1

نظام الطيبات.. صراع بين ‘حكمة المطبخ’ وهيمنة الصيدلية

تحول نظام غذائي بسيط يعتمد على مكونات أساسية كالأرز والبطاطا إلى واحدة من أكثر القضايا الصحية إثارة للجدل في المجتمعات العربية المعاصرة. هذا الجدل يضعنا أمام تساؤل جوهري حول الفجوة المتسعة بين الطب الحديث القائم على المختبرات وبين الممارسات الغذائية التقليدية التي رافقت البشرية لآلاف السنين.

نحن نعيش اليوم في عصر يوصف بالذهبي من الناحية الطبية، حيث تتجاوز الاستثمارات في قطاع الصحة حاجز العشرة تريليونات دولار سنوياً. ومع ذلك، يواجه العالم انفجاراً غير مسبوق في الأمراض المزمنة التي يعجز الطب عن تحديد أسبابها الجذرية، مكتفياً بإدارة أعراضها عبر عقاقير دائمة.

تبرز هنا مفارقة صادمة؛ فبينما تضخ مئات المليارات في التكنولوجيا الحيوية، تزداد معدلات السكري والسمنة والسرطان بشكل مطرد. هذا الواقع دفع الكثيرين للتساؤل عما إذا كان النظام الطبي الحالي يهدف للشفاء الحقيقي أم لتحويل المريض إلى مستهلك دائم لمنتجات شركات الأدوية العابرة للقارات.

في هذا السياق المشتعل، برز اسم الدكتور الراحل ضياء العوضي ونظامه المعروف بـ ‘الطيبات’، والذي لم يطرح عقاراً جديداً بل أعاد الاعتبار للمطبخ. لقد طرح العوضي تساؤلاً مزعجاً للمنظومة التقليدية: ماذا لو كان الحل لغالبية أمراضنا يكمن في نوعية ما نأكله قبل أن نصل إلى عتبة الصيدلية؟

انقسم الجمهور تجاه هذا الطرح إلى فريقين متطرفين، أحدهما يراه ثورة صحية تعيد للجسم قدرته الفطرية على التعافي الذاتي. في المقابل، يرى الفريق الآخر أن هذا النظام يمثل تبسيطاً مخلاً لمشكلات طبية معقدة، واصفين إياه بـ ‘الهرطقة العلمية’ التي قد تضر بصحة المتبعين لها.

المثير للاهتمام أن فكرة العلاج بالغذاء ليست وليدة اليوم، بل لها جذور في أعرق الجامعات العالمية منذ عقود طويلة. ففي عام 1939، حقق الطبيب والتر كيمبنر في جامعة ديوك نتائج مذهلة في علاج الفشل الكلوي وضغط الدم باستخدام نظام يعتمد كلياً على الأرز والفواكه.

كذلك سار الطبيب الأمريكي جون ماكدوغال على ذات النهج، متسائلاً كيف تحولت الأطعمة التي شكلت قوام حياة البشر لقرون إلى ‘متهمين’ في عصرنا الحالي. وأكد ماكدوغال أن ظهور الأمراض الحديثة تزامن بدقة مع دخول الأطعمة فائقة التصنيع والزيوت المهدرجة إلى موائدنا.

كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الإيمان بحبة دواء أكثر عقلانية من الإيمان بطبق طعام، وكيف أصبحنا نثق بأن الشفاء في الصيدلية وليس في المطبخ؟

إن الإنسان المعاصر يخضع، دون وعي منه، لأكبر تجربة غذائية في التاريخ البشري من خلال استهلاك آلاف المواد المضافة والمنكهات الصناعية. هذه المواد الغريبة عن التكوين البيولوجي للإنسان قد تكون المحرك الأساسي للاعتلالات الصحية التي نعجز عن تفسيرها بالوسائل التقليدية.

لقد اعتدنا على رؤية المرض كجزء طبيعي من التقدم في السن، وأصبح من المألوف أن يحمل الفرد ‘صرة’ من الأدوية اليومية. هذا القبول المجتمعي للمرض الدائم يعكس خللاً في مفهومنا للصحة، حيث استبدلنا الوقاية بالاعتماد الكلي على التدخلات الكيميائية الخارجية.

لا يمكن إنكار فضل الطب الحديث في إنقاذ الملايين عبر الجراحات الدقيقة والمضادات الحيوية واللقاحات المتطورة. لكن المشكلة تكمن في الخلط بين ‘إنقاذ الحياة’ في الحالات الطارئة وبين ‘صناعة الصحة’ المستدامة التي تتطلب نمط حياة متكاملاً.

