1

إنزال الفلسطيني عن المنصة

د. أحمد رفيق عوض مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية

منذ حرب الأيام الستة عام 1967، ثم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1978، واتفاق أوسلو عام 1994، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وغزو العراق، والربيع العربي، واتساع موجة التطبيع، وصولا إلى أحداث السابع من أكتوبر، شهد الإقليم تحولات عميقة ومتراكمة. هذه الأحداث، على اختلاف طبيعتها، أسهمت في تقدم المشروع الصهيوني، الذي استطاع أن يفرض نفسه على المنطقة، تارة بالقوة العسكرية، وتارة بالإغراءات السياسية والاقتصادية، وتارة بالاثنين معا.
وترافق هذا التقدم مع محاولات حكومية، وشبه حكومية، وحتى شعبية، لإعادة تشكيل صورة الفلسطيني في الوعي العربي. فلم يعد الفلسطيني يقدم بوصفه صاحب قضية عادلة فحسب، بل جرت محاولات لشيطنته، وتجريده من المكانة الرمزية التي أحاطت به لعقود، وإنزال القضية الفلسطينية من موقعها المركزي، لتصبح مجرد قضية بين قضايا كثيرة، أو حتى عبئا على الدول العربية. في المقابل، جرى تقديم القضايا المحلية، الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، باعتبارها أولويات تتقدم على القضية الفلسطينية، في ظل تحولات عميقة أصابت النظام العربي نفسه.
برأيي، فإن هذه الظاهرة لها أسباب عديدة ومتداخلة.
أول هذه الأسباب هو أنها تمثل، إلى حد ما، ردة فعل جماهيرية على الخطاب الذي كانت بعض الأنظمة العربية تروج له لعقود. فقد استخدمت القضية الفلسطينية في كثير من الأحيان لتبرير القمع، وتأجيل التنمية، وتفسير الفشل السياسي والاقتصادي، حتى أصبح بعض الناس ينظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها جزءا من المشكلة، لا بسبب الفلسطينيين أنفسهم، وإنما بسبب الطريقة التي استغلت بها الأنظمة هذه القضية.
السبب الثاني يتمثل في توسع عمليات التطبيع. فالتطبيع ليس مجرد اتفاقيات سياسية، بل هو عملية لإعادة تشكيل الوعي العام، وإعادة ترتيب الأولويات، وإنتاج رواية جديدة ترى في إسرائيل شريكا محتملا، لا عدوا استراتيجيا. ومن الطبيعي أن تتطلب هذه العملية تقليص مكانة الفلسطيني في الوعي العربي، لأن بقاء القضية في مركز الاهتمام يعيق نجاح هذا التحول.
أما السبب الثالث، فلا يمكن إنكاره، وهو سوء الأداء الفلسطيني نفسه. فالانقسام الداخلي، وتراجع المؤسسات، والاتهامات المستمرة بالفساد، وضعف المشروع الوطني، كلها عوامل أضعفت التعاطف مع الفلسطيني، ومنحت خصومه مادة جاهزة للهجوم عليه وتشويه صورته.
وهناك أيضا رغبة لدى بعض الأنظمة العربية الجديدة، وهي أنظمة تعاني في كثير من الأحيان من هشاشة داخلية، في التخلص من أعباء القضية الفلسطينية، وتوجيه غضب المواطنين نحو طرف آخر، وليكن الفلسطيني. فبدلا من معالجة الأزمات الداخلية، يصبح الفلسطيني هدفا سهلا لتحميله مسؤولية الإخفاقات أو لتبرير سياسات جديدة.
كما أن انفجار الصراعات الداخلية في عدد من الدول العربية، سواء كانت إثنية أو طائفية أو سياسية، ساهم في تراجع القضية الفلسطينية عن مركز الاهتمام. فحين تصبح الدولة منشغلة بصراعاتها الداخلية، يصبح من السهل النظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها قضية خارجية يمكن تأجيلها أو التقليل من أهميتها.
ولا يمكن إغفال الضغوط الغربية الكبيرة التي مورست على عدد من الأنظمة العربية لتقليص علاقتها بالفلسطينيين، بالتوازي مع الاختراق الإسرائيلي المتزايد للنظام الإقليمي العربي، سواء عبر التهديدات الأمنية أو عبر الإغراءات الاقتصادية والسياسية، الأمر الذي منح إسرائيل حضورا غير مسبوق داخل المنطقة.
ومن الأسباب المهمة أيضا انهيار الأفكار الجامعة، كالعروبة والإسلام  بوصفهما إطارين جامعَين، إلى جانب تراجع فعالية المؤسسات العربية المشتركة، مثل جامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي، والاتحاد المغاربي، وغيرها. كما أن انتقال مراكز صنع القرار العربي إلى عواصم جديدة تمتلك المال والإعلام والنفوذ السياسي، أدى إلى إعادة صياغة الأولويات الإقليمية بطريقة مختلفة.
وزاد من ذلك اندلاع الحروب البينية بين الدول العربية، وظهور محاور متصارعة في المنطقة، بما فيها الصراع بين ما يعرف بالمحور الشيعي والمحور السني، رغم أنني لا أفضل استخدام هذه المصطلحات، لكنها أصبحت جزءا من الواقع السياسي.
كما ظهرت في السنوات الأخيرة مبادرات وخطط سياسية تتجاوز حتى فكرة حل الدولتين، وتتجه نحو ترتيبات اقتصادية وإدارية هدفها التعايش مع الاحتلال والتكيف معه، بدلا من إنهائه. وهذا كله يستدعي، بطبيعة الحال، إضعاف الرواية الفلسطينية وإبعادها عن مركز المشهد.
وأخيرا، لا بد من الاعتراف بأن طول أمد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مع العجز العربي والدولي عن الوصول إلى حل عادل، خلق لدى بعض الناس حالة من الإرهاق واليأس، استغلها كثيرون للدفع باتجاه شيطنة الفلسطيني، وكأن المشكلة تكمن في الضحية لا في الاحتلال.
ورغم كل هذه الأسباب، فإن السؤال يبقى: هل ستنجح هذه الحملات في إنزال الفلسطيني عن المنصة؟ وهل سينصرف العرب فعلا عن القضية الفلسطينية؟
أعتقد أن الإجابة هي لا. ليس لأن الفلسطينيين لم يرتكبوا أخطاء، ولا لأن الأنظمة العربية ستعود إلى خطابها القديم، وإنما لأن إسرائيل، في جوهر مشروعها، لا تستهدف الفلسطيني وحده، بل تسعى إلى فرض الهزيمة على الإقليم كله، وإعادة تشكيله بما يخدم مصالحها. وهذه حقيقة ستفرض نفسها عاجلا أم آجلا على الجميع.
لهذا السبب، أعتقد أن القضية الفلسطينية ستبقى القضية المركزية في المنطقة. قد تتراجع في الخطاب السياسي، وقد تتغير أولويات الحكومات، وقد تنجح حملات التشويه في التأثير على بعض الناس، لكنها لن تستطيع إخراج فلسطين من قلب الصراع. فالصراع لم يعد فلسطينيا إسرائيليا فقط، بل أصبح أيضا صراعا إقليميا على شكل المنطقة ومستقبلها، وعلى من يملك حق رسم خرائطها السياسية والأمنية.




