1

فوضى ‘المؤثرين’ بالزي الأبيض: حين يتحول الطب إلى تجارة والمريض إلى زبون رقمي

تشهد منصات التواصل الاجتماعي تحولاً مثيراً للقلق في العلاقة بين الطبيب والمريض، حيث انزلق بعض المتخصصين من دائرة التثقيف الصحي إلى فخ صناعة المحتوى الهادف للربح والشهرة. وبات المريض في هذا المشهد الرقمي مجرد ‘زبون’ مستهدف بإعلانات لمنتجات طبية وإجراءات تجميلية باهظة، غالباً ما تفتقر إلى الأسس العلمية الراسخة التي تفرضها أخلاقيات المهنة السامية.

وعلى الرغم من أن الغالبية العظمى من الكوادر الطبية تواصل عملها بنزاهة وتفانٍ، إلا أن ‘الصخب الرقمي’ الذي يثيره بعض الأطباء عبر تطبيقات ‘تيك توك’ و’إنستغرام’ بات هو الأعلى صوتاً. وتصل الرسائل الصحية المضللة أو ‘الفرقعات’ الإعلامية إلى ملايين المتابعين في دقائق معدودة، مما يهدد بتقويض الثقة اليقينية التي بناها الطب عبر عقود من البحث العلمي الرصين.

هذه الشعبوية الطبية الرقمية لا تقتصر فقط على منتحلي صفة الطبيب، بل تمتد لتشمل أطباء حقيقيين استغلوا رصيد ثقة المرضى وهيبة ألقابهم العلمية ليعملوا كمندوبي مبيعات. وتكمن الخطورة في أن المعلومة المضللة عندما تصدر عن استشاري أو أستاذ متخصص، تكتسب قوة إقناع مضاعفة تجعل المريض ينساق وراء أوهام علاجية قد تودي بحياته.

ومن أبرز الأمثلة على هذا الانفلات ما عُرف بنظام ‘الطيبات’ الذي روج له طبيب تخدير مصري قبل شطبه من النقابة ووفاته، حيث حث المرضى على تناول السكريات وترك أدوية الأمراض المزمنة. وقد تسبب هذا النظام في تدهور حالات صحية عديدة ووفيات بين الملتزمين به، رغم التحذيرات الصارمة التي أطلقتها المؤسسات الصحية الرسمية لمواجهة هذه ‘الجريمة الطبية’.

وفي هذا السياق، تؤكد الدكتورة سامية عبدالرحمن، أستاذة طب المسنين بجامعة عين شمس، أنها لا تزال تستقبل حالات حرجة لمسنين تدهورت صحتهم بسبب اتباع أنظمة غذائية مضللة. وأوضحت أن بعض الأسر تمنع الدواء الضروري عن كبار السن وتجبرهم على حميات ضارة بناءً على فيديوهات ‘الترند’، مما يؤدي إلى دخولهم في غيبوبة ومضاعفات خطيرة.

وتشير عبدالرحمن إلى أن غياب الثقافة الطبية الكافية يجعل المريض فريسة سهلة لملايين الصفحات التي تدعي الخبرة، بينما هي في الواقع تقدم منهجاً مضللاً تماماً. كما حذرت من لجوء ذوي المرضى إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتشخيص الحالات، وهو ما قد يؤدي إلى كوارث صحية إذا لم يتم الاعتماد على مصادر طبية موثوقة ومباشرة.

من جانبها، بدأت النقابة العامة لأطباء مصر في اتخاذ خطوات عملية لوضع حد لهذه الفوضى عبر لائحة جديدة تضبط ظهور الأطباء في وسائل الإعلام التقليدية والبديلة. وتنص اللائحة على ضرورة الالتزام بتقديم معلومات علمية موثوقة، وحظر ترويج أي خدمات أو أدوية لجهات تجارية دون الإفصاح عن العلاقة التعاقدية معها.

أقسم بأن أشير لمرضاي إلى النظام الذي أرى أنه هو الأنفع لهم، وأمتنع عن كل ما هو ضار ومؤذ.

