1

الناجية الوحيدة “حلا حمادة” تنتصر لوالديها بمعدل 97%

عزيزة ظاهر-لم تكن فرحة إعلان نتائج الثانوية العامة بالنسبة للطالبة حلا حازم حمادة تشبه فرحة أي طالب آخر، ففي الوقت الذي احتضنت فيه العائلات أبناءها احتفالاً بالنجاح، وقفت حلا تستحضر وجوه من كانت تتمنى أن يكونوا إلى جانبها في هذه اللحظة، والدها حازم حمادة، ووالدتها رجاء الصباغ، وشقيقتاها وشقيقها، الذين فقدتهم جميعاً في قصف إسرائيلي استهدف منزل العائلة بمدينة خان يونس في مارس/آذار 2024

ففي قطاع غزة، لم تعد رحلة الثانوية العامة تقاس بعدد ساعات الدراسة، بل بحجم ما يحمله الطلبة من فقدٍ وألم وتجارب قاسية فرضتها الحرب.

وبين قصص النجاح التي حملتها نتائج الثانوية العامة هذا العام، تبرز حكاية الطالبة حلا حازم حمادة التي نجحت في تحويل واحدة من أكثر التجارب الإنسانية قسوة إلى قصة صمود، بعدما حققت معدل 97% رغم أنها فقدت أسرتها كاملة.

كانت حلا الناجية الوحيدة، حيث بقيت أكثر من 40 ساعة تحت الأنقاض قبل أن تتمكن طواقم الإنقاذ من انتشالها على قيد الحياة، لتجد نفسها وحيدة في مواجهة حياة تغيرت بالكامل خلال لحظات.

رحلة دراسية وسط الفقد

لم تكن العودة إلى الدراسة قراراً سهلاً بعد الإصابة والصدمة النفسية التي خلفتها المجزرة، غير أن حلا رأت في التعليم وسيلة للحفاظ على ما زرعه والداها فيها من حب للعلم والإصرار على النجاح.

استعادت كتبها وأوراقها الدراسية وسط ظروف إنسانية بالغة الصعوبة، وواصلت الاستعداد لامتحانات الثانوية العامة، مدفوعة بإيمانها بأن التفوق سيكون أفضل رسالة يمكن أن تقدمها لعائلتها التي رحلت.

تقول حلا لـ “الحياة الجديدة”، مستذكرة تلك الرحلة: “قدرت اليوم أرفع راسهم حتى لو ما كانوا معي في رحلة التوجيهي.”

جملة قصيرة، لكنها تختصر عاماً كاملاً من الصبر، والحنين، ومحاولات الوقوف مجدداً بعد خسارة لا يمكن تعويضها.

رسالة وفاء

ورغم الغياب الذي تركه فقدان والديها وشقيقتيها وشقيقها، لم تُترك حلا وحيدة في يوم نجاحها، فقد حرص أفراد عائلتها وأقاربها على مشاركتها فرحة التفوق، وأحاطوها بالمحبة والاحتفاء، في محاولة للتخفيف من وطأة الفقد، وتعويض جزء من غياب أسرتها التي كانت تنتظر هذه اللحظة.

ورفعت الزغاريد في المكان، وتعانقت الدموع مع الابتسامات، بينما أكد أقاربها أن نجاح حلا هو نجاح للعائلة بأكملها، ورسالة وفاء لذكرى من رحلوا.

سحر حسين خالة حلا تتحدث لـ “الحياة الجديدة”، هذا النجاح ليس مجرد رقم، بل رسالة وفاء أهدتها إلى أرواح والديها، وكأنها تقول لهم: “ما زلت أحمل حلمكم، وما زلت أكمل الطريق الذي تمنّيتموه لي.”

