1

فوتوغرافيا : سماء الإمارات .. كما يراها يوسف بن أحمد

سماء الإمارات .. كما يراها يوسف بن أحمد

فوتوغرافيا

سماء الإمارات .. كما يراها يوسف بن أحمد

نشأته بعيداً عن أضواء المدن ساهمت في تعلّقه بالسماء ومراقبة النجوم بشكل مستمر، كان مفتوناً بدوران النجوم حول النجم القطبي، ولطالما تخيّل تحويل هذا المشهد من ظاهرةٍ يصعب ملاحظتها بالعين المُجرّدة، إلى صورةٍ تُجسّد حركة الزمن والكون في لقطةٍ واحدة. إنه المصور الإماراتي يوسف بن أحمد الذي قال في حواره مع موقع CNN بالعربية أنه استوحى فكرة تصوير مسارات النجوم في صحراء الإمارات بسبب شغفه بتوثيق حركة السماء بشكلٍ بصريّ يستطيع أي شخص فهمه.

تتمثّل أبرز أعمال المصور الإماراتي لمسارات النجوم في مواقع متنوعة داخل دولة الإمارات، مثل مليحة، والفقع، وواحة مخفية بين كثبان الشويب في مدينة العين، إضافة إلى جزيرة صير بونعير حيث التشكيلات الصخرية الفريدة. يسعى يوسف في صوره لسماء الليل إلى دمج المعرفة العلمية مع الفنون البصرية. التحديات بالنسبة له تتمثّل في التلوث الضوئي، إذ هناك مناطق محدودة للغاية تتيح رؤية سماء الليل بوضوح، إضافة إلى الرطوبة العالية وظروف الطقس المتقلبة، والحاجة إلى التصوير لساعاتٍ طويلة بثباتٍ ودقة للحصول على النتيجة المطلوبة. يعتقد يوسف أن نجاحه مدينٌ لكثرة التجارب والاستمرارية والتغذية البصرية والعلمية المستمرة، إضافة إلى مرافقة مصورين من ذوي الخبرة وتبادل المعرفة معهم.

يقول يوسف في معرض تعليقه على صوره المنتشرة بكثرة على وسائل التواصل: غالباً ما يعتقد الجمهور أن هذه الصور مجرّد تأثيرات أو معالجات رقمية، لكن عند شرح الفكرة العلمية خلفها تتحوّل ردة الفعل باتجاهٍ إيجابيّ. تعتمد طريقة التصوير على ترك الكاميرا تعمل طوال الليل لالتقاط صورٍ متتالية بنظام الفاصل الزمني (Time-lapse)، ثم تُجمع هذه الصور في إطارٍ واحد لتُظهِر الحركة الظاهرية للنجوم.

فلاش

نظرتك الإبداعية للأشياء الاعتيادية .. تسافر بك لمدارات النجوم

جائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم الدولية للتصوير الضوئي

www.hipa.ae




الإحصاء بعد 78 على النكبة: عدد الفلسطينيين 15.5 مليون في العالم

-نزوح ما يقارب مليونَيْ مواطن داخل قطاع غزة و40 ألف في الضفة الغربية منذ 2023

-الاحتلال يسيطر على أكثر من 85% من المياه الجوفية الفلسطينية

-تضرر أكثر من 198 ألف مبنى منها أكثر من 102 ألف مبنى مدمر كلياً في قطاع غزة

-أعداد الشهداء هي الأعلى منذ النكبة

– المستعمرات في توسع مستمر

رام الله- الحياة الجديدة- قال الجهاز المركزي للإحصاء في الذكرى الـ 78 للنكبة، إن عدد الفلسطينيين يصل إلى 15.5 مليون في العالم، منهم 7.4 مليون في فلسطين التاريخية، و8.1 مليون في الشتات (منهم 6.8 مليون في الدول العربية).

وأضاف جهاز الإحصاء في بيان له، اليوم الثلاثاء، إن من بين العدد الإجمالي للفلسطينيين، يعيش حوالي 5.6 مليون فلسطيني في دولة فلسطين في نهاية العام 2025، (3.43 مليون في الضفة الغربية، 2.13 مليون في قطاع غزة).