كما تشدد الضوابط الجديدة على منع المبالغة في الادعاء بالشفاء التام، أو استخدام أساليب التهويل والتخويف لجذب المرضى إلى العيادات الخاصة. وتعتبر النقابة أن الاستعانة بأشخاص للترويج لإجراءات طبية قام بها الطبيب، أو نشر صور المرضى وقصصهم دون إذن كتابي، يمثل خيانة للأمانة العلمية ومخالفة صريحة لآداب المهنة.

ويرى الدكتور جمال عميرة، وكيل نقابة الأطباء في مصر أن مراقبة مئات الآلاف من الصفحات الطبية أمر في غاية الصعوبة لكنه ضروري لحماية أرواح الناس. وأكد أن النقابة ستسعى لرصد التجاوزات وتطبيق العقوبات التي تبدأ بالإنذار والغرامة، وقد تصل إلى الإيقاف المؤقت أو الشطب النهائي من سجلات مزاولة المهنة.

ويوضح عميرة أن المسموح للطبيب في ظهوره الإعلامي محدود للغاية، ويشمل الإعلان عن تخصص مؤهلاته العلمية، أو تقديم نصائح وقائية عامة مثبتة علمياً. إلا أن الواقع الحالي يظهر تجاوزاً كبيراً لهذه القواعد، حيث يتأثر المرضى بالكلام الدعائي الجذاب الذي يلامس احتياجاتهم النفسية للشفاء السريع والسهل.

وفي قطاع طب الأسنان والتجميل، انتشرت ظاهرة استعراض الحالات قبل وبعد العمليات مع تعليقات ترويجية مبالغ فيها، وهو ما تراه الأوساط النقابية استغلالاً غير أخلاقي. كما يروج أطباء تغذية وجلدية لمكملات غذائية وتركيبات كريمية باهظة الثمن، زاعمين أنها الحل السحري لمشكلات معقدة مثل الصلع أو التصبغات الجلدية، دون ذكر البدائل الأرخص.

وتعتمد استراتيجية هؤلاء ‘المؤثرين’ على تقديم ‘نصف الحقيقة’، عبر اجتزاء نتائج دراسات علمية أو التركيز على نظريات غير مكتملة لدعم وجهة نظرهم التجارية. هذا التكتيك يهدف بالأساس إلى اعتلاء ‘الترند’ وزيادة عدد المتابعين، مما يدر أرباحاً خيالية للطبيب وللشركات التي يروج لمنتجاتها على حساب صحة المتلقي.

وتقترح الدكتورة سامية عبدالرحمن مواجهة هذه الظاهرة بالسلاح نفسه، من خلال إطلاق حملات تثقيف صحي عبر فيديوهات قصيرة وجذابة تشرف عليها هيئات محايدة. وترى أن تقديم المعلومة الصحيحة بأسلوب ‘ذكي ولافت’ يمكن أن يخلق ‘ترنداً إيجابياً’ يواجه العلوم الزائفة التي تجتاح الفضاء الرقمي وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً.

ختاماً، يبقى قسم أبقراط التاريخي هو المرجعية الأخلاقية التي تفرق بين الطبيب الحكيم والتاجر، حيث يشدد على كتمان أسرار المرضى والامتناع عن كل ما يضرهم. إن العودة إلى جوهر الطب كعلم منهجي وأخلاقي هي السبيل الوحيد لإنقاذ المنظومة العلاجية من براثن ‘الشعبوية الرقمية’ التي تحاول إعادة الطب إلى عصر الخرافات والوعود الزائفة.




الانتخابات الفلسطينية القادمة… بين إعادة بناء الشرعية ومخاطر إعادة إنتاج الانقسام

د. إبراهيم نعيرات

تأتي الانتخابات الفلسطينية القادمة في لحظة تاريخية شديدة التعقيد، ربما تكون من أكثر اللحظات حساسية منذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية. فهي لا تجري في سياق سياسي طبيعي يمكن فيه التعامل مع الانتخابات باعتبارها مجرد استحقاق دوري لتجديد المؤسسات، بل تأتي في ظل تحولات عميقة فرضتها حرب غزة، والتغيرات المتسارعة في الضفة الغربية، والتحديات الإقليمية والدولية، ومحاولات إسرائيل إعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي للقضية الفلسطينية.