وتتابع الخالة، كنت أتمنى من أعماق قلبي أن تكون أختي اليوم بجانب ابنتها، تحتضن نبض قلبها، وتغمرها بدموع الفرح وهي ترى ثمرة سنوات التعب والاجتهاد، كنت أتمنى أن أراها ترفع رأسها فخرًا بابنتها، فهذه اللحظة كانت حلم والديها، ولذلك شعرنا أن من واجبنا أن نقف إلى جانب حلا في يوم نجاحها، لن يعوض أحد مكان والدتها ووالدها، لكننا سنبقى سنداً لها، وسنفرح بكل خطوة تحققها، لأنها اليوم لا تحقق حلمها وحدها، بل تحقق الحلم الذي عاش من أجله والداها أيضاً، نحن فخورون بها، وبقوتها، وبقدرتها على تحويل هذا الوجع إلى نجاح يرفع رأس العائلة كلها.”

حلم الأم الذي سيكتمل

ترى حلا أن معدل 97% ليس إنجازاً شخصياً فحسب، بل هو ثمرة دعم والديها اللذين لطالما شجعاها على الاجتهاد، وإهداء لروحيهما جميعاً، بعدما حالت الحرب دون أن يشهدا تحقيق هذا الحلم، ورغم كل ما مرت به، لا تعتبر حلا أن النجاح نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة.

فقد قررت الالتحاق بكلية طب الأسنان، ليس فقط لتحقيق طموحها الشخصي، وإنما أيضاً لإكمال الحلم الذي كانت والدتها الشهيدة رجاء الصباغ تتمنى أن تراه يتحقق.

وتؤكد حلا أن اختيارها لهذا التخصص هو وفاء لوصية والدتها، ورسالة بأن الأحلام التي زرعها الأبوان في أبنائهما يمكن أن تستمر حتى بعد رحيلهما، وأن الحرب لا تستطيع أن تمحو ما يتركه الحب من أثر في نفوسأبنائهم.




فقدان حاسة الشم.. إنذار مبكر لمرض باركنسون يسبق الأعراض بسنوات

تعتبر حاسة الشم من أكثر الحواس تأثيراً في حياة الإنسان، فهي ليست مجرد وسيلة للاستمتاع بالروائح، بل هي جسر مباشر يربطنا بالذاكرة والعواطف. وتشير الأبحاث العلمية الحديثة إلى أن تراجع هذه الحاسة قد يكون إنذاراً مبكراً لأمراض تنكسية عصبية خطيرة مثل باركنسون وألزهايمر، حيث يظهر هذا العارض قبل سنوات من التشخيص الرسمي.

تكمن أهمية الروائح في قدرتها الفريدة على استحضار ذكريات قديمة وتفاصيل دقيقة، وهو ما يفسره العلم بوجود ‘البصلة الشمية’ في مقدمة الدماغ. هذه المنطقة الصغيرة تستقبل الإشارات الشمية وتنقلها مباشرة إلى المناطق المسؤولة عن العاطفة والذاكرة، مما يجعلها حساسة جداً لأي تغيرات وظيفية في الجهاز العصبي.

أفادت مصادر طبية بأن فقدان الشم لا ينبغي التعامل معه دائماً كأثر عابر لنزلات البرد أو الإنفلونزا، خاصة إذا استمر لفترات طويلة. ففي حالات الأمراض التنكسية، تبدأ الخلايا العصبية في التضرر بصمت، وتكون حاسة الشم هي الضحية الأولى قبل أن تمتد الإصابة إلى مراكز الحركة والتحكم في الجسم.

تمثل الأمراض التنكسية العصبية تحدياً كبيراً للأطباء، لأن الضرر غالباً ما يكون قد بلغ مراحل متقدمة عند ظهور الأعراض التقليدية. ففي مرض باركنسون، لا تظهر الرعشة أو التصلب إلا بعد فقدان أكثر من نصف الخلايا العصبية المسؤولة عن إفراز ‘الدوبامين’، وهو الناقل العصبي الأساسي لتنظيم الحركة.