نزوح ما يقارب مليونَيْ فلسطيني داخل قطاع غزة و40 ألف في الضفة الغربية منذ 7 أكتوبر 2023

أُجبر سكان غزة مراراً وتكراراً على الفرار من منازلهم تحت وطأة الإكراه، وفقدوا منازلهم وأصبحوا مشردين في الخيام والمدارس، محاصرين بين جدران الفقر والحرب، حيث نزح نحو مليونَيْ فلسطيني من بيوتهم من أصل نحو 2.2 مليون كانوا يقيمون في القطاع عشية عدوان الاحتلال الإسرائيلي، إضافة الى نزوح قسري لنحو 40 ألف في مخيمات شمال الضفة الغربية نتيجة لاعتداءات الاحتلال الإسرائيلي المستمرة. 

المستعمرات في توسع مستمر

بلغ عدد المواقع الاستعمارية والقواعد العسكرية الإسرائيلية في نهاية العام 2025 في الضفة الغربية 645 موقعاً، تتوزع بواقع 151 مستعمرة، و350 بؤرة استعمارية (منها 89 بؤرة رعوية ضمن سياسة التضييق على المزارعين الفلسطينيين للاستيلاء على الأراضي تمهيدا لطردهم وحرمانهم من أراضيهم الزراعية والرعوية)، و144 موقعاً مصنفاً أخرى، وتشمل (مناطق صناعية وسياحية وخدمية ومعسكرات لجيش الاحتلال).

عدد المستعمرين في المستعمرات الإسرائيلية في الضفة الغربية حسب المنطقة، 1990-2024

أما فيما يتعلق بعدد المستعمرين في الضفة الغربية، فقد بلغ 778,567 مستعمراً، في نهاية العام 2024. 

وأشارت البيانات إلى أن معظم المستعمرين يسكنون محافظة القدس بواقع 333,580 مستعمراً (يشكلون ما نسبته 42.8% من مجموع المستعمرين)، منهم 243,716 مستعمراً في منطقة J1 (تشمل ذلك الجزء من محافظة القدس الذي ضمته إسرائيل إليها عنوة بُعيد احتلالها الضفة الغربية في العام 1967)، وتشكل نسبة المستعمرين إلى الفلسطينيين في الضفة الغربية حوالي 23.2 مستعمراً مقابل كل 100 فلسطيني، في حين بلغ أعلاها في محافظة القدس حوالي 65.7 مستعمراً مقابل كل 100 فلسطيني.

خلال العام 2025: سلطات الاحتلال الإسرائيلي تستولي على 5,571 دونماً

ولا يزال الاحتلال الإسرائيلي يفرض سيطرته على المزيد من أراضي الفلسطينيين في الضفة الغربية، تحت ذرائع ومسميات مختلفة، حيث استولى خلال العام 2025 أكثر من 5,571 دونماً، وتشير البيانات إلى أنه خلال العام 2025 تم إصدار 94 أمراً بوضع اليد على حوالي 2,609 دونمات، وثلاثة أوامر استملاك لحوالي 1,731 دونماً، و3 أوامر إعلان أراضي دولة لحوالي 1,231 دونماً.

كما تقوم سلطات الاحتلال الإسرائيلي باستغلال الأراضي الزراعية الفلسطينية، حيث زادت نسبة المساحات التي يستغلها المستعمرون عن 245% بين عامي 2000 و2025، وذلك ضمن السياسة الممنهجة والمستمرة للسيطرة على أراضي الفلسطينيين وحرمانهم من استغلال مواردهم الطبيعية ضمن سياسة الضم التي تتبعها سلطات الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية.

أكثر من 61 ألف اعتداء نفذتها سلطات الاحتلال والمستعمرون في الضفة خلال الأعوام 2022-2025

تسببت هذه الاعتداءات باقتلاع وتضرر وتجريف أكثر من 81,500 شجرة (غالبيتها من أشجار الزيتون المعمرة)، وخلال الشهور الثلاثة الأولى من العام الجاري، تم توثيق أكثر من 6,000 اعتداء من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي والمستعمرين على المواطنين والممتلكات والأماكن الدينية.