ولهذا فإن الانتخابات القادمة لا يمكن قراءتها فقط من زاوية المنافسة بين القوى السياسية أو توزيع المقاعد، بل باعتبارها لحظة قد تعيد تشكيل النظام السياسي الفلسطيني بأكمله. فالسؤال الحقيقي ليس فقط: من سيفوز في الانتخابات؟ وإنما: ماذا ستنتج هذه الانتخابات؟ وهل ستكون مدخلاً لإعادة بناء القدرة الوطنية الفلسطينية، أم أنها قد تصبح بداية دورة جديدة من الصراعات والانقسامات؟

هناك اليوم حالة واضحة من التشوش وعدم اليقين تجاه الواقع الفلسطيني القادم. فالمشهد الذي ستجري فيه الانتخابات لم يتبلور بعد بصورة كاملة؛ إذ لا تزال مآلات حرب غزة مفتوحة، وطبيعة الترتيبات السياسية والأمنية المتعلقة بالقطاع غير واضحة، بينما تشهد الضفة الغربية تحولات متسارعة بفعل الاستيطان والضغوط الإسرائيلية والتغيرات الميدانية. وهذا يعني أن الانتخابات ستجري في بيئة مختلفة جذرياً عن كل الانتخابات السابقة.

في الظروف الطبيعية، تُجرى الانتخابات ضمن واقع سياسي واضح نسبياً، حيث تتنافس القوى على برامج ورؤى محددة. أما في الحالة الفلسطينية الحالية، فإن الانتخابات ستجري في مرحلة انتقالية تحمل أسئلة كبرى حول مستقبل القضية الفلسطينية، وشكل النظام السياسي، وطبيعة القيادة القادرة على إدارة المرحلة المقبلة.

لذلك فإن قراءة الانتخابات لا يجب أن تقتصر على يوم الاقتراع، بل يجب أن تشمل مرحلتين أساسيتين: مرحلة ما قبل الانتخابات ومرحلة ما بعد الانتخابات.

في مرحلة ما قبل الانتخابات، يبرز سؤال أساسي حول طبيعة المزاج الشعبي الفلسطيني بعد سنوات من الجمود السياسي، وبعد الحرب على غزة وما أحدثته من تحولات عميقة في الوعي العام. هل ستكون هناك رغبة واسعة في التغيير وإعادة تشكيل المشهد السياسي؟ هل ستظهر نخب جديدة تحمل رؤية مختلفة؟ أم أن حالة القلق وعدم اليقين ستدفع المجتمع نحو البحث عن قوى أكثر خبرة وقدرة على إدارة مرحلة صعبة؟

لكن الإشكالية أن معظم القوى والجهات السياسية اليوم تبدو مدفوعة باتجاه الانتخابات، وكأن إجراءها بحد ذاته يمثل الحل. فهناك إصرار واسع على اعتبار الانتخابات بوابة للخروج من حالة الجمود السياسي، وهذا مفهوم في ظل الحاجة إلى تجديد الشرعية، لكنه يحمل في الوقت ذاته مخاطر إذا تحول إلى اندفاع غير محسوب.