تشير الإحصائيات إلى أن فقدان الشم يصيب ما يصل إلى 90 في المئة من مرضى باركنسون، مما يجعله مؤشراً حيوياً بالغ الأهمية. ورغم أن هذا العرض قد يظهر نتيجة التقدم في العمر أو التوتر، إلا أن رصده بدقة قد يساهم في تشخيص المرض في مراحل مبكرة تتيح تدخلات علاجية أكثر فاعلية.

يرى الباحثون أن المرض قد يبدأ فعلياً في البصلة الشمية نتيجة التعرض لفيروسات أو سموم مستنشقة قبل أن ينتقل إلى أجزاء الدماغ الأخرى. وفي حالات ألزهايمر، يرتبط الضرر بمنطقة ‘الموضع الأزرق’ في جذع الدماغ، وهي المسؤول الأول عن اليقظة والتركيز، مما يفسر ظهور اضطرابات الشم قبل علامات الخرف.

لا يعد فقدان الشم في هذه السياقات مجرد عجز عن الشم، بل هو إشارة تحذيرية من أن العملية التنكسية قد بدأت فعلياً في عمق الدماغ. ويساعد هذا المؤشر الأطباء على التمييز بين باركنسون واضطرابات الحركة الأخرى التي قد تتشابه معه في البدايات، مما يسهل وضع خطة علاجية دقيقة.

فقدان حاسة الشم ليس مجرد عارض بسيط، بل هو نافذة تتيح للعلماء إلقاء نظرة على الدماغ لفك ألغاز الأمراض التنكسية قبل فوات الأوان.

من الظواهر المثيرة للاهتمام أن فقدان الشم لدى مرضى باركنسون يكون انتقائياً في بعض الأحيان، حيث يجد المريض صعوبة في تمييز الروائح الحيادية. فبينما قد ينجح المريض في التعرف على رائحة الشوكولاتة المحببة، فإنه قد يفشل تماماً في رصد رائحة الصابون أو الدخان أو المطاط.

تعاني بعض النساء المصابات بباركنسون من ظاهرة تُعرف بالهلوسات الشمية، حيث يخيّل إليهن شم روائح وهمية لا وجود لها في الواقع. وتتنوع هذه الروائح بين التبغ أو الخشب المحترق، وهي ناتجة عن خلل في معالجة الإشارات العصبية داخل الدماغ المصاب بالتنكس.

كشفت تجارب علمية عن وجود رائحة خاصة لمرض باركنسون وصفت بأنها ‘مسكية’ أو ‘خشبية’، ويمكن رصدها قبل سنوات من المرض. وقد اشتهرت قصة امرأة اسكتلندية استطاعت تمييز هذه الرائحة لدى زوجها قبل 12 عاماً من تشخيص إصابته، مما فتح آفاقاً جديدة للبحث في التشخيص الكيميائي.

إن فهم العلاقة بين الأنف والدماغ يفتح أبواباً واسعة لتحسين جودة حياة المصابين، حيث تتيح هذه المعلومات رعاية استباقية للمرضى. فالبحث في أسرار البصلة الشمية ليس مجرد ترف علمي، بل هو ضرورة لفك ألغاز الدماغ البشري وحمايته من التدهور المستمر.

يؤكد الخبراء أن فقدان الشم المفاجئ أو المشوه، مثل شم رائحة البلاستيك المحروق بدلاً من الفاكهة، يتطلب مراجعة طبية متخصصة. فهذه التشوهات الشمية قد تعكس تضرراً في الخلايا العصبية، وهو ما يستوجب إجراء فحوصات شاملة للتأكد من سلامة الجهاز العصبي المركزي.

رغم أن حاسة الشم هي الأقل فهماً بين الحواس الخمس، إلا أنها تظل الأشد تأثيراً على قراراتنا ومشاعرنا اليومية دون أن نشعر. وتدرك العلامات التجارية هذه الحقيقة جيداً، حيث تستخدم الروائح لجذب المستهلكين، مما يؤكد أن الأنف هو أقصر طريق للوصول إلى مراكز العاطفة في الدماغ.

