1

الأسرى الفلسطينيون… حين تُختبر العدالة في ظل القيد

رانية مرجية‬

كاتب عمود

ليست قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي ملفًا إنسانيًا عابرًا، بل هي أحد أكثر الاختبارات وضوحًا لمفهوم العدالة حين يُنزع من سياقه الأخلاقي ويُترك تحت هيمنة القوة.
فما يجري خلف الجدران لا يمكن قراءته كأرقام أو لوائح، بل كحياة بشرية تُدار خارج الحد الأدنى من شروط العدالة التي يُفترض أنها عالمية.
في جوهرها، قضية الأسرى تكشف أن الحرية ليست قيمة نظرية، بل ممارسة يومية تُختبر حين تُسلب، وأن العدالة ليست شعارًا يُرفع، بل معيار يُقاس بمدى حماية الإنسان حتى في لحظات ضعفه.
الاعتقال هنا لا يقتصر على سلب الجسد حريته، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة السيطرة على الزمن والوعي والذاكرة.
لكن التجربة الفلسطينية في الأسر، الممتدة عبر عقود، تُظهر أن هذا الهدف يبقى دائمًا غير مكتمل، لأن الإنسان، حتى حين يُحاصر بالكامل، لا يفقد قدرته على إنتاج المعنى.
فالأسير الفلسطيني لا يتحول إلى رقم، ولا إلى حالة صامتة داخل النظام، بل يبقى فعلًا مستمرًا للرفض، وشاهدًا على أن محاولات الإلغاء تصطدم دائمًا بحدود الوعي الإنساني.
الجدران قد تُغلق المساحة، لكنها لا تُغلق الفكرة.
وفي المقابل، لا تنفصل هذه التجربة عن الخارج.
فالعائلات الفلسطينية، وفي مقدمتها الأمهات، تعيش حالة امتداد دائم لهذا القيد، حيث يتحول الانتظار إلى شكل من أشكال الوجود اليومي، قائم على يقين بأن الغياب ليس نهاية، بل حالة مؤقتة مهما طال الزمن.
هذا البعد الإنساني يجعل قضية الأسرى تتجاوز بعدها القانوني والسياسي، لتصبح سؤالًا أوسع عن قدرة أي نظام على الادعاء بالعدالة، في ظل استمرار احتجاز آلاف البشر خارج شروطها الأساسية.
وفي النهاية، تطرح قضية الأسرى سؤالًا لا يمكن تجاهله:
كيف يمكن للحرية أن تُقيَّد إلى هذا الحد، ومع ذلك تبقى حاضرة كاحتمال لا يُلغى؟
إن استمرار هذا الواقع لا يعيد فقط إنتاج الألم، بل يعيد فتح سؤال العدالة نفسه، لا بوصفه نقاشًا نظريًا، بل بوصفه اختبارًا يوميًا لمعناه الحقيقي.




أحفاد النكبة الذين كبروا في ضيقها حتى اختنقوا

في مخيمات بلاطة والعين وعسكر بشقيه القديم والجديد، لا تكبر البيوت كما تكبر مدينة نابلس، بل تتكاثر كما تتكاثر الأحزان.

هي مخيمات لا يولد فيها الأطفال وفي ذاكرتهم مشهد البحر، ولا يعرفون كيف تبدو البيارات التي بكى أجدادهم عليها طويلا، ولا يملكون من فلسطين التاريخية سوى أسماء تتكرر في أحاديث الجدات كصلوات قديمة.

لاجئون يكبرون مثقلين بشيء لم يروه قط، يجدون أنفسهم في غرفة فوق غرفة، وسقف يعلو سقفا، حتى صار المخيم يشبه قلبا فلسطينيا قديما، ضاق بكل ما فيه من الفقد ولم يمت.

هنا، لا أحد يرى السماء كاملة، إنما أجزاء غير منتظمة منها.