ففي لحظات التحول التاريخي، لا تكون القضية فقط في الرغبة بالتغيير، بل في طبيعة التغيير الذي يمكن أن ينتج، وفي القدرة على إدارة نتائجه. وقد يكون الخطر أن يصبح هدف التغيير بحد ذاته هو المحرك الأساسي، بينما تغيب الأسئلة الأكثر أهمية: ماذا بعد الانتخابات؟ كيف ستُدار المرحلة التالية؟ هل يمتلك النظام السياسي القدرة على استيعاب النتائج؟ وهل توجد ضمانات تمنع تحول المنافسة الديمقراطية إلى صراع جديد على القيادة والتمثيل؟

إن التغيير بأي ثمن قد يحمل نتائج لا تحمد عقباها. فالانتخابات ليست غاية مستقلة عن الواقع، وإنما أداة سياسية يجب أن تخدم هدفاً وطنياً أوسع. والتجارب السياسية تثبت أن الانتخابات لا تنتج دائماً الاستقرار، وأن الديمقراطية عندما تجري في بيئة منقسمة ودون توافق على قواعد إدارة المرحلة قد تتحول من أداة لتجديد النظام إلى أداة لتعميق أزماته.

الخطر الصامت: عندما تصطدم الشرعية الانتخابية بالشرعية التاريخية

لعل أحد أكبر المخاطر الاستراتيجية المحيطة بالانتخابات الفلسطينية القادمة لا يكمن في احتمال صعود قوى سياسية جديدة بحد ذاته، فذلك جزء طبيعي من أي عملية ديمقراطية حقيقية، بل ربما يكون من أهم أهداف الانتخابات إعادة تجديد النخب وضخ دماء جديدة في النظام السياسي الفلسطيني.

لكن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تعامل النظام السياسي والمجتمع والقوى القائمة مع احتمال انتقال مركز الثقل السياسي من قوى اعتادت قيادة المشهد إلى قوى جديدة لم تكن في موقع الصدارة سابقاً.

فالديمقراطية لا تُختبر عندما تأتي نتائج الانتخابات متوافقة مع التوقعات، أو عندما تحافظ القوى التقليدية على مواقعها، بل تُختبر عندما تنتج صناديق الاقتراع تحولات غير متوقعة، وتعيد ترتيب موازين القوى، وتفرض واقعاً سياسياً جديداً على الجميع.

في الحالة الفلسطينية، فإن هذا الاحتمال يحمل حساسية خاصة، لأن النظام السياسي لا يقوم فقط على الشرعية الانتخابية، بل يتداخل فيه تاريخ طويل من الشرعية الوطنية المرتبطة بدور قوى سياسية قادت الحركة الوطنية الفلسطينية لعقود، وبمراحل نضالية وتاريخية شكلت الوعي السياسي الفلسطيني. وفي المقابل، فإن الانتخابات تمنح الناخبين فرصة لإنتاج شرعية جديدة تستند إلى الإرادة الشعبية المباشرة.

وهنا قد تظهر المعضلة: ماذا يحدث إذا أنتجت الانتخابات صعود قوى جديدة أو شخصيات غير مألوفة في مركز المشهد؟ هل سيتم التعامل مع ذلك باعتباره تجديداً طبيعياً للنظام السياسي، أم باعتباره تراجعاً لدور قوى تاريخية ترى نفسها صاحبة دور مركزي في المشروع الوطني؟

الخطر لا يكمن في وجود شرعيتين؛ فالشرعية التاريخية والشرعية الانتخابية يمكن أن تتكاملا، بل إن الجمع بينهما قد يكون مصدر قوة للنظام السياسي. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه الشرعيات إلى مصادر تنافس وصراع.

فقد نجد أنفسنا أمام معادلة صعبة: قوى جديدة تقول “لدينا شرعية الصندوق”، وقوى تاريخية تقول “لدينا شرعية المشروع الوطني والتاريخ”. وإذا لم توجد رؤية وطنية قادرة على استيعاب الشرعيتين ضمن إطار واحد، فقد يتحول الاختلاف الطبيعي إلى أزمة سياسية جديدة.

وهنا تظهر المعضلة الأولى: احتمال رفض القوى التقليدية لنتائج لا تتوافق مع توقعاتها. فإذا شعرت قوى وطنية مركزية بأنها فقدت موقعها أو تراجعت مكانتها، فقد تظهر مقاومة للانتقال الجديد، انطلاقاً من شعور بأن المرحلة لا تسمح بتغييرات جذرية أو أن النتائج لا تعكس حجم دورها التاريخي.

