن طريقها وسط عالم عربي ودولي شديد التعقيد، وكانت فيه فلسطين حاضرة في الفكر والسياسة والتنظيم والمقاومة، وكانت أجيال من الفلسطينيين ترى أن استعادة الوطن ليست حلمًا فرديًا، وإنما قضية شعب بأكمله، وأن الطريق إليها قد يختلف من مدرسة إلى أخرى، لكن جوهر القضية يبقى ثابتًا: شعب اقتُلع من أرضه يريد أن يستعيد حقه في الحرية والكرامة والعودة.
وفي ذلك الزمن، كانت الكلمة سلاحًا، والصورة سلاحًا، والذاكرة سلاحًا، وكانت الحكاية الفلسطينية نفسها فعل مقاومة، لأن من يستطيع أن يحكي حكايته يستطيع أن يقاوم الرواية التي تريد محوها، ومن يستطيع أن يقول اسم قريته يستطيع أن يثبت أن القرية لم تختفِ بمجرد أن هُجّر أهلها، ومن يستطيع أن يحفظ اسم شهيده يستطيع أن يمنع موته من أن يتحول إلى رقم مجهول في كتاب قديم.
ولهذا فإن مسؤولية الذاكرة اليوم ليست أن تجعلنا أسرى للحزن، وإنما أن تجعلنا أكثر قدرة على فهم الحاضر، لأن فلسطين التي فقدت تل الزعتر لم تفقد المخيم وحده، بل فقدت بشرًا عاشوا فيه وحملوا وطنهم، ومن حق هؤلاء أن تبقى قصتهم حاضرة، لا من أجل إنتاج الكراهية، وإنما من أجل إنتاج الحقيقة، فالحقيقة وحدها تستطيع أن تمنع التاريخ من أن يتحول إلى رواية يكتبها المنتصرون، والعدالة تبدأ من الاعتراف بالإنسان الذي سقط ومنحه اسمه ومكانه في الذاكرة.
واليوم، حين ينظر الفلسطيني إلى غزة، لا يستطيع أن يمنع الذاكرة من استعادة صور قديمة، لأن الحصار والدمار والنزوح ومشهد العائلة التي تبحث عن مكان يحمي أبناءها يعيد إلى الوعي الفلسطيني أسئلة يعرفها منذ زمن بعيد، وإن كانت لكل حرب ظروفها وسياقاتها وأطرافها، فإن الإنسان الذي يبحث عن مأوى في غزة اليوم يعرف، بطريقة موجعة، معنى أن يصبح البيت هدفًا، وأن يتحول المكان الذي يفترض أن يحميك إلى مساحة خوف، وأن تحمل أطفالك من شارع إلى شارع وأنت لا تعرف أين يمكن أن تجد صباحًا أكثر أمانًا.
من تل الزعتر إلى غزة، ومن مخيمات لبنان إلى مخيمات فلسطين، تبدو الذاكرة كأنها خيط طويل يصل بين أجيال متباعدة، ليس لأن التاريخ يعيد نفسه بالحرف، وإنما لأن قضية اللاجئ الفلسطيني لم تجد حلًا عادلًا، ولأن سؤال الوطن بقي مفتوحًا، ولأن الفلسطيني ما زال يواجه محاولات تحويل المأساة إلى أمر طبيعي، واللجوء إلى قدر دائم، والاحتلال إلى واقع لا يتغير.
لكن فلسطين ليست واقعًا يُفرض على الذاكرة.
فلسطين حكاية شعب.
وحكاية الشعب لا تنتهي لأن أحدًا حاول إغلاقها بالقوة.
لقد سقطت جدران تل الزعتر، لكن لم تسقط الحكاية، وتفرقت العائلات، لكن لم تتفرق الذاكرة، ورحل الشهود، لكن تركوا وراءهم أبناء يعرفون أسماء الذين رحلوا، وأحفادًا يعرفون أن وراء كل اسم قرية، ووراء كل قرية بيتًا، ووراء كل بيت وطنًا.
لهذا لا أكتب عن تل الزعتر باعتباره قبرًا للماضي، وإنما باعتباره شاهدًا على شعب رفض أن يموت في المنفى، وشاهدًا على أمهات حملن فلسطين في أصعب الظروف، وعلى أطفال كبروا وهم يحملون وطنًا لم يروه، وعلى ناجين لم يسمحوا للمجزرة أن تنتصر عليهم مرتين، مرة بالقتل ومرة بالنسيان.