نحو 900 حاجز عسكري في الضفة الغربية

تقوم سلطات الاحتلال الإسرائيلي بإجراءات تعسفية من نشر الحواجز والبوابات على مداخل معظم التجمعات الفلسطينية التي بلغ عددها نحو 900 حاجز، ما يعيق حركة المواطنين وتنقلاتهم بين التجمعات والمدن الفلسطينية، كما تم حرمان المواطنين من الوصول إلى عشرات آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية وحرمانهم من مئات آلاف الدونمات من الأراضي الرعوية، ما أثر سلباً على الأمن الغذائي الفلسطيني في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني.

الاحتلال يسيطر على أكثر من 85% من المياه الجوفية الفلسطينية

أوضحت البيانات الرسمية أن الاحتلال الإسرائيلي يسيطر على أكثر من 85% من الموارد المائية الجوفية الفلسطينية عبر التحكم بحفر الآبار، ومنع تطوير آبار جديدة، وفرض قيود صارمة على إعادة تأهيل الآبار القائمة، بالتوازي مع استغلال مكثف لهذه الأحواض لصالح المستعمرات الإسرائيلية، أما على صعيد المياه السطحية، فيُحرم الفلسطينيون بشكل شبه كامل من حقهم في مياه نهر الأردن، رغم كونهم دولة مشاطئة، فقد انفردت إسرائيل بالسيطرة على مجرى النهر وخيراته الاقتصادية، إضافة إلى البحر الميت، ومنعت أي وصول فلسطيني فعلي إليهما منذ عام 1967.

تراجع حاد في إتاحة المياه دون الحد الأدنى الإنساني في قطاع غزة

في قطاع غزة، يتخذ الواقع المائي بعداً أكثر حدة وتعقيداً، حيث تشير التقديرات إلى أن متوسط إمدادات المياه في بعض مناطق غزة انخفض إلى ما بين 3–5 لترات للفرد يومياً طوال فترات العدوان، وهو مستوى أقل بكثير من الحد الأدنى الإنساني اللازم للبقاء على الحياة البالغ 15 لتراً للفرد يومياً وفق المعايير الإنسانية الدولية.

تضرر أكثر من 198 ألف مبنى منها أكثر من 102 ألف مبنى مدمر كلياً في قطاع غزة

منذ عدوان الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، قام الاحتلال الإسرائيلي بتدمير أكثر من 102,000 مبنى، وتقدر أعداد الوحدات السكنية التي تم تدميرها، بشكل كلي أو جزئي، بما لا يقل عن 330,000 وحدة سكنية، وتشكل في مجموعها أكثر من 70% من الوحدات السكنية في قطاع غزة، إضافة إلى تدمير المدارس والجامعات والمستشفيات والمساجد والكنائس والمقرات الحكومية، وآلاف المباني من المنشآت الاقتصادية، وتدمير كافة مناحي البنى التحتية من شوارع وخطوط مياه وكهرباء، وخطوط الصرف الصحي، وتدمير الأراضي الزراعية، ليجعل من قطاع غزة مكاناً غير قابل للعيش.

أما في الضفة الغربية، فقد قام الاحتلال الإسرائيلي خلال العام 2025 بهدم وتدمير نحو 1400 مبنى بشكل كلي أو جزئي، منها 258 مبنى ومنشأة في محافظة القدس (104 عمليات هدم ذاتي قسري في القدس والتي يجبر فيها الفلسطيني على هدم بيته بنفسه).

أما فيما يتعلق بإصدار الاحتلال الإسرائيلي أوامر هدم للمنشآت الفلسطينية بحجج مختلفة فقد قام بإصدار 991 أمر هدم خلال العام 2025 ضمن سياسة تهجير الشعب الفلسطيني من خلال إصدار مئات أوامر الهدم سنويا للمنشآت الفلسطينية.

أعداد الشهداء هي الأعلى منذ النكبة

تعكس البيانات منذ 7 أكتوبر 2023 حجما مرتفعا جدا من الشهداء ويشكلون أكثر من 50% ممن استشهدوا منذ النكبة، وبلغ إجمالي الشهداء منذ 7 أكتوبر 2023 حتى نهاية أبريل 2026 أكثر من 73,761، وبلغ عددهم في قطاع غزة 72,601 ، (منهم أكثر من 20,413 طفل و12,524 من النساء و3,110 من الطواقم الطبية والدفاع المدني والصحافة والتعليم)، فيما بلغ في الضفة الغربية 1,160 خلال نفس الفترة (منهم أكثر من 100 شهيد في محافظة القدس).