أما المعضلة الثانية فهي قدرة القوى الجديدة على إدارة انتقال سياسي معقد. فالحصول على شرعية انتخابية لا يعني بالضرورة امتلاك الخبرة المؤسسية أو القدرة على إدارة نظام يواجه الاحتلال والتحديات الاقتصادية والسياسية والضغوط الخارجية. فالانتقال من موقع المنافسة إلى موقع القيادة يحتاج إلى أكثر من الفوز الانتخابي؛ يحتاج إلى رؤية وشراكات وقدرة على إدارة التوازنات الوطنية.

وهنا تكمن النقطة الأساسية: الخطر ليس في تجدد النخب، بل في أن يتحول تجدد النخب إلى صراع على الشرعية.

ولهذا فإن التحضير للانتخابات لا يجب أن يركز فقط على قانون الانتخابات والإجراءات الفنية، بل يجب أن يسبقه نقاش وطني حول “اليوم التالي للانتخابات”:

  • هل الجميع ملتزم مسبقاً باحترام النتائج أياً كانت؟
  • كيف ستشارك القوى التي تخسر؟
  • كيف ستُدمج القوى الجديدة داخل النظام السياسي؟
  • كيف نمنع نشوء مركزين للقرار؟
  • كيف تتحول الشرعية الانتخابية إلى إضافة للشرعية الوطنية وليس بديلاً عنها؟

ولعل التحدي الأكبر لا يكمن فقط في قبول النتائج، بل في وجود الثقة السياسية المتبادلة التي تسمح بانتقال القوة والتمثيل دون خوف من الإقصاء أو التهميش. فغياب الثقة قد يجعل حتى النتائج الديمقراطية الصحيحة مدخلاً إلى أزمة جديدة، بينما يمكن للثقة والشراكة أن تحولا الاختلاف السياسي إلى عنصر قوة.

إن الفلسطينيين لا يحتاجون فقط إلى تغيير سياسي، بل إلى انتقال سياسي منظم. فالانتقال غير المُدار في لحظة ضعف وانقسام قد ينتج أزمة أكبر من أزمة الجمود الحالية.

وفي المقابل، فإن الحاجة إلى إعادة إنتاج النخب الفلسطينية أصبحت ضرورة تاريخية. فالمجتمع الفلسطيني تغير، والتحديات تغيرت، ولم تعد الأدوات التقليدية وحدها كافية لإدارة المرحلة المقبلة. هناك حاجة إلى مشاركة أوسع للشباب والكفاءات والخبرات الوطنية، وإلى قيادة تمتلك رؤية تتجاوز إدارة الأزمة نحو بناء المستقبل.

لكن إعادة إنتاج النخب لا تعني إلغاء النخب التاريخية أو استبدال جيل بآخر. القضية ليست قضية أسماء أو أعمار فقط، بل قضية نموذج سياسي. المطلوب الانتقال من نموذج يعتمد على الشرعية التاريخية وحدها إلى نموذج يجمع بين الخبرة والشرعية الشعبية والكفاءة والقدرة على الإنجاز.

إن المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى قيادات متعددة تتصارع على من يمثل الفلسطينيين، بل إلى قيادة قادرة على استيعاب التنوع وتحويله إلى قوة وطنية. فالتعدد السياسي يمكن أن يكون مصدر قوة إذا تم تنظيمه ضمن رؤية مشتركة، لكنه يصبح مصدر ضعف إذا تحول إلى مراكز قرار متنافسة.

في النهاية، فإن الانتخابات الفلسطينية القادمة ليست مجرد استحقاق ديمقراطي، بل اختبار تاريخي لقدرة الفلسطينيين على إدارة مرحلة انتقالية بالغة الخطورة.

فالنجاح لن يقاس فقط بقدرة الفلسطينيين على الوصول إلى صندوق الاقتراع، بل بقدرتهم على الخروج منه بنظام سياسي أكثر وحدة وقدرة على مواجهة المرحلة القادمة. أما الفشل في إدارة هذا الانتقال فقد يجعل الانتخابات، التي يُراد لها أن تكون بداية تجديد، مدخلاً إلى أزمة جديدة.