في الختام، يظل فقدان الشم نافذة حيوية تطل على صحة الدماغ، ويأمل العلماء أن تتحول اختبارات الشم إلى روتين تشخيصي معتمد. إن الاكتشاف المبكر لباركنسون وألزهايمر عبر هذه الحاسة قد يغير مسار الطب الوقائي، ويمنح ملايين المرضى فرصة لحياة أفضل وأطول.




الاحتلال يهدم منزلين في دير رازح بالخليل

هدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الثلاثاء، منزلين في قرية دير رازح جنوب غرب بلدة دورا، جنوب غرب الخليل.

وقال المواطن أشرف عمرو  إن جرافات الاحتلال هدمت منزل المواطن رياض ياسر عمرو، ومنزلا آخر للمواطن أيمن ياسر عمرو، وتبلغ مساحة كل منهما نحو 120 مترا مربعا.

وأضاف أن جرافات الاحتلال شرعت بعملية الهدم، دون أن تسمح للمواطنين بإخراج ممتلكاتهم من المنزلين المستهدفين.

وكانت قوات الاحتلال هدمت في وقت سابق اليوم، منزلًا في قرية شقبا غرب رام الله.

وبهدم المنازل الثلاثة في دير رازح وشقبا اليوم، ترتفع حصيلة عمليات الهدم التي نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ صباح أمس الاثنين، إلى أكثر من 13 منزلا وثلاث منشآت في محافظات القدس ورام الله وجنين.

وتتعرض قرية دير رازح والقرى والتجمعات الواقعة في المنطقة الغربية من بلدة دورا، لعمليات هدم وإخطارات بوقف البناء بوتيرة متزايدة، في ظل مخططات استعمارية تهدف إلى السيطرة على مزيد من الأراضي وفرض واقع جديد على المواطنين في المنطقة




“أوتشا”: 1330 اعتداء لمستعمرين إسرائيليين بالضفة منذ مطلع العام الجاري

 أعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، توثيق أكثر من 1330 حادثة تورط فيها مستعمرون إسرائيليون في الضفة الغربية المحتلة منذ بداية عام 2026، وأسفرت عن سقوط ضحايا وإلحاق أضرار بممتلكات الفلسطينيين.

جاء ذلك في بيان صدر عن المكتب الأممي، أعرب فيه عن قلقه البالغ إزاء تصاعد أعمال العنف في أنحاء الضفة الغربية خلال الأيام الأخيرة.

وأوضح المكتب أنه منذ الخميس الماضي قُتل ما لا يقل عن 8 فلسطينيين، بينهم طفل، كما أن منازل ومساجد وأشجارا ومنشآت زراعية تعرضت للحرق أو التخريب، ودُمّر بعضها بالكامل، فيما أُجبرت 10 عائلات فلسطينية على الأقل على النزوح بسبب موجة العنف الأخيرة.

وتقول مؤسسات حقوقية فلسطينية وإسرائيلية ودولية إن الجنود الإسرائيليين يغضون الطرف عن اعتداءات المستوطنين، بل يشاركون فيها.

وأشار المكتب الأممي إلى أن القوات الإسرائيلية شددت القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين ووصولهم إلى مختلف المناطق في الضفة، ما حال دون تمكن آلاف الأشخاص من الوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الطبية الطارئة ومصادر كسب الرزق.

وذكر مكتب “أوتشا” أنه منذ مطلع العام الجاري وحتى السبت الماضي، قُتل 77 فلسطينيا، بينهم 18 طفلا، على أيدي القوات الإسرائيلية أو المستعمرين الإسرائيليين.

وأكد المكتب أن الجهات الإنسانية تواصل الدعوة إلى ضرورة توفير حماية عاجلة للمدنيين وضمان الاحترام الصارم للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، مشددا على أهمية مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات.