العلم الحديث نفسه بدأ يعود لتقدير آليات الجسم الذاتية، كما حدث عند منح جائزة نوبل للعالم يوشينوري أوسومي عام 2016. أبحاث أوسومي حول ‘الالتهام الذاتي’ أثبتت أن الصيام والجوع يمنحان الخلايا فرصة لتنظيف نفسها من التالف، وهو ما يتقاطع مع جوهر أنظمة غذائية كثيرة.

بين تقديس نظام الطيبات كعقيدة وبين السخرية منه كخرافة، تضيع مساحات واسعة من الحقيقة العلمية التي تحتاج للبحث الرصين. فليس هناك نظام غذائي يمثل ‘علاجاً سحرياً’ لكل داء، كما أنه لا يمكن تهميش دور الغذاء في تحسين جودة الحياة والتعافي من الأمراض.

إن الجدل حول العوضي ونظامه هو في جوهره صراع حول ‘فلسفة الصحة’ وكيفية استعادة الإنسان لثقته في قدرات جسده الحيوية. السؤال الحقيقي ليس عن البطاطا أو الأرز، بل عن مدى استعدادنا لمراجعة عاداتنا الاستهلاكية التي تدر المليارات على قطاعات التصنيع الغذائي والدوائي.

ختاماً، يحتاج نظام الطيبات وغيره من الأطروحات الغذائية إلى إخضاعها لتجارب سريرية علمية محكمة بعيداً عن الانحيازات. فإذا ثبتت فعاليتها، ستكون مخلصاً للكثيرين من عبودية الدواء، وإن ثبت عكس ذلك، سيكون العلم هو الفيصل النهائي في حماية الصحة العامة.




كاريكاتير




لأول مرة.. الأمم المتحدة تدرج القوات الإسرائيلية في قائمة مرتكبي العنف الجنسي

في خطوة دولية غير مسبوقة، أدرج الأمين العام للأمم المتحدة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الإسرائيلية ضمن القائمة السوداء للأطراف المتورطة في ممارسة العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات. وجاء هذا الإعلان خلال التقرير السنوي السابع عشر الذي قدمته براميلا باتن، الممثلة الخاصة للأمين العام، مؤكدة وجود أنماط موثوقة من الانتهاكات الممنهجة.

وشمل الإدراج الرسمي عدة أذرع أمنية إسرائيلية، على رأسها الجيش الإسرائيلي ومصلحة السجون، بالإضافة إلى وحدات النخبة مثل وحدة ‘كيتر’ الخاصة ووحدة ‘يمام’ التابعة للشرطة. واستند القرار إلى معلومات استخباراتية وحقوقية تشير إلى استمرار أنماط الاغتصاب وأشكال العنف الجنسي الأخرى كأداة للتعذيب والإذلال ضد الفلسطينيين.

وأوضحت مصادر أممية أن هذه الجهات كانت تحت المراقبة في التقرير السابق، إلا أن استمرار الانتهاكات ومنع وصول فرق الرصد الدولية عجّل بقرار الإدراج الرسمي هذا العام. وأكدت باتن أن غياب التعاون الإسرائيلي لم يمنع المنظمة من الوصول إلى حقائق صادمة حول ما يجري خلف جدران مراكز الاحتجاز والحواجز العسكرية.

وتمكنت الفرق الأممية خلال عام 2025 من التحقق من 31 حالة عنف جنسي مباشرة نُسبت للقوات الإسرائيلية، استهدفت فئات متنوعة شملت 14 رجلاً و7 نساء و10 أطفال من قطاع غزة والضفة الغربية. وتكشف هذه الأرقام عن اتساع نطاق الاستهداف ليشمل القاصرين والرجال، في إطار سياسة تهدف إلى كسر الإرادة الشعبية.

وتضمنت الانتهاكات الموثقة جرائم وحشية شملت الاغتصاب الجماعي، واستخدام أدوات حادة في الاعتداءات الجسدية، فضلاً عن إطلاق النار المباشر الذي استهدف الأعضاء التناسلية للمعتقلين. كما سجل التقرير حالات تفتيش عارٍ قسري وملامسات غير قانونية تمت دون أي مبررات أمنية، مما يصنفها كجرائم حرب بموجب القانون الدولي.