الفلسطينيون بحاجة إلى التغيير، لكنهم بحاجة أكثر إلى تغيير مسؤول ومدروس. بحاجة إلى انتخابات تعيد بناء الثقة، لا انتخابات تعيد إنتاج الانقسام. وإلى قيادة منتخبة قادرة على تحويل الاختلاف إلى قوة، والتجديد إلى وحدة، والديمقراطية إلى أداة لحماية المشروع الوطني لا إلى مدخل لإضعافه.




عبد الهادي تحث كندا على مساءلة الاحتلال وفرض عقوبات رادعة على منظومة الاستعمار

طالبت سفيرة دولة فلسطين لدى كندا، فداء عبد الهادي، الحكومة الكندية بفرض مزيد من العقوبات الاقتصادية والقانونية على المستوطنات الإسرائيلية، بما في ذلك حظر استيراد منتجات المستعمرات، ووقف مصادر تمويل منظومة الاستعمار والأنشطة المرتبطة بها، في ظل تصاعد اعتداءات المستعمرين في الأرض الفلسطينية المحتلة. كما دعت إلى إعادة النظر في اتفاقية التجارة الحرة بين كندا وإسرائيل، بمناسبة مرور ثلاثين عاما على توقيعها.

جاء ذلك خلال سلسلة لقاءات عقدتها السفيرة مع عدد من المسؤولين في وزارة الخارجية الكندية، من بينهم الوكيل المساعد لوزيرة الخارجية الكندية، ومساعد نائب وزيرة الخارجية لشؤون أوروبا والشرق الأوسط والمنطقة القطبية، والمديرة العامة لدائرة الشرق الأوسط، ورئيس دائرة المراسم، وذلك وفقا لبيان من السفارة اليوم الخميس.

وأكدت عبد الهادي، خلال اجتماعها مع الوكيل المساعد لوزيرة الخارجية الكندية ديفيد إنجل، ما جاء في رسالة خطية من الرئيس محمود عباس إلى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، طالب فيها كندا باتخاذ خطوات عملية لوقف إرهاب المستعمرين، الذي يشكل جزءا أساسيا من سياسة إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى تهجير الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم، وتقويض حقهم في تقرير المصير، وإضعاف فرص تحقيق حل الدولتين.

وطالب الرئيس عباس في رسالته بتنفيذ بنود قرار مجلس الأمن 2334، الذي يعتبر الاستعمار في الأرض المحتلة انتهاكا صارخا للقانون الدولي، وإلزام إسرائيل بإنهاء احتلالها للأرض الفلسطينية المحتلة.

وفي السياق ذاته، سلمت السفيرة عبد الهادي السيد إنجل رسالة وزيرة الخارجية والمغتربين فارسين أغابكيان شاهين إلى نظيرتها وزيرة الخارجية الكندية، بشأن تصاعد إرهاب المستعمرين في الأرض الفلسطينية المحتلة والخطوات التي يمكن لكندا اتخاذها ضد منظومة الاستيطان ورموزه ومصادر تمويله.

وثمنت السفيرة الإجراءات والعقوبات التي اتخذتها الحكومة الكندية بحق عدد من المستعمرين والمسؤولين الإسرائيليين المتورطين في أعمال العنف والإرهاب، داعية إلى البناء على هذه الخطوات من خلال تبني إجراءات أكثر شمولا واتساقا مع القانون الدولي، لا سيما الفتوى القانونية لمحكمة العدل الدولية.

كما تطرقت إلى جريمة الاحتلال ومستعمريه في قرية تل، التي أسفرت عن استشهاد أربعة فلسطينيين، والاعتداءات وحرق المنازل والمساجد في صرة وبورين وقصرة وبيت فوريك وسوسيا وكور في طولكرم، وقبلها الاستيلاء على منازل الفلسطينيين في عدد من البلدات والقرى بمحافظات نابلس وجنين ورام الله وبيت لحم والخليل، والتي كان آخرها عائلة الطوباسي في بلدة جالود جنوب نابلس.