مصادرة الهوية المقدسية أداة احتلالية جديدة للتهجير منذ النكبة

 بلغ إجمالي عدد بطاقات الهوية المقدسية المصادرة خلال الفترة الممتدة من 1967 إلى 2024 نحو 14,869 هوية مقدسية، وتشير التقديرات إلى أن عدد الأسر المقدسية المتضررة من عملية مصادرة بطاقات الهوية خلال الفترة 1967–2024 قد بلغ نحو 13 ألف أسرة، وتقدر بحوالي 65 ألف فلسطيني مقدسي منعوا من دخول القدس بسبب سحب الهوية المقدسية لرب الأسرة.




الأسرى الفلسطينيون… حين تُختبر العدالة في ظل القيد

رانية مرجية‬

كاتب عمود

ليست قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي ملفًا إنسانيًا عابرًا، بل هي أحد أكثر الاختبارات وضوحًا لمفهوم العدالة حين يُنزع من سياقه الأخلاقي ويُترك تحت هيمنة القوة.
فما يجري خلف الجدران لا يمكن قراءته كأرقام أو لوائح، بل كحياة بشرية تُدار خارج الحد الأدنى من شروط العدالة التي يُفترض أنها عالمية.
في جوهرها، قضية الأسرى تكشف أن الحرية ليست قيمة نظرية، بل ممارسة يومية تُختبر حين تُسلب، وأن العدالة ليست شعارًا يُرفع، بل معيار يُقاس بمدى حماية الإنسان حتى في لحظات ضعفه.
الاعتقال هنا لا يقتصر على سلب الجسد حريته، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة السيطرة على الزمن والوعي والذاكرة.
لكن التجربة الفلسطينية في الأسر، الممتدة عبر عقود، تُظهر أن هذا الهدف يبقى دائمًا غير مكتمل، لأن الإنسان، حتى حين يُحاصر بالكامل، لا يفقد قدرته على إنتاج المعنى.
فالأسير الفلسطيني لا يتحول إلى رقم، ولا إلى حالة صامتة داخل النظام، بل يبقى فعلًا مستمرًا للرفض، وشاهدًا على أن محاولات الإلغاء تصطدم دائمًا بحدود الوعي الإنساني.
الجدران قد تُغلق المساحة، لكنها لا تُغلق الفكرة.
وفي المقابل، لا تنفصل هذه التجربة عن الخارج.
فالعائلات الفلسطينية، وفي مقدمتها الأمهات، تعيش حالة امتداد دائم لهذا القيد، حيث يتحول الانتظار إلى شكل من أشكال الوجود اليومي، قائم على يقين بأن الغياب ليس نهاية، بل حالة مؤقتة مهما طال الزمن.
هذا البعد الإنساني يجعل قضية الأسرى تتجاوز بعدها القانوني والسياسي، لتصبح سؤالًا أوسع عن قدرة أي نظام على الادعاء بالعدالة، في ظل استمرار احتجاز آلاف البشر خارج شروطها الأساسية.
وفي النهاية، تطرح قضية الأسرى سؤالًا لا يمكن تجاهله:
كيف يمكن للحرية أن تُقيَّد إلى هذا الحد، ومع ذلك تبقى حاضرة كاحتمال لا يُلغى؟
إن استمرار هذا الواقع لا يعيد فقط إنتاج الألم، بل يعيد فتح سؤال العدالة نفسه، لا بوصفه نقاشًا نظريًا، بل بوصفه اختبارًا يوميًا لمعناه الحقيقي.




أحفاد النكبة الذين كبروا في ضيقها حتى اختنقوا

في مخيمات بلاطة والعين وعسكر بشقيه القديم والجديد، لا تكبر البيوت كما تكبر مدينة نابلس، بل تتكاثر كما تتكاثر الأحزان.

هي مخيمات لا يولد فيها الأطفال وفي ذاكرتهم مشهد البحر، ولا يعرفون كيف تبدو البيارات التي بكى أجدادهم عليها طويلا، ولا يملكون من فلسطين التاريخية سوى أسماء تتكرر في أحاديث الجدات كصلوات قديمة.