وأشارت الممثلة الأممية إلى أن معظم هذه الجرائم وقعت داخل مراكز الاحتجاز السرية والمعلنة، حيث يتم عزل المعتقلين عن العالم الخارجي ومنعهم من التواصل مع المحامين أو المنظمات الدولية. وأضافت أن هذه الممارسات ليست حوادث فردية، بل تندرج ضمن نمط أوسع من العنف الجنسي المستخدم كشكل من أشكال التعذيب الجسدي والنفسي.

وفيما يتعلق بالموقف الإسرائيلي، أكد التقرير أن السلطات في تل أبيب تواصل إنكار وجود أي نمط منظم للعنف الجنسي، وتدعي أن هذه التقارير تنبع من ‘انحياز مؤسسي’ ضدها. ومع ذلك، لم تقدم الحكومة الإسرائيلية أي أدلة على إجراء تحقيقات شفافة أو ملاحقات قضائية بحق الجنود المتورطين في هذه الجرائم الموثقة.

القيود المفروضة على وصول موظفي الأمم المتحدة ومراقبي حقوق الإنسان ما زالت تعيق بشكل كبير عملية التوثيق والتحقق من الانتهاكات.

وتطرق التقرير إلى قضية معتقل ‘سديه تيمان’ الشهيرة، حيث أشار إلى أن المدعي العسكري الإسرائيلي قام بإسقاط تهم العنف الجنسي من لائحة الاتهام النهائية رغم خطورة الأدلة. واعتبرت الأمم المتحدة أن الاحتجاجات السياسية التي شارك فيها أعضاء كنيست لدعم الجنود المتهمين تعكس ثقافة الإفلات من العقاب السائدة في المؤسسة الإسرائيلية.

وعلى صعيد آخر، بررت براميلا باتن عدم زيارتها لقطاع غزة حتى الآن بالتقييمات الأمنية الصارمة الصادرة عن إدارة الأمم المتحدة للسلامة والأمن، رغم تلقيها دعوات رسمية من الجانب الفلسطيني. وأكدت أن الوصول إلى غزة كان شرطاً أساسياً في مفاوضاتها، لكن الظروف الميدانية حالت دون إتمام المهمة في الوقت الراهن.

ورداً على تساؤلات حول تأخر توثيق الحالات الفلسطينية مقارنة بغيرها، أوضحت باتن أن مكتبها يلتزم بالولايات التي يحددها مجلس الأمن الدولي، وأن القيود الميدانية تعيق التوثيق الفوري. وأشارت إلى أن العديد من الضحايا لا يتمكنون من الإدلاء بشهاداتهم إلا بعد الإفراج عنهم وخروجهم من قبضة الاحتلال.

ولم يقتصر التقرير على إسرائيل، بل شمل أيضاً القوات المسلحة والروسية وأجهزة أمنها، حيث تم توثيق 310 حالات عنف جنسي ارتكبت بحق أسرى حرب ومدنيين أوكرانيين. وشملت الانتهاكات الروسية الصدمات الكهربائية والتشويه الجنسي، مما يعكس تزايد استخدام هذه الجرائم في النزاعات الدولية الكبرى.

وكشف التقرير عن أرقام مفزعة على المستوى العالمي، حيث سجل عام 2025 أكثر من 9 آلاف حالة عنف جنسي مرتبط بالنزاعات في 21 دولة مختلفة. ويمثل هذا الرقم زيادة بنسبة 100% عن العام السابق، مما يدق ناقوس الخطر حول انهيار المعايير الإنسانية في مناطق الصراع حول العالم.

وفي ختام المؤتمر، شددت باتن على أن إدراج أي طرف في هذه القائمة يهدف إلى الضغط الدولي من أجل اتخاذ إجراءات تصحيحية ووقف الانتهاكات فوراً. وأكدت أن الأمم المتحدة ستواصل رصد الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة رغم محاولات الترهيب أو المنع التي تمارسها سلطات الاحتلال ضد طواقمها.

وتواجه إسرائيل حالياً ضغوطاً قانونية ودبلوماسية متزايدة، حيث يضعها هذا التقرير في مصاف الدول والمنظمات الأكثر انتهاكاً لحقوق الإنسان في العالم. ويفتح هذا الإدراج الباب أمام ملاحقات قانونية دولية جديدة قد تطال القيادات العسكرية والسياسية المسؤولة عن توفير الغطاء لهذه الممارسات.