وأنا أكتب اليوم، أرى في تل الزعتر أكثر من ركام، أرى وجه طفل يسأل عن أبيه، وأرى أمًا تخبئ مفتاحًا بين ثيابها، وأرى رجلًا يروي لأبنائه قصة البيت الذي تركه خلفه، وأرى فلسطين كاملة تختبئ في التفاصيل الصغيرة، في صورة قديمة، وفي اسم قرية، وفي مفتاح صدئ، وفي حكاية لا تزال تُروى رغم مرور نصف قرن.
أرى أيضًا ذلك المعنى الأعمق للثورة، حين تتحول الذاكرة إلى فعل مقاومة، وحين تصبح الكتابة دفاعًا عن الذين لم تعد أصواتهم قادرة على الكلام، وحين يصبح الصحفي شاهدًا لا يكتفي بتسجيل ما حدث، وإنما يبحث عن الإنسان الذي حاولت الحرب أن تمحوه من الصورة.
وهذا ما يجعل تل الزعتر حاضرًا فينا حتى اليوم، لأن الشهداء الذين رحلوا هناك لم يأخذوا فلسطين معهم، وإنما تركوا لنا ما هو أثمن من الكلمات: تركوا الذاكرة، وتركوا أسماءهم، وتركوا صورهم، وتركوا للأجيال القادمة سؤالًا لا يستطيع أحد إسكاتَه: إذا كان لنا وطن، فكيف يمكن أن نقبل بأن يصبح المنفى وطنًا أبديًا؟
في ذكرى تل الزعتر، لا أريد أن أستدعي الموت وحده، وإنما أريد أن أستعيد الحياة التي كانت هناك، الحياة التي حاولت أن تستمر وسط الحصار، والنساء اللواتي حافظن على بيوتهن، والأطفال الذين ظلوا أطفالًا رغم الحرب، والرجال الذين حاولوا حماية عائلاتهم، والناجين الذين حملوا ما تبقى من المخيم في قلوبهم، لأن قوة المأساة لا تكمن فقط في عدد الذين قتلوا، وإنما في حجم الحياة التي أُريد لها أن تختفي.
تل الزعتر لم يكن نهاية فلسطين، كما لم تكن النكبة نهايتها، ولم يكن اللجوء نهاية الحكاية، لأن فلسطين ظلت تنتقل من جيل إلى جيل، من الأم إلى الابن، ومن الابن إلى الحفيد، حتى أصبح الوطن جزءًا من الذاكرة اليومية، وصار حق العودة شيئًا لا يحتاج إلى شرح طويل، لأن الإنسان الذي يعرف من أين جاء لا يحتاج إلى أحد كي يخبره إلى أين يريد أن يعود.
بعد خمسين عامًا، يمكن للزمن أن يغير المدن، وأن يسقط الأبنية، وأن تتبدل الوجوه، وأن تفتح الطرق وتغلق أخرى، لكنه لا يستطيع أن يغير الحقيقة الأساسية التي بقيت في قلب كل لاجئ: أن هناك بيتًا لم يعد إليه بعد.
وتل الزعتر هو واحد من أبواب تلك الذاكرة.
باب لا يغلق.
لأن خلفه أناسًا عاشوا وماتوا، وأطفالًا كبروا، وأمهات انتظرن، وناجين شهدوا، وشعبًا كاملًا ما زال يقول للعالم إن الذاكرة ليست حنينًا إلى الماضي، وإن العودة ليست حلمًا مستحيلًا، وإن فلسطين ليست اسمًا على خريطة، وإنما وطن يسكن في الإنسان كما يسكن الإنسان في وطنه.
وفي 12 آب/أغسطس، حين نستعيد تل الزعتر، فإننا لا نستعيد يومًا من أيام الحرب فقط، وإنما نستعيد جزءًا من روح فلسطين، ونقول لمن رحلوا إن أسماءهم لم تضيع، ولمن نجوا إن شهاداتهم لم تذهب سدى، وللأجيال التي ولدت بعدهم إن المخيم الذي سقط بالحجر لم يسقط بالذاكرة، وإن الوطن الذي غاب عن العين بقي حاضرًا في القلب.
تل الزعتر لم يمت، لأن فلسطين لم تمت.
وما دام هناك فلسطيني يتذكر اسم بيته، فإن الطريق إلى البيت لم يُغلق.
لؤي صوالحة