لاجئون يكبرون مثقلين بشيء لم يروه قط، يجدون أنفسهم في غرفة فوق غرفة، وسقف يعلو سقفا، حتى صار المخيم يشبه قلبا فلسطينيا قديما، ضاق بكل ما فيه من الفقد ولم يمت.

هنا، لا أحد يرى السماء كاملة، إنما أجزاء غير منتظمة منها.

في مخيم بلاطة شرق نابلس الأسلاك تعبر السماء كندوب سوداء، والجدران المتقابلة تتنفس في وجوه بعضها من شدة القرب، حتى بدت البيوت وكأنها جاءت لتعتذر لبعضها عن ضيق المكان.

أما الأطفال، أولئك الذين ولدوا بعد النكبة بعقود، فيركضون داخل أزقة لم تعرف يوما معنى الاتساع، ويحفظون أسماء قرى لم يروها، كما يحفظ الأيتام ملامح آبائهم من الصور.

ثمانية وسبعون عاما مرت، والمخيم لا يزال يحاول أن يمد قدميه في مساحة لا تكفي لحزن واحد.

الأجداد الذين خرجوا حاملين مفاتيح البيوت، مات كثير منهم وهم يظنون أن الغياب مؤقت، أما الأحفاد، فقد وُلدوا داخل هذا الغياب نفسه، حتى صار الوطن بالنسبة إليهم حكاية تُروى أكثر مما يُرى، وذاكرة أثقل من أعمارهم الصغيرة.

في زقاق ضيق داخل مخيم بلاطة حيث تكاد الجدران تتكئ على بعضها من شدة التعب، كان الطفل محمد حشاش يركض مع أطفال آخرين خلف كرة مهترئة، كما لو أنه يركض خلف طفولة تحاول النجاة من ضيق المكان.

لم يكن محمد يعرف من فلسطين سوى ما تخبئه جدته في صوتها حين تذكر اسم القرية.

كان يسمع أسماء المدن البعيدة كما يسمع الأطفال أسماء الكواكب، أماكن موجودة لكنها أبعد من أن تُرى.

ولد محمد بعد عقود طويلة من النكبة، لكنه ورثها كما يرث الأطفال لون أعين آبائهم.

محمد الذي يسكن في بيت صغير فوق بيت آخر، في بناية، تشبه المخيم كله، ترتفع إلى الأعلى كلما ضاقت الأرض قال وهو يمسح العرق عن جبينه الصغير.

“نفسي ألعب بملعب كبير، ملعب ما يكون فيه حيطان قريبة”.

وفي الطابق الرابع من بناية إسمنتية متعبة داخل مخيم عسكر القديم، كان الطفل آدم يقف قرب نافذة صغيرة بالكاد يدخل منها الضوء.

أزاح الستارة قليلا، ثم مد رأسه نحو الخارج محاولا أن يرى السماء كاملة، لكنه لم يستطع، 

فالبيوت هنا متقابلة أكثر مما ينبغي، حتى إن الجيران يستطيعون سماع سعالك قبل أن تشرح لهم أنك مريض.

قال آدم وهو يحدق بين الأسطح المكتظة “نفسي أشوف الغروب مرة بدون بنايات”.

كان في العاشرة من عمره، لكنه يتحدث أحيانا كمن كبر أسرع مما يجب.

جدته، لا تتعب من الحديث عن القرية، تقول إن بيتهم القديم في يافا كان له فناء واسع، وإن الريح كانت تدخل من النوافذ دون استئذان، وإن الأطفال كانوا يركضون حتى يتعب النهار منهم.

أما آدم، فلم يعرف من الاتساع سوى الحكايات.

حين ينتهي من واجباته المدرسية، يصعد إلى السطح.

هناك فقط يشعر أن الهواء أقل اختناقا قليلا.

وفي مخيم عسكر الجديد، لا يحتاج الطفل كريم عامر إلى ساعة ليعرف أن الوقت تجاوز منتصف الليل.

هناك علامة واحدة تكفي، صوت آليات الاحتلال وهي تدخل المخيم ببطء ثقيل، كأن الليل نفسه صار يرتدي خوذة عسكرية.

يقول كريم، اقتحامات يومية، أغلب الأحيان تحدث ليلا، لكن حتى النهار لم يعد آمنا فالاقتحامات في كل هذا الضيق لا تتوقف.