احتجاجات فلسطينية توقف ودية أيرلندا وقطر ومطالبات بعزل الاحتلال رياضياً

تحولت المباراة الودية التي جمعت بين منتخبي أيرلندا وقطر في العاصمة دبلن إلى منصة كبرى للتضامن مع القضية الفلسطينية، حيث شهد ملعب ‘أفيفا’ سلسلة من الاحتجاجات الجماهيرية التي أدت إلى توقف اللقاء مؤقتاً. ورفعت الجماهير الأيرلندية الأعلام الفلسطينية بكثافة في المدرجات، تزامناً مع هتافات تطالب بعزل منتخبات الاحتلال عن المسابقات الرياضية الدولية رداً على الجرائم المستمرة بحق الشعب الفلسطيني.

وفي خطوة احتجاجية لافتة، ألقى المشجعون كرات تنس تحمل ألوان العلم الفلسطيني إلى داخل المستطيل الأخضر، مما أجبر طاقم التحكيم على إيقاف اللعب في مناسبتين مختلفتين لإخلاء الملعب. ورغم الأجواء المشحونة بالرسائل السياسية والإنسانية، استكملت المباراة لتنتهي بفوز المنتخب الأيرلندي بهدف نظيف، في إطار تحضيرات المنتخب القطري لخوض غمار بطولة كأس العالم المقبلة.

وتأتي هذه التحركات الشعبية في وقت يزداد فيه الضغط على الاتحاد الأيرلندي لكرة القدم لاتخاذ موقف حاسم تجاه المباريات المقبلة في دوري الأمم الأوروبية. ومن المقرر أن يلتقي المنتخب الأيرلندي مع منتخب الاحتلال في مواجهتين خلال شهري سبتمبر وأكتوبر المقبلين، وهو ما يثير موجة من الرفض في الأوساط الرياضية والسياسية الأيرلندية التي ترى في هذه اللقاءات تبييضاً لصورة الاحتلال.

من جانبه، أعرب جيمي ماكغراث، لاعب خط وسط المنتخب الأيرلندي، عن تفهمه لموقف الجماهير، مؤكداً في تصريحات صحفية أن للمشجعين كامل الحق في التعبير عن آرائهم بطريقة سلمية. وحذر ماكغراث من تصاعد هذه الاحتجاجات في الأشهر القادمة، مشيراً إلى أن اللاعبين قد يجدون أنفسهم في قلب هذا السجال السياسي المعقد إذا لم تتوصل السلطات الرياضية العليا إلى حلول جذرية.

الجماهير لها الحق في التعبير سلمياً ويجب الاستماع إليهم.. نأمل أن تتوصل السلطات العليا إلى حل للصالح العام.

وعلى الصعيد المؤسسي، كشفت مصادر أن الحراك الأيرلندي تجاوز المدرجات ليصل إلى أروقة الاتحاد المحلي، حيث صوتت أغلبية ساحقة بلغت 93% من الأعضاء لصالح مشروع قرار يضغط على الاتحاد الأوروبي لكرة القدم ‘يويفا’. ويهدف هذا القرار إلى تجميد عضوية اتحاد الاحتلال وطرده من كافة المسابقات القارية، أسوة بالقرارات التي اتخذت بحق دول أخرى في سياقات مشابهة.

وفي سياق متصل، انضم عدد من اللاعبين الأيرلنديين البارزين إلى حملات ثقافية وجماهيرية تدعو صراحة إلى مقاطعة اللعب ضد فرق الاحتلال، متجاهلين تحذيرات الاتحاد الأوروبي من فرض عقوبات تأديبية. وتعكس هذه المواقف عمق التعاطف الشعبي الأيرلندي التاريخي مع فلسطين، والذي بات يترجم الآن إلى خطوات عملية تهدف إلى فرض عزلة رياضية شاملة على منظومة الاحتلال.

بدورها، نظمت حملة التضامن الأيرلندية الفلسطينية وقفات احتجاجية أمام البرلمان في دبلن لتأكيد المطلب الشعبي بالمقاطعة، بينما دخل مدرب المنتخب هيمير هالغيريمسون على خط النقاش. وطالب هالغيريمسون لاعبيه بالتركيز على تحقيق الانتصارات الرياضية في المواجهات القادمة، معتبراً أن التفوق في الملعب يمثل جزءاً من الرد على التحديات الراهنة التي تحيط بهذه اللقاءات المثيرة للجدل.




قوات الاحتلال تقتحم الخضر جنوب بيت لحم