وحذرت عبد الهادي من شرعنة الحكومة الإسرائيلية بناء وتوسيع مزيد من البؤر الاستعمارية، واستمرار جيش الاحتلال الإسرائيلي في سياسة إغلاق الحواجز والطرقات وتحويل الضفة الغربية إلى مناطق عسكرية مغلقة، الأمر الذي يتسبب في زيادة معاناة الفلسطينيين، ومنها فقدان سيدة جنينها داخل مركبة إسعاف عند حاجز عورتا بسبب منع سيارة الإسعاف من المرور، ووضع سيدتين فلسطينيتين مولوديهما داخل مركبتين في محافظة نابلس بعد أن منعت قوات الاحتلال وصولهما بشكل عاجل إلى المستشفيات.

كما حذرت من التصعيد الخطير الذي يستهدف تقويض الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس، منددة باقتحام آلاف المستعمرين للمسجد الأقصى المبارك، وما رافق ذلك من أداء للطقوس التلمودية ورفع أعلام سلطات الاحتلال، باعتباره انتهاكا جسيما للوضع التاريخي والقانوني القائم وقرارات الأمم المتحدة.

وطالبت السفيرة عبد الهادي بوقف العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة والانسحاب الكامل منه، محذرة من استهداف المدنيين ومحو العائلات الفلسطينية، ورفضت مخططات التهجير القسري والضم وعزل الفلسطينيين في ظروف إنسانية كارثية.

وأكدت ضرورة ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، معربة عن تقديرها لدعم كندا المستمر للشعب الفلسطيني، ولا سيما التزامها بدعم وكالة الأونروا واللاجئين الفلسطينيين، وشددت على أهمية احترام التدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية لحماية الشعب الفلسطيني وحقوقه.

كما طالبت عبد الهادي الحكومة الكندية بالضغط على الحكومة الإسرائيلية للإفراج عن الأسرى الفلسطينيين الذين تحتجزهم إسرائيل، ووضع حد لسياسات الاعتقال التعسفي والاعتقال الإداري التي تنتهك الحقوق الأساسية للأسرى الفلسطينيين.

وأكدت أهمية الدعوات التي تطالب بالإفراج عن الدكتور حسام أبو صفية وغيره من الأسرى الفلسطينيين، ودعت كندا إلى البناء على الإجراءات التي اتخذتها بالفعل، واعتماد نهج أكثر شمولا واتساقا مع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة والآراء الاستشارية لمحكمة العدل الدولية.

وفي ختام اللقاءات، جددت عبد الهادي التأكيد على أن تعزيز المساءلة والتطبيق المتسق للقانون الدولي يمثلان ركيزة أساسية لحماية المدنيين الفلسطينيين، وصون حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، والحفاظ على فرص تحقيق استقلال دولة فلسطين، وصولا إلى سلام عادل ودائم.




سرطان المصادرة يتفشى في محافظة جنين

عبد الباسط خلف- يعيش أهالي مسلية، جنوب شرق جنين، على وقع الصدمة من إعلانات جيش الاحتلال بمصادرة أراضٍ من قريتهم الصغيرة.

ويقول المزارع محمد أبو الرب، بصوت متعب إن أرضه التي ورثها عن والده والمزروعة بالعنب، قد تكون في خطر شديد بالمصادرة، كحال المساحات المجاورة لها والمتاخمة للشارع الرئيس المار من القرية.

ويؤكد لـ”الحياة الجديدة” بأن مسلية، تمر بواحد من أسوأ أيامها، فلا أحد يمتلك معلومات دقيقة عن مخططات الاحتلال بشق طريق استيطاني يربط مستوطنة دوتان بمستوطنات الأغوار، مرورا بقريته.