ونحن نحب الحياة اذا ما استطعنا اليه سبيلا




جامعة النجاح الأولى فلسطينياً في تصنيف UNIRANKS العالمي لتجربة الطلبة وجودة الحياة الجامعية 2027

حافظت جامعة النجاح الوطنية على تصدرها لمؤسسات التعليم العالي الفلسطينية في تصنيف UNIRANKS الأمريكي العالمي للجامعات لعام 2027، محققةً المرتبة الأولى فلسطينياً من بين سبع جامعات فلسطينية ظهرت في التصنيف، والمرتبة 21 عربياً، والمرتبة 312 آسيوياً، والمرتبة 1031 عالمياً، وبنتيجة إجمالية بلغت 79.06 نقطة.

كما حصلت الجامعة على تقدير Excellent في التميز بالترتيب الوطني، إلى جانب تصنيف Distinguished في مؤشر رفاه الطلبة والمرافق، وجودة التعليم، ورضا الطلبة، وقابلية توظيف الخريجين، وفق النتائج التي أعلنها التصنيف في الرابع من آب/أغسطس 2026.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة نظراً لطبيعة تصنيف UNIRANKS ومنهجيته المختلفة، إذ يُعد مبادرة أمريكية عالمية في مجال تقييم مؤسسات التعليم العالي، وتعود جذوره إلى الولايات المتحدة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي، حيث انطلقت فكرته أساساً من تقييم الحياة الطلابية في الجامعات، والأنشطة اللامنهجية، والخدمات المقدمة للطلبة، والمرافق الجامعية، قبل أن يتطور لاحقاً إلى منظومة عالمية شاملة لتقييم أداء الجامعات.

ويصف UNIRANKS منهجيته الحالية بأنها منظومة تقييم شاملة متمحورة حول الطالب، بحيث لا تقتصر على السمعة الأكاديمية والإنتاج البحثي، وإنما تقيّم بصورة واسعة العوامل المؤثرة في نجاح الطالب وتجربته الجامعية، بما في ذلك جودة التعليم، والجاهزية لسوق العمل، والابتكار، والتنوع، والتحول الرقمي، إلى جانب رفاه الطلبة وتجربتهم ورضاهم عن البيئة الجامعية.

وفي هذا السياق، حققت جامعة النجاح 80 نقطة في محور رفاه الطلبة والمرافق (Student Wellbeing & Facilities)، وهو محور يشكل 15% من وزن التصنيف، كما حصلت على 79 نقطة في محور تجربة الطلبة ورضاهم (Student Experience & Satisfaction) الذي يشكل 10% من الوزن الكلي. 

وبذلك تمثل المحاور المرتبطة مباشرةً برفاه الطلبة وتجربتهم ورضاهم ربع وزن التقييم تقريباً، وهو ما يعكس الأهمية الكبيرة التي يمنحها التصنيف لجودة الحياة الجامعية إلى جانب الأداء الأكاديمي والبحثي. 

وأظهرت النتائج كذلك أداءً قوياً للجامعة في عدد من المحاور الرئيسة، إذ حصلت على 81 نقطة في الملف المؤسسي والقدرات، و80 نقطة في جودة التعليم، و79.5 نقطة في الأداء الأكاديمي والبحثي، و79 نقطة في قابلية التوظيف والنجاح المهني، و78 نقطة في التأثير والحضور الرقمي. 

كما سجلت الجامعة 80 نقطة في معدل توظيف الخريجين، بما يعكس تكامل الأداء بين جودة التجربة التعليمية داخل الجامعة ومخرجاتها المهنية بعد التخرج.

ويولي التصنيف اهتماماً تفصيلياً بالبيئة التي يعيش فيها الطالب خلال مسيرته الجامعية، إذ يتناول ضمن مؤشراته البنية التحتية ومرافق التعلم، والسلامة والأمان داخل الحرم الجامعي، والبيئة التعليمية، والسكن والطعام وظروف الحياة الطلابية، وخدمات الدعم والرفاه، ودعم الطلبة ذوي الإعاقة، والإرشاد والخدمات المهنية، والتنوع والشمول، والمشاركة في الحياة والأنشطة الجامعية، وهو ما يجعل تجربة الطالب وجودة حياته الجامعية أحد الجوانب المميزة في منهجية.

ويُعد UNIRANKS من منصات التصنيف واسعة التغطية عالمياً؛ إذ تشير بيانات نسخة 2027 إلى تقييم أكثر من 37 ألف مؤسسة تعليم عالٍ في 228 دولة باستخدام إطار متعدد الأبعاد يتضمن أكثر من 430 مؤشر أداء تغطي الأداء البحثي، وقابلية التوظيف، وجودة التعليم، ورفاه الطلبة، والتحول الرقمي، والتدويل، والحضور الرقمي، والأداء المؤسسي.

وتؤكد محافظة جامعة النجاح على المرتبة الأولى فلسطينياً في نسخة 2027 استمرار حضورها المتقدم في هذا التصنيف، بعد أن كانت قد تصدرت الجامعات الفلسطينية أيضاً في نسخة عام 2026، بما يعكس جهود الجامعة في تطوير بيئة تعليمية وجامعية متكاملة تضع الطالب في صميم العملية التعليمية، إلى جانب الاستثمار المستمر في جودة التعليم والبحث العلمي والابتكار والخدمات والمرافق والتحول الرقمي وتعزيز فرص الخريجين في سوق العمل.

وتنسجم هذه النتيجة مع توجه جامعة النجاح نحو توفير تجربة جامعية شاملة ومتميزة لا تقتصر على التحصيل الأكاديمي، بل تمتد إلى جودة الحياة داخل الحرم الجامعي، ودعم الطلبة ورفاههم، وتطوير مهاراتهم، وتعزيز مشاركتهم في الأنشطة والبحث والابتكار وخدمة المجتمع، بما يسهم في إعداد خريجين قادرين على المنافسة والتأثير على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.




عنزا.. موعد جديد مع الركام

عبد الباسط خلف- تلاحق جرافات الاحتلال، مباني قرية عنزا، جنوب جنين، في جولة تدمير جديدة، تطال هذه المرة 12 متجرًا دفعة واحدة، دون سابق إنذار، ومن غير أن تسمح لأصحابها بإخراج معدات صناعية منها، أو إزالة تقوية شبكة إنترنت محلية من سطحها.

ويؤكد رئيس المجلس القروي، هشام صدقة لـ”الحياة الجديدة” بصوت متعب أن المبنى الذي تحول إلى كومة ركام، يعود للمواطن أيسر خليل عمور، وأقيم قبل نحو 5 سنوات، ويمتد فوق 600 متر، بتكلفة فاقت مليون ونصف المليون شيقل.

ويشير إلى أن المخازن المستهدفة كانت مشغولة قبل إخطار المالك والمستأجرين بقرار الهدم، ما دفعهم للانتقال إلى مواقع بديلة.

ويشبه ما يحدث في القرية بـ”مسلسل متواصل” من أعمال التدمير والهدم، وقرارات المصادرة، وحملات التجريف، ومشاهد الاقتحامات، لا ينفصل عما يحدث في جنين وريفها منذ كانون الثاني 2025، وعودة المستوطنات والمعسكرات المخلاة إلى المنطقة، وإقامة نقاط جديدة.

ووفق صدقة، فقد كان الشارع الرئيس ينبض بالحياة، لكنه اليوم يضم أكثر من 14 موقعًا لمتاجر وبيوت ومنشآت تجارية، تحولت كلها إلى أثر بعد عين، وانضمت إلى المباني المدمرة الأخرى.

وتوزعت المخازن المستهدفة، صباح أمس، على سوبرماركت كبير، ومشغل للمركبات، وأدوات كهربائية ورياضية، ومعرض للسيارات، كلفت مالكها أكثر من مليون ونصف المليون شيقل لتدشينها، عدا عن خسائر المستأجرين عنده.

وكان الاحتلال سلم المواطن عمور إخطارا في آب 2025 بالهدم، فتوجه للاعتراض أمام محاكم الاحتلال، التي لم تصدر قرارات نهائية حولها، لكن المستأجرين أخلوها بعد قرابة شهرين من الإخطار.

ويراقب أهالي القرية الصغيرة، المبنية على تلال مشرفة على الشارع الرابط بين جنين ونابلس، جرافتين احتلاليتين قدمتا مطلع النهار، وراحتا تمارسان التدمير بكل هدوء.

ويشيرون إلى أن المخازن كانت تحتوي على معدات ومواد مملوكة لمصنع كرتون في القرية، لم يسمح جيش الاحتلال لأصحابها بإخلائها.

ويحصي صدقة 8 منشآت ومتاجر هدمتها الجرافات خلال أقل من عام، بينما أجبرت 6 مواطنين على هدم مخازنهم ومصادر رزقهم بأيديهم، فيما ينتظر 6 من أبناء القرية المصير ذاته.

ويسرد رئيس المجلس قائمة طويلة من مواطنين هدمت جرافات الاحتلال بيوتهم ومشاريعهم ومتاجرهم من قريته ومستثمرين من بلدات مجاورة: ناصر عواد عبيد، وحافظ أبو قياص، ومصعب الغول، وهشام الحنتولي، وأيسر عمور، وجمال أبو الوفا، ومواطن من عائلة أبو العطا من قرية عجة المجاورة، ولمواطن من سيلة الظهر.

ويتطرق إلى لائحة أخرى من الذين أجبروا على هدم بيوتهم بأيديهم، خشية دفع غرامات لجرافات الاحتلال وجيشها: سليمان عبيد، وكمال حمدان، ومنجرة لحمد عباس، وكراج سيارات لشاب من عائلة خليلية من جبع المجاورة، ومغسلة مركبات للمواطن عثمان الغول، ومقص رخام لشاب من عائلة الشيخ إبراهيم من كفر راعي.

ويقول إن الاحتلال وزع خلال الهدم إخطارات لكشك قهوة صغير، وسوبرماركت، ومخازن، ومبنى لمالك براهمة، ومخازن لعبد الرحيم خضر، إضافة إلى منزلين وساحة حديد للمواطن مفيد قطمش من سيلة الظهر.

وليس ببعيد عن الركام، تختزل ملامح المزارع أحمد إبراهيم قصة قهر أخرى، يقول صاحبها إنها لاقتلاع أشجار زيتون من أراضي القرية، على طول الشارع الرئيس، أخطر الاحتلال بتنفيذها قبل أيام.

ويفيد بحسرة أن الأراضي ممتدة على نحو 36 دونمًا من أراضي قريته المتداخلة مع قرية عجة المجاورة، وسيجري اقتلاعها، وفق إنذارات الاحتلال.

ويرسم أحمد لـ”الحياة الجديدة” صورة أوضاع بلدته، التي تعد كل يوم حصيلة خسائر جولة جديدة من عدوان الاحتلال.

ويقول: تصور أن المخازن التي هدمت أمس الثلاثاء، كانت مشروعاً استثمارياً للمواطن أيسر عمور، الذي يعمل في السعودية، لكنه خسرها دفعة واحدة، بعد أن تكبد العديد من المستأجرين خسائر باهظة.

ويعيش في عنزا قرابة 2300 مواطن، يشاهدون كل يوم شكلًا جديدًا من العدوان على القرية، التي لم تنفعها محاكم الاحتلال في وقف هدم متاجرها، وعدم اقتلاع زيتونها.

والمفارقة، وفق رئيس المجلس، أن جنود الاحتلال وزعوا خلال هدم المخازن إخطارات، لهدم دفعة جديدة من المخازن، خلال 7 أيام بالذرائع نفسها: عدم الترخيص، أو التواجد في منطقة عسكرية.

ويضع المواطنون أيديهم على قلوبهم من 18 آب المقبل، الذي أعلن الاحتلال عنه كموعد أخير لاستئناف عمليات التخريب.

يتابع أحمد، وهو يضرب أخماسًا بأسداس: كنا نحلم بشارع تجاري وحركة نشط أمام قريتنا، لكن كل شيء يتحول في لحظات إلى ركام.

ويتوافد أهالي القرية، في يوم صيفي شديد الحر إلى المنطقة المنكوبة للتضامن مع صاحبها، بعد انسحاب جيش الاحتلال وجرافاته منها، لكن سخونة الركام ترتفع أكثر، كما يصف أحمد.