أربعون عاما في انتظار الحياة.. وأربع سنين لمصافحتها

بشار دراغمة- كان عمر ماهر يونس، في الحقيقة، أربع سنوات فقط، أما ما سبقها فلم يكن عمرا بالمعنى الذي نعرفه، بل انتظار طويل ارتدى هيئة حياة.
أربعون عاما قضاها خلف القضبان، حتى بدا وكأن الزمن قد نسيه أو تعمد أن يتركه في الصفحة نفسها بينما كان يقلب صفحات العالم من حوله.
وحين قهر القيد وأطلق سراحه، لم يكن يخرج ليبدأ حياة جديدة، بل ليعيش الحياة الأولى التي حرم منها، تعلم أن يستيقظ بلا عد للأقفال، وأن يمشي من دون أن يسبقه السجان، وأن ينظر إلى السماء كاملة لا من نافذة ضيقة، وأن يزرع أيامه كما يزرع الناس أعمارهم.
لكن الحياة، التي بخلت عليه بأربعين عاما، لم تمنحه سوى أربعة أعوام تقريبا.
أربعة أعوام فقط، كأنها مهلة أخيرة منحها القدر لرجل ظل يحلم بالحياة أكثر مما عاشها.
لذلك، حين رحل ماهر يونس، لم يمت رجل عاش خمسة وستين عاما، بل رحل رجل لم يعش من عمره إلا السنوات الأربع الأخيرة، أما بقية العمر، فكانت مؤجلة في زنزانة، محفوظة في ملفات السجان، ومعلقة على أبواب السجون التي تعرف أسماء الأسرى أكثر مما تعرف أسماء العابرين.
أسرى محررون استذكروا ماهر يونس، فأجمعوا أن الصبر تعب قبل أن يرحل ماهر.
الأسير المحرر وعضو المجلس الثوري لحركة فتح ياسر أبو بكر والذي رافق الراحل يونس في سنوات الأسر كتب على صفحته على “فيسبوك” إن “ماهر كان واحدا من أولئك الذين تتجرد أمامهم الأقنعة داخل الأسر، فلا يبقى إلا معدن الإنسان الحقيقي.
وهناك حيث تضيق الزنازين وتتسع الأخلاق، كان ماهر قريبا من الجميع، متواضعا، هادئا، كريم النفس، لا يتأخر عن خدمة أسير، ولا يبخل بكلمة طيبة، ولا يترك أسيرا يواجه ألمه وحده. كان حضوره، يمنح الأسرى شعورا نادرا بالألفة، حتى ليبدو الوطن نفسه وقد وجد مكانا صغيرا بين جدران الزنازين”.
ولم يكن اسم ماهر يذكر إلا وحضر معه اسم ابن عمه ورفيق دربه كريم يونس، فأربعون عاما جمعتهما الزنازين، حتى بدا اسماهما توأمين في ذاكرة الحركة الأسيرة.
لكن أبو بكر يرى أن لكل منهما بصمته الخاصة، فإذا كان كريم يمثل القامة الفكرية الصلبة، فإن ماهر كان القلب الدافئ الذي يتسع للجميع، والرجل الذي يصنع من التفاصيل الصغيرة حياة يمكن احتمالها داخل أكثر الأماكن قسوة.
ولعل أكثر الكلمات اختصارا كانت أكثرها وجعا، لم يحتج كريم يونس، رفيق الزنزانة والعمر، إلى رثاء طويل، فالأربعون عاما التي جمعته بماهر كانت أبلغ من كل الخطب، اكتفى بأن يكتب: “ترجل الفارس، رفيق العمر، رفيق القيد والأربعين عاما من الصمود، رحلت جسدا، وتبقت سيرتك رمزا لن ينطفئ”.
هكذا يرثي الرجال الذين تقاسمت أرواحهم السجن قبل أن يتقاسموا الحرية، فالعلاقة بين ماهر وكريم لم تكن مجرد قرابة دم أو رفقة نضال، بل كانت عمرا كاملا عاشاه معا بين جدران الزنازين، حتى بدا رحيل أحدهما وكأنه اقتطاع لجزء من ذاكرة الآخر.
محمد نصر أسير محرر يقول إن ثمة رجال لا يتوقف قلبهم فجأة، بل يتوقف الزمن عن احتمالهم، رجال يخرجون من السجن فلا يخرج السجن منهم، ويستعيدون أسماءهم، لكن أعمارهم تبقى معلقة على الجدار الذي تركوا عليه أربعين تقويما، وأربعين شتاء، من دون أم، ومن دون أب، ومن دون رائحة خبز تتسلل من نافذة بيت.
يضيف نصر: “ماهر يونس لم يمت أمس (الأحد)، الذي مات، في الحقيقة، هو شاهد حي على قدرة الإنسان أن يهزم الوقت، ثم يخسره في اللحظة التي ظن الجميع أنه انتصر فيها”.
في عارة، لم يكن الخبر يشبه خبر وفاة، كان يشبه ارتباك قرية كاملة وهي تكتشف أن الرجل الذي اعتادت أن تدعو له كل صباح، صار يحتاج إلى دعائها الأخير.
لم يكن ابن البلدة فقط بل كان ابن الانتظار.