في مخيم بلاطة شرق نابلس الأسلاك تعبر السماء كندوب سوداء، والجدران المتقابلة تتنفس في وجوه بعضها من شدة القرب، حتى بدت البيوت وكأنها جاءت لتعتذر لبعضها عن ضيق المكان.

أما الأطفال، أولئك الذين ولدوا بعد النكبة بعقود، فيركضون داخل أزقة لم تعرف يوما معنى الاتساع، ويحفظون أسماء قرى لم يروها، كما يحفظ الأيتام ملامح آبائهم من الصور.

ثمانية وسبعون عاما مرت، والمخيم لا يزال يحاول أن يمد قدميه في مساحة لا تكفي لحزن واحد.

الأجداد الذين خرجوا حاملين مفاتيح البيوت، مات كثير منهم وهم يظنون أن الغياب مؤقت، أما الأحفاد، فقد وُلدوا داخل هذا الغياب نفسه، حتى صار الوطن بالنسبة إليهم حكاية تُروى أكثر مما يُرى، وذاكرة أثقل من أعمارهم الصغيرة.

في زقاق ضيق داخل مخيم بلاطة حيث تكاد الجدران تتكئ على بعضها من شدة التعب، كان الطفل محمد حشاش يركض مع أطفال آخرين خلف كرة مهترئة، كما لو أنه يركض خلف طفولة تحاول النجاة من ضيق المكان.

لم يكن محمد يعرف من فلسطين سوى ما تخبئه جدته في صوتها حين تذكر اسم القرية.

كان يسمع أسماء المدن البعيدة كما يسمع الأطفال أسماء الكواكب، أماكن موجودة لكنها أبعد من أن تُرى.

ولد محمد بعد عقود طويلة من النكبة، لكنه ورثها كما يرث الأطفال لون أعين آبائهم.

محمد الذي يسكن في بيت صغير فوق بيت آخر، في بناية، تشبه المخيم كله، ترتفع إلى الأعلى كلما ضاقت الأرض قال وهو يمسح العرق عن جبينه الصغير.

“نفسي ألعب بملعب كبير، ملعب ما يكون فيه حيطان قريبة”.

وفي الطابق الرابع من بناية إسمنتية متعبة داخل مخيم عسكر القديم، كان الطفل آدم يقف قرب نافذة صغيرة بالكاد يدخل منها الضوء.

أزاح الستارة قليلا، ثم مد رأسه نحو الخارج محاولا أن يرى السماء كاملة، لكنه لم يستطع، 

فالبيوت هنا متقابلة أكثر مما ينبغي، حتى إن الجيران يستطيعون سماع سعالك قبل أن تشرح لهم أنك مريض.

قال آدم وهو يحدق بين الأسطح المكتظة “نفسي أشوف الغروب مرة بدون بنايات”.

كان في العاشرة من عمره، لكنه يتحدث أحيانا كمن كبر أسرع مما يجب.

جدته، لا تتعب من الحديث عن القرية، تقول إن بيتهم القديم في يافا كان له فناء واسع، وإن الريح كانت تدخل من النوافذ دون استئذان، وإن الأطفال كانوا يركضون حتى يتعب النهار منهم.

أما آدم، فلم يعرف من الاتساع سوى الحكايات.

حين ينتهي من واجباته المدرسية، يصعد إلى السطح.

هناك فقط يشعر أن الهواء أقل اختناقا قليلا.

وفي مخيم عسكر الجديد، لا يحتاج الطفل كريم عامر إلى ساعة ليعرف أن الوقت تجاوز منتصف الليل.

هناك علامة واحدة تكفي، صوت آليات الاحتلال وهي تدخل المخيم ببطء ثقيل، كأن الليل نفسه صار يرتدي خوذة عسكرية.

يقول كريم، اقتحامات يومية، أغلب الأحيان تحدث ليلا، لكن حتى النهار لم يعد آمنا فالاقتحامات في كل هذا الضيق لا تتوقف.

كان كريم يجلس على درج إسمنتي قديم أمام المنزل، يراقب أطفال الحارة وهم يركضون بين الأزقة الضيقة، لم يكن يتحدث كثيرا في البداية، لكنه حين سألنها عن أكثر شيء يكرهه، رفع عينيه سريعا وقال “الاقتحامات”.