وتمهد إسرائيل بتلك الاعتداءات لإعلان ضم الضفة الغربية إليها رسميا، ما يعني تقويض إمكانية إقامة دولة فلسطين المنصوص عليها في قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة




“من الإعاقة البصرية إلى “مملكة البهارات”

ملاك تبني مشروعا خاصا وتشق طريقها نحو الاستقلال الاقتصادي

من زاوية صغيرة في منزلها ببلدة ياسوف في محافظة سلفيت، تدير ملاك محمود ياسين مشروعا صغيرا للبهارات، لكنه بالنسبة إليها أكبر من مجرد مصدر دخل؛ فهو مساحة للاستقلال، وإثبات للقدرة على الإنتاج، ومحاولة لتحويل الإعاقة البصرية الجزئية من تحديومي إلى دافع للعمل والاعتماد على النفس.

لم تبدأ ملاك، البالغة من العمر (32) عاما، مشروعها من رأس مال كبير أو متجر مجهز، بل من خبرة تراكمت على مدى نحو ثلاث سنوات، عملت خلالها على عرض وتسويق منتجات بهارات تعود لسيدة أخرى، مقابل هامش ربح بسيط.

أتاحت لها تلك التجربة فرصة التعامل المباشر مع الزبائن، والتعرف على الأصناف الأكثر طلبا، وفهم ما تبحث عنه النساء عند شراء البهارات من حيث الجودة والرائحة والسعر وسهولة الحصول على المنتج.

ومع مرور الوقت، لم تعد ملاك ترغب في البقاء مجرد وسيطة لبيع منتجات الآخرين، خصوصا بعدما اكتسبت ثقة الزبائن وأصبح اسمها معروفا في بلدتها. عندها قررت تأسيس مشروعها الخاص الذي اختارت له اسم “مملكة البهارات”.

وتقول ملاك إن الاسم جاء قريبا من اسمها، ويحمل في الوقت ذاته دلالة على التنوع والجودة والتميز، وهي الصفات التي تسعى إلى ترسيخها في أذهان زبائنها.

منحة صغيرة تؤسس لمصدر دخل

قبل نحو ثمانية أشهر، حصلت ملاك على منحة بقيمة 1500 شيقل من جمعية نجوم الأمل، شكلت رأس المال الأولي لمشروعها، ومكنتها من شراء كميات من البهارات، وميزان، وأكياس للتعبئة، وآلة لإغلاقها.

ورغم محدودية قيمة المنحة، فإنها كانت كافية لتحويل الفكرة إلى مشروع قائم داخل المنزل، حيث خصصت ملاك خزانة وزاوية لحفظ المنتجات بعيدا عن الهواء والرطوبة، للحفاظ على جودتها ورائحتها.

وتقول إن الحفاظ على رأس المال يمثل أحد أهم التحديات التي تواجهها، إذ تحرص على إعادة استثمار المبلغ في شراء الأصناف التي تنفد، بدلا من إنفاقه، حتى يبقى المشروع قادرا على الاستمرار.

وتقدر مشترياتها الشهرية من البهارات بنحو ألف شيقل في بعض الأشهر، بحسب حجم المبيعات والطلب، فيما تعيد تزويد مخزونها بصورة مستمرة، وقد تشتري في المرة الواحدة بضائع بقيمة (300) شيقل لتعويض الأصناف الناقصة.

هذا التنظيم البسيط جعل منزل ملاك يشبه متجرا صغيرا داخل البلدة؛ فعندما يحتاج أحد الزبائن إلى نوع من البهارات أثناء إعداد الطعام، تتواصل معها وتجد المنتج متوفرا دون انتظار أيام لوصول الطلبية.

البهارات سلعة أساسية رغم تراجع القدرة الشرائية

في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وتراجع القدرة الشرائية، تواجه المشاريع المنزلية الصغيرة منافسة قوية وضغوطا تتعلق بالأسعار وكلفة المواد.لكن ملاك ترى أن البهارات لا تزال من المنتجات الأساسية في غالبية المنازل، حتى وإن قللت العائلات الكميات التي تشتريها.