كان كريم يجلس على درج إسمنتي قديم أمام المنزل، يراقب أطفال الحارة وهم يركضون بين الأزقة الضيقة، لم يكن يتحدث كثيرا في البداية، لكنه حين سألنها عن أكثر شيء يكرهه، رفع عينيه سريعا وقال “الاقتحامات”.

ثم صمت قليلا، كأنه يحاول أن يشرح شيئا صار أكبر من الكلمات.

قال “إحنا هون بنعرف الجيش من الصوت… حتى قبل ما يوصل”

يضيف “إحنا حفظنا كل الأصوات”.

يعرف صوت الرصاص، وصوت قنابل الغاز، وحتى صوت الجيب العسكري حين يصعد من الشارع القريب.

أشياء لا يفترض بطفل أن يحفظها، لكنها أصبحت جزءا من حياته اليومية.وهكذا، بينما يواصل الكبار عد السنوات منذ النكبة، يبدو أن أطفال المخيمات لا يعدون سوى أشياء أصغر بكثير، عدد الاقتحامات هذا الأسبوع، عدد المرات التي استيقظوا فيها ليلا على أصوات الرصاص.

ثمانية وسبعون عاما مرّت، لكن المخيمات لم تكبر نحو الحياة، بل نحو المزيد من الضيق.




فوتوغرافيا : مريم آل علي .. الكائنات الصغيرة هي الأجمل

مريم آل علي .. الكائنات الصغيرة هي الأجمل

فوتوغرافيا

مريم آل علي .. الكائنات الصغيرة هي الأجمل

عيناها تلتقطان التفاصيل الصغيرة التي لا تلفت انتباه أغلب العيون ! تأسرها كواليس المشهد والأسرار المُختبئة خلفه ! إنها المصورة الإماراتية “مريم آل علي” التي نشأت على حب الطبيعة وارتباطها العميق بمراقبة مخلوقاتها منذ طفولتها، فترجمت هذا الشغف بالتوجّه لتصوير الحشرات والكائنات الصغيرة والمتناهية الصِغر، ومع الوقت وظَّفت حواسها البصرية في التقاط جَمَاليات هذه المخلوقات بألوانها الزاهية وسلوكياتها المثيرة للاهتمام، وحُسن التصرّف مع سرعة الاختفاء التي تُميّز هذه الكائنات.

ثقافة العدسة قادتها لتوسيع زاوية الرؤية نحو دور الكائنات الصغيرة الجميلة في التوازن البيئي، الأمر الذي عزَّز دافعيتها لرفع صوتها الفني بشكل أقوى وأكثر تأثيراً. من يتابع مريم على منصات التواصل الاجتماعي يلمس مجهودها الواضح والمُتقن في التعبير عن طبيعة الكائن وسلوكه وجَمَاليات تكوينه، بالإضافة للعديد من المعلومات التوعوية الدقيقة التي تُعرّف الجمهور بأنه غير مخيفٍ أو مؤذٍ للناس، بل هناك العديد من الفوائد التي يُقدّمها لبيئته ! ومن هنا شعرت مريم بزخم تأثير العدسة على موقف الجمهور من هذه الكائنات، وبالفعل أعلن الكثيرون عن تغيّر موقفهم تجاهها وتعهّدهم بعدم إيذائها.

تعمل مريم بجدية على لعب أدوار علمية هامة في منظومة “التنوّع البيولوجي” لدولة الإمارات من خلال عدستها وأبحاثها عن كائناتها المفضّلة وأدوارهم البيئية المختلفة وخرائط وجودهم دولياً واحتمالات وجود أنواع محلية غير مُكتشفة من قبل. الهدف القادم لمريم، والذي تعمل عليه منذ 3 سنوات، هو تصوير عنكبوت “بنت المطر” النادر، والذي يخرج من باطن الأرض لفترات قصيرة جداً، وتُؤكّد بكل هدوء وصبر أنها ستصل لهدفها هذا قريباً.

فلاش

مريم نموذج مُلهِم لمعادلة “البدايات الصغيرة الواثقة تؤدي لنتائج مؤثرة وعظيمة”

جائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم الدولية للتصوير الضوئي

www.hipa.ae