ثم صمت قليلا، كأنه يحاول أن يشرح شيئا صار أكبر من الكلمات.

قال “إحنا هون بنعرف الجيش من الصوت… حتى قبل ما يوصل”

يضيف “إحنا حفظنا كل الأصوات”.

يعرف صوت الرصاص، وصوت قنابل الغاز، وحتى صوت الجيب العسكري حين يصعد من الشارع القريب.

أشياء لا يفترض بطفل أن يحفظها، لكنها أصبحت جزءا من حياته اليومية.وهكذا، بينما يواصل الكبار عد السنوات منذ النكبة، يبدو أن أطفال المخيمات لا يعدون سوى أشياء أصغر بكثير، عدد الاقتحامات هذا الأسبوع، عدد المرات التي استيقظوا فيها ليلا على أصوات الرصاص.

ثمانية وسبعون عاما مرّت، لكن المخيمات لم تكبر نحو الحياة، بل نحو المزيد من الضيق.




فوتوغرافيا : مريم آل علي .. الكائنات الصغيرة هي الأجمل

مريم آل علي .. الكائنات الصغيرة هي الأجمل

فوتوغرافيا

مريم آل علي .. الكائنات الصغيرة هي الأجمل

عيناها تلتقطان التفاصيل الصغيرة التي لا تلفت انتباه أغلب العيون ! تأسرها كواليس المشهد والأسرار المُختبئة خلفه ! إنها المصورة الإماراتية “مريم آل علي” التي نشأت على حب الطبيعة وارتباطها العميق بمراقبة مخلوقاتها منذ طفولتها، فترجمت هذا الشغف بالتوجّه لتصوير الحشرات والكائنات الصغيرة والمتناهية الصِغر، ومع الوقت وظَّفت حواسها البصرية في التقاط جَمَاليات هذه المخلوقات بألوانها الزاهية وسلوكياتها المثيرة للاهتمام، وحُسن التصرّف مع سرعة الاختفاء التي تُميّز هذه الكائنات.

ثقافة العدسة قادتها لتوسيع زاوية الرؤية نحو دور الكائنات الصغيرة الجميلة في التوازن البيئي، الأمر الذي عزَّز دافعيتها لرفع صوتها الفني بشكل أقوى وأكثر تأثيراً. من يتابع مريم على منصات التواصل الاجتماعي يلمس مجهودها الواضح والمُتقن في التعبير عن طبيعة الكائن وسلوكه وجَمَاليات تكوينه، بالإضافة للعديد من المعلومات التوعوية الدقيقة التي تُعرّف الجمهور بأنه غير مخيفٍ أو مؤذٍ للناس، بل هناك العديد من الفوائد التي يُقدّمها لبيئته ! ومن هنا شعرت مريم بزخم تأثير العدسة على موقف الجمهور من هذه الكائنات، وبالفعل أعلن الكثيرون عن تغيّر موقفهم تجاهها وتعهّدهم بعدم إيذائها.

تعمل مريم بجدية على لعب أدوار علمية هامة في منظومة “التنوّع البيولوجي” لدولة الإمارات من خلال عدستها وأبحاثها عن كائناتها المفضّلة وأدوارهم البيئية المختلفة وخرائط وجودهم دولياً واحتمالات وجود أنواع محلية غير مُكتشفة من قبل. الهدف القادم لمريم، والذي تعمل عليه منذ 3 سنوات، هو تصوير عنكبوت “بنت المطر” النادر، والذي يخرج من باطن الأرض لفترات قصيرة جداً، وتُؤكّد بكل هدوء وصبر أنها ستصل لهدفها هذا قريباً.

فلاش

مريم نموذج مُلهِم لمعادلة “البدايات الصغيرة الواثقة تؤدي لنتائج مؤثرة وعظيمة”

جائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم الدولية للتصوير الضوئي

www.hipa.ae