وتقول: “البهارات ليست مجرد مكونات توضع على الطعام، بل هي التي تمنح الطبخة نكهتها ورائحتها ولونها، ومن الصعب على أي بيت الاستغناء عنها تماما”.

ومع ذلك، تحاول ملاك الموازنة بين جودة المنتج وقدرة الزبائن على الدفع. فهي تبيع عبوات صغيرة بأسعار تبدأ من خمسة أو عشرة شواقل، وهي أسعار اعتادت عليها زبائنها، ولذلك تتجنب توفير بعض الأصناف مرتفعة الثمن إذا كانت ستضطر إلى رفع سعر العبوة بصورة قد تقلل الإقبال عليها.

ومن بين الأصناف التي تطمح إلى توفيرها مستقبلا اليانسون النجمي وبعض أنواع البهارات والحبوب الكاملة والمكسرات، إلا أن ارتفاع أسعارها وحاجتها إلى رأس مال إضافي يؤخران هذه الخطوة.

الجودة وسيلة للمنافسة

تعتمد ملاك على مصنع محلي للبهارات تعاملت معه خلال سنوات عملها السابقة، وحرصت على الاستمرار معه حتى لا تتغير النكهة التي اعتاد عليها زبائنها.

تصلها المنتجات مطحونة أو مخلوطة وجاهزة، ثم تعيد تعبئتها بالأوزان التي تطلبها الزبائن. وتشمل منتجاتها البهارات الأساسية مثل بهار الدجاج، وبهار الأرز، والكاري، والسبع بهارات، وبهارات المقلوبة والأوزي، إلى جانب خلطات أخرى.

كما حاولت تقديم أصناف غير مألوفة نسبيا في محيطها، من بينها ثلاثة أنواع من البهار المشكل: الفاتح، والغامق، والخشن، إضافة إلى خلطة تتكون من الكزبرة والثوم.

وتقول إن أكثر ما يميز منتجاتها هو قوة الرائحة والنكهة، إلى جانب النظافة في التعبئة، وحفظ البهارات في مكان مغلق بعيدا عن الهواء.

وقد لاحظت أن عددا من الزبائن يأتي لشراء نوع أو نوعين، لكنهم يختارون أصنافا إضافية بمجرد فتح الخزانة وشم رائحة البهارات.

مشروع عائلي تديره التكنولوجيا

لا تخلو إدارة المشروع من صعوبات ترتبط بالإعاقة البصرية الجزئية التي تعاني منها ملاك، إذ يصعب عليها قراءة الأرقام الصغيرة على الميزان أو أسماء الأصناف المكتوبة بخط دقيق.

وهنا يأتي دور والدتها، التي تساعدها في الوزن وكتابة أسماء البهارات وتجهيز الطلبيات.أما ملاك فتتولى استقبال الطلبات والرد على الزبائن وإدارة التسويق عبر الهاتف وصفحات التواصل الاجتماعي، مستخدمة خاصية النطق الجزئي على هاتفها.

وتؤكد أن قدرتها على استخدام التكنولوجيا منحتها استقلالية كبيرة، فهي تتابع الرسائل عبر واتساب وماسنجر وفيسبوك، وتسجل الطلبات، وتتواصل مع التاجر، وتدير العلاقة مع الزبائن.كما أصبحت قادرة على تمييز عدد من الأصناف من خلال رائحتها، وتقديم معلومات للزبائن حول استخدام كل نوع، رغم أنها لا تمارس الطبخ بنفسها.

دخل شخصي وأثر اجتماعي

لا تقيس ملاك نجاح مشروعها بالأرباح وحدها، بل بما أحدثه من تغيير في حياتها النفسية والاجتماعية.فقبل تأسيس “مملكة البهارات”، كانت تقضي وقتا طويلا داخل المنزل وتشعر بالعزلة والحاجة الدائمة إلى مساعدة الآخرين في توفير احتياجاتها.