ويشير إلى أن دعوة وصلته أمس من بلدية قباطية، لمناقشة أوامر المصادرة، وتقديم سندات تسجيل للأرض، أو ما يثبت ملكيتها الأرض كسندات التسجيل، وحصر الإرث، والوكالات، والمستندات القانونية.

ويأمل أبو الرب من أن يثمر اللقاء المقرر ظهر اليوم الخميس، عن خطو تحرك عملية لحماية الأرض من المصادرة، بالتنسيق مع هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، ولتوكيل محامٍ لمتابعة الاعتراضات والدفاع عن حقوق أصحاب الأراضي ضمن المدة القانونية.

ويؤكد رئيس المجلس القروي عماد أبو الرب لـ”الحياة الجديدة” أن جيش الاحتلال كان يقتحم باستمرار القرية، من المنطقة المجاورة للبلدة قباطية والمحاذية لمعسكر الزبابدة القديم، وضاعف مؤخرا وتيرة استهدافها، قبل أن يعلن مصادرتها.

ويشير إلى سهل الملك التي تفصل قريته عن قباطية، شهد توزيع الاحتلال لإخطارات بالمصادرة لصالح أغراض عسكرية، بمهلة 7 أيام للاعتراض.

ويبين أن بيانات الأراضي المصادرة غير محددة في الإخطارات، لكن الشارع الرئيس هو الآخر مستهدف ويمر من مناطق واسعة.

ويقدر أبو الرب مساحة الأرض المستهدفة قرابة 70 دونما، مغروسة بالعنب، ويستفيد منها قرابة 600 مواطن.

ويقول إن مسار الشارع الاستيطاني الذي كشف الاحتلال عن شقه، سيمر بنحو 4 كيلو مترات، ويربط مستوطني (نوعا) بين قباطية والزبابدة بـ (دوتان)، المقامة على أراضي بلدة عرابة، ويصل الزبابدة ورابا، ويمر بقرية تياسير، وينتهي بالأغوار الشمالية.

ويضع أهالي القرية، وعددهم 3500 مواطن، أيديهم على قلوبهم، ويخشون من أن يطال الهدم الفعلي بيوتهم المتاخمة للشارع المقترح، الذي لم ينشر الاحتلال تفاصيله، مثلما يؤكدون أن مستقبل أراضيهم في المجهول.

ويقول أبو الرب إن إقفال الطرق الفرعية مع بلدة الزبابدة، سيخلق واقعا صعبا في القرية الممتدة على 12 ألف دونم، 8 آلاف منها مغروسة بالزيتون والعنب.

ويؤكد أن الاحتلال أنذر الشاب عبد الله أبو الرب بإخلاء منجرته، وأمهله 7 أيام لإزالتها من المنطقة، بدعوى أنها عسكرية.

ويلخص رئيس المجلس: الزيتون والعنب، والبيوت، والدفيئات الزراعية كلها ستكون مهددة بالهدم والتجريف والاقتلاع، إذا ما نفذ الاحتلال مخططاته.

ووفق بلدية قباطية، فإن أوامر المصادرة شملت الأراضي التابعة لبلدة بمساحة 161.487 دونما، منها 39.330 دونما من أراضي قباطية، و85.223 دونما من الأراضي المشتركة بين قباطية ومسلية، و9.501 دونم من الأراضي المشتركة بين قباطية وعرابة ومركة، و27.433 دونما من الأراضي المشتركة بين قباطية ومركة وجربا.

وتقول البلدية في بيان إن المصادرة تمثل اعتداء على حقوق المواطنين وأراضيهم، وتلحق أضرارا جسيمة بالمزارعين، وتعيق التنمية والتوسع العمراني في البلدة.

وتشهد جنين هجمة استيطانية شرسة، طالت بلدات عديدة جنوب المحافظة وشرقها، شملت عودة الاستيطان إلى 4 مناطق عقب انسحاب الاحتلال منها، قبل 21 عاما، عدا إقامة بؤر استيطانية ورعوية جديدة، ومعسكرات في قلب جنين وأطرافها.