تحت وسم “كذبوا عليكم”.. حملة رقمية فلسطينية تفضح زيف التهدئة وتوثق استمرار المجازر بغزة

أطلق مجموعة من الناشطين والصحفيين الفلسطينيين، بمشاركة متضامنين دوليين، حملة إعلامية رقمية واسعة النطاق تحت وسم #كذبوا_عليكم، تهدف إلى مواجهة الروايات المضللة التي تروج لانتهاء حرب الإبادة في قطاع غزة. وتسعى هذه المبادرة إلى لفت أنظار المجتمع الدولي الذي بدأ يركن إلى وهم ‘التهدئة’، مؤكدة أن الصمت العالمي يساهم في شرعنة الجرائم المستمرة خلف ستار المسارات السياسية المعقدة.

واستندت الحملة في خطابها إلى لغة الأرقام الصادمة المستمدة من بيانات ميدانية، حيث كشفت مصادر عن توثيق نحو 3689 خرقاً مباشراً لما يسمى باتفاق وقف إطلاق النار منذ العاشر من أكتوبر 2025. وأوضحت التقارير أن هذه الانتهاكات لم تكن مجرد حوادث عابرة، بل كانت عمليات عسكرية ممنهجة أعادت القطاع إلى دوامة القتل والدمار الشامل الذي لم يتوقف فعلياً.