أما اليوم، فقد أصبح المشروع مصدر دخل يساهم في تغطية نفقاتها الشخصية، بما في ذلك ثمن الأدوية وبعض الاحتياجات اليومية، كما يسمح لها بالمساهمة في مساعدة أسرتها.وتقول: “المشروع لم يمنحني دخلا فقط، بل حسن نفسيتي، ووسع علاقاتي داخل القرية، وجعلني أشعر بأن الإعاقة ليست عائقًا أمام العمل والنجاح”.

وتضيف أن المشروع أصبح جزءا من هويتها، إذ بات سكان القرية يعرفونها من خلال “مملكة البهارات”، وهو ما عزز ثقتها بنفسها وشعورها بأنها فرد منتج داخل مجتمعها.

من البيع التقليدي إلى التسويق المنظم

شكلت مشاركة ملاك في برنامج “نبيع على بصيرة”، الذي أعده وقدمه المدرب والمستشار علاء راغب جيطان بالتعاون مع جمعية رعاية الكفيف في محافظة نابلس، مرحلة جديدة في مسار المشروع.

ففي السابق، كانت ملاك تعتمد بصورة أساسية على مجموعة مغلقة على موقع “فيسبوك” وعلى العلاقات الشخصية داخل القرية لتسويق منتجاتها.لكن الدورة ساعدتها على فهم التسويق والبيع بصورة أكثر تنظيما، بدءا من التعرف على احتياجات الزبون، ووصولا إلى كتابة المنشورات وعرض المنتج وبناء الثقة قبل إتمام عملية البيع.

كما ساعدها المدرب في إنشاء صفحة خاصة بالمشروع على “فيسبوك” بدلا من الاكتفاء بالمجموعة، وهو ما فتح أمامها فرصة للوصول إلى جمهور أوسع وتقديم منتجاتها بصورة أكثر مهنية.

وتقول ملاك إن الدورة لم تمنحها معلومات تسويقية فقط، بل زادت ثقتها بقدرتها على الاستمرار، وعلمتها أن نجاح المشروع لا يتحقق من خلال منشور واحد أو فترة قصيرة من النشاط، وإنما من خلال المتابعة المستمرة والتفاعل المنتظم مع الزبائن.

طموح يتجاوز حدود القرية

تتركز مبيعات “مملكة البهارات” حاليا داخل بلدة ياسوف، مع إرسال طلبيات محدودة إلى مدينة سلفيت.لكن ملاك تطمح خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة إلى توسيع نطاق المشروع، والوصول إلى محافظات أخرى، سواء من خلال شركات التوصيل أو نقاط البيع.

كما تحلم بافتتاح محل صغير يحمل اسم المشروع، وتطوير التغليف والعلامة التجارية، وتوسيع قائمة المنتجات، وتوفير فرص عمل لأشخاص آخرين، ولا سيما للأشخاص ذوي الإعاقة.

حلم صغير بنكهة الإصرار

من داخل منزلها، تدير ملاك مشروعا محدود الإمكانات، لكنه يحمل أثرا اقتصاديا واجتماعيا يتجاوز حجم رأس ماله.

فـ”مملكة البهارات” ليست فقط مشروعا لبيع خلطات الطعام، بل تجربة توضح كيف يمكن لمنحة صغيرة، وتدريب مناسب، ودعم عائلي، أن تساعد شخصا من ذوي الإعاقة على بناء مصدر دخل واستعادة ثقته بنفسه.

وبين رائحة الكمون والكاري وبهارات الدجاج، تواصل ملاك تعبئة حلمها في أكياس صغيرة، على أمل أن يصل اسم “مملكة البهارات” يوما إلى كل بيت فلسطيني، وأن تصبح تجربتها دليلا على أن الإعاقة لا تلغي القدرة على الإنتاج، وأن النجاح قد يبدأ من زاوية متواضعة في منزل، لكنه يكبر بالإرادة والعمل والاستمرار.