وأدت هذه الخروقات المستمرة إلى ارتقاء 1122 شهيداً وإصابة أكثر من 3500 مواطن بجروح متفاوتة، غالبيتهم الساحقة من النساء والأطفال الذين وجدوا أنفسهم ضحايا لقصف لم يهدأ. كما تسببت الهجمات في محو عائلات فلسطينية بأكملها من السجلات المدنية، مما أعاد للأذهان كوابيس الإبادة الجماعية التي ميزت الأشهر الأولى من العدوان الواسع على القطاع.

العدوان لم ينتهِ، توقف فقط عن تصدر نشرات الأخبار.

وعلى الصعيد الإنساني، أكدت الحملة أن الحصار الخانق لا يزال يطبق فكيه على سكان غزة، حيث لم تسمح سلطات الاحتلال بدخول أكثر من 35% من الاحتياجات الإغاثية والطبية الضرورية. هذا النقص الحاد في الإمدادات يتزامن مع استمرار سياسة التهجير القسري، حيث يضطر آلاف المواطنين للنزوح المتكرر نحو المجهول بحثاً عن أمان مفقود تحت وطأة القصف العنيف.

وتعكس الحملة حالة الإرهاق الشعبي في غزة بعد مرور أكثر من ألف يوم على الحرب، حيث باتت أقصى أمنيات المواطن الغزي هي قضاء ليلة واحدة دون دوي انفجارات أو جنازات. ويوجه القائمون على الحملة رسالة أخيرة للعالم بضرورة النظر في ‘مرآة الحقيقة’ والاعتراف بأن غزة لا تزال تنزف بغزارة، بعيداً عن صخب التصريحات السياسية التي لا تجد لها صدى على أرض الواقع.




إلهام هصيص.. “سيدة السوق”

-عبد الباسط خلف- تقف إلهام تايه هصيص، وحيدة خلف عربة متنقلة، وسط سوق في قلب جنين، منذ 18 عاما، رفقة أولادها.

وتواظب أم حسن، كما يعرفها المتسوقون، على الترويج لبضاعتها بحثا عن رزقها، ولمساعدة ولديها حسّان، 30 عاما، وتامر، ابن الثامنة عشرة، بينما تحجب ستائر العتمة ابنها البكر، منذ سنوات.

تروي لـ”الحياة الجديدة” في يوم حار بدايتها وعملها اليومي، وتخصصها في تجهيز طلبيات بيتية للزبائن في إعداد وجبات الكوسا والملوخية والبامية وغيرها للطهي، في سبيل عون أسرتها.

وتمسك أم حسن بطرفي العربة، فيما يعاونها صغيرها في احتساب أوزان البضائع للزبائن، وتقول إن عملها شاق، ويتطلب الوقوف تحت الشمس، وفي عز الأجواء الباردة، وتتمنى لو تكف البلدية عن ملاحقتها هي وغيرها من الباعة المتنقلين.

يبدأ نهار هصيص مبكرا، ويستمر الوقوف فترات طويلة، وتعتبر الفترات الذهبية لتسويق الخضراوات أيام هبوط أسعار، وحينما ترتفع أثمان الفواكه تنتقل إلى بيع الخضار، خاصة بأسعارها الزهيدة.

وتوضح أم حسن أن ابنها حسن، 33 عاما، كان يساعدها قبل اعتقاله المتكرر، لكنها اليوم محرومة من مجرد سماع صوته أو زيارته في معتقله البعيد.

تفتقد هصيص رفيقاتها العاملات في السوق، فلم يبق غيرها خلف عربة، فيما تجلس زميلتها زكية وراء بسطة، في حين رحلت الحاجة رقية، وتبعتها نظمية، وأم العبد الرزي، وقبلهن أم جودت، وتغيرت ملامح السوق كثيرا.

لا تذهب البائعة المتنقلة، إلى سوق الخضراوات المركزي (الحسبة)، ويتكفل حسان وتامر بعون والدتهما، وتتخصص هي بالمساعدة بالتسويق وترتيب عرض البضاعة على العربة.

وتقول إن البيع المتجول لا يحقق الكثير من المال، لكنه يسد بعض الاحتياجات الأساسية، إذا كان رائجا، ويعجز عن ذلك في الفترات الاقتصادية الصعبة. كما أن الغلاء المتصاعد، يعقد من مهمة الوفاء بالاحتياجات الأساسية، خاصة الكهرباء والغاز والرعاية الصحية.

تعاني أم حسن المرض، فقد أجرت عملية قسطرة، وتتطلب مبالغ كبيرة ثمن أدوية لقلبها المتعب. وتقول إن أدويتها تتطلب قرابة 1600 شيقل كل شهر.

ولم تسعف الدنيا “سيدة السوق”، التي أبصرت النور عام 1973، من إتمام المدارس بعد صفها الثاني، غير أنها أكملت التعلم بنفسها، حتى الإحاطة القراءة والكتابة والحساب.

وهصيص أم لابنتين أيضا، ولها 12 حفيدا، وعملت عدة سنوات في مطبخ (الضابطة الجمركية)، قبل أن تقدم استقالتها وتواصل شغلها في الخضار والفواكه.

وتشير إلى أن غالبية زبائنها من النساء، ولا تشعر بأي تمييز من زملائها الباعة الرجال ولا المتسوقين، لكن أبرز أمنياتها الراهنة أن تتوقف بلدية جنين عن ملاحقتها هي وسائر الذين يلتقطون أرزاقهم من السوق، وتعود للعمل بحرية.

وتوضح السيدة الخمسينية أنها ليست ضد تنظيم المدينة من البلدية، لكنها مع توفير بدائل، وإيجاد أمكنة لعونها هي وسائر الباعة المتجولين.

وتبين أن للعمل في الصيف الحار ميزاته وسلبياته، وكذلك الحال خلال الأجواء الشتوية الباردة، في حين يعتبر الوقوف طويلا معضلة، تسبب الأمراض، لكنها مجبرة على فعل ذلك، فلا أعمال لولديها، ومتطلبات الحياة لا تُعد ولا تُحصى، وغير قابلة للتأجيل.




كفر راعي.. “عاصمة الكرز” التي أعادت صياغة مفهوم الاقتصاد الريفي في فلسطين

 ميساء بشارات- في قلب التلال الفلسطينية، تبرز بلدة كفر راعي جنوب غرب جنين، ليس فقط كمنتج زراعي، بل كعقلية اقتصادية استراتيجية استطاعت تحويل “موسم قطاف” إلى “دورة اقتصادية متكاملة”.

فبينما تعاني العديد من المناطق من اختناقات تسويقية، نجحت كفر راعي في ابتكار نموذج “السياحة الزراعية”، محولة مزارعها إلى وجهات سياحية ومحرك للنمو المحلي، حيث لا يباع المحصول هنا في صناديق خشبية فحسب، بل يباع كـ “تجربة حياة” تربط الإنسان بأرضه، وتعيد تعريف مفهوم التنمية المحلية في فلسطين.

العلامة التجارية.. كيف أصبح الكرز سفيرا للبلدة؟

لم تكن البداية مجرد زراعة، بل كانت رؤية تسويقية تبناها المجلس البلدي الجديد لتغيير الصورة الذهنية عن البلدة واستثمار موسم الكرز كرافعة لتسويق البلدة وكأداة لترويج البلدة وطنيا وعالميا، ونجح في ربط اسم “كفر راعي” بمنتج الكرز بشكل عضوي، مستقطبا وسائل الإعلام والمؤثرين ليصبح الموسم “ترندا” زراعيا واقتصاديا.

ثورة في سلاسل التوريد.. “المستهلك إلى المزرعة”

يقول رئيس بلدية كفر راعي الدكتور لؤي الشيخ إبراهيم: “تكمن العبقرية الاقتصادية في كفر راعي في كسر النمط التقليدي للتسويق.. فبدلا من تحمل تكاليف نقل المنتج إلى “الحسبة” والمخاطرة بتدني الأسعار، اعتمدت البلدة فلسفة جلب المستهلك إلى قلب المزرعة”.

ويضيف: “سوقنا البلد قبل أن نسوق الكرز، وربطنا اسم كفر راعي بهذا المنتج الاستراتيجي”.

عبقرية “السياحة الزراعية”.. المستهلك في قلب المزرعة

ويتابع: هذا النهج لم يوفر تكاليف النقل والوساطة فحسب، بل خلق دورة اقتصادية متكاملة داخل البلدة؛ فالزائر الذي يأتي لقطف الكرز بيده، ينعش في طريقه المخابز، المطاعم، والسوبر ماركت، كما امتد الأثر ليشمل مشاريع ناشئة أخرى كالفراولة المعلقة وورق العنب، حيث تشارك النساء في قطف الدوالي أمام عيون الوفود، ما يعزز الثقافة الزراعية ويخلق فرص عمل حقيقية.

ويشير الشيخ إبراهيم إلى أنه من خلال استقطاب المحطات العالمية والمحلية والمؤثرين، وضعت “العربة على السكة الصحيحة”، لتتحول البلدة إلى مزار وطني تتصدر أخباره منصات التواصل والإعلام.

إدارة العرض والطلب.. سلاح الأصناف الحديثة

يشير الشيخ إبراهيم إلى أن البلدة واجهت قديما مشكلة “المزاحمة في العرض”، حيث كان الصنف البلدي ينضج دفعة واحدة خلال أسبوعين، ما يؤدي لانهيار الأسعار. اليوم، يقود المزارعون خطة استراتيجية لتغيير الأصناف إلى “الشامي” و”الخليلي”،  تتميز بجودتها العالية وسهولة التحكم في تسويقها، مما نجح في تمديد فترة عرض الكرز في الأسواق من أسبوعين إلى حوالي ثلاثة أشهر. هذا التوزيع الزمني يضمن استقرار الأسعار ويحقق تدفقا نقديا مستداما للمزارعين.

مملكة الكرز

خلف جمال حبات الكرز، تقف أرقام اقتصادية تعكس وزن البلدة في الأمن الغذائي الفلسطيني.

يقول الشيخ إبراهيم إن البلدة تحتضن نحو 200 ألف شجرة كرز موزعة على مساحة تصل إلى 6000 دونم. كما تنتج ما نسبته 4% إلى 4.5% من إجمالي إنتاج فلسطين من الزيت، بوجود 16 ألف دونم زيتون تنتج سنويا ما بين 1000 إلى 1200 طن.

كما يشكل الزيتون حوالي 70% من دخل المزارعين في البلدة، بينما يسهم الكرز بنسبة 25%، مع مساهمات متنامية لقطاعي النحل والثروة الحيوانية.

رؤية استراتيجية.. نحو “العنقود الزراعي”

لا يتوقف طموح كفر راعي عند قطف الثمار، بل يمتد نحو مأسسة العمل التنموي. فقد شرع المجلس البلدي بتشكيل مجلس استشاري يضم كفاءات البلدة في المؤسسات الوطنية والبنوك والوزارات، وحتى المغتربين، ليكونوا الرافعة والموجه لسياسات البلدة الاستراتيجية.

وتتضمن الخطط المستقبلية تطوير مزارع نموذجية مغطاة ومسيجة تعتمد الري التكميلي، وإحياء أصناف منقرضة كـ “المشمش البلدي”، وذلك ضمن خطة خمسية تتقاطع مع “عنقود اللوز والكرز” الوطني بالتعاون مع وزارة الزراعة.

كفر راعي اليوم ليست مجرد بلدة، بل هي مدرسة في الصمود الاقتصادي. ومع اقتراب شهر تشرين الثاني، تستعد البلدة لإطلاق “مهرجان الزيت والزيتون”، لتؤكد مجددا أنها “الأم الحنون” لكل مزارعيها ومنتجاتها الريفية.

 في كفر راعي، الأرض لا تعطي ثمارا فقط، بل تعطي كرامة ونموذج يحتذى في كيف يمكن للقرية الفلسطينية أن تقود دفة التنمية الاقتصادية بذكاء وانتماء.




جنين.. عدوان وزحف استيطاني في كل مكان

عبد الباسط خلف- لم يكن رئيس مجلس قروي الحفيرة، وائل ضمايرة، يعتقد أن تتحول مزرعته الصغيرة إلى هدف للاحتلال، الذي هدم دفئيتين منها، وأجبره على تفكيك ثالثة؛ بدعوى قربها من معسكر عرابة.

ويقول بصوت حزين لـ”الحياة الجديدة” إن الاحتلال سلمه إخطارًا بهدم بيته البلاستيكي الأخير بعد عدة أيام، عقب تدميره لدفيئتين قبل أسبوع واحد يمتلكها إضافة إلى شقيقيه نبيل وطارق.

ويشعر ضمايرة بأن مصدر رزقه الوحيد تحول إلى أثر بعد عين، خاصة أنه كان يأمل ببقاء دونم زراعي واحد ليعمل فيه، لكن قرار الاحتلال جاء بعد أقل من أسبوع من انطلاق موسم القطاف لمحصول الخيار.

وسابق الأشقاء وائل (45 عامًا)، ونبيل (43 عامًا) وطارق (41 عامًا) الزمن، وفككوا دفيئتهم الزراعية، وشرعوا في البحث عن مكان لإعادة نصبها، لكنهم فشلوا في إقناع مالكي الحفارات والعمال بالوصول إلى أرض زراعية مقابلة لمعسكر عرابة؛ خشية مصادرة الاحتلال لها، الذي عاد للموقع بعد 21 عامًا على إفراغه.

ويستذكر ضمايرة عمله خلال طفولته رفقة والده وأبناء عائلته، في زراعة الفقوس والبامية، قبل تحولهم للفلاحة المروية، وتدشين دفيئات.

ويشير بحسرة إلى أن خسارته فاقت 130 ألف شيقل، إضافة إلى فقدان مصدر عمله هو وإخوته و10 من أبنائهم، كانوا يساعدون العائلة في رعاية مزرعتها.

والمحزن كما يقول نبيل، إن الدفيئة الثالثة، حديثة العهد، ولم يسددوا بعد كامل أقساطها الشهرية الباهظة.

ويشير إلى أن جده حسن أقصي عن قيسارية سنة 1948، التي كانت قرية ساحلية تحول مكانها إلى مدينة للأثرياء، وسكنها عدد كبير من قادة الاحتلال، كالرئيس الأسبق وايزمان، ورئيس الحكومة الحالي، نتنياهو.

وتبعد قيسارية الواقعة على شاطئ البحر 37 كيلو مترًا عن حيفا، وسكنها قبل النكبة 1100 نسمة، أحدهم، حسن جد نبيل، الذي وصل إلى قرية الحفيرة، رفقة العديد من العائلات، بينها عائلة الشيباني القادمة من مصر.

ويقيم في الحفيرة، التي صارت مهددة بفعل معسكر عرابة، 600 مواطن، يعتمدون على الزراعة بشكل أساسي.

وليست الحفيرة وحدها، التي تطالها الإخطارات، فقد وزع جيش الاحتلال إخطارات على عدة مواطنين بالقرب من مستوطنة كاديم شرق جنين.

ووفق المواطن إبراهيم سويطات، المقيم في أطراف جنين، فقد شملت الإخطارت 8 منازل لعائلات: نصار، وأبو التين، والكاز، التي تقيم بمحاذاة المستوطنة.

ويؤكد سويطات لـ”الحياة الجديدة” أن بعض المنازل مقامة قبل المستوطنة، التي أخلاها الاحتلال صيف عام 2005.

وتظهر مقاطع مرئية نشرت عبر مواقع التواصل مواصلة أعمال التجريف داخل مسـتـوطنة كاديم.

وبدت الآليات الثقيلة، وهي تنفذ أعمال الحفر وتسوية الأراضي، في وقت أقام جيش الاحتلال معسكرًا بجوار قرية حداد السياحية، تعود ملكية الأرض لمواطنين من بلدة قباطية، التي اعتقل جيش الاحتلال فجر أمس 3 شبان منها، عقب تسلل وحدات خاصة.

ووفق نادي الأسير، فإن المعتقلين هم: علي عبد الله كميل، والأسير المحرر في صفقة التبادل بلال أبو زيد، وأحمد محمود خزيمية.

وعاد الاحتلال الربيع الماضي إلى أربع مستوطنات بعد 21 على إخلائها، جنوب جنين وشرقها، بينما يسابق الزمن لإقامة مستوطنات رعوية وسكنية جنوب جنين وشرقها، أبرزها في عرابة، ورابا، وكفر راعي، وبين قباطية ومركة، وبجوار قرى المغير، وجلبون، وفقوعة، وبين صانور وجبع